تاريخ الثورة الروسية.. 4- دراسة أو سرد زمني

0
753

أما شارل أوليفييه كاربونيل، صاحب آخر كتاب ظهر عن الثورة الروسية (وقال عنه مؤلفه “بأنه مخصص للجماهير العريضة”) فهو يتعرض عند الحديث عن مراجع كتابه، إلى الحديث عن كتاب تروتسكي فيقول: “إنه كتاب يثير الاهتمام ولكنه مفعم بالهَوى. وغامض مضطرب بقدر ما هو رائع؛ فهو مليء بسرد زمني غير مؤكد، واستشهادات غير مشروحة في أغلب الأحيان، واعتبارات فلسفية – تاريخية” يثقلها أسلوب غامض، وتقنية ماركسية مزيفة، وشطحات الملاحم وأشعار الفخر التي تشبه شطحات ميشليه، ومرافعة ماهرة لمنفي يستخدم التاريخ سلاحًا ضد الستالينية”.

ولنعد إلى أقوال كاربونيل، إنه يتحدث عن سرد زمني غير مؤكد.

ومع هذا فإننا لا نجد في كتاب تروتسكي الذي يبلغ 1100 صفحة خطيئة واحدة. رغم أن الوقوع في الخطأ لم يكن مستحيلاً، فنحن نعرف أنه عندما شهدت بتروغراد اجتماع المشتركين بثورة أكتوبر في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1920، أي بعد الثورة بثلاث سنوات، بغية استعادة الذكريات، تبين عجز جميع الحاضرين، بما فيهم تروتسكي، عن تحديد تواريخ أهم الأحداث، ولو بصورة تقريبية يصل الخطأ فيها إلى عدة أسابيع… ومع هذا فقد كان تسلسل الأحداث حسب تاريخ تروتسكي صحيحًا لا غبار عليه. ولكن تروتسكي لم يضع جدولاً زمنيًّا لأحداث الثورة (فهذا الجدول الزمني موجود أصلاً، ولقد ظهر في الاتحاد السوفييتي في الفترة الواقعة بين عام 1923 وعام 1930). ولا يسير سرده على خط مستقيم، وقد يخدع القارئ الذي اعتاد على قراءة الكتب المدرسية. ولا يهتم تروتسكي بتسلسل الأحداث الزمني كتسلسل صحيح للأحداث، ولكنه يهتم به كوسيلة لكشف العلاقات العقلانية التي تحدد التتابع الزمني للمشاهد والنوايا، ونضوج الوعي، والحالة الفكرية التي تتمتع بها الجماهير البروليتارية والفلاحين والجنود. وهكذا فإن أهم التواريخ لا تُشكل في حد ذاتها شيئًا أساسيًّا.

وفي كتاب تروتسكي خطيئة واحدة فِعلية تتمتع ببعض الأهمية. وتقع هذه الخطيئة في فصل اللجنة العسكرية الثورية الذي تحدث عنه: ب. د. وولف في دراسته النقدية الهامة؛ فقال بأنه فصل “لا مثيل له في كل ما كتب حول هذا الموضوع”. ويدّعي تروتسكي في هذا الفصل أنه كان رئيس اللجنة العسكرية الثورية، مع أن هذا الأمر لم يحدث قط. وعُذر تروتسكي في هذا الادعاء هو أن المشتركين في اجتماع 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1920، ومن بينهم ميخونوشين، وهو واحد من أهم أعضاء اللجنة العسكرية الثورية وأكثرهم فعالية، لم يتذكروا من كان يحتل منصب الرئيس آنذاك، ورأوا بأن هذا المنصب كان من حق تروتسكي. ولم يكن تروتسكي يمتلك مصنفات اللجنة العسكرية الثورية المحفوظة في الخزائن المقفلة. ولكن نشر هذه المصنفات في عام 1966 – 1967 كشف بأن رئيس اللجنة العسكرية الثورية كان آنذاك: الاشتراكي الثوري – اليساري لازيمير الذي احتل هذا المنصب من 13 حتى 27 أكتوبر (تشرين الأول)، ثم حل محله بردفويسكي. وتدل قراءة المصنفات على أن اسم الرئيس كان على رأس قائمة الأسماء. ولقد جاءت التواقيع حسب التسلسل التالي: لازيمير، بردفويسكي، ميخونوشين، سادوفسكي، سكرايبنيك، سفردلوف، أوريتسكي. ويقول ناشرو وثائق اللجنة العسكرية الثورية: “إن تحديد المسئوليات في اللجنة العسكرية الثورية لا يتمتع كما يبدو إلا بصفة شكلية (…) ولقد جاء توقيع الرئيس وأمين السر في بداية تواقيع أعضاء اللجنة العسكرية الثورية. وكانت القيادة في هذه اللجنة جماعية”. ولقد كان الدور الأهم داخل هذه القيادة الجماعية من حظ تروتسكي، رئيس سوفييت بتروغراد، والقائد الفعلي للجنة العسكرية الثورية.

وهكذا لم يكن كتاب تروتسكي مجرد تسلسل زمني للأحداث، كما لم يكن كتابًا وضعه المؤلف ليمجد نفسه. وهو لا يقدم نفسه في الكتاب كبطل. ولكنه يحاول الظهور كمساعد للينين منذ عام 1917، ويختفي خلف لينين سياسيًّا، مقللاً بذلك من قيمة دوره الحقيقي. لقد كان كتاب “حياتي” ملحمة تروتسكي، أما “تاريخ الثورة الروسية” فهو ملحمة البروليتاريا الروسية، وعمال بتروغراد، وبحارة البلطيق، والبلشفية، بالإضافة إلى أنه ملحمة لينين المرسومة عبر هؤلاء جميعًا.

ولكن تروتسكي لم ينج مع ذلك من الاتهام بالتحيز؛ ويقول ب. د. وولف: “ويستطيع قلم تروتسكي الإقناع في بعض الأحيان، ولكنه متحيز بصورة مستمرة”. وهو يتهم تروتسكي “بأنه لم يكشف حقائق المهزومين”. ويذهب أندرزيج ستاوار في هذا المجال إلى مدًى أبعد فيقول: “وإننا لنرى منذ الصفحات الأولى أن المؤرخ يتخلى عن مكانه لرجل السياسة الذي يدافع عن مفاهيمه ضد خصومه، ويشرح طبيعة هذه المفاهيم لأنصاره (…) إن عمله عبارة عن محاولة لاستبدال الأسطورة الرسمية الستالينية التي يهاجمها بكل بلاغة بأسطورة أخرى ذات أهداف تكتيكية (…) ويصنع تروتسكي أسطورة جديدة لا تمتاز كثيرًا عن أسطورة خصومه”.

ولا يقصد ستاوار هنا “أسطورة” كتبها تروتسكي عن نفسه (فهو يعتبر أن تروتسكي “نسي بتواضع يثير الاستغراب التحدث عن صعود نجمه بسرعة بالغة” في عام 1917) ولكنه يقصد دون شك “أسطورة” أفكار تروتسكي ومفاهيمه التي يرفضها ويستغرب وجودها في هذا الكتاب. والحقيقة أن نقد ستاوار متبجح متعثر؛ (إذ تمتلئ دراسته بجُمل من نوع “بشكل جد مبسط”، و”بشكل على غاية من الضيق”، و”مبسط إلى درجة بعيدة” التي تكشف أكاديميته الشكلية الجامدة). ويستند هذا النقد إلى مفهوم تاريخي ينقل مخططات ثورة عام 1789 ليطبقها على ثورة عام 1917:، ويرى ستاوار أن تاريخ الثورة الروسية من فبراير (شباط) إلى أكتوبر (تشرين الأول) لم يكن سوى صراع بين “اليعاقبة والجيرونديين (…) معركة بين جناح اليعاقبة ومجموعة الجيرونديين”. حقًا إن من المستغرب الاستناد إلى التشابهات القديمة التي مضى عليها أكثر من 150 عامًا بغية انتقاد التشابهات التي أشار إليها تروتسكي بين 1917 و1930. ومع ذلك فهذا هو الأساس العام للانتقادات التي ترى في “تاريخ الثورة الروسية” مناورة كبيرة قام بها تروتسكي ليبرر تصرفاته ويعزز موقفه التاريخي.

للإطلاع على الجزء االثالث من المادّة، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. 3 – دور الفرد في التاريخ