تاريخ الثورة الروسية.. مفارقة ثورة فبراير (شباط)

0
116

لقد انتصرت الانتفاضة، ولكن لمن نقلت الانتفاضة السلطة المنتزعة من الملكية؟ بالرد على هذا السؤال نصل إلى المسألة الرئيسية لثورة فبراير (شباط): كيف انتقلت السلطة فأصبحت بين يدي البرجوازية الليبرالية ولماذا؟

عندما انفجرت الاضطرابات بتاريخ 23 فبراير (شباط)، لم تعلق دوائر الدوما و”المجتمع” البورجوازي عليها أهمية كبيرة، وكان النواب الليبراليون والصحفيون الوطنيون يلتقون كالعادة في الصالونات ويناقشون معًا مسألة تريستا وفييوم، وكانوا يؤكدون من جديد أن روسيا بحاجة ماسة لمضائق الدردنيل. وفي حين كان مرسوم حل الدوما قد وُقع، كانت لجنة برلمانية
ما زالت تدرس بسرعة مرسوم نقل مصالح التموين إلى البلدية. وقبل انتفاضة كتائب الحرس باثنتي عشرة ساعة، كان اتحاد السلافيين يستمع بهدوء إلى تقريره السنوي. وقد كتب أحد المندوبين في هذا الاتحاد ما يلي: “عندما كنت عائدًا على قدمي من هذا الاجتماع تأثرت بالصمت الموحش وبالمظهر المقفر للشوارع التي كانت فيها الحياة في الأوقات العادية”. وهكذا أحاط بالطبقات الحاكمة القديمة فراغ موحش، وقد انقبض قلب ورثتها من هذا الجو القلق.

وبتاريخ 26 أصبح واضحًا للحكومة ولليبراليين أن الحركة جدية. وتم في هذا اليوم بين الوزراء وأعضاء الدوما محاولات توفيقية تستهدف التوصل إلى اتفاق، لم يكشف الليبراليون الستار عنه فيما بعد. وقد صرح بروتوبوبوف في إفادته أن زعماء كتلة الدوما كانوا ما زالوا يطالبون، كالعادة، بتعيين وزراء جدد يتمتعون بالثقة العامة؛ “فربما يهدئ هذا الإجراء الشعب”، ولكن يوم 26 جدد كما نعرف، فترة توقف في تطور الثورة وأحست الحكومة، لعدة ساعات، أنها في وضع أفضل. وعندما قابل رودزيانكو غاليتزين رئيس الوزراء لإقناعه بالاستقالة، أشار رئيس الوزراء إلى مرسوم على طاولة مكتبه ينص على حل مجلس الدوما، كان نيقولا قد وقَّعه، ولكنه ما زال بدون تاريخ. وكان غاليتزين هو الذي وضع التاريخ على هذا المرسوم. فكيف صممت الحكومة على اتخاذ هذه الخطوة في وقت كان فيه زخم الثورة في تزايد مستمر؟ كانت البيروقراطية قد اتخذت قرارها حول هذا الموضوع منذ زمن طويل، وكان قرارها هو التالي: سواء أكُنَّا مع الكتلة أو بدونها، فليس لهذا أهمية كبرى بالنسبة للحركة العمَّالية. وبوسعنا التغلب على هذه الحركة بوسائل أخرى، ولقد تصرفت وزارة الداخلية حتى الآن بصورة جيدة. هكذا تحدث غوريميكين منذ شهر أغسطس (آب) 1915. ومن ناحية أخرى كانت البيروقراطية تعتبر أنه لو انحل الدوما فإنها لن تقوم عندئذ بأية خطوة جريئة. وفي أغسطس (آب) 1915 أيضًا صرح الأمير شتشيرياتوف، وزير الداخلية، أثناء نقاش كان يدور حول حل الدوما المستاء قائلاً ما يلي: “من غير المحتمل أن يقرر النواب عدم الانصياع. إن معظمهم جبناء، ويخشون على جلدهم.” ولم يكن الأمير يعبر عن رأيه هذا بلباقة، ولكنه كان يصيب كبد الحقيقة. وكانت البيروقراطية في كفاحها ضد المعارضة الليبرالية تحس بأنها تقف على أرض صلبة.

وفي صبيحة يوم 27، اجتمع المندوبون الذين أقلقهم امتداد الأحداث وتوسعها وعقدوا جلسة اعتيادية. وعندئذ فقط علمت الأكثرية أن مرسوم حل الدوما قد صدر. وكان هذا الإجراء غير متوقع أبدًا، خاصة وأن هناك محادثات توفيقية كانت قد تمت بالأمس. وقد كتب رودزيانكو معلقًا على المرسوم الصادر بحل الدوما قائلاً: “ومع ذلك، انحنى مجلس الدوما أمام القانون، وهو ما زال يأمل بإيجاد مخرج لهذا الوضع المضطرب. فلم يصوت على أي قرار يُسْتَشَم منه رفض الحل أو استخدام العنف لعقد الجلسات بالقوة”، واجتمع النواب في مؤتمر خاص؛ اعترفوا فيه بعجزهم. وقد ذكر شيدلوفسكي الليبرالي المعتدل -بشيء من التهكم فيما بعد- أن نيكراسوف وهو من الجناح اليساري المتطرف للكاديت، والذي أصبح فيما بعد شريكًا لكرنسكي، قد اقترح “إقامة ديكتاتورية عسكرية وتسليم كل السلطة لجنرال يتمتع بالشعبية”. في هذه الغضون، كان بعض زعماء الكتلة التقدمية -الذين لم يحضروا هذا المؤتمر الخاص- يحاولون التوصل إلى تدبير عملي لإنقاذ الوضع ورجوا ميخائيل -شقيق القيصر- للمجيء إلى بتروغراد، واقترحوا عليه ممارسة الديكتاتورية، و”إجبار” أعضاء الحكومة على الاستقالة وإجراء اتصال مباشر بالقيصر لمطالبته بأن “يُنعم” على الشعب بوزارة مسئولة. وفي الساعات التي انتفضت فيها أفواج الحرس الدولي، قام زعماء البرجوازية الليبرالية بمحاولة أخيرة لسحق العصيان بمساعدة ديكتاتورية الأسرة الحاكمة، وللاتفاق في الوقت ذاته مع الملكية على حساب الثورة. وصرح رودزيانكو بلهجة تنم عن الأسف: “كانت نتيجة التردد الذي أظهره شقيق القيصر هو خسارة الفرصة الملائمة”.

فكم يعتقد المثقفون الراديكاليون بما يرغبون به بصورة سهلة. ونجد هذه السهولة في شهادة سوخانوف، وهو اشتراكي غير ملتزم بدأ في تلك الفترة يلعب دورًا سياسيًّا في قصر توريد. وقد كتب سوخانوف في مذكراته المسهبة ما يلي: “لقد أخبرني البعض بجوهر ما حدث سياسيًّا من جديد في الساعات الأولى من هذا اليوم الذي لا يُنسى؛ فقد صدر المرسوم الملكي بحل الدوما، وأن الدوما يرفض الانفضاض، بعد أن انتخب لجنة عليا”. ولقد كتب هذا رجل لم يكن يخرج أبدًا من قصر توريد، وكان يعامل النواب المشهورين بألفة متناهية. وصرح ميليوكوف في كتابه تاريخ الثورة بصورة قاطعة: “بعد سلسلة من الخطب المليئة بالحماسة، تقرر أن لا يغادر النواب بتروغراد، ولكن القرار لم يتضمن أبدًا رفض أعضاء الدوما الانفضاض كممثلين في مؤسسة دستورية، على عكس الأسطورة التي سرت واعتمدها الكثيرون”. فرفض الانفضاض يعني اتخاذ مبادرة، حتى ولو كانت هذه المبادرة متأخرة. وعدم مغادرة العاصمة، يعني غسل اليدين وانتظار انعطاف الأحداث وتحويلها. ويمكن إيجاد العذر لسذاجة سوخانوف وسرعة تصديقه ببعض الظروف المخففة؛ فلقد نشر الصحفيون البرلمانيون في نشرتهم الإخبارية، وهي الصحيفة الوحيدة في ذلك الوقت نظرًا للإضراب العام، نشر الصحفيون بسرعة إشاعة اتخاذ الدوما قرارًا ثوريًّا يتضمن عدم الانصياع للمرسوم الملكي. ولكن بما أن الانتفاضة قد انتصرت في ذلك اليوم، لم يسارع النواب إلى دحض الخطأ المرتكب، وشجعوا بهذا الشكل أصدقاءهم اليساريين وجعلوهم يستمرون في الوهم، ولم يحاولوا نشر الحقيقة إلا بعد الهجرة. والواقعة كما يبدو، ذات أهمية ثانوية ولكنها في الحقيقة ذات دلالة كبيرة. فقد كان الدور الثوري للدوما في يوم 27 فبراير (شباط) خرافة ولدت من السذاجة السياسية للمثقفين الراديكاليين، الذين ابتهجوا بالثورة وتملكهم الرعب، وكانوا عاجزين عن الاعتقاد بأن الجماهير تمكنت من قيادة العملية قيادة جيدة، والذين بادروا إلى إيجاد دعم بأسرع ما يمكن لدى البرجوازية المؤسرة التي لا يحق لها الانتخاب.

وقد قرأنا من حسن الحظ كثيرًا من مذكرات النواب الذين كانوا ينتمون في ذلك الوقت إلى أكثرية الدوما، وتشرح هذه المذكرات كيفية استقبال الدوما للثورة. ويؤكد الأمير مانسيرييف -وهو من الجناح اليميني للكاديت- بأنه لم يكن هناك بين النواب الذين اجتمع عدد كبير منهم في صباح 27، أحدًا من أعضاء المكتب، ولا أحدًا من زعماء الأحزاب، ولا أحدًا من قادة فروع الكتلة التقدمية، وقد وصلت للغائبين معلومات بحل الدوما والانتفاضة. وبالإضافة إلى هذا، وفي تلك الساعات بالضبط، من المحتمل أنهم كانوا يجرون محادثات مع ميخائيل شقيق القيصر حول إقامة نظام ديكتاتوري. وقد قال مانسيرييف: “كان القلق في داخل الدوما عامًا وشاملاً، كما كانت البلبلة عميقة. وكنا لا نستمع أبدًا إلى محادثات حية. وكانت الأحاديث مجرد آهات وردودًا قصيرة من النوع التالي: “ها نحن قد وصلنا!” أو اعترافات تنم عن مخاوف شخصية. هذا هو ما سرده نائب من أكثر النواب اعتدالاً، وأشدهم تحسرًا.

وقبل الساعة الثانية بعد الظهر، وجد الزعماء أنهم مضطرون للظهور في الدوما، فجلب أمين سر المكتب خبرًا مفرحًا، لا أساس له من الصحة: “إن أعمال الفوضى ستقمع وقد اتخذت التدابير اللازمة لذلك”. ومن المحتمل أنهم فهموا “التدابير” التي ستتخذ من المحادثات التي تمت حول إقامة نظام ديكتاتوري. ولكن كان الدوما مرهقًا، ينتظر كلمة حاسمة من زعيم الكتلة التقدمية. غير أن ميليوكوف صرح بما يلي: “إننا لا نستطيع أن نتخذ، في هذه اللحظة، أي قرار. أولاً: لأننا لا نعرف مدى الاضطرابات وسعتها، ثانيًا: لأننا نجهل الجانب الذي انحازت إليه أكثرية قطعات الحامية، والعمال، والتنظيمات الاجتماعية. ومن الواجب علينا أن نلتقط معلومات دقيقة وواضحة عن كل هذا، ومن ثَم نقوم بفحص الوضع. وما زال الوقت مبكرًا جدًا للقيام بهذه العملية”. وفي الساعة الثانية بعد ظهر يوم 27 فبراير (شباط) كان الوقت ما زال “مبكرًا جدًا” لليبرالية!؛ إن “جمع المعلومات” يعني غسل اليدين وانتظار نهاية المعركة.

ولكن ما كاد ميليوكوف ينهي خطابه الذي بدأه بفكرة، وخَتَمه بلا شيء حتى سارع كرنسكي إلى القاعة، وهو منفعل إلى حد كبير وأعلن ما يلي: إن جموعًا غفيرة من أبناء الشعب والجنود تتقدم إلى قصر توريد، وهي تنوي مطالبة الدوما باستلام السلطة!.. إن النائب الراديكالي يعرف بالضبط ما تطالب به الجماهير الشعبية القوية. والحقيقة، كان كرنسكي هو الذي يطالب لأول مرة بأن يستلم مجلس الدوما السلطة، هذا المجلس الذي يأمل من قرارة نفوس أعضائه قمع الانتفاضة. وأثار تدخل كرنسكي “اضطرابًا عامًا” وبدت في العيون “نظرات الهلع” ومع ذلك لم يتح لكرنسكي الوقت الكافي لإنهاء كلامه حتى قاطعه حاجب الدوما، الذي هرع إلى القاعة فزعًا وقال ما يلي: هناك مفارز من الجنود تقترب من القصر وهي تسبق تجمعات أخرى، ورفض رجال الحرس السماح لهم بالدخول، وقد جرح قائد الحرس جرحًا بليغًا. وبعد دقيقة، وجد النواب أن الجنود قد دخلوا إلى القصر.

وقد قيل فيما بعد، في الخطب والمقالات أن الجنود جاءوا ليحيوا أعضاء الدوما ويقسمون يمين الولاء أمامه. ولكن في اللحظة الحالية ساد ذعر قاتل، صعد مده إلى الحناجر. وأخذ الزعماء يتوشوشون فيما بينهم: ينبغي أن نربح الوقت. وسارع رودزيانكو بأن عرض على التصويت الاقتراح الذي قدم إليه بتشكيل لجنة مؤقتة. فقوبل قراره بالتهليل. ولكن النواب لم يكن لديهم سوى فكرة الهروب بأسرع ما يمكن، ولم يكن الموضوع موضوع انتخابات! واقترح رئيس الدوما الذي لم يكن أقل ذعرًا من الآخرين تكليف مجلس من الوجهاء وكبار الشخصيات بتأليف اللجنة. وقوبل اقتراحه بابتهاجات جديدة، وموافقة صاخبة من العدد الصغير من النواب الذين بقوا في القاعة، لقد وجدت الأكثرية وسيلة للهروب. بهذا الشكل رد الدوما الذي حله القيصر على الانتفاضة الظافرة.

في هذا الوقت، كانت الثورة، في نفس المبنى، ولكن في قاعة أقل زينة من قاعة مجلس الدوما، تُنشئ جهاز سلطة جديد. ولم يكن من واجب الزعماء الثوريين أن يخلقوا أو يبدعوا شيئًا جديدًا. فتجربة سوفييتات 1905 حُفِرت وللأبد في ضمير العمال. وفي كل مد للحركة الثورية، حتى خلال الحرب، كانت فكرة تشكيل السوفييتات تولد بصورة آلية تقريبًا. ومع أن تصور دور السوفييتات كان مختلفًا إلى حد كبير لدى البلاشفة والمناشفة (لم يكن لدى الاشتراكيين – الثوريين حول هذا الموضوع رأي قاطع)، فإن شكل التنظيم ذاته، كما يبدو، كان لا يحتاج إلى نقاش. والتقى المناشفة وأعضاء لجنة الصناعات الحربية الذين أخلي سبيلهم من السجن، في قصر توريد بممثلين نشيطين عن الحركة النقابية وحركة التضامن المنتمين إلى الجناح اليميني ذاته، ومع البرلمانيين المناشفة تشخيدزه وسكوبوليف وشكلوا فورًا لجنة تنفيذية مؤقتة لسوفييت مندوبي العمال، انضم إليها بصورة أساسية في ذلك اليوم الثوريون القدماء، الذين فقدوا الاتصال مع الجماهير ولكن أسماءهم ما زالت معروفة. وانضم البلاشفة أيضًا إلى اللجنة التنفيذية، ودعت هذه اللجنة العمال إلى انتخاب مندوبيهم بسرعة.

وحددت الجلسة الأولى لمجلس السوفييتات في مساء اليوم ذاته في قصر توريد. وافتتحت في الساعة التاسعة صباحًا، وأقر مجلس السوفييتات تشكيل اللجنة التنفيذية. وعُين فيها ممثلون رسميون عن كل الأحزاب الاشتراكية بالإضافة إلى أعضائها السابقين. ولكن لم يكن هذا هو المعنى الحقيقي لهذه الجمعية الأولى لممثلي البروليتاريا المنتصرة في العاصمة. فقد وصل مندوبون عن الأفواج الثائرة إلى الجلسة وقدموا تهانيهم. وكان من بينهم جنود أميون، فاجأتهم الثورة إلى حد بعيد، وكانوا يتكلمون بصعوبة. ومع ذلك وجدوا كلمات لم تخطر على بال أي خطيب من الخطباء.

وكان أكثر المشاهد المؤثرة في الثورة التي أخذت تحس بقوتها هو يقظة الجماهير العديدة، وسعة المهام التي ينبغي القيام بها، وكبرياء نجاحاتها، وخفقان قلب مرح لفكرة: غدًا سيكون مشرقًا أكثر من اليوم. وكانت الثورة لا تملك بعد تقاليدها وطقوسها، والشارع تنبعث منه أعمدة الدخان، ولا تعرف الجماهير حتى الآن كيف تغني نشيدها الجديد، ويتم انعقاد الجلسة وسط الفوضى، وتندفع المياه الربيعية الطافحة، ويختنق مجلس السوفييت حماسة. إن الثورة قوية، ولكنها ما زالت تتسم بسذاجة طفولتها.

وقد تقرر في هذه الجلسة الأولى توحيد الحامية مع العمال في مجلس واحد هو سوفييت مندوبي العمال والجنود. فمن كان أول من اقترح هذا القرار؟ من المحتمل أن هذا القرار جاء من مختلف الجهات، أو بالأحرى من كل الجهات كصدى للتآخي بين العمال والجنود. وقد قرر هذا التآخي مصير الثورة في هذا اليوم. ومع هذا فإننا لا نستطيع أن نمتنع عن الإشارة إلى أن الاشتراكيين – الوطنيين قد احتجوا -طبقًا لرأي شليابنيكوف- ضد تدخل الجيش في السياسة.

وبدأ مجلس السوفييت منذ اللحظة التي تشكل فيها يمارس عمله كسلطة حكومية بواسطة لجنته التنفيذية. فقد انتخبت لجنة مؤقتة للتموين والاهتمام بمطالب الثوار والحامية بصورة عامة. ونظم المجلس هيئة أركانه الثورية (كل التشكيلات التي أعلنت في هذا اليوم تشكيلات مؤقتة) التي تحدثنا عنها سابقًا. وقرر المجلس أن تحتل قطعات حرس ثورية المصرف المركزي فورًا، ووزارة الخزينة ومصالح سك العملات الورقية التابعة للدولة لحرمان موظفي النظام القديم من القدرة على التصرف بالموارد المالية. وازدادت أعباء مجلس السوفييت ووظائفه تحت ضغط الجماهير. ووجدت الثورة مركزها وقد أصبح لا يتزعزع؛ إذ أن العمال والجنود والفلاحين لن يتوجهوا بعد الآن إلا إلى مجلس السوفييت. فقد أصبح هذا المجلس في نظرهم نقطة تركيز كل الآمال وكل السلطات، كما أصبح تجسيدًا للثورة ذاتها. ولكن ممثلي الطبقات المالكة سيتوجهون أيضًا إلى المجلس ليطلبوا منه -وأسنانهم تصر- الحماية والتوجيهات، وحل النزاعات.

وفي حين كانت السلطة الثورية الجديدة تتشكل بسرعة خارقة وقوة لا تقاوم، كان الاشتراكيون منذ الساعات الأولى للانتصار ينظرون من حولهم نظرات يشوبها القلق، مفتشين عن “زعيم” حقيقي. وكانوا يعتبرون انتقال السلطة إلى أيدي البرجوازية أمرًا طبيعيًّا. وهنا تشكلت العقدة الرئيسية للنظام الجديد؛ فمن جهة هناك الخط الذي يؤدي إلى قاعة اللجنة التنفيذية للعمال والجنود؛ ويؤدي هذا الخط من الناحية الأخرى إلى مركز الأحزاب البرجوازية.

وانتخب مجلس وجهاء الدوما في الساعة الثالثة “لجنة مؤقتة لأعضاء مجلس الدوما”، في الوقت الذي كان فيه الانتصار في العاصمة حاسمًا تمامًا. وتألفت اللجنة بانضمام عناصر من أحزاب الكتلة التقدمية، وضمت إليها تشخيدزه وكرنسكي. ورفض تشخيدزه هذه العضوية. ولكن كرنسكي بدأ بالمراوغة. ويشير اسم اللجنة، بعبارات متحفظة أن اللجنة لا تشكل جهازًا رسميًّا للدوما الإمبراطوري، وأنها تشكل فقط، وبصورة شخصية، جهازًا لمؤتمرات أعضاء مجلس الدوما. ولم يفكر زعماء الكتلة التقدمية مليًّا وحتى النهاية إلا بمسألة واحدة: كيف يتهربون من المسئوليات مع بقاء أيديهم حرة طليقة؟

وتحددت مهمة اللجنة بعبارات غامضة، انتقيت بعناية: “إعادة النظام وإقامة العلاقات مع المؤسسات والشخصيات”، ولم تحدد المهمة كلمة واحدة عن طبيعة النظام الذي يرغب هؤلاء الأسياد إعادته، كما لم تحدد شيئًا عن المؤسسات التي يريد مجلس الدوما إقامة علاقات معها. فهم ما زالوا يمدون يدهم بعد إلى جلد الدب… فمن الممكن أن لا يكون الدب قد فارق الحياة، أو أنه أصيب بجرح بليغ فقط!… وفي الحادية عشرة من مساء يوم 27 فبراير (شباط) فقط “عندما توضحت معالم الحركة الثورية بكل أبعادها”، “قررت اللجنة المؤقتة القيام بخطوة إلى أمام واستلام السلطة التي تخلت الحكومة عنها” حسب أقوال ميليوكوف. وقد تحولت لجنة أعضاء الدوما، بصورة غير ملموسة، إلى لجنة المجلس الدوما؛ فعندما يراد الاحتفاظ بالمظاهر القانونية لتتابع السلطة، ليس هناك من وسيلة أفضل من التزييف.

ولكنه ميليوكوف أسدل ستارًا من الصمت على الموضوع الرئيسي؛ فقد وجد زعماء اللجنة التنفيذية التي تشكلت في ذلك اليوم الوقت للمثول أمام اللجنة المؤقتة وطلبوا منها بإلحاح استلام السلطة. وكان لهذا الضغط الودي نتائجه. ثم فسر ميليوكوف قرار لجنة الدوما قائلا:ً بأن الحكومة ستكون مستعدة لتحريك قطعات موثوقة ضد العُصاة، وأنه “من الممكن توقع معارك حقيقية في شوارع العاصمة”. والحقيقة، لم تكن الحكومة تملك قطعة عسكرية واحدة، وكانت قد فقدت سلطتها نهائيًّا. وكتب رودزيانكو -فيما بعد- أنه “لو رفض مجلس الدوما استلام السلطة، لاعتقل أعضاؤه وذبحوا، ولأصبح المجلس فورًا بين يدي البلاشفة”. ومما لا شك فيه أن في هذا القول مبالغة سخيفة ولدت في ذهن حاجب الإمبراطور المحترم. ولكن هذه المبالغة تعبر دون أي ظل للخطأ عن الحالة النفسية التي سادت أعضاء مجلس الدوما، هذا المجلس الذي يعتبر انتقال السلطة من بين يديه نوعًا من الخرق السياسي لحرمته.

ووسط هذه التدابير، لم يكن الحل سهلاً، فقد كان تردد رودزيانكو مشوبًا بالقلق والاضطراب، وكان يوجه الأسئلة للآخرين: “ماذا سيحدث؟ هل هو تمرد، نعم أم لا؟” وقد رد عليه شولغين أحد النواب الملكيين قائلاً: “ليس هذا إلا تمرد. استلم السلطة بصفتك من الرعايا المخلصين… فإذا كان الوزراء قد فروا، فلا بُدَّ على كل حال من أن يحل محلهم أحد ما… وقد يكون هناك مخرجان: إما أن يسوى كل شيء، أو أن يعين الإمبراطور حكومة جديدة، ونعطيها السلطة. فإذا لم ينجح هذا، ولم نستلم السلطة، فإن السلطة ستنتقل إلى أيدي رجال انتخبهم الرعاع في المصانع…”. وقد نقلنا للقارئ حرفيًّا التعابير الذي استخدمها شولغين ذاته. ومن العبث أن نرفع الألفاظ الخشنة التي يوجهها سيد رجعي للعمال؛ فقد وضعت الثورة قدمها على رءوس هؤلاء الأسياد. والاستنتاج من هذه الأقوال واضح كل الوضوح: إذا انتصرت الملكية، فسنكون معها. وإذا انتصرت الثورة فلنحاول تعريتها.

وطالت الاستشارات. وكان الزعماء الديموقراطيون ينتظرون الحل وهم مضطربون. وأخيرًا خرج ميليوكوف من مكتب رودزيانكو وكان يبدو شامخًا. وتقدم إلى وفد السوفييت وصرح لهم قائلاً: “لقد اتخذنا القرار. سنستلم السلطة…” فصاح سوخانوف قائلاً بحماس، تبعًا لما كتبه في مذكراته” لم أسأل ماذا تعني كلمة “نحن” هذه. لم أسأل شيئًا. ولكن أحسست من كل كياني، حسب التعبير الشائع، بالوضع الجديد. أحسست كيف أن مركب الثورة الذي أخفق في هذه الساعات، بدأ يرفع أشرعته بإرادة العناصر الثائرة، واستعاد استقرار حركاته وانتظامها، وسط العاصفة المخيفة التي كانت تهزه”. فأية عبارات نقية اختيرت للاعتراف بنذالة، بعبودية ديمقراطية البرجوازية الصغيرة إزاء الرأسمالية الليبرالية! وأي خطأ مخيف ارتكب في البعد السياسي؛ فالتخلي عن السلطة لليبراليين لن يتيح أي استقرار لمركب الدولة، بل على العكس سيصبح بالنسبة للثورة اعتبارًا من هذا التاريخ سببًا للعجز، والفوضى الهائلة، وإثارة الجماهير، وهزيمة الجبهة، والاستماتة في الحرب الأهلية.

فإذا ألقينا نظرة على القرون الماضية، يبدو لنا أن وقوع السلطة بين يدي البرجوازية كان يتبع دومًا القاعدة المحددة التالية: في كل الثورات السابقة، كان العمال وصغار الصناع وعدد من الطلاب يقاتلون على السدود والمتاريس. وكان بعض الجنود ينحازون إلى جانبهم. وكانت البرجوازية المترفة، التي تراقب قتال المتاريس من النافذة تلتقط السلطة. ولكن ثورة فبراير (شباط) 1917 تختلف عن الثورات السابقة بطابعها الاجتماعي الرفيع وبالمستوى السياسي العالي الذي تتمتع به الطبقة الثورية، وبحذر معاد للعصاة إزاء البرجوازية الليبرالية، وبالتالي بإنشاء جهاز جديد للسلطة الثورية، في لحظة الانتصار ذاتها: مجلس سوفييت يعتمد على القوة المسلحة للجماهير. وفي هذه الشروط، فإن تسليم السلطة للبرجوازية المنعزلة سياسيًّا، والمنزوعة السلاح يتطلب تفسيرًا.

ينبغي، بادئ بدء، أن نقدر عن كثب موازين القوى التي قامت في نهاية الانتفاضة. ألم تكن الديمقراطية السوفييتية مضطرة بحكم الظروف الموضوعية إلى الامتناع عن استلام السلطة والتنازل عنها لصالح البرجوازية الكبيرة؟ إن البرجوازية ذاتها لم تكن تفكر بذلك. ونحن نعرف مسبقًا أن البرجوازية التي كانت لا تتوقع استلام السلطة من الثورة أبدًا، كانت تجد في الثورة خطرًا مميتًا لمجمل وضعها الاجتماعي. وقد كتب رودزيانكو قائلاً: “لم تكن الأحزاب المعتدلة غير راغبة بالثورة فحسب، بل كانت تخشاها أيضًا، وكان حزب حرية الشعب (“الكاديت”)، بشكل خاص، عبارة عن جناح يساري للمجموعات المعتدلة، ويعتبر بالتالي على صلة أقوى من غيره بالأحزاب الثورية في البلاد، وكان هذا الحزب أكثر الأحزاب انشغالاً بالمأساة الوشيكة الوقوع”. وقد ذكرت تجربة عام 1905 الليبراليين بصورة مقنعة جدًا أن انتصار العمال والفلاحين لا يقل خطرًا على البرجوازية من خطره على الملكية. وأكد سير انتفاضة فبراير (شباط)، حسب كل الظواهر، هذا التوقع. ومهما كانت الأفكار السياسية للجماهير الثورية مشوهة من كل النواحي، في هذه الأيام، فقد رسم خط الفصل بين الكادحين والبرجوازية بصورة لا يمكن تغييرها.

وقد وصف ستانكيفيتش، صاحب محاضرات (Privat – docent) في الجامعة، والذي كان على صلة وثيقة بالدوائر الليبرالية، وصديقًا للكتلة التقدمية لا عدوا لها، الحالة النفسية لهذه الأوساط في اليوم التالي للانتفاضة التي لم ينجح الليبراليون في الحيلولة دون وقوعها فقال: “لقد انتصروا رسميًّا، واحتفلوا بالثورة وأطلقوا هتافات الفرح على شرف المقاتلين من أجل الحرية، وتزينوا بالشرائط الحمراء، وساروا تحت الأعلام الحمراء… ولكنهم كانوا خائفين في أعماق أنفسهم، وبينهم وبين أنفسهم كانوا يرتعدون من الخوف ويحسون بأنهم أسرى العنصر المعادي الذي كان يتحرك في سبل مجهولة. لقد شحبت ملامح وجه رودزيانكو، الملاك الكبير، ذو المشية المتثاقلة، والشخصية الكبيرة عندما شق طريقه وسط جمهرة من الجنود تعرت صدورهم في ممرات قصر توريد، وهو يحتفظ بمظهر وقاره الرفيع، وظهرت على وجهه علامات الألم واليأس العميقين. إن هذا الوجه وتلك الملامح لا يمكن أن تنسى أبدًا. ولقد قيل رسميًّا إن “الجنود جاءوا لدعم مجلس الدوما في معركته ضد الحكومة”، ولكن الدوما انحل في الواقع منذ الأيام الأولى. وإننا لنجد التعابير التي وجدناها على وجه رودزيانكو على كل وجوه أعضاء اللجنة المؤقتة للدوما وفي الأوساط المحيطة به. وقد قيل إن بعض ممثلي الكتلة التقدمية بكوا عندما عادوا إلى منازلهم، وانفجروا في أزمات هيستيرية كان سببها بأسهم وعجزهم”.

ولهذه الشهادة الحية قيمة أكبر من كل الأبحاث الاجتماعية الأخرى عن موضوع العلاقات بين القوى. وطبقًا للرواية التي رواها رودزيانكو كان رودزيانكو ذاته يرتعد سخطًا يتسم بالعجز من رؤية جنود مجهولين “يطيعون أوامر لا نعرف من أعطاها” على حد قوله، هؤلاء الجنود الذين عمدوا إلى اعتقال شخصيات من أصحاب المقامات الرفيعة في النظام القديم وأحضروها إلى مجلس الدوما. ووجد حاجب الإمبراطور نفسه بهذا الشكل مدير سجن إلى حد ما لتلك الشخصيات التي لم يكن متفقًا معها حقًا، ولكنها رغم كل هذا تبقى بالنسبة إليه شخصيات تنتمي إلى نفس الوسط الذي ينتمي إليه. وقد استدعى رودزيانكو شتشيفلوفيتوف الذي اعتقله الجنود إلى مكتبه ورفض الجنود تسليمه له لأنهم يحتقرونه. وكان رودزيانكو مذهولاً من هذه التدابير “التعسفية” وكتب رودزيانكو قائلاً: “وبما أنني كنت أحاول إظهار سلطتي فإن الجنود أحاطوا بسجينهم وقد شرعوا بنادقهم، في وضع مثير ووقح. ثم اقتيد شتشيفلوفيتوف دون أية إجراءات إلى مكان أجهله”. فهل هناك تأكيد أروع وأقوى من هذا التأكيد الذي يبرهن على عدم صحة تصريحات ستانكيفيتش القائلة بأن الأفواج أتت إلى مجلس الدوما لتقدم تأييدها ودعمها له، في حين جاءت هذه الأفواج في الحقيقة لإلغائه وعدم الاعتراف به.

لقد انتقلت السلطة بالفعل ومنذ الساعة الأولى إلى مجلس السوفييت. وبوسع أعضاء مجلس الدوما أن يستمروا في وهم بقاء السلطة بين أيديهم أقل من أي إنسان آخر. وقد كتب شيدلوفسكي -وهو نائب أكتوبري وأحد زعماء الكتلة التقدمية- في مذكراته قائلاً: “استولى السوفييت على كل مكاتب البريد والبرق، وعلى كل محطات بتروغراد، وكافة المطابع، حتى أنه كان من المستحيل إرسال برقية أو مغادرة بتروغراد، أو طبع بيان ما دون إذن منه”. ولا تحتاج هذه الميزة الخاصة التي لا التباس فيها عن موازين القوى إلى أي إيضاح إلا من وجهة نظر واحدة: إن “استيلاء” السوفييت على كل مكاتب البريد والبرق، وعلى السكك الحديدية، والمطابع …إلخ، يعني أن عمال ومستخدمي هذه المؤسسات لا يريدون الخضوع لأحد، فيما عدا مجلس السوفييت.

وقد اشتهرت شكوى شيدلوفسكي بصورة هائلة بواقعة حدثت إبان المفاوضات حول موضوع السلطة، عندما كانت هذه المحادثات في أوج حيويتها بين زعماء السوفييت والدوما. وقد علق اجتماعهم العام ببيان عاجل صدر من بسكوف -حيث استقر القيصر بعد أن تاه وضل على خطوط السكك الحديدية- يدعو رود زيانكو إلى اتصال هاتفي مباشر بالقيصر. وقد صرح رئيس الدوما القوي القدير أنه لن يذهب إلى مبنى البريد وحده وقال: “فليعطني مندوبو العمال والجنود مفرزة حراسة أو فليأتوا معي، وإلا فإنني سأعتقل عند وصولي إلى المبنى…” واستطرد قائلاً بانفعال: “طبعًا! إنكم تملكون الآن السلطة والقوة. وبوسعكم اعتقالي بالطبع! وربما اعتقلتمونا الآن ما دمنا في الدوما! نحن لا نستطيع أن نؤكد أو ننفي ذلك!” وقد حدث هذا في الأول من مارس (آذار) بعد انقضاء 48 ساعة على استلام رودزيانكو رئاسة اللجنة المؤقتة التي “استلمت” السلطة.

ومع كل هذا فإننا لنتساءل كيف وجد الليبراليون، في مثل تلك الظروف في السلطة؟ ومن (وكيف؟) خولهم حق تشكيل هذه الحكومة المنبثقة عن ثورة يخشونها، وعملوا ضدها، وحاولوا سحقها، هذه الثورة التي حققتها الجماهير التي كانوا يكرهونها، وهذه الثورة التي تمت بجرأة نادرة وبتصميم رائع، وكان مجلس سوفييت العمال والجنود، الذي خرج من صفوفها هو سيد الموقف بالتأكيد؟

ولنستمع الآن إلى الجانب الآخر، وهو الجانب الذي تخلى عن السلطة. فقد كتب سوخانوف عن أيام فبراير (شباط) ما يلي: “لم يكن الشعب ميَّالاً أبدًا إلى مجلس الدوما، وكان لا يهتم به، ولا يفكر أن يجعل منه -من الناحية السياسية أو التقنية- مركزًا لحركته”. ويستحق هذا الاعتراف مزيدًا من الانتباه نظرًا لأن سوخانوف بذل كل جهده في الساعات الأولى لنقل السلطة إلى لجنة مجلس الدوما الإمبراطوري. واستطرد سوخانوف قائلاً فيما بعد عن المساومات التي جرت في الأول من مارس (آذار): “وقد فهم ميليوكوف جيدًا أن بوسع اللجنة التنفيذية نقل أو عدم نقل السلطة إلى حكومة من البرجوازية الكبيرة”. فهل هناك تعبير أكثر بتًّا وحسمًا من هذا التعبير؟ وهل يمكن لوضع سياسي أن يكون أكثر وضوحًا من هذا الوضع؟ ومع ذلك أدلى سوخانوف بتصريح متناقض تمام التناقض مع الوضع السياسي، ومتناقض مع نفسه أيضًا، قال سوخانوف: “ينبغي أن لا تكون السلطة التي ستحل محل القيصرية إلا سلطة برجوازية… وينبغي أن نتوجه على أساس هذا الاستنتاج. وإلا فإن الانتفاضة ستفشل، وتضيع الثورة”. وستضيع الثورة نظرًا لعدم وجود رودزيانكو.

وهكذا قام مقام العلاقات الحية بين القوى الاجتماعية هنا تصور ترسيمي، وُضع بصورة مسبقة، وعبر عنه بتعابير تقليدية: هنا بالطبع يكمن لباب عقائدية المثقفين. وسنرى فيما بعد أن هذه العقائدية لا تنطوي على أية أفلاطونيات، فهي تقوم بوظيفة سياسية واقعية تمامًا، مع أنها معصوبة العينين.

ولم نستشهد بسوخانوف عن طريق المصادفة؛ ففي هذه الفترة لم يكن ملهم اللجنة التنفيذية ووحيها رئيسها تشخيدزه الشريف والريفي المحدود التفكير، بل كان سوخانوف، وهو آخر من تسمح له إمكاناته بالحديث عن قيادة ثورة من الثورات بصورة عامة؛ فهو نصف شعبي، ونصف ماركسي، ومراقب وجداني أكثر من رجل سياسي. وهو صحفي أكثر مما هو ثوري وحجيج أكثر من صحفي. ولم يكن قادرًا على التمسك بأي مفهوم ثوري إلا حتى اللحظة التي ينبغي أن يطبق فيها هذا المفهوم. وقد كان أمميًّا سلبيًّا أثناء الحرب. وقرر منذ اليوم الأول للثورة أن من الواجب فورًا تسليم السلطة والحرب للبرجوازية، وإذا ما قارناه مع الأعضاء الآخرين في اللجنة التنفيذية آنذاك، وجدنا أنه متفوق عليهم كمنظِّر يعرف كيف يُنظِّر لمصلحته، وكيف يدبر الأمور ويجمع المتناقضات. ولكن قوته الرئيسية كامنة في أنه كان يعبر عن الملامح العضوية لهذه الروح التي تجمع أناسًا من كل جنس، يتسمون رغم تباينهم، بالافتقار إلى الإيمان بقواهم الخاصة، والخوف من الجماهير، الموقف الفظ رغم تسامحه إزاء البرجوازية. وكان لينين يقول عن سوخانوف أنه كان واحدًا من أفضل ممثلي البرجوازية الصغيرة. وهذا ما يمكن قوله عنه كأفضل ما قيل عنه لمجاملته.

وقبل كل شيء ينبغي أن لا ننسى هنا أن البرجوازية الصغيرة هذه من نموذج رأسمالي جديد، فهي تضم: مستخدمي الصناعة، والتجارة والمصارف، وموظفي رأس المال من جهة والبيروقراطية العمَّالية من جهة أخرى، أي هذه الطبقة الثالثة Tries-Etat التي قام الاشتراكي – الديموقراطي إدوارد برنشتاين باسمها بمراجعة المفهوم الثوري لماركس في نهاية القرن الماضي. فلكي نقول كيف تنازلت الثورة العمالية والفلاحية عن السلطة البرجوازية، ينبغي أن نُدخل حلقة وسيطة في تتابع الوقائع السياسية، هي حلقة صغار البورجوازيين الديموقراطيين والاشتراكيين من نموذج سوخانوف، والصحفيين والسياسيين من الطبقة الثالثة الجديدة Tires-Etat الذين كانوا يعلمون الجماهير أن البرجوازية هي الخصم، ولكنهم يخشون فوق كل شيء تخليص الجماهير من سلطة هذا الخصم. ويفسر التناقض بين طابع الثورة وطابع الحكومة التي خرجت منها بالطابع المتناقض للوسط الجديد البورجوازي الصغير – الرأسمالي. وسينكشف لنا تمامًا خلال الأحداث المقبلة للثورة الدور السياسي لديمقراطية البرجوازية الصغيرة من النموذج الجديد. فلنقتصر قبل كل شيء على الحديث عنها ببضع كلمات.

في خلال الانتفاضة، تدخلت أقلية الطبقة الثورية مباشرة، واستمدت قوتها من دعم الأكثرية لها أو من تعاطفها على الأقل. ووضعت الأقلية الفعالة والنشيطة والمقاتلة أكثر عناصرها ثورية وتجردًا عن الذات في الطليعة، وتعرضت لنيران العدو. وكان العمال البلاشفة بالطبع في معارك فبراير (شباط) هم الذين شكلوا المخافر الأمامية. ولكن الوضع يتبدل مع النصر، عندما يبدأ الوضع في الاستقرار سياسيًّا. وعندما حدثت الانتخابات لتشكيل أجهزة الثورة ومؤسساتها دعيت جماهير كثيرة، كما توافدت جماهير أكثر عددًا بكثير من الجماهير التي قاتلت وسلاحها بأيديها. ولا يقتصر هذا الأمر على المؤسسات العامة للديمقراطية كمجلس الدوما البلدي، والزيمستفو، أو المجلس التأسيسي فيما بعد، بل يتعدى ذلك إلى أجهزة الطبقات الشعبية كسوفييتات مندوبي العمال.

وقد دعمت أكثرية العمال الساحقة، والمناشفة، والاشتراكيون – الثوريون، والاشتراكيون غير المنتمين لأحزاب سياسية، دعم كل هؤلاء البلاشفة عندما أصبحت المعركة ضد القيصرية في مرحلة الالتحام. ولكن لم يكن هناك سوى أقلية ضئيلة من العمال فهمت بم يتميز البلاشفة عن غيرهم من الأحزاب الاشتراكية الأخرى. ومع ذلك، رسم كل الكادحين خطَّ فصلٍ واضح كل الوضوح بينهم وبين البرجوازية. وهذا هو الذي حدد الوضع السياسي بعد الانتصار. كان العمال ينتخبون الاشتراكيين، أي كانوا ينتخبون أولئك الذين لم يكونوا معادين للملكية فحسب، بل يعادون البرجوازية أيضًا. وكانوا لا يجدون أي فرق تقريبًا بين الأحزاب الاشتراكية الثلاثة. وكان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون يملكون كوادر مثقفة يزيد عددها بشكل
لا يقارن عن عدد كوادر الأحزاب الأخرى، وكانت هذه الكوادر تتوافد إلى صفوفهم من كل الجهات، وهذا ما أمَّن لهم احتياطًا هائلاً من المحرضين؛ لذا أتاحت الانتخابات تفوقًا هائلاً للمناشفة والاشتراكيين – الثوريين، حتى في انتخابات المصانع والمؤسسات.

وسار ضغط الجيش الذي استيقظ من سباته في الاتجاه ذاته ولكن بقوة يتعذر حسابها بصورة أكثر. فقد سارت حامية بتروغراد في اليوم الخامس للانتفاضة خلف العمال. ودُعيت الحامية بعد الانتصار إلى انتخابات مجالس السوفييتات. فأعطى الجنود أصواتهم، ومنحوا ثقتهم لأولئك الذين وقفوا ضد الضباط الملكيين، وإلى جانب الثورة، وعرفوا كيف يقولون ذلك بصوت عالٍ، وكان الذين أدلوا بأصواتهم متطوعين، وكتبة في الجيش، وضباط صحة، وضباطًا شبانًا شُكلوا خلال الحرب وجُندوا من أوساط المثقفين، ومستخدمين صغارًا في الإدارات العسكرية، أي أن الذين صوتوا هم الطبقة الدنيا من “الطبقة الثالثة الجديدة” ذاتها. وقد انتسب معظمهم تقريبًا منذ شهر مارس (آذار) إلى الحزب الاشتراكي – الثوري الذي يتجاوب جموده الفكري أفضل التجاوب مع وضعهم الاجتماعي الوسيط، وقصورهم السياسي. ولقد كان ممثلو الحامية بناء على هذا أكثر اعتدالاً وبرجوازية من كتلة الجنود ذاتها. ومع هذا، لم تكن كتلة الجنود ترى الفرق، هذا الفرق الذي لم يصبح جليًّا وواضحًا إلا بعد تجربة الأشهر التالية.

ومن جهة أخرى، كان العمال يريدون توثيق صلاتهم بالجنود وجعلها قوية قدر الإمكان لتعزيز التحالف المُشترى بالدم، ولتسليح الثورة بصورة أكثر قوة. وبما أن آخر أشكال الاشتراكيين – الثوريين هم الذين كانوا يتحدثون باسم الجيش بصورة خاصة، كانت سلطة هذا الحزب وسلطة حلفائه المناشفة تزداد في نظر العمال. وهكذا، تأكدت سيطرة الحزبين الداعيين إلى المصالحة في مجالس السوفييتات. ويكفي أن نقول إن العمال المناشفة قاموا بدور الزعماء في الأيام الأولى، حتى أن زعامتهم امتدت إلى سوفييت دائرة فيبورغ. وكانت البلشفية في هذه الفترة تغلي في أعماق الثورة فقط. ويمثل البلاشفة الرسميون أقلية ضئيلة، حتى في داخل سوفييت بتروغراد، حتى أن هذه الأقلية لم تحدد لنفسها مهمتها بوضوح.

بهذا الشكل تشكلت مفارقة ثورة فبراير (شباط). وسقطت السلطة بين يدي الاشتراكيين – الديموقراطيين. فهم لم يمسكوا بالسلطة عن طريق الصدفة، أو بضربة قوة بلانكية. كلا! لقد سلمت الجماهير الشعبية الظافرة السلطة إليهم. ولا ترفض هذه الجماهير منح ثقتها ودعمها للبرجوازية فحسب، بل إنها لا تفرق بينها وبين الطبقة النبيلة أو البيروقراطية. وتضع هذه الجماهير سلاحها تحت تصرف مجالس السوفييتات فقط. ولكن الهم الوحيد للاشتراكيين الذين وصلوا في منتهى السهولة ليصبحوا على رأس السوفييتات هو معرفة ما إذا كانت البرجوازية، المعزولة سياسيًّا، والممقوتة من قبل الجماهير، والمعادية للثورة عداء مرًّا، ستقبل استلام السلطة من بين أيديهم. وينبغي الحصول على موافقتها مهما كان الثمن. ولكن لما كانت البرجوازية غير قادرة بالطبع على التخلي عن برنامجها الخاص، فإن علينا نحن “الاشتراكيين” أن نتنازل عن برنامجنا، وأن نسكت عن الملكية والحرب، والمسألة الزراعية، شريطة أن تقبل البرجوازية هدية السلطة.

وتابع “الاشتراكيون” وكأنهم يسخرون من أنفسهم تسمية البرجوازية بالعدو الطبقي دون أي إضافات أخرى، وهم يكرسون أنفسهم لعملية التنازل عن برنامجها وتسليم السلطة إليها. وعادة ما يتم القيام بالتحريض المدنس في احتفال شبه ديني. إن الصراع الطبقي الذي يُخاض حتى النهاية يستهدف الاستيلاء على السلطة. وإن الخاصية الأساسية للثورة هي دفع الصراع الطبقي إلى نهايته. وإن كل ثورة من الثورات هي بالضبط صراع مباشر في سبيل الاستيلاء على السلطة. بَيْد أن “اشتراكيينا” لا يهتمون بانتزاع السلطة من العدو الطبقي (حسب قولهم)، هذا العدو الذي لا يملك السلطة ولا يستطيع أخذها بقواه الخاصة، بل يهتمون بتسليم السلطة إليه مهما كان الثمن. ألا يشكل هذا الموقف مفارقة من المفارقات؟ وتزداد دهشتنا عندما نعرف أن تجربة الثورة الألمانية في عام 1918 لم تكن قائمة بعد، وأن الإنسانية لم تكن قد شهدت العملية العجيبة من النوع ذاته، التي نجحت بصورة أفضل، والتي حققتها “الطبقة الثالثة الجديدة” التي تقود الحزب الاشتراكي – الديموقراطي الألماني.

فكيف كان دعاة التوفيقية والمصالحة يفسرون موقفهم؟ كانوا يملكون في بادئ الأمر حجة المذهبيين: بما أن الثورة برجوازية، فإن على الاشتراكيين أن لا يتورطوا باستلام السلطة، وأن على البرجوازية أن تتكفل بنفسها! وكانوا يقولون هذا بلهجة متشددة جدًا. ولكن في الحقيقة، كانت البرجوازية الصغيرة تُخفي تحت ظواهرها المتشددة تزلفها لقوة الثروة، والتعليم والضريبة. وكان صغار البورجوازيين يعترفون للبرجوازية الكبيرة بنوع من الحق الأساسي باستلام السلطة، بصرف النظر عن موازين القوى. كان هذا تقريبًا في جوهره، الحركة الغريزية للبائع الصغير أو الأستاذ المتواضع، الذي يبتعد باحترام، في محطة أو مسرح لمرور… روتشيلد! وكانت حجج المذهبيين تشكل تعويضًا عن وعيهم بعجزهم وعدم أهليتهم. وبعد شهرين عندما أصبح احتفاظ البرجوازية بالسلطة بقواها الخاصة، هذه السلطة التي تنازل الاشتراكيون عنها، تخلى التوفيقيون دون عناء عن حججهم “الاشتراكية” ودخلوا في وزارة ائتلافية. ولم يدخلوا الوزارة ليطردوا البورجوازيين منها، بل على العكس لإنقاذهم. ولم يدخلوا الوزارة ضد إرادة البورجوازيين، بل على العكس دخلوها بناء على دعوة منهم لها صِفة الأمر، وكانت البرجوازية تهدد الديمقراطية بإسقاط السلطة على رءوسهم في حالة رفضهم.

وكانت حجتهم الثانية التي استندوا إليها لحرف السلطة، حجة عملية في الظاهر، دون أن تكون في جوهرها أكثر جدية. وقد استند سوخانوف، الذي عرفناه في الصفحات السابقة، قبل كل شيء إلى “تناثر” روسيا الديمقراطية، “فلو حكمت الديمقراطية روسيا، لما بقي عندئذٍ تنظيمات متينة ومؤثرة إلى حد ما، ولما بقيت أحزاب أو نقابات، أو بلدية”. ولهذا الكلام رنة السخرية! وأما عن سوفييتات مندوبي العمال والجنود، فإن أي اشتراكي يتحدث باسم السوفييتات لم يفه بكلمة عنها، مع أن السوفييتات خرجت من الأرض وأصبحت فورًا أقوى وبصورة لا تقارن من كل التنظيمات الأخرى التي حاولت فيما بعد منافستها (البلديات، والتعاونيات، والنقابات جزئيًّا). وفيما يتعلق بالطبقة الفلاحية. وهي قوة مشتتة بطبيعتها، فقد كانت منظمة أكثر مما كانت عليه في أي يوم آخر، بسبب الحرب والثورة؛ إذ جمعت الحرب الفلاحين في الجيش، وأعطت الثورة للجيش طابعًا سياسيًّا! وكان هناك عدد لا يقل عن ثمانية ملايين من الفلاحين جمعوا في سرايا وكوكبات، هذه السرايا والكوكبات التي شكلت فورًا وفودها الثورية، وأصبح بالإمكان إعدادها وتجهيزها بواسطة هذه الوفود، في كل لحظة، وبِنِدَاء هاتفي فقط. فهل يشبه هذا الوضع “التناثر” الذي تحدث عنه سوخانوف.

ويمكن القول بالتأكيد إنه في اللحظة التي تقرر فيها مسألة السلطة كان الديموقراطيون لا يعرفون بعد موقف الجيش على الجبهة. ونحن لا نثير هنا مسألة معرفة ما إذا كان هناك دافع حتى ولو كان ضعيفًا للخوف أو الأمل بأن يريد جنود الجبهة الذين أرهقتهم الحرب، دعم البرجوازية الإمبريالية. ويكفي أن نلاحظ بأن هذه المسألة كانت محلولة تمامًا في اليومين أو الثلاثة أيام التي استخدمها التوفيقيون لإعداد الحكومة البرجوازية في الكواليس. وقد اعترف سوخانوف بما يلي: “انتهت الانتفاضة بصورة سعيدة في 3 مارس (آذار)” ومع أن كل الجيش قد أعلن انضمامه للسوفييتات، فإن قادته رفضوا السلطة بكل قواهم؛ فقد كانوا يخشونها بمقدار ما كانت تتركز كاملة بين أيديهم.

ولكن لماذا حدث هذا إذن؟ كيف أمكن للديموقراطيين، و”الاشتراكيين” الذين اعتمدوا مباشرة على مثل هذه الجماهير البشرية التي لم تعرف أية ديمقراطية في التاريخ مثلها في حاشيتها، واستندوا إلى جماهير مزودة بتجربة هائلة، وجماهير منضبطة ومسلحة، ومنظمة في سوفييتات. كيف أمكن لهذه الديمقراطية القوية التي لا تتزعزع كما كان واضحًا، أن تخشى الاستيلاء على السلطة؟ وتفسير هذا اللغز الذي يبدو دقيقًا لأول وهلة هو أن الديمقراطية لم تكن تثق بدعمها الخاص، وكانت تخاف من الجماهير، وتشك في قوة الثقة التي منحتها لها الجماهير وصلابتها، وكانت ترهب “الفوضى” بصورة خاصة، أي أنها كانت تخشى، بعد أن قطفت السلطة، أن تصبح عند ممارستها لعبة بين يدي ما يسمى بالعناصر الهائجة. وبعبارات أخرى، كانت الديمقراطية لا تحس بأنها مدعوة لاستلام قيادة الشعب، في لحظة المد الثوري، بل معينة كجناح يساري للنظام البورجوازي، ونوعًا من الهوامش لهذا النظام ممدود باتجاه الجماهير. كانت تقول عن نفسها وتعتبر نفسها اشتراكية لا لتحجب دورها الفعلي عن الجماهير فحسب، بل لتحجب هذا الدور أيضًا عن يمينها؛ فلو أنها لم تثمل هكذا بذاتها، لما استطاعت أن تلعب هذا الدور. هذا هو تفسير المفارقة الرئيسية لثورة فبراير (شباط).

وفي مساء الأول من مارس (آذار) ذهب مبعوثو اللجنة التنفيذية تشخيدزه، ستيبكلوف، وآخرون إلى جلسة لجنة مجلس الدوما لمناقشة شروط دعم السوفييتات للحكومة الجديدة. وسكت برنامج الديموقراطيين عن مسألة الحرب سكوتًا تامًّا، كما أسقط مسألة إعلان الجمهورية، وتوزيع الأراضي، وتحديد يوم العمل بثماني ساعات، ولم يتوصل إلا إلى مطلب واحد ووحيد: هو مطلب حرية التحريض بالنسبة للأحزاب اليسارية. وكم كان مثلاً حسنًا في التجرد بالنسبة للشعوب وللقرون أن نرى الاشتراكيين الذين يملكون كل السلطة، ويرتبط بهم منح حرية التحريض للآخرين أو رفضها ارتباطًا كاملاً، يتنازلون عن السلطة “لأعدائهم الطبقيين” شريطة أن يكيل هؤلاء لهم الوعود… حرية التحريض! إن رودزيانكو لم يكن ليجرَأ على الذهاب إلى مبنى البريد، وكان يقول لتشخيدزه ولسوخانوف: “إن السلطة بين أيديكم، وبوسعكم اعتقالنا جميعًا”. ورد عليه تشخيدزه وسوخانوف: “استلموا السلطة ولكن لا تعتقلونا لتجعلوا منا أدوات للدعاية”. وإذا درسنا مساومات دعاة المصالحة والتوفيقية مع الليبراليين، وكل وقائع العلاقات المتبادلة بين الجناح اليساري والجناح اليميني لقصر توريد في تلك الأيام، لقلنا إن مجموعة من الممثلين الريفيين استفادوا من زاوية خالية على المسرح ومن استراحة بين مشاهد المسرحية ومثلوا مشهدًا خفيفًا ممجوجًا بلباس تنكري على المسرح الهائل الذي كانت تجري فوقه مأساة شعبية تاريخية.

لم يكن زعماء البرجوازية يتوقعون مثل هذا، وهذا حق ينبغي أن نعترف به. وربما كان خوفهم من الثورة أقل من الخوف الذي أحسوا به لو أنهم حسبوا أن زعماءها سيطبقون مثل هذه السياسة، ولارتكبوا والحق يقال خطأ في الحساب في هذه الحالة، ولكن هذا الخطأ خطأ مشترك بينهم وبين زعماء الثورة. وخشي الليبراليون أن لا توافق البرجوازية على استلام السلطة حتى في الشروط المقترحة؛ لذا قدم سوخانوف إنذارًا تهديديًّا، قال فيه: “لا يمكن لأحد غيرنا السيطرة على العناصر الثائرة…. ليس هناك إلا مخرج واحد: هو أن تقبلوا شروطنا”. وبعبارات أخرى، كان إنذار سوخانوف يقول: “اقبلوا برنامجًا هو برنامجكم أيضًا. ولكننا نعدكم بالمقابل بكبح الجماهير التي أعطتنا السلطة”، وكم كانوا مروضين مساكين للعناصر الثائرة!

واعترت ميليوكوف الدهشة من هذه الأحداث، وكتب عنه سوخانوف يقول: “لم يكن يفكر أبدًا في إخفاء رضاه ودهشته. ولكن عندما أضاف مندوبو السوفييت أن شروطهم كانت “نهائيَّة” كيما يعطوا لأقوالهم وزنًا أكبر، أصبح ميليوكوف عاطفيًّا وشجعهم بالجملة التالية: “نعم لقد سمعتكم جيدًا، وفكرت كثيرًا بعد ذلك قائلاً لنفسي كم تقدمت حركتنا العمالية منذ عام 1905…” وكانت نغمته هي نفس النغمة السمحة التي استخدمها تماسيح دبلوماسية الهوهنزولرن عندما كانوا يتفاوضون، في بريست – ليتوفسك مع مندوبي الرادا الأوكرانية وهم يقدمون لهم الاحترام لنضوجهم كرجال دولة قبل أن يبلعوهم. فإذا لم تتمكن البرجوازية الروسية من بلع الديمقراطية السوفييتية، فلا يعود الفضل في هذا إلى سوخانوف، كما أنه لا يعود لخطيئة ارتكبها ميليوكوف.

واستلمت البرجوازية السلطة من وراء ظهر الشعب. وكانت لا تملك أي دعم في أوساط الطبقات العاملة. ولكنها استلمت مع السلطة وباليد الثانية شيئًا آخر كدعم لها، فقد سلَّم المناشفة والاشتراكيون ـ الثوريون الذين دفعتهم الجماهير للانتفاضة، تفويضًا بالثقة للبرجوازية. فإذا اعتبرنا هذه العملية من زاوية الديمقراطية الصورية، تشكلت لدينا لوحة انتخابات على درجتين، أخذ فيها المناشفة والاشتراكيون – الثوريون الدور التقني للوسطاء، أي لناخبي الدرجة الأولى. وإذا اعتبرنا المسألة من وجهة نظر سياسية، استطعنا أن نقول إن التوفيقيين خانوا ثقة الجماهير بدعوتهم إلى السلطة، أولئك الذين رفعهم الشعب إلى سدة السلطة ليقفوا ضدهم. وأخيرًا من وجهة نظر اجتماعية أعمق، فإن المسألة تُطرح بالشكل التالي: أحست الأحزاب البرجوازية الصغيرة، التي كانت تبدو في شروط الحياة اليومية مدَّعية وراضية عن نفسها بصورة غريبة، أحست هذه الأحزاب عندما حملتها الثورة إلى قمة السلطة بالقلق من عجزها. فسارعت بنقل المِقْوَد إلى ممثلي رأس المال. وفي هذا العمل العاجز برزت فجأة عدم صلابة الطبقة الثالثة Tiers-Etat المروع، وارتباطها المذل بالبرجوازية الكبيرة. وبعد أن فهم الديموقراطيون أو أحسوا فقط أنهم لن يكونوا قادرين على الاحتفاظ بالسلطة لمدة طويلة، وأنهم سيتنازلون عنها، سواء لليمين أو لليسار، استنتجوا بأن من الأفضل لهم تسليم هذه السلطة في اليوم ذاته إلى ليبراليين أقوياء بدلاً من أن يسلموها في الغد إلى الممثلين المتطرفين للبروليتاريا. وبعد أن أوضحنا دور التوفيقيين بهذا الشكل مهما كان تقييمه الاجتماعي، فإنه لا يعدُو أن يكون خيانة للجماهير.

وبعد أن منح العمال والجنود ثقتهم للاشتراكيين، وجدوا أنفسهم بصورة لم يتوقعوها وقد تمت تصفيتهم من الناحية السياسية. فتشوشوا وجزعوا ولكنهم لم يجدوا المخرج فورًا. وقد أذهلهم المنتخبون من قبلهم بحجج لم يكن لديهم عليها أي جواب جاهز، ولكنها كانت تخالف كل مشاعرهم وأهدافهم. وكانت الاتجاهات الثورية للجماهير لا تتطابق أبدًا، عند انتفاضة فبراير (شباط) مع الاتجاهات التوفيقية للأحزاب البرجوازية الصغيرة. ولم يصوت البروليتاري والفلاح لصالح المنشفي أو الاشتراكي – الثوري، على اعتبارهما توفيقيين، بل انتخباهما وصوتا إلى جانبهما كعدوين للقيصر، وللملاك، والرأسمالي. ولكنهما عندما صوتا لصالح هذين الأخيرين، أقاما فاصلاً بينهما وبين أهدافهما. ولم يعد بوسعهما التقدم أبدًا إلى الأمام دون الاصطدام بالفاصل الذي أقاماه بأيديهما ودون أن يقوضاه. ذلك هو الخلاف في العلاقات الطبقية الذي أبرزته ثورة فبراير (شباط).

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية.. من الذي قاد انتفاضة فبراير (شباط)