ما هو مصير فنزويلا ؟

0
223

أغلبية اليسار في جميع أنحاء العالم خلال العقدين الماضيين كان يدعم و يدافع ، أحيانا مع بعض الانتقادات، تجربة الراحل هوغو شافيز المدعاة بـ”اشتراكية القرن الحادي والعشرين”.

حاليا، “النظام الشافيزي” بعيد كل البعد عن ما كان عليه من ازدهار. فبعد هزيمته أمام المعارضة اليمينية جراء الانتخابات التشريعية عام 2015 وسط أزمة اجتماعية و اقتصادية عارمة، تصاعدت نسبة الاحتجاجات التي تم قمعها مُخلفة عشرات القتلى والتي انتهت باقتحام الهيئة التشريعية من طرف مجموعات مسلحة موالية للحكومة.

ماهو سر كل هذه الاحداث؟ كيف و لماذا وصلت الى هذا الوضع؟

باختصارشديد، اليسار العالمي يتبنى ثلاثة مواقف وسياسات مختلقة. أولا، أنه مازال يدافع بدون تردد عن نيكولاس مادورو و النظام الشافيزي موضحا اياه أنه يواجه هجوما فاشيا خارجيا و بالتالي هناك سبب لهذا القمع. الموقف الثاني يتبناه مؤيدي النظام الشافيزي الذين صار لهم الان موقف خاص تجاه مادورو: ينتقدون سياسته و القمع المستعمل، أحيانا يشيرون الى بعض أخطاء و نقاط ضعف الشافزية، غيرانهم في الاخيرغالبا ما يكتفون بـ”الرجوع الى أصول الشافيزية” مع القليل من التعديلات. أما نحن في الرابطة الاممية فمنذ بداية الشافيزية كنا جد متأكدين بأن جذورالطبقة البورجوازية في الادارة وحفاظها على النظام الرأسمالي (رغم الخطاب اليساري “الاحمر”) حتما كان سينتهي بالفشل والوضع البائس الذي نراه اليوم. لهذا دوما سنتبنى موقف المعارضة اليسارية الحقيقية وموقف الطبقة الكادحة.

ملخص تاريخي

كي نبرر تحليلنا و موقفنا من الضروري ان نلخص السياق التاريخي حيث نشأت فيه الشافيزية والدورالحقيقي الذي لعبته خلال كل هذا الوقت.

بدأت الشافيزية بالتبلور أثناء أزمة سياسة البونتو فيخو “El Puntofijo” (التي أُسِسَت عام 1958) بعد الانتفاضة الشعبية المعروفة بـ “الكاراكاسو” عام 1989. الكاراكاسو لم يوجه ضربة قاضية للنظام فحسب بل وقد ذهب لحد تقسيم شراسة القوات المسلحة تجاه الانتفاضة.

خلال هذه الازمة العميقة للنظام الرأسمالي الفنزويلي، في عام 1992 العقيد انذاك هوغو شافيز و مجموعة من الضباط فشلوا في محاولة انقلاب عسكري. لكن من داخل السجن ، بدأ شافيز بتحفيز حراكه السياسي و بكسب شعبية كبيرة وسط الجماهير. و بعد اطلاق سراحه ترشح وفاز بالانتخابات عام 1998.

هنا بدأ النقاش داخل اليسار:

“بحسب اعتقاد غالبية التيارات اليسارية الداعمة لشافيز و حكومته كان هو السبب الرئيسي للكاراكاسو واستمراريته، أي، السياسة الممنهجة حينذاك. لكن بالنسبة لنا نحن، بما أن الشافيزية ليست إلا نتيجة أخرى للكاراكاسو فبالتالي لم تكن سوى حركة سياسية تم تدبيرها داخل صفوف العسكر للركوب على الحراك سواء لايقافه أو للسيطرة عليه من أجل توحيد القوات المسلحة و بناء دولة بورجوازية شاملة  كي لا ينتهي الامر باحداث ثورة اشتراكية”.

شافيز في الحكومة  

كانت حكومة شافيز تتميز بعدة تناقضات. أولها أنها كانت صورة خادعة للتصاعد الثوري، لذا تبنّت خطاب اليسار و معادات الامبريالية و قامت بتعديلات تأميمية بسيطة و بمنح بعض الامتيازات للعامة. لكن من جهة أخرى، كانت حكومة بورجوازية بامتياز لان هذفها الوحيد كان هو انقاد الرأسمالية و احباط الثورة. لهذا لم تتجاوز أبدا حدود الدولة “التقليدية” ولا النظام الرأسمالي. و نحن نرى اليوم تطبيق فرضية على نحو متزايد ألا وهي أنه كل من لم يقطع علاقته جذريا مع الامبريالية و الرأسمالية عاجلا أم آجلا يصبح أحد آلياته.

أصول الشافيزية تسببت في بعض الاحتكاكات مع الامبريالية الامريكية ، خصوصا في فترة جورج بوش عندما حاول الاطاحة به سنة 2002 . لكن معاداته للامبريالية كانت نوعا ما خجولة، فعلى سبيل المثال، في عهد أوباما تراجع “خطابه الحربي” معنويا (لدرجة أن في عام 2008 شافيز صرّح بنفسه أنه لو كان أمريكيا لصوّت من أجل أوباما) . أما فيما يتعلق بالامبريالية الاوروبية فالمعروف أن علاقته كانت ودودة.

لقد قلنا في السابق أنه على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي ، فإن شافيز لم يتعدّى أبدا حدود الرأسمالية. و رغم سفسطته الاشتراكية لم يتجرّأ اطلاقا على تغيير النظام من كل حيثياته.  فاتضح الامر من خلال الدساتير على مر السنوات حيث تم منح 50% من الاستثمارات النفطية لشركات أجنبية ما ادى الى سيطرة الامبريالية على كل القطاعات الرئيسية (كصناعة المركبات) و بسد الديون الخارجية (مادورو بنفسه قال مؤخرا أنه في السنتين الماضيتين دفعت فنزويلا ما يقارب 60.000 مليون دولار كعقود دولية). حتى أشهر الشركات المأممة كشركة الكهرباء بكاراكاس و قطاع الحديد بأورينوكو لم تنجو من المصيدة، والسبب انهما بنيتا على مقاييس الرأسمالية (أي شراء الاسهم المالية).

نموذج التراكم      

سياسة شافيز لم تكن ابدا اشتراكية ولم تحاول اطلاقا ان تعطي لفنزويلا شيء من الاستقلالية الاقتصادية بعيدا عن الامبريالية الشرسة. ولم تحظى سياسته فقط باستمرارية نموذج التراكم الذي سميناه بـ”الاتكاء على النفط” بل و قد بالغت في استغلاله. والملحوظ ان اصول هذا النموذج تنحدر منذ عقود و له آثار النهب الاستعماري.

بعض البيانات تشير الى ان نسبة تصديرات النفط منذ سنة 1998 الى 2012 قفزت من 64% الى 92% في حين ان مدخول النفط يمثل 90% من موارد الدولة. علما ان الدولة عانت تراجع كثيف في هذا القطاع الذي كان يمثل حوالي 18% سنة 1998 و الذي صار يمثل 14% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2012.

كان نموذج التراكم فعالا كلما ظلت أسعار النفط مرتفعة. فقد مكن الدولة بسداد الديون الخارجية، و بتوفير بعض الامتيازات للجماهير كمثل Bolivarianas Las Misiones (و هي عبارة عن برامج اجتماعية اسسها شافيز لمحاربة الفقر، الامية، مساعدات من أجل السكن، الخ)، تأميم بعض القطاعات (مثل Sidor أو Electricidad de Caracas)، لدرجة منح بعض المشروعات لفئات برجوازية أخرى و كذا إنشاء “بورجوازية بوليفارية” خاصة بهم.

تمكنت “البورجوازية البوليفارية” (والتي تجسدت في صورة ديوسدادو كابيلو أحد القادة الرئيسيين لشافيز) بالاستحواذ على العديد من الشركات و بكسب ثروة هائلة عن طريق نهب ثروات الدولة (كميزانيات Misiones و PDVSA) وبالمضاربة على أكبر فروق أسعار الصرف بين الدولار الرسمي و الدولار الموازي.

هذا الطابع البرجوازي للقيادة الشافيزية وسياستها كان هو أصل فشلها الذريع. و بما ان أُسس تلك الرأسمالية الريعية الشبه الاستعمارية لم تتغيربعد (بل ولم تخمد نيرانها حتى) ، كانت ستحدث الفوضى بدون شك و توجه البلاد نحو الهاوية خاصة بعد انخفاض أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة. وفاة شافيز وتولي نيكولاس مادورو الحكم بعده (أقل هيبة شخصية و مهارة سياسية) زادت الوضع  سوءا ، على الرغم من أن أصل الفشل كان حاضراً منذ زمن طويل.

أي نظام سياسي يتواجد اليوم في فنزويلا؟

هناك مسألة اساسية يجب التطرق اليها لفهم الوضع الذي تعيشه البلاد اليوم: أي ما هو نوع النظام السياسي الذي أسسته التشافيزية بعد سياسة El Punto Fijo؟

الجانب الاساسي الأول (وهو طبيعته الطبقية)، و قد قلنا هذا في السابق: أي أنها لم تكن لا اشتراكية ولا انتقالية اشتراكية على الاطلاق، بل برجوازية حتى النخاع.

داخل هذا الطابع البرجوازي، ونحن دائما نكرر ان شافيز اسس نظاما سياسيا كان قد سبق و ان لاحظه تروتسكي في الثلاثينات (خلال تحليله للمكسيك) على انها نابليونية شعبوية فريدة من نوعها. يقول تروتسكي أن البرجوازية في البلدان الشبه المستعمرة، كي تعوّض عن ضعفها النسبي كطبقة، تحتاج الى نظام سياسي قوي مدعوم من طرف القوات المسلحة. احد مشتقاتها الكلاسيكية تكون الديكتاتورية اليمينية. اما الاخرى فتعتمد على الشعبوية مع بعض الاحتكاكات مع الإمبريالية من اجل التفاوض على أحوال أفضل، ثم تحاول من جهة أخرى السيطرة على أكبر فئة من الاحتجاجات لتعزيز نفسها عند التفاوض مع الإمبريالية. لهذا كلما قدمت بعض الامتيازات للجماهير، كلما احتاجت إلى السيطرة عليها أكثر لمنع امتداد الحراك. حتى أقوى الحركات السياسية (كالبيرونية في الأرجنتين أو الناصرية في مصر) كانتا دائما تتميزا بعناصر قمعية.

والشافيزية ليست استثناء في هذا الصدد: هناك أمثلة عديدة عن القمع خلال “سنوات المجد” تجاه الحركة العمالية الجماعية. فعلى سبيل المثال، تم قمع عمال الحرس الوطني “Sanitarios Maracay” بوحشية سنة  2007 و في سنة 2009 قتل اثنين من عمال مصنع ميتسوبيشي على أيدي الشرطة.

الوضع الحالي

الأزمة العميقة للنموذج الريعي يشحذ كل التناقضات. من ناحية، فهو يشعل الاشتباكات بين الفئات البرجوازية الأخرى التي ترغب باستعادة السيطرة على الدولة لضمان مصالحها. و من ناحية أخرى، يواجه النظام نفسه  الجماهير لانه لم يعد باستطاعته منح المزيد من الامتيازات،  وعندما أدرك الشعب أنه محكوم عليه بعيش حياة بائسة على شكل متزايد تصاعدت الاحتجاجات.

في يومنا هذا، النظام الشافيزي لم يعد لا تقدميا ولا شعبويا بل ديكتاتوريا وقمعيا بحتا. واصبحت وضيفته الأساسية الان هي قيادة القوات المسلحة التي صارت تتقاسم كل شيء مع “البورجوازية البوليفارية”.. حتى الدفاع عن المصالح.

ما نراه اليوم في فنزويلا ليس صراعا بين نظام اشتراكي و هجوم فاشي، بقدر ما هو صراع بين نظام برجوازي رجعي خانق و كآبة شعب لم يعد قادرا على تحمل هذا الواقع المرير.

لكن المشكلة الكبرى وهي أن للواقع الحالي للشافيزية و إستسلام معظم اليساريين ساهم بان يصبح اليمين القديم بأوجه جديدة متشكلة تحت (MUD) Mesa de Unidad ، باستغلال و تسيير غضب الشعب. وأول من يتحمل مسؤولية هذا الوضع هي الشافيزية نفسها. ومن بين هذه الاسباب ، أنها (عبر تدخلاتها القمعية) أهدت لليمين أعلام الدفاع عن الحريات و الديمقراطية.

 فليرحل مادورو وتسقط حكومته التجويعية!

كما يقول البيان الأخير الصادرعن UST (المنظمة الفنزويلية للرابطة الاممية): “ندين الحكومة، الحزب الاشتراكي الموحد (PSUV) و المعارضة (MUD) لإخفاء حقائق مقترحاتها، وتفيد: “كل منهم سيجعل الشعب الكادح يدفع أكثر ثمن الأزمة الخانقة التي نعيشها.. لذلك لا يجب أن نضع الثقة في أي أحد من هؤلاء القادة أرباب العمل “.

سنستمر في الإصرار على أن العمال هم بانفسهم و بأعلامهم وبمنظماتهم الخاصة، من الاسفل الى الاعلى، من يجب علينا أن ننظم نضالا وطنيا لترحيل مادورو. فقط هكذا يمكننا الكفاح من أجل وضع خطة اقتصادية حقيقية طارئة  تخدم العمال والبلاد. كذلك نقترح أيضا: الوقف الفوري لدفع الديون الخارجية، وتقاضي أجورلائقة من أجل عيش كريم وصحة وتعليم؛ (…) الاستثمار في انتعاش الحقول و إنقاذ الشركات الأساسية؛ لا لـ Arco Minero de Orinoco[1] ، نعم لتأميم النفط ولا للشركات المشتركة (مع الدولة). احترام جميع الحريات الديمقراطية: انتخابات حرة والإفراج عن جميع المناضلين، التحقيق في جميع أعمال العنف والقتل من طرف لجنة خاصة لمنظمات حقوق الإنسان والعمال والعائلات والشخصيات المستقلة. ندين كل الهجمات على النقابات والأحزاب والمنظمات الاجتماعية والشعبية. كفى تدخل الدولة في النقابات: نريد انتخابات حرة فورا! نعم لاضراب عام و للـ”فينزولاناسو” (انتفاضة على  نحو الكاراكاسو) و ترحيل مادورو و تغيير البلاد. فليرحل مادورو وحكومة البؤس و الجوع!

لا يمكن تنفيذ هذه الخطة الاقتصادية الطارئة على كل أشكالها إلا بواسطة حكومة مكونة من العمال والفقراء. لذلك نناضل و ندعوا جميع العمال للتوحد كي نكمل هذا المشروع.