تاريخ الثورة الروسية .. 3 – دور الفرد في التاريخ

0
67

يقول تروتسكي في نهاية فصل “إعادة تسليح الحزب” الذي يدرس فيه أهمية الدور الحاسم الذي لعبه لينين عندما أعاد توجيه الحزب الذي كان يسير قبل قدوم لينين على سياسة دعم حكومة الأمير لفوف المؤقتة مع نقدها: “ترى كيف كان سيجري تطور الثورة لو لم يستطع لينين الوصول إلى روسيا في أبريل (نيسان) 1917؟”. من المؤكد أنه لم يكن هناك شخص آخر غير لينين قادر على تصحيح خط الحزب البلشفي خلال عدة أسابيع، مع أنه لم يكن يحظى في الأيام الأولى إلا بتأييد حفنة صغيرة من الرجال مثل ألكسندرا كوللونتاي، وجاليجسكي وعدد محدود من كوادر بتروغراد.

ويجيب تروتسكي على سؤاله بنفسه فيقول:

“لم يكن لينين خالق التطور الثوري، ولكنه انتظم في سلسلة القوى الإيجابية فكان حلقة كبيرة في هذه السلسلة، وجاءت ديكتاتورية البروليتارية من الوضع كله ولكنه كان من الضروري توجيهها، وكانت إقامتها متعذرة دون وجود الحزب. ولم يكن الحزب قادرًا على تنفيذ مهمته دون فهمها. ولهذا، فقد كان لينين في تلك الفترة ضروريًّا لا غنًى عنه (…) ولم تترك الثورة بين لينين والمنشفية أي مكان لمواقف وسطية. وكان الصراع الداخلي في قلب الحزب البلشفي أمرًا محتومًا لا يمكن تلافيه.

“ولقد عجَّل قدوم لينين بتطور الأمور. وساعد تأثيره الشخصي على تقصير مدة الأزمة. فهل يمكننا أن نقول بكل تأكيد أنه كان بوسع الحزب أن يجد سبيله بلا لينين؟ إننا لا نستطيع تقديم مثل هذا التأكيد أبدًا. والوقت هنا عامل حاسم، ويتعذر النظر إلى ساعة التاريخ بعد وقوع الأحداث. وليس بين المادية الجدلية والقدرية أي تشابه أو تقارب. ولو لم يكن لينين موجودًا لأخذت الأزمة الناجمة عن تصرفات القيادة الانتهازية شكلاً أكثر حِدَّة وأشد طُولاً. بَيْد أن ظروف الحرب والثورة كانت تضغط على الحزب، ولا تترك له فترة طويلة ينفذ فيها مهمته؛ ولذا فقد كان من المحتمل أن يخسر الحزب التائه المنقسم الوضع الثوري ويفقد الفرصة الملائمة خلال عدة سنوات. وهكذا يبدو لنا دور العامل الشخصي بحجم ضخم إلى حد بعيد. ولكن علينا أن نفهم حقيقة هذا الدور، وذلك باعتبار العامل الشخصي كحلقة واحدة في السلسلة التاريخية”…

ويؤكد دويتشر في فصل “الثوري المؤرخ” (1) عددًا من النقاط بقوله: “وهذا استنتاج يثير دهشة أي ماركسي… فبالنسبة لهذه النقطة الخاصة نجد أن وجهات نظر تروتسكي المؤرخ متأثرة تأثرًا كليًّا بتجربة تروتسكي رئيس المعارضة المغلوب على أمره، وبحالته الفكرية. ومن المؤكد أنه ما كان قبل ممارسته لعمله السياسي الطويل ليعبر عن وجهة نظر تعارض التقاليد الفكرية الماركسية”. ثم ينتقل دويتشر إلى دراسة “التقاليد الفكرية الماركسية” على ضوء كتاب بليخانوف “دور الفرد في التاريخ”، ويأخذ من هذا الكتاب بعض الحجج؛ فيؤكد عدم عقلانية الافتراض القائل بأن “سقوط قرميدة واحدة من فوق أحد أسطح المنازل في زوريخ في بداية عام 1917 كان كافيًا لتبديل مصائر الإنسانية في هذا القرن”، ويكشف تناقض تروتسكي بالنسبة لهذه النقطة، ويستنتج أن الفكرة التي يقدمها تروتسكي هنا هي فكرة نابعة من الظروف. ويرى أن تروتسكي اعتبر نفسه عند فجر خلق الأممية الرابعة وكأنه لينين عام 1917، الذي لا يمكن الاستعاضة عنه؛ “لقد كان بحاجة لأن يحس بأنه الرئيس (لينين في عام 1917، أو هو في الثلاثينات والأربعينات) شخص لا يُمكن الاستعاضة عنه، واستمد من هذا الإيمان القوة اللازمة لجهوده البطولية التي بذلها في وحدته…”.

وتتسم فكرة بليخانوف بالبساطة ككل فكرة آلية، وهي تخلو من التناقض الداخلي الذي تتصف به الأفكار الدياليكتية التي تحاول رسم التناقضات الخاصة بالعلاقات بين العالم الخارجي والوعي بغية السعي لحلها. ويقول بليخانوف: “وللأفراد غالبًا تأثير كبير على مصير المجتمع، ولكن هذا التأثير محدد بالبنية الداخلية لهذا المجتمع، ووضعه بالنسبة للمجتمعات الأخرى. ولا يمكن لهذا التأثير تحديد المسار الذي تأخذه الأحداث. إن بوسعه أن يحرفها في لحظة من اللحظات، أو يؤخرها أو يزيد من سرعتها” فلنفترض أن روبسبيير كان في حزبه شخصًا لا يمكن الاستغناء عنه (…)، ولكن لو أنه مات في يناير (كانون الثاني) 1873 من جراء سقوط قطعة قرميد على رأسه مثلاً، لأخذ شخص آخر مكانه دون شك، ولسارت الأحداث في الاتجاه نفسه، حتى لو كان هذا الشخص الجديد أقل من روبسبيير في كل شيء (…). ولو أن رصاصة قتلت بونابرت في معركة أركول لجاء جنرالات آخرون وفعلوا ما فعله في حملاته الإيطالية وغيرها… إلخ”، وينطبق القول نفسه على 18 برومير وما تلاه: فقد كانت إعادة استتباب النظام بحاجة “لسيف جيد”. وكان المرشحون للعب هذا الدور كثيرين، وكان وصول أحدهم إلى هذا المنصب يعني بالضرورة سعيه إلى ضرب الآخرين دون رحمة، وتدمير شخصية القائد المحتمل الكامنة فيهم. والخلاصة: يستطيع الأشخاص المُهمون بفضل خصائصهم وفكرهم وروحهم تعديل الشكل الخاص بالأحداث، ونتائجها الجزئية ولكنهم عاجزون عن تبديل الاتجاه العام المحدد من قِبل قوًى أُخرى”.

وتبدو فكرة بليخانوف هذه متماسكة. وهي تستند إلى رؤية التاريخ مبنية كتسلسل خارجي منسجم، ناجم عن تشابك الأسباب والأفعال التي يشكل مجموعها سلسلة منطقية. ولكن تروتسكي يهتم بلحظات الأزمة التي يبدأ فيها الصراع بين طبقة صاعدة، وطبقة منحدرة لم تستنفذ كل إمكاناتها التاريخية بعد، وهذا ما يجعل نتيجة الصراع غامضة خلال فترة محددة من الزمن. ويرى بليخانوف أن الوظيفة تخلق العضو: فإذا كانت الطبقة بحاجة إلى توجيه سياسي، وقائد فذ، انبثق عنها هذا التوجيه وذاك القائد. وقد تتبدل المدد اللازمة ليتم هذا الأمر، ولكن تبدلاتها عاجزة عن تعديل مسيرة الأشياء بشكل عميق.

ويرفض تروتسكي هذه الفكرة عندما يقول: “والوقت هنا عامل حاسم”؛ فالفترات الزمنية أساسية، والقائد الذي يفهمها ويوجهها أساسي أيضًا. لقد أخطأ دويتشر -وحطَّم هذا الخطأ كل حجته- عندما أكَّد بأن تروتسكي طرح هذه المُعضلة في 1930، ليضخم حجم نفسه. والحقيقة أن تروتسكي طرح هذه الفكرة للمرة الأولى في عام 1924 بعد فشل الثورة الألمانية، التي فسر فشلها بتردد قيادة الحزب الشيوعي الألماني وتخاذلها. وشرح ذلك في مقدمة الجزء الثالث من مؤلفاته الكاملة “دروس أكتوبر“: “لقد كان من المحتمل أن تتعرض الثورة للانهيار لو لم يلجأ لينين إلى الحزب ليقف معه ضد اللجنة المركزية (…) ولكن كافة الأحزاب لا يسعفها الحظ بوجود لينين عندما تقف إزاء وضع مشابه (…) ولا تتزايد قوة أي حزب ثوري إلا إلى درجة محددة، وبعدها قد تتعرض هذه القوة إلى التناقص والاضمحلال. وإذا ما أحست الجماهير بسلبية الحزب انقلبت آمالها إلى خيبة. ويتخلص العدو في هذه اللحظة من هلعه ويستفيد من هذه الخيبة. ولقد شهدنا مثل هذا التحول في ألمانيا خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1923. ووصلت روسيا إلى حافة منعطف مشابه في خريف عام 1917. ولو انتظرنا عدة أسابيع لوقع التحول السلبي. وكان لينين محقًا عندما قال: “الآن أو أبدًا”.

ويريد بليخانوف ودويتشر التأكيد على أن الوهم هو الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الرجل العظيم شخص لا يمكن الاستغناء عنه، لأن وصوله إلى المنصب دفعه إلى إبعاد كل المنافسين المحتملين. ولكن أليس من الوهم أيضًا الحكم مسبقًا على الثورات المجهضة أو الاعتقاد بأن الثورات الظافرة تتم دونما عناء؟! إن مثل هذا التصرف يعني قلب التكتيك والإستراتيجية إلى لعبة ظلال لا معنى لها في مسيرة التاريخ التي ستمضي قُدمًا بكل خيلاء دون أن يوقفها أي شيء. لقد كانت هذه الفكرة من صلب أفكار المنشفي بليخانوف. ولكن البلاشفة رفضوا منذ عام 1903 كل ما يتعلق بقدرية السبب. فلا يستطيع أن يفعل ما يريد وحيثما يريد وفي اللحظة التي يختارها. كما أنهم رفضوا مغريات التطوعية التي تؤدي بالثوري إلى خداع نفسه حول حقيقة قوته.

إن هذه العلاقة بين “القائد” الثوري والتاريخ علاقة متناقضة، ولقد عبر تروتسكي عن هذا الأمر بشكل متناقض؛ إذ أعلن في 5 إبريل (نيسان) 1923 -أي قبل الثورة الألمانية الفاشلة- أمام المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الأوكراني ما يلي: “إننا نعلم دون شك، بأن الطبقة العمالية ستنتصر بفضل قواها. وتقول أحد أناشيدنا الوطنية: “ليس هناك منقذ أعلى” أو “بطل” أعلى… وهذا صحيح. ولكنه صحيح إذا ما أُخذ على مستوى الحساب التاريخي النهائي؛ إذ ستنتصر الطبقة العُمالية في نهاية المطاف، وكان بوسعها أن تنتصر حتى لو لم يظهر كارل ماركس إلى الوجود، وحتى لو لم يكن هناك أوليانوف – لينين. ولكان بمقدورها أن تضع الأفكار التي تحتاجها، والأساليب اللازمة لها. ولكن من المؤكد أن هذا العمل كان سيحتاج لوقت أطول”. ولكن هذا التفاؤل بعفوية الجماهير أمر لا ينسجم مع خط: ما العمل؟ ولعل الظروف السائدة آنذاك قد أدَّت إلى المبالغة به. فقد كان لينين مجبرًا على الصمت منذ شهر كامل. وكان من الضروري إعادة الثقة لكوادر الحزب المضطرب. وفي مارس (آذار) 1935 كتب تروتسكي في مذكراته: “ولو لم يكن لينين في بطرسبورغ أو لم أكن هناك، لما وقعت ثورة أكتوبر (تشرين الأول)، ولمنعت قيادة الحزب البلشفي اندلاعها”، وبعد عدة أشهر: أي في نوفمبر (تشرين الثاني) 1935، أكد تروتسكي في مقال عنوانه: “لماذا انتصر ستالين على المعارضة؟” ما يلي: “ويختلف الماركسيون عن القدريين السطحيين (من أمثال: ليون بلوم، وبول فور، وغيرهما) في أنهم لا ينكرون أبدًا دور الفرد، وبداهته، وجرأته في الصراع الاجتماعي (…)، إن دور القيادة كبير جدًا. ولا تستطيع البروليتاريا تحقيق النصر دون قيادة صحيحة، ولكن أفضل القيادات عاجزة عن إشعال نار الثورة إذا لم تكن الظروف الموضوعية للثورة متوفرة”. ولكنه يذهب إلى الطرف الآخر من مسار النواس عندما يعتمد على هذا المقال ليضع فصل: “لماذا انتصر ستالين؟” في كتاب “الثورة المشوهة”، فيقول: “وتؤثر صفات القادة على نتيجة المعارك، ولكنها لا تشكل العامل الوحيد أو العامل الحاسم، ويحتاج كل معسكر من المعسكرين المتجابهين لقادة يتلاءمون مع الصورة التي يحددانها (…)، ولم ينتصر البلاشفة على الديمقراطية البرجوازية الصغيرة بفضل روعة قادتهم، بل بفضل انقلاب موازين القوى، بعد أن استطاعت البروليتاريا جر الفلاحين المتذمرين للوقوف معها ضد البرجوازية”.

إن هذا التناوب في الأهمية النسبية التي يحتلها الموضوعي، والذاتي، والوعي، والقوى الاقتصادية والاجتماعية، يعكس غموض وتعقيد دور القيادة و”الزعيم” الثوري؛ إذ ينحدر الزعيم أو القيادة إلى العجز الكامل عندما لا تقدم الظروف لهما إمكانية العمل، أو أنهما يقفان لحظة قصيرة عند مفترق طرق تاريخي، وفي وضع يستطيعان معه توجيه القوى الجماهيرية العمياء إذا ما تمتعا ببعد النظر والجرأة الضروريين. ولا تستطيع الوظيفة دائمًا خلق العضو، وقد ينبثق العضو بصورة مبكرة أو متأخرة، وتؤدي الفترات الزمنية الإضافية المفروضة على التاريخ إلى خلق كائنات مشوهة. ويتحدث تروتسكي في بداية هذا الفصل بصورة مطوَّلة، ويبدو أنه يقلص التناقض الحقيقي إلى حده الأدنى عندما يقول: “وجاءت ديكتاتورية البروليتاريا من الوضع كله، ولكنه كان من الضروري توجيهها. ولم تكن إقامة الديكتاتورية ممكنة من غير حزب. ولم يكن الحزب قادرًا على تنفيذ مهمته إلا بعد فهمها واستيعابها، ولهذا فقد كان وجود لينين أمرًا لا غنًى عنه”. وتكشف الثورة خلال مسيرتها قادة وزعماء ما كانت قيمتهم لتسمو بهم عن مستوى الحياة العادية لولا اندلاع الثورة، ولكن الثورة لا تخلق هؤلاء القادة من العدم. وهي لا تستطيع تحويل كامنييف إلى لينين، أو قلب شخص عادي إلى إله قادر على كل شيء. وقد تكفي الضرورة الاجتماعية إلى خلق أمين عام، ولكن كما يظهر القادة الثوريون في بعض الحالات بصورة مبكرة، فإن هناك حالات تمر فيها الأزمات الثورية دون أن ينبثق عنها القائد أو القادة القادرون على حل هذه الأزمات وصنع التاريخ.

للإطلاع على الجزء االثاني من المادّة، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. 2- تروتسكي المؤرّخ