تاريخ الثورة الروسية.. من الذي قاد انتفاضة فبراير (شباط)

0
198

هناك كثير من المحامين والصحفيين المنتمين إلى الطبقات التي أضِيرت من قِبل الثورة، ولقد بدد هؤلاء فيما بعد كثيرًا من الحِبر ليبرهنوا على أنه لم يحدث في فبراير (شباط) إلا شغب قامت به النساء وعززته فتنة قام بها الجنود. بهذا الشكل قدم البعض الثورة لنا. وقد تصور لويس السادس عشر أيضًا، أيام حكمه، أن الاستيلاء على الباستيل كان نتيجة تمرد، ولكن المقربين إليه فسروا له باحترام أن هذا العمل عمل ثوري. ونادرًا ما يكون الخاسرون في ثورة من الثورات ميَّالين إلى الاعتراف لها باسمها الشرعي، لأن هذا الاسم، برغم كل جهود الرجعيين الساخطين يتخذ في الذاكرة التاريخية للبشرية هالة تحرر من القيود القديمة والأحكام السابقة. وقد حاول أصحاب الامتيازات وأتباعهم في كل الأزمان تصوير الثورة التي أسقطتهم كثورة مختلفة عن الثورات السابقة، وكفتنة واضطراب من اضطرابات وفتن الرِعاع والسُوقة. وهم يرون أن الطبقات التي تبقيها الثورة لا تتميز بروح الإبداع.

وبعد 27 فبراير (شباط) حاول البعض إجراء مقارنات بين الثورة الروسية والانقلاب العسكري الذي قام به الأتراك – الشبان، ذلك الانقلاب الذي حلمت الدوائر العليا البرجوازية الروسية بقيام مثله في روسيا. وكانت محاولة تشبيه الحدثين ببعضهما ضعيفة الإقناع، حتى أن إحدى الصحف البرجوازية رفضت هذه المقارنة رفضًا كاملاً. وقد كتب توغان – بارانوفسكي، وهو اقتصادي كان قد درس في شبابه أعمال ماركس، كتب بتاريخ 10 مارس (آذار) في صحيفة بيرجيفييه فيديموستي ما يلي:

“كانت الثورة التركية انتفاضة ظافرة للجيش، أعدها ونفذها قادة الجيش. ولم يكن الجنود في هذه الانتفاضة سوى مُنَفذين طيِّعين لمخططات ضباطهم. وفي الثورة الروسية كان الأمر على العكس؛ إذ سار جنود أفواج الحرس التي قوَّضت عرش روسيا في 27 فبراير (شباط) دون ضباطهم… فلم يكن الجيش هو الذي شن العصيان، وإنما العمال. ولم يذهب إلى مجلس دوما الإمبراطورية جنرالات بل جنود. ودعم الجنود العمال لا لكي ينفذوا أوامر ضباطهم، ولكن لأنهم كانوا يحسون بدم العُمال يجري في عروقهم، كطبقة عمالية مثلهم. ويشكل الفلاحون والعمال الطبقتين الاجتماعيتين اللتين صنعتا الثورة الروسية”.

ولو حاولت تعديل هذه التدابير أو تتميمها لما وجدت أفضل منها؛ فقد أثبتت هذه التعابير تطور الثورة فيما بعد وعزَّزت معناها بما فيه الكفاية.

وفي بتروغراد، كان آخر يوم من أيام فبراير (شباط) هو اليوم الأول الذي تلا النصر، يوم حماس، وعناق، انهمرت فيه دموع الفرح والمُكاشفات الودية الطويلة، ولكنه أيضًا كان اليوم الذي وجهت فيه آخر الطلقات ضد العدو؛ حيث كانت طلقات البنادق تلعلع في الشوارع. ويحكي أن فراعنة بروتوبوبوف الذين لم يعلموا بعد بانتصار الشعب، قد تابعوا إطلاق النار من أعلى الأسطحة. ومن الأسفل كان الثوار يطلقون النار نحو الأعالي ونحو الكُوي والأجراس؛ حيث كانوا يتخيلون رؤية أشباح القيصر المسلحين. وتم في الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم احتلال الأميرالية، التي اختفى فيها آخر رجال سلطة الدولة السابقة. وقامت بعض التنظيمات الثورية، وبعض المجموعات التي تم تأليفها بارتجال بعمليات اعتقال في المدينة. كما تم الاستيلاء على سجن قلعة شلوسلبورغ دون قتال. وكانت الأفواج الجديدة في العاصمة والضواحي تعلن انضمامها في كل لحظة للثورة.

ولم يكن قلب النظام في موسكو سوى صدى لانتفاضة بتروغراد. ولو أنعمنا النظر لوجدنا اتفاقًا في وجهات النظر بين العمال والجنود، بالرغم من ضعف التعبير عنها لدى البعض منهم. واتخذت البرجوازية بعض المواقف اليسارية. وكان ضعف التنظيمات الثورية واضحًا جدًا في بتروغراد. وعندما بدأت الأحداث على النييفا، تشاور المثقفون الراديكاليون في موسكو عما ينبغي عمله. فلم يتوصلوا إلى أي حل. وفي 27 فبراير (شباط) فقط انفجرت الإضرابات في مصانع موسكو، وتلتها المظاهرات. وكان الضباط يقولون للجنود في الثكنات إن الرعاع يثيرون الفتن في الشوارع ومن الواجب قمعهم. ويقول الجندي شيشيلين: “ولكن جنودنا -منذ هذه اللحظة- أعطوا لكلمة “الرعاع” معنًى مخالفًا تمامًا! وفي الساعة الثانية بعد الظهر، قدم عدد من الجنود، ينتمون إلى مختلف الأفواج، إلى مجلس الدوما البلدي يحاولون التفتيش عن وسيلة للانضمام إلى الثورة. وفي اليوم التالي توسع الإضراب وامتد. وتقدمت الجماهير تحمل أعلامها واتجهت إلى الدوما. وقاد مورالوف أول مفرزة متينة وانضباطية من القطعات التي اتجهت إلى الدوما، واحتلت محطة الإذاعة وبعض المخافر. ومورالوف هذا جندي من سرية السيارات، وبلشفي قديم، وخبير زراعي، وعملاق شهم يتمتع بكثير من الصفات. وقد قاد مورالوف منطقة موسكو العسكرية بعد ثمانية أشهر من قيام الثورة.

وفتحت أبواب السجون. وأطلق مورالوف ذاته سراح مجموعة من المسجونين، ونقلهم بإحدى سيارات النقل. وسأله معاون مفوض الشرطة، بعد أن أدَّى التحية للثورة عما إذا كان من الواجب إطلاق سراح اليهود. وما أن أطلق سراح دزيرجينسكي حتى توجه بألبسة السجن إلى مجلس الدوما؛ حيث كان العمل يجري لتشكيل مجلس السوفييتات وألقى خطابًا. وقص المدفعي دوروفييف فيما بعد كيف قدم عمال متجر سيو للحلويات أنفسهم إلى ثكنة لواء المدفعية في أول مارس (آذار) وكيف دخلوها وهم يحملون الأعلام الحمراء وتآخوا مع الجنود، وكيف لم يستطع بعضهم أن يمنع نفسه من البكاء في غمرة الفرح. وقد أطلقت بعض الطلقات النارية من كمين، ولكن لم تحدث بصورة عامة صدامات مسلحة، كما لم يقع ضحايا، وكانت بتروغراد تصمد من أجل موسكو.

وفي عدد من مدن المناطق، لم تبدأ حركة الانتفاضة إلا في الأول من مارس (آذار)؛ حيث كانت الثورة قد تحققت في موسكو. وفي تغير تظاهر العمال في شوارع المدينة، بعد أن امتنعوا عن العمل خلال هذه الفترة، وكانت الجماهير ما تزال تغني المارسيلييز لا نشيد الأممية. وفي نيجني توفوغورود، تجمع ألوف من الرجال أمام مبنى البلدية. وكانت مباني البلدية قد تحولت في معظم المدن إلى “قصر توريد” آخر، أي إلى مقر لهيئة أركان الثورة. وبعد أن ألقى عمدة المدينة خطابًا حماسيًّا تحرك العمال، وهم يحملون أعلامهم الحمراء، وأطلقوا سراح الموقوفين السياسيين. ومن أصل 21 مجندًا كانوا يشكلون حامية المدينة، وصل ثمانية عشر منهم قبل أن يعرفوا بما حدث، وانضموا إلى الثورة بصورة عفوية. وفي سامارا وساراتوف انعقدت الاجتماعات. وتشكلت سوفييتات المندوبين. وفي خاركوف صعد رئيس الشرطة -بعد أن أتيح له الوقت للاستعلام من المحطة عن الأحداث- على متن إحدى السيارات أمام الجمع الهائج إلى حد كبير ورفع قبعته، وصاح بأعلى صوته، وبكل ما تسعفه به رئتاه قائلاً: “فلتعش الثورة! هورا!” وتلقت إيكاتيرينوسلاف الخبر من خاركوف وسار على رأس المظاهرة معاون رئيس الشرطة وهو يمسك بيده مقبض حسامه الكبير، في الوضعية النظامية للاستعراضات التي كانت تجري في مناسبات الأعياد الإمبراطورية، وبدأ الموظفون ينتزعون صور القياصرة من كل المؤسسات العامة عندما عرفوا أن الملكية لن تقوم لها قائمة نهائيًّا، وذلك احتياطًا وتحفظًا. وأخذوا يضعونها في العلالي. وسرت النوادر المختلفة، التي تتهكم على الثورة سواء أكانت حقيقية أو خيالية. وتناقلت الدوائر الليبرالية التي لم تفقد بعد روح الدعابة هذه النوادر. أما العمال فكانوا كجنود الحاميات يعيشون الأحداث بصورة مختلفة.

أما فيما يتعلق بما حدث في عدد من المدن الأخرى (بسكوف، أوريل ريبينسك، بينزا، قازان، تساريتسين …إلخ) فإن مجموعة الوقائع والأخبار تشير بتاريخ 2 مارس (آذار) إلى ما يلي: “علمنا بأن السلطة قد تقوضت، وأن الشعب انضم للثورة.”

وفي الأرياف أتت الأخبار من المدن المجاورة، كما جاء بعضها من السلطات، ولكن الأخبار وصلت أساسًا من الأسواق ومن العمال، ومن الجنود المجازين. واستقبلت القُرى الحدث الثوري برد فعل أقل بطئًا وحماسًا من رد فعل المدينة، ولكنه لم يكن أقل عمقًا، ورأت القرية علاقة الثورة بالحرب ومسألة الأرض.

وليس من المبالغة القول بأن بتروغراد حققت ثورة فبراير (شباط) لوحدها؛ حيث لم تفعل بقية البلاد شيئًا سوى الانضمام إليها. ولم تقع معركة إلا في بتروغراد. ولم تكن هناك مجموعات شعبية وأحزاب ومؤسسات أو قوات عسكرية وقفت للدفاع عن النظام القديم في كل البلاد عدا بتروغراد. ويظهر هذا إلى أي حد كانت محاكمات الرجعيين المتأخرة ضعيفة الأساس، تلك المحاكمات التي تقول لو أن خيالة الحرس وُجدت في بتروغراد، أو لو أن إيفانوف استدعى لواء موثوقًا من الجبهة، لتغير مصير الملكية. فلو فعل إيفانوف ذلك لما وجد في الجبهة ولا في المؤخرات لواءً أو فوجًا واحدًا مستعدًا للقتال من أجل نيقولا الثاني.

وقد تم تقويض السلطة ببديهة وبقوى مدينة كانت تشكل تقريبًا جزءًا من 75 جزءًا من سكان البلاد. وبوسعنا بعد هذا أن نقول: إن أكبر الأعمال الديمقراطية قد تحققت بطريقة غير ديمقراطية، ووضعت البلاد كلها أمام الأمر الواقع. وإذا كانت قيادة الثورة قد فكرت بإقامة مجلس تأسيس، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئًا، لأن التمثيل الوطني وطرق استدعاء الممثلين الوطنيين تحددها أجهزة تنبعث من انتفاضة بتروغراد الظافرة. وهذا الأسلوب في العمل يلقي نورًا ساطعًا على مسألة وظيفة الأشكال الديمقراطية بصورة عامة، وفي الفترات الثورية، بشكل خاص. وقد وجهت الثورات دومًا ضربات قاسية للتأليه القانوني “للإدارة الشعبية” وكانت هذه الضربات قاسية لا ترحم كلما كانت الثورات أعمق، وأجرأ وأكثر ديمقراطية.

وغالبًا ما قيل، وبصورة خاصة فيما يتعلق بالثورة الفرنسية الكبرى، إن المركزية الهائلة للنظام الملكي سمحت فيما بعد للعاصمة الثورية بأن تفكر وأن تعمل باسم البلاد كلها. إن هذا التفسير تفسير مصطنع ولا شك، فإذا كانت الثورة تعبر عن اتجاهات مركزية، فإنها تعمل، لا تقليدًا للملكية المفوضة، وإنما تعمل بسبب المطالب التي لا مفر منها لبناء مجتمع جديد والتي لا يمكن أن تعتبر مطالب إقليمية أبدًا. فإذا لعبت العاصمة في ثورة من الثورات دورًا حيويًّا بمثل هذه القوة، وجسدت إلى حد ما إرادة الشعب، فذلك لأنها تعبر بصورة أقوى عن الاتجاهات الأساسية للمجتمع الجديد تلك الاتجاهات التي دفعتها إلى تحقيق هدفها. وتعتبر المناطق عادة خطوات العاصمة صادرة عن نواياها الخاصة، ولكن هذه النوايا تحولت إلى عمل ثوري. فالمبادرات التي تقوم بها المراكز والعواصم لا تسيء إلى الديمقراطية، بل هي التحقيق الديناميكي لتلك الديمقراطية. ومع ذلك فإن إيقاع هذه الديناميكية، في الثورات الكبرى، لم يتناسب أبدًا مع إيقاع الديمقراطية الصورية والتمثيلية. وتنضم المنطقة عادة إلى أعمال المركز ولكنها تنضم متأخرة. وبسبب سرعة تطور الأحداث في ثورة من الثورات، تصاب البرلمانية الثورية بعدد من الأزمات الخطيرة التي لا يُمكن حلها بالطرق الديمقراطية. وفي كل الثورات الحقيقية حطم التمثيل الوطني رأسه بصورة حتمية، واصطدم بالديناميكية الثورية التي كانت العاصمة بؤرتها الرئيسية. ولقد كان الوضع على هذه الشاكلة في إنكلترا خلال القرن السابع عشر، وكان الوضع هكذا أيضًا في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، وفي روسيا خلال القرن العشرين. ولا يتحدد دور العاصمة بتقاليد المركزية البيروقراطية، بل يتحدد بوضع الطبقة الحاكمة الثورية، التي تتجمع طليعتها وتحتشد في العاصمة، وينطبق هذا القول على البرجوازية وعلى البروليتاريا أيضًا.

وعندما استتب انتصار فبراير (شباط) بصورة متينة، اهتم الجميع بإحصاء الضحايا؛ حيث قدر عدد هؤلاء الضحايا في بتروغراد بـ1443 قتيلاً وجريحًا، من بينهم 869 عسكريًّا، كان بينهم 60 ضابطًا. وتعتبر أرقام الضحايا صغيرة جدًا إذا ما قورنت بعدد الرجال الذين سقطوا في أية معركة من معارك الحرب الكبرى. وهكذا أعلنت الصحافة الليبرالية أن ثورة فبراير (شباط) لم تكن دموية. وفي أيام الانفتاح والصفاء والعفو المتبادل بين الأحزاب الوطنية
لا يحاول أحد إعادة سرد الحقيقة وتقصيها من جديد. فقد كتب ألبرت توماس الذي كان دومًا صديق المنتصر، وصديق كل انتفاضة ظافرة أيضًا، كتب في تلك الفترة أن الثورة تبدت له “مشرقة تمامًا وحافلة بالبُشرى، وخالية من كل إراقة للدماء!”. ومما لا شك فيه أنه كان يأمل أن تبقى الثورة تحت أوامر بورصة باريس. ولكن ألبرت توماس لم يخترع تراب الثورة كي يحدد له المصير الذي يراه مناسبًا له. ومنذ زمن، وبتاريخ 27 يونيو (حزيران) 1789 صاح ميرابو قائلاً ما يلي: “أية سعادة تغمر الإنسان عندما يرى هذه الثورة الكبرى تتحقق دون حاجة إلى القتل الجماعي، ودون ذرف للدموع!.. إن التاريخ لم يحدثنا كثيرًا إلا عن أعمال الوحوش المفترسة… وبوسعنا الآن أن نترك تاريخ الوحوش لنبدأ في كتابة التاريخ الإنساني”. وعندما تشكلت الدول الثلاث في جمعية وطنية، كتب أجداد ألبرت توماس ما يلي: “انتهت الثورة، دون أن تكلف قطرة دم”. وينبغي أن نعترف بأنه لم يحدث فعلاً أية إراقة للدماء في هذه الفترة. ولكن حدث ما هو مخالف تمامًا في أيام فبراير (شباط). ومع ذلك، دعم الكُتاب والمؤرخون بعناد أسطورة الثورة غير الدموية، متجاوبين مع المطلب الذي قدمه البورجوازيون الليبراليون في تمثيل الوقائع وكما لو أن السلطة قد سقطت بين أيديهم من تلقاء ذاتها.

فإذا لم تستثن ثورة فبراير استثناء تامًا من إراقة الدماء فإننا لن نستطيع مع ذلك إلا أن نبقى مذهولين إزاء العدد الصغير من الضحايا الذين سقطوا سواء في وقت الانتفاضة أو في الفترة الأولى التي تلتها. فقد تمت في هذه الفترة تسوية الحسابات بعد الاضطهاد، والإعدامات، والإذلال، وبعد المعاملة الدنيئة التي تعرضت لها الجماهير الشعبية الروسية منذ قرون! وانبرى البحَّارة والجنود في كل مكان يسوون حساباتهم مع أسوأ جلاديهم، ومع ضباطهم. ومع كل هذا، كان عدد الأعمال الانتقامية التي ارتكبوها تافهة جدًا في البدء، بالمقارنة مع كمية الإهانات الدموية التي تعرضوا لها في الماضي. ولم تتخلص الجماهير من طيبة قلبها إلا فيما بعد، عندما لاحظت أن الطبقات الحاكمة تحاول استعادة الأرض في كل مكان، واستغلال الثورة التي لم تصنعها، وعندما لاحظت الجماهير أيضًا أن تلك الطبقة الحاكمة تمتلك أموالاً لم تبذل شيئًا من أجل امتلاكها.

لقد كان توغان – بارانوفسكي على حق عندما قال إن ثورة فبراير (شباط) كانت من صُنع العُمال والفلاحين الذين مثلهم الجنود في الثورة.. ومع ذلك بقي هناك سؤال ضخم هو: من الذي قاد الانتفاضة إذن؟ ومن الذي أعدَّ العمال وحضَّرهم؟ ومن الذي جرَّ الجنود وقادهم في الشارع؟ لقد أصبحت هذه الأسئلة بعد الانتصار هدفًا لصراع الأحزاب. وأبسط جواب على هذه الأسئلة هو في هذه الصيغة الشاملة: لم يقُد أحد الثورة، فقد انفجرت لوحدها. ولم تكن نظرية “القوى الأولية” أفضل من غيرها من النظريات ملاءمة لهؤلاء الأسياد الذين قادوا بالأمس بهدوء، وحكموا، واتهموا، ودافعوا، وتاجروا، أو أمروا، والذين يتعجلون الآن الانضمام إلى الثورة، لم تكن هذه النظرية أفضل ملاءمة لهؤلاء فحسب، بل إنها كانت ملائمة لعدد من السياسيين المحترفين، والثوريين السابقين الراغبين بالاعتقاد بأنهم لم يتصرفوا بصورة مخالفة للآخرين، بعد أن ناموا نومًا طويلاً أثناء الثورة.

وقد تحدث الجنرال دينيكين القائد العام السابق للجيش الأبيض في كتابه الغريب: (تاريخ الاضطرابات في روسيا)، عن يوم 27 فبراير (شباط) فقال ما يلي: “في هذا اليوم الحاسم، لم يكن هناك قادة، بل كان هناك عناصر ثائرة وهائجة. ولم يكن من الممكن في مسار هذا اليوم العاصف، التمييز بين هدف، وخطة، وشعارات”. ولم يقدم ميليوكوف المؤرخ الفقيه أكثر من الجنرال المُولع بالخربشة على الورق. وكان الزعيم الليبرالي يقدم حتى حدوث الانتفاضة كل فكرة ثورية على أنها فكرة لقنتها هيئة الأركان العامة الألمانية وأوحت بها. ولكن الوضع تعقد بعد الانتفاضة التي حملت الليبراليين إلى السلطة. منذ ذلك الوقت، لم تعد مهمة ميليوكوف التجريح بالثورة عن طريق ربطها بمبادرة ظهرت من أسرة الهوهنزولرن، بل على العكس أصبحت مهمته أن لا يترك للثوريين شرف المبادءة.

وتبنت الليبرالية نظرية الطابع الأولي واللا شخصي للانتفاضة تبنيًا تامًّا. وانتسب ميليوكوف إلى ستانكيفيتش نصف – الليبرالي، ونصف الاشتراكي، وصاحب المحاضرات، والذي كان لفترة من الفترات مفوَّضًا للحكومة في القيادة العامة للقوات المسلحة. وقد كتب ستانكيفيتش عن أيام فبراير (شباط) ما يلي: “تحركت الجماهير من تلقاء ذاتها، مطيعة لنداء داخلي ولا شعوري…  فما هو الشعار الذي تحرك الجنود على أساسه؟ وما الذي قادهم عندما استولوا على بتروغراد، وعندما أحرقوا قصر العدل؟ لم تقدم فكرة سياسية، ولا شعار ثوري ولا مؤامرة ولا شغب، بل قادتهم حركة القوى الأولية التي حولت كل النظام القديم فجأة إلى رماد دون أن تترك له أثرًا” وتتخذ القوة الأولية هنا طابعًا صوفيًّا.

ويقدم ستانكيفيتش ذاته حكمًا ذا قيمة كبرى حينما يقول: “في نهاية يناير (كانون الثاني)، أتيحت لي فرصة اللقاء بكرنسكي في حلقة ضيقة من الأصدقاء الحميمين، واتفق الجميع على رفض اندلاع انتفاضة شعبية وجاء الرفض من خوفهم أن تقع حركة الجماهير في قبضة التيارات المتطرفة، وأن تخلق بهذا الشكل صعوبات كبرى للمسئولين في إدارة الحرب”. وكانت آراء الدائرة الكرنسكية لا تختلف أبدًا في جوهرها عن آراء الكاديت. إذن فالمبادرة لا يمكن أن تخرج من هنا.

وقد قال زينوفييف ممثل الحزب الاشتراكي – الثوري: “لقد وقعت الثورة كصاعقة من سماء ليس فيها سحب”. ثم استطرد قائلاً: “لنكن صريحين: لقد حدثت الثورة كمفاجأة كبرى ومفرحة لنا أيضًا، نحن الثوريين، الذين عملنا خلال سنوات طويلة منتظرين حدوثها بفارغ الصبر”.

ولم يقدم المناشفة الثورة بصورة أفضل. وقد ذكر صحفي تابع للهجرة البرجوازية اللقاء الذي جري بينه وبين سكوبوليف -الذي أصبح فيما بعد وزيرًا في الحكومة المؤقتة- بتاريخ 24 فبراير (شباط)، قال الصحفي ما يلي: “صرح لي هذا الاشتراكي – الديموقراطي، أحد زعماء الحركة بأن الفوضى تتحول الآن إلى تخريب بحيث أصبح من الضروري قمعها. ولكن هذا لم يمنع سكوبوليف، بعد شهر، من الادعاء بأنه صنع الثورة مع أصدقائه”. فالألوان هنا ثقيلة جدًا. ولكن موقف الاشتراكيين – الديموقراطيين المناشفة، تحوَّل هنا في جوهره بطريقة تلائم الحقيقة.

وقد تحدث مستيسلافسكي الذي أصبح فيما بعد أحد زعماء الجناح اليساري للاشتراكيين – الثوريين، وانتقل بعدها إلى صفوف البلاشفة، فقال عن ثورة فبراير (شباط) ما يلي: “لقد فاجأتنا الثورة، نحن أيضًا رجال الحزب، الذين كنا نستغرق في النوم كعذارى الإنجيل المجنونات”. ولا يهم هنا تشبيه هؤلاء الرجال بالعذارى إلى حد ما. ولكنهم كانوا نائمين بالفعل.

ولكن ماذا حدث للبلاشفة؟ إننا نعرف جزءًا مما حدث لهم. كان الزعماء الرئيسيون للتنظيمات البلشفية السرية في بتروغراد مؤلفين من ثلاثة أشخاص هم: العاملان القديمان شليابنيكوف وزالوتسكي، والتلميذ القديم مولوتوف. كان شليابنيكوف الذي عاش مدة طويلة في الخارج وارتبط ارتباطًا وثيقًا بلينين، أنضج سياسيًّا من زميليه وأكثرهم نشاطًا في مكتب اللجنة المركزية التي يشكلونها. ومع ذلك فإن ذكريات شليابنيكوف نفسه تؤكد بصورة أفضل من أي شيء آخر بأن الثلاثي لم يكن على مستوى الأحداث أبدًا. وكان الزعماء يتصورون حتى الساعة الأخيرة بأن ما يقومون به ليس إلا تظاهرة ثورية من بين التظاهرات الأخرى، ولم يكونوا يتصورونه انتفاضة مسلحة. ويؤكد كييوروف، الذي أشرنا إليه، وهو أحد زعماء ناحية فيبورغ، ما يلي: “كنا لا نحس بوصول أي أمر توجيهي من مراكز الحزب… كانت لجنة بتروغراد مسجونة، وكان الرفيق شليابنيكوف، ممثل اللجنة المركزية عاجزًا عن إعطاء توجيهات اليوم الثاني”.

وكان ضعف التنظيمات السرية ناجمًا بصورة مباشرة عن مناورات السحق البوليسية التي أعطت للحكومة ميزات استثنائية أمام الرأي العام الوطني في مطلع الحرب. ويميل كل تنظيم وكل تنظيم ثوري أيضًا إلى البقاء خلف قاعدته الاجتماعية. ولم تكن التنظيمات السرية للبلاشفة، في بداية عام 1917، قد قامت على قدميها بعد عملية سحقها وتفتيتها، في حين، كان المناخ الوطني لدى الجماهير يتخذ مكانه فجأة بدلاً عن السخط الثوري.

ولكي نتمثل بصورة أوضح الوضع في مجال القيادة الثورية، ينبغي أن نتذكر أن الثوريين المسئولين، وزعماء أحزاب اليسار كانوا لاجئين في الخارج، وكان جزء منهم في السجون أو في المنافي. وكلما كان الحزب مخيفًا بالنسبة للنظام القديم، كلما كان يجد نفسه مقطوع الرأس بشدة في بداية الثورة. وكان للشعبيين في الدوما مفرزة يقودها كرنسكي الراديكالي المستقل. أما تشيرنوف الزعيم الرسمي للاشتراكيين – الثوريين فكان لاجئًا في الخارج. وكان للمنافشة في الدوما مفرزة يتزعمها تشخيدزه وسكوبوليف. أما مارتوف فكان لاجئًا، وأما دان وتسيريتلي فكانا منفيين. ويتجمع الشعبيون والمناشفة حول المفارز اليسارية، وهم يشكلون عددًا لا بأس به من المثقفين الاشتراكيين ذوي الماضي الثوري. وكانوا يشكلون في الظاهر هيئة أركان سياسية، لكنها لم تكن قادرة على الظهور إلا بعد النصر. أما البلاشفة فكانوا لا يملكون أية مفرزة في الدوما؛ فقد اعتقلت الحكومة منذ الأشهر الأولى للحرب الممثلين العماليين الخمسة الذين اعتبرتهم السلطات عماد المركز التنظيمي للثورة. وكان لينين مهاجرًا مع زينوفييف. وكان كامنييف منفيًّا، كما كان الزعماء التنفيذيون الذين لم يكونوا معروفين كثيرًا في ذلك الوقت، سفردلوف، ريكوف، ستالين منفيين أيضًا. وكان الاشتراكي – الديموقراطي البولوني دزيرجينسكي الذي لم يكن منتميًا لحزب البلاشفة بعد في السجن. أما الزعماء الذين كانوا موجودين، بالصدفة، لأنهم اعتادوا على العمل تحت قيادة مصرح بها ولا جدوى منها، فقد كانوا لا يعتبرون أنفسهم قادرين على القيام بدور قيادي في الأحداث، كما لا يعتبرهم الآخرون قادرين على ذلك.

ولكن إذا لم يستطع الحزب البلشفي أن يؤمن للثوار قيادة مصرحًا بها، فماذا نقول عن التنظيمات السياسية الأخرى؟ بهذا الشكل تعززت القناعة العامة بحركة القوى الأولية في ثورة فبراير (شباط). ومع ذلك، فإن هذا الرأي خاطئ تمامًا، ولا يتضمن في أفضل الحالات أي محتوى.

ولم تستمر المعركة في العاصمة ساعة أو ساعتين، بل استمرت خمسة أيام. وحاول الزعماء احتواءها. وردت الجماهير على ذلك بدفع جماعي متزايد فتقدمت إلى الأمام. وبوسعنا أن نفترض أن هذه الجماهير كانت تواجه الدولة القديمة التي ما زالت واجهتها التقليدية تخفي قوة هائلة هي قوة البرجوازية الليبرالية، مع دوما الإمبراطورية، واتحاد الزيمستفو والمدن، ولجان الصناعات الحربية، والأكاديميات، والجامعات وصحافة متفرعة. وكانت الجماهير تواجه أخيرًا حزبين اشتراكيين قويين يقاومان الاندفاعة من القاعدة ويعارضانها وطنيًّا. ووجدت الانتفاضة أن الحزب البلشفي هو أقرب التنظيمات إليها، ولكنه تنظيم مقطوع الرأس، ذو كوادر مفككة، وخلايا سرية ضعيفة. ومع ذلك امتدت الثورة التي لم يتوقعها أحد في هذه الأيام. وفي حين كانت الدوائر العليا تؤمن بإمكانية إطفاء الحركة، حصلت الحركة على الانتصار بدفع عنيف وباختلاجات قوية.

فمن أين أتت إذن هذه القوة التي لا مثيل لها في المثابرة والعنف؟ لا يكفي أن نسوق السخط كدليل. فالسخط لا يفسر كل شيء. فمهما فقدت العناصر العمالية في بتروغراد تركيزها خلال الحرب، بسبب اختلاطها مع عناصر جديدة، فإنها تحمل في ذاتها تجربة ثورية كبرى. وكان لدى العمال في مثابرتهم واندفاعهم -بالرغم من افتقارهم للقيادة، وبرغم مقاومتهم من الأعلى- قوة كبيرة ناجمة عن تقدير للقوى، لم يعبروا عنه دومًا، ولكنه تقدير مستند إلى تجربة الحياة، وإلى حساب إستراتيجي عفوي.

وقد سارت العناصر العمالية الثورية مع البلاشفة في عشية الحرب، وقادت الجماهير خلفها. ومنذ بدء الحرب، تبدل الوضع فجأة؛ إذ رفعت الطبقات المحافظة الوسيطة رأسها وقادت خلفها جزءًا هائلاً من الطبقة العمالية. ووجدت العناصر الثورية نفسها معزولة ومضطرة إلى الصمت. وبدأ الوضع بالتحول في بداية الحرب ببطء، ثم تسارع التحول بعد الهزائم حتى غدا أكثر جذرية. وللحق نقول، كان هذا التحول موجودًا في دوائر واسعة، مصبوغة بالوطنية، ولكنها لا تملك شيئًا مشتركًا مع الوطنية المحسوبة والجبانة للطبقات المالكة التي كانت تؤجل حل كل المسائل الداخلية إلى ما بعد النصر؛ لأن الحرب، وضحاياها، وأهوالها، وأعمالها الشائنة دفعت الطبقات العمالية القديمة، كما دفعت الجديدة منها للعمل ضد النظام القيصري بعنف مضاعف، كما دفعتها إلى الاستنتاج التالي: إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر! كان هذا الرأي رأيًا عامًا يصنع تماسك الجماهير ويعطيها قوة كبرى للهجوم.

كان الجيش قد انتفخ، وتضخم بملايين العمال والفلاحين. وكان لكل مواطن أو مواطنة قريب بين صفوف الجيش: ابن، أو زوج، أو أخ، أو قريب، ولم يعد الجيش وسطًا منعزلاً عن الشعب كما كان في السابق. وأصبح من المتعارف عليه وقوع لقاءات بين المواطنين والجنود؛ إذ يرافق المواطنون أقرباءهم من الجنود عندما يذهب هؤلاء إلى الجبهة، ويعيشون حياتهم عندما يأتون لقضاء الأجازات، ويتم تبادل الأحاديث معهم في الشارع، وفي حافلات الترام، وتدور هذه الأحاديث عن الخنادق، ويذهب أقرباؤهم وأصدقاؤهم لرؤيتهم في المستشفيات. وقد أصبحت الأحياء العمالية، والثكنات والجبهة، كما أصبحت القرى كالأوعية المتصلة. وكان العمال يعرفون ما يحس به الجندي وما يفكر فيه. وكانت تتم بينهم أحاديث لا تنتهي عن الحرب وعن الرجال الذين يثرون على حسابها، وعن الجنرالات، وعن الحكومة، وعن القيصر وزوجة القيصر. كان الجندي يقول عن الحرب: “اللعنة!” وكان العامل يجيب متحدثًا عن أعضاء الحكومة: “فلتحل عليهم اللعنة!” وكان الجندي يقول للمواطن: “لماذا تسكتون هنا في المركز؟” فيجيبه العامل قائلاً: “عندما تكون أيدينا فارغة، لا نستطيع أن نفعل شيئًا، ففي عام 1905، اصدمنا بالجيش ولم نكن سعداء بهذا الاصطدام”. ويرد الجندي بعد تفكير: “آه! لو أن الجميع ينتفضون معًا” ويرد العامل عليه قائلاً: “نعم، كلنا جميعًا”. ومثل هذه الأحاديث لم تكن تتم قبل الحرب إلا بين أفراد منعزلين وبصورة سرية. أما الآن، فإنهم يتحدثون بهذا الشكل في كل الأنحاء، وفي كل لحظة، وبصورة شبه مكشوفة في الأحياء العمالية على الأقل.

وكانت الأوخرانا القيصرية تنجح أحيانًا في القيام ببعض عمليات السير الجيدة. وقبل الثورة بخمسة عشر يومًا، قدم جاسوس من بطرسبورغ، كان يوقع إخبارياته بالاسم المستعار (كريستيانينوف) قدم هذا الجاسوس تقريرًا عن حديث سمعه في إحدى حافلات الترام التي كانت تجتاز إحدى الضواحي العمالية. وطبقًا للتقرير، قال أحد الجنود: إن ثمانية جنود من فوجه أرسلوا إلى السجن لأنهم رفضوا في الخريف الماضي أوامر إطلاق النار على عمَّال مصنع نوبل، وأطلقوا النار على الشرطة. وقد جرى هذا الحديث بصورة مكشوفة، نظرًا لأن رجال الشرطة والجواسيس في الأحياء العمالية يفضلون البقاء في الخفاء. وأنهى الجندي الحديث قائلاً: “سنسوي الحساب معهم”. ويستطرد كاتب التقرير قائلاً: “عندها قال أحد العمال: لهذا، ينبغي علينا أن ننظم صفوفنا، لكي نصبح كلنا كرجل واحد. فرد عليه الجندي قائلاً: لا نحتاج إلى عناء في هذا، فقد انتظمنا منذ زمن طويل… لقد شرب رجالنا بعض الدماء، وهم يعانون في الجبهة ويقاسون، ولكننا نحس بأن الناس هنا مصابون بالتُخمة!…” وأنهى الجاسوس تقريره بقوله: “ولم تقع حوادث خاصة 10 فبراير (شباط) 1917. كريستيانينوف.” حقًا إن تقرير الجاسوس عبارة عن ملحمة لا مثيل لها! “لم تقع حوادث خاصة!”، فلقد وقعت هذه الحوادث فيما بعد: وأشار الحديث في حافلة الترام إلى حتمية وقوع هذه الحوادث بعد فترة وشيكة.

وقد أبرز مثل غريب أعطاه مستيسلافسكي الطابع الأولي للانتفاضة وكان هذا المثل يقول: عندما حاول “اتحاد ضباط 27 فبراير (شباط)”، الذي تشكَّل بعد الانتفاضة مباشرة أن يقوم بالتحقيق عن أول من جر فوج “فولهيني” إلى الشارع، وجد أن هناك سبع إفادات تتعلق بسبعة محركين لهذا العمل الحاسم. ونحن نضيف، إلى أنه من المحتمل إلى حد كبير أن جزءًا من المبادرة يعود فعلاً لبعض الجنود. وهذا لا يمنع أن يكون القائد الرئيسي لهذه العملية قد سقط قتيلاً في معارك الشوارع، وحمل معه اسمه ليبقى في عالم المجهول. ولكن الجهل باسمه لا يقلل من القيمة التاريخية لمبادرته المجهولة. وأن ما هو أكثر أهمية أيضًا هو جانب آخر من المشكلة، وهو الجانب الذي خرجنا بواسطته من داخل أسوار الثكنة. لم تكن انتفاضة كتائب الحرس التي أعلنت -وكانت مفاجأة كبرى للدوائر الليبرالية والاشتراكيين القانونيين- لم تكن هذه الانتفاضة غير متوقعة من قِبل العمال. فلو أن العمال لم يثوروا، لما خرج الفوج “الفولهيني” من الثكنة. ولقد تم اللقاء بين العمال والقوزاق، وراقبه أحد المحامين من نافذة منزله فأخبر به أحد النواب فيما بعد بالهاتف، وظهر هذا اللقاء بين الفريقين كمشهد من تطور لا شخصي: فقد التقت جموع المصانع بمجموع الثكنات. ولكنها بدت بشكل آخر مختلف كل الاختلاف لجندي القوزاق الذي تجرأ وغمز أحد العمال بعينه، كما بدت بشكل مختلف أيضًا للعامل الذي قرر فجأة أن القوزاقي “ينظر إليه بعين الرضى”. ويتتابع التداخل الجزيئي للجيش والشعب، بصورة لا تنقطع. وكان العمال يقيسون حرارة الجيش باستمرار، وأحسوا فورًا نتيجة لهذا القياس باقتراب المؤشر من النقطة الحرجة. هذا الإحساس بتصاعد حرارة الجيش هو الذي أعطى لزخم واندفاع الجماهير المؤمنة بالنصر قوة لا تقاوم.

وعلينا أن نذكر هنا الملاحظة المدهشة لأحد الوجهاء الذي حاول إظهار خلاصة ملاحظاته في فبراير (شباط) فقال: “من الشائع أن نقول إن الحركة قد بدأت بانطلاق القوى الأولية، وأن الجنود خرجوا إلى الشارع من تلقاء ذاتهم. وإنني لا أستطيع بأية حال من الأحوال أن أتفق مع أحد حول هذه النقطة. وماذا تعني هذه الكلمة: “أولية”؟… إن “خلق الأشياء من العدم(1)، نظرية لا تتمتع في علم الاجتماع بصحة تفوق صحتها بالنسبة للعلوم الطبيعية. فإذا لم يربط أي قائد ثوري علامته بالحركة، فإن الحركة ستكون مجهولة، دون أن تكون لا شخصية”. وتعزى طريقة طرح المسألة بهذا الشكل، تلك المسألة التي لا يمكن مقارنة دقتها مع ادعاءات ميليوكوف ومزاعمه المتعلقة بعملاء ألمانيا والقوى الدولية في روسيا، تعزى هذه الطريقة وترجع إلى وكيل للقيصر كان نائبًا عندما انفجرت الثورة. وربما كانت التجربة القانونية هي التي سمحت لزافادسكي في الإدراك بأن الانتفاضة الثورية لا يمكن أن تنبعث من توجيهات عملاء لدولة أجنبية ولا من تطور طبيعي لا تتدخل فيه الشخصيات.

ويستشهد المؤلف ذاته بواقعتين سمحتا له بإلقاء نظرة فاحصة على مخبر التطور الثوري، من خلال ثقب في القفل. وفي يوم الجمعة 24 فبراير (شباط)، بينما لم يكن أحد في الدوائر العليا يتوقع قيام انتفاضة بمثل هذه السرعة، ركب النائب الذي كان وكيلاً للقيصر حافلة الترام، ودارت الحافلة فجأة وأحدثت بدورانها ضجة رنَّ على أثرها زجاج الحافلة، الذي تحطم أحد ألواحه، بين شارع ليتييني وشارع مجاور وتوقفت الحافلة. وطلب السائق من كل الركاب النزول وقال لهم: “إن العربة لن تسير إلى مسافة أبعد”. واحتج الركاب وأخذوا يذمون الوضع ولكنهم نزلوا. وكتب النائب المذكور قائلاً ما يلي: “ما زلت أرى وجه السائق، صامتًا، ولكنه يتسم بالتصميم الغامض، وما زلت أذكر رأس الذئب الذي كان يحمله”. وتوقفت حركة حافلات الترام في كل مكان على مرمى النظر. ويبدو أن هذا السائق المصمم الذي كان يوحي للوجيه الليبرالي بصورة “رأس ذئب” يتمتع بوعي لواجبه لأنه تجرأ لوحده على إيقاف عربته المملوءة بالموظفين، في شارع من شوارع بطرسبورغ الإمبراطورية في وقت الحرب. إن أمثال هؤلاء السائقين هم الذين أوقفوا عربة الملكية، وأطلقوا نفس التعبير التي أطلقها سائق حافلة الترام عندما قال: “إن العربة لن تسير إلى مسافة أبعد” وأنزلوا البيروقراطية دون أن يفرقوا بين جنرالات الدرك والنواب الليبراليين، لأنهم على عجلة من أمر الثورة. وكان سائق شارع ليتييني أداة واعية للتاريخ. ولا بُدَّ أنه كان قد تعلم من قبل دروسًا كثيرة.

وأثناء حريق قصر العدل، عبر أحد الحقوقيين الليبراليين، التابعين لعالم النائب القيصري ذاته، عن أسفه لحضوره تدمير مخبر الكشوف القضائية والقضاء على المصنفات المتعلقة بتوثيق العقود. ولكن رجلاً ناضجًا في العمر، مقطب الوجه، يبدو أنه عامل من العمال رد عليه قائلاً وهو يتأفف: “إننا سنعرف كيف نقتسم البيوت والأراضي بدون عقودك ومصنفاتك”. ومن المحتمل أن تكون الواقعة بين العامل والحقوقي قد سويت على نحو أدبي. ولكن عدد هذا الطراز من العمال في سن النضوج والقادرين على إعطاء الرد الضروري لم يكن قليلاً في هذه الجموع الغفيرة. وهم لا شأن لهم بحريق قصر العدل، فما جدوى إحراقه؟ وعلى كل حال فإن مثل هذه الأعمال “المتطرفة” لا يمكن أن ترهبهم. فقد كانوا يسلحون الجماهير، ولا يوحون إليها بالأفكار الضرورية ضد شرطة القيصر فحسب، بل ضد الحقوقيين الليبراليين، الذين كانوا يخشون بصورة خاصة أن تلتهم نار الثورة وثائق عقود التملك. إن هؤلاء القادة المجهولين، وهؤلاء السياسيين القساة في المصنع والشارع لم يسقطوا من السماء، فقد تعلموا وتدربوا من قبل دون شك.

وكانت الأوخرانا التي تسجل أحداث الأيام الأخيرة من فبراير (شباط) تصف الحركة بأنها “أولية”، أي أنها غير موجهة بصورة منهجية من الأعلى، ولكنها أضافت شيئًا جديدًا يقول: “لقد تأثرت البروليتاريا كلها بالدعاية”. وهذا التأكيد صحيح: فقد ميَّز محترفو مقاومة الثورة قبل أن يرسلوا لأشغال حجرات السجن الضيقة المنفردة التي كانت مخصصة للثوريين الذين أخلي سبيلهم، ميز أولئك المحترفون، التطور الحالي أفضل بكثير من تمييز زعماء الليبرالية له.

إن أسطورة “القوى الأولية” لا توضح شيئًا. فلكي تقدر الجماهير الوضع بالضبط، ولكي تحدد لحظة الانتفاضة ضد العدو، كان من الضروري أن تطرح الجماهير، متجسدة بعناصرها القيادية، مطالبها الخاصة إزاء الأحداث التاريخية، وأن تملك معاييرها لكي تضع تقديرها وحسابها. وبعبارات أخرى لم تكن هناك حاجة للجماهير بصورة عامة، بل كانت هناك حاجة لكتلة عمال بتروغراد روسيا كلها، هذه الكتلة التي عانت من ثورة عام 1905، وقامت بالعصيان الموسكوفي الذي تم في ديسمبر (كانون الأول) 1905، ذلك العصيان الذي حطمه فوج الحرس المسمى بفوج “سيمينوفسكي”. وكان من الضروري أن ينتشر وسط هذه الكتلة الجماهيرية عمال فكروا بتجربة عام 1905، ونقدوا الأوهام الدستورية لليبراليين والمناشفة، وهضموا أبعاد الثورة، وتحروا مئات ومئات المرات مسألة الجيش وبحثوها، وراقبوا بانتباه ما يجري في هذا الوسط، وكانوا قادرين على استخلاص استنتاجات ثورية من ملاحظاتهم، ونقل هذه الاستنتاجات إلى الآخرين. وأخيرًا كان من الضروري إيجاد جنود في صفوف الحامية يتمتعون بفكر متقدم، ويحملون آثار الدعاية الثورية.

وفي كل مصنع، وكل مجموعة حرفية، وكل سرية عسكرية، وكل فندق، وفي مستشفيات الجيش، وفي كل معسكر، وحتى في الأرياف المقفرة من السكان، في كل هذه الأماكن يقوم عمل جزيئي دعائي للفكرة الثورية. وكان هناك في كل مكان معلقون على الأحداث، معظمهم من العمال، وكانت العناصر الأخرى تستمد الأخبار وتنتظر الكلمة الضرورية منهم. إن رؤساء الأرتال هؤلاء كانوا متروكين لأنفسهم، وكانوا يكتشفون من تلقاء ذاتهم ومن خلال قراءتهم لما بين سطور الصحف الليبرالية كل ما يحتاجون إليه. وقد ازدادت حدة غريزة الطبقة لديهم بالمعيار السياسي، وإذا كانوا لا يدفعون بكل أفكارهم إلى النهاية، فإن فكرهم كان يعمل باستمرار، وبعناد، وفي الاتجاه ذاته دومًا. وكانت العناصر المجربة، والناقدة، صاحبة المبادءة، تتسلل إلى الجماهير وتشكل الآلية الداخلية للحركة الثورية التي لا يمكن لأية نظرة سطحية أن تدركها مع أنها عناصر حاسمة للحركة الثورية إذا ما اعتبرنا هذه الحركة تطورًا واعيًا.

إن كل ما يحدث في أوساط الجماهير يبدو لسياسي الليبرالية والاشتراكية المدجنة المدعين، تطورًا غريزيًّا كما لو أن هذا التطور يحدث في خلية نحل. والحقيقة، أن الفكر الذي يحضر في أوساط الجمهرة العمالية كان أجرأ بكثير، وكان أكثر حدة وأشد وعيًا من الأفكار الصغيرة التي كانت تتسلى بها الطبقات المثقفة. بل هناك ما هو أفضل: فالفكر العمالي كان أكثر علمية من غيره. ولا يرجع الفضل في ذلك إلى أن الطرق الماركسية قد أخصبته فحسب، ولكنه يرجع قبل كل شيء إلى أنه تغذى بصورة دائمة بالتجربة الحية للجماهير التي دخلت فيما بعد إلى حلبة الثورة.

ويظهر الطابع العلمي للفكرة في مطابقته للتطور الموضوعي وفي قابليته للتأثير على هذا التطور وتنظيم مساره. فهل ترتقي هذه القدرة، حتى في أضيق حد ممكن، إلى عقلية الدوائر الحاكمة، التي يستلهم أعضاؤها قراراتهم من رؤيا القديس يوحنا، ويؤمنون بأحلام راسبوتين ومرئياته؟ أو هل تأسست أفكار الليبرالية المغامرة على أساس علمي، هذه الليبرالية التي كانت تأمل بأن تتمكن روسيا المتخلفة، المشاركة في صراع عمالقة الرأسمالية، من الانتصار والحصول على نظام برلماني في الوقت ذاته؟ أو لربما نتساءل أيضًا هل كانت مفاهيم الدوائر المثقفة علمية، هذه الدوائر التي كانت تخضع بصورة ذليلة لليبرالية متهدمة وعاجزة منذ طفولتها، وتخفي بهذا الشكل استقلالها الوهمي تحت حشو لفظي عفي عليه الزمن منذ مدة طويلة؟ حقًا، إننا هنا في مملكة خمول فكري قوي جدًا، وفي بلاد الأشباح، والخرافات والأوهام، وإذا أردنا أن نكون أكثر صراحة قلنا إننا هنا في مملكة “القوى الأولية”.

وبناء على هذا ألا نملك الحق في إعادة النظر بصورة شاملة في الفلسفة الليبرالية لثورة فبراير (شباط)؟ نعم! إن لنا الحق بأن نقول: في حين كان المجتمع الرسمي -هذه البنية الفوقية المؤلفة من عدة طوابق، والتي تتألف منها الطبقات الحاكمة، بشرائحها المميزة، ومجموعاتها، وأحزابها، وشراذمها- يعيش يومًا بيوم في عطالته وآليته، وهو يتغذى بأفكار مهترئة، ويصم أذنيه عن مطالب الثورة الحتمية، تفتنه الأشباح، ولا يتوقع شيئًا، في حين كان يتم هذا تحققه في أوساط الجماهير العمالية تطور عفوي وعميق يشمل تعاظم الحقد ضد الحكام، وتزايد الحكم النقدي على عجز أولئك الحكام، وتراكم التجربة والوعي الخلاق الذي تأكد في الانتفاضة الثورية وانتصارها.

فإذا ما عدنا إلى السؤال السابق: من الذي قاد إذن انتفاضة فبراير (شباط)؟ أجبنا على هذا السؤال بقولنا: إن الذي قاد انتفاضة فبراير (شباط) عمال وأعون، متمرسون، تدربوا وتعلموا في مدرسة حزب لينين. ولكن علينا أن نضيف أن هذه القيادة حتى ولو كانت كافية لتأمين انتصار الانتفاضة، فإنها لم تكن قادرة على وضع إدارة الثورة، منذ البدء، بين يدي الطليعة البروليتارية.

الهوامش

  • خلق الأمور من العدم “Generation Spontanee” نظرية كانت سائدة قبل باستور وقبل اكتشاف الجراثيم وكانت تقول بإمكانية ولادة الأجسام من لا شيء بفضل قوة الطبيعة، ثم دحضتها الاكتشافات الحديثة التي أكَّدت بأنه ليس هناك ما يأتي من العدم. ولا بُدَّ لكل جسم من أصل يأتي منه. (المعربان).

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية.. خمسة أيام: من 23 إلى 27 فبراير (شباط) 1917