تاريخ الثورة الروسية.. مفارقة ثورة فبراير (شباط) جـ 2

0
59

وأضيف إلى المفارقة الرئيسية مفارقة أخرى فورًا. فقد كان الليبراليون موافقين على قطف السلطة من بين يدي الاشتراكيين شريطة أن تقبل الملكية استلامها من أيديهم.

وبينما ذهب غوتشكوف، مع الملكي شولغين، الذي عرفه القارئ في الصفحات السابقة إلى بسكوف لينقذ الأسرة المالكة، أصبحت مسألة الملكية الدستورية محور المفاوضات بين لجنتي قصر توريد. وسعى ميليكوف جهده كيما يبرهن للديموقراطيين، الذين قدموا له السلطة على راحة اليد، على أن أسرة رومانوف لا يمكن أن تشكل أي خطر بعد الآن، وأن من الضروري بالطبع إقصاء نيقولا والتخلص منه، ولكن الكسيس ولي العهد يستطيع، تحت وصاية شقيق القيصر الأمير ميخائيل ضمان الرخاء في البلاد؛ “فأحدهما طفل مريض، والآخر نذل”. ولنضف إذن إلى هذا الوصف الخاص الذي أعطاه شيدلوفسكي الملكي الليبرالي للمرشح لمنصب الوصي على عرش القيصر: “كان ميخائيل الكسندروفيتش يتجنب بكل الصور التدخل في مسائل الدولة، مهما كانت، ويكرس كل طاقاته لرياضة الفروسية”. فكم كانت توصية ترشيحه للوصاية على العرش أو لاستلام العرش نفسه مدهشة، وخاصة إذا ما أريد دعمها أمام الجماهير. وعندما فر لويس السادس عشر إلى فارين، صرح دانتون بكبرياء أمام اليعاقبة، أن رجلاً يتمتع بفكر سقيم لا يستطيع أن يكون ملكًا. ولكن الليبراليين الروس كانوا يعتقدون على العكس أن ملكًا ذا فكر ضعيف هو أجمل زينة للنظام الدستوري. وعلى كل حال، كانت هذه الحجة غير مبالغ فيها، ومحسوبة على أساس نفسية أغبياء اليسار، وكانت فظة جدًا بالنسبة إليهم أيضًا. ونشر في الدوائر الواسعة للبرجوازية الليبرالية أن ميخائيل الكسندروفيتش رجل “إنكليزي العادات” دون أن يوضحوا ما إذا كانت عاداته الإنكليزية متعلقة بسباق الخيول أو النظام البرلماني. وكان المهم بالنسبة إليهم هو وجود “رمز مألوف للسلطة” إذا فُقد هذا الرمز تصور الشعب أن السلطة غير موجودة.

وكان الديموقراطيون يستمعون ويراقبون كل هذا بإعجاب وتهذيب. فهل نصحوا… بإعلان قيام الجمهورية؟ كلا، ينبغي أن لا نسبق الأحداث حول هذه المسألة. فالمادة الثالثة من شروط اللجنة التنفيذية تقول صراحة بما يلي: “ينبغي أن لا تقوم الحكومة المؤقتة بأية حال من الأحوال بخطوات تحدد مسبقًا شكل الحكومة المقبل”. وكان ميليوكوف يطرح مسألة الملكية كإنذار. وكان الديموقراطيون في حالة يأس. ولكن الجماهير هرعت عندئذ لمساعدتهم، وفي الاجتماعات التي انعقدت في قصر توريد، لم يكن هناك شخص أو عمال أو جنود يريدون قيصرًا، ولم تكن هناك أية وسيلة لفرض أي قيصر عليهم. ومع كل هذا حاول ميليوكوف معاكسة التيار، وإنقاذ العرش والأسرة المالكة من فوق رءوس حلفائه اليساريين.

وقد أشار ميلكوف في كتابه “تاريخ الثورة” بنوع من الاحتراس، إلى أن الاضطراب الذي أحدثه بيانه في مساء 2 مارس (آذار) حول موضوع وصاية ميخائيل “قد ازداد لدرجة هائلة”. وقد رسم رودزيانكو بألوان حية الأثر الذي أحدثته مكائد الليبراليين الملكية على الجماهير. وما أن عاد غوتشكوف من بسكوف، بعد أن حصل على وثيقة تنازل نيقولا لصالح ميخائيل، حتى انتقل بناء على طلب عمال السكك الحديدية، إلى ورشات السكك، ووصف ما حدث، وقرأ على الجماهير الوثيقة وأنهاها صائحًا: “عاش الإمبراطور ميخائيل!” واعتقل الخطيب فورًا حسب شهادة رودزيانكو، من قبل العمال وقيل إنه هُدد بالإعدام، “وتوصلنا بعد عناء كبير إلى تخليصه بمساعدة سَرِية كانت مناوبة في أحد الأفواج القريبة”. وكالعادة، بالغ رودزيانكو في بعض النقاط، ولكنه أعاد تصوير الوقائع في جوهرها بصورة صحيحة. فقد لفظت البلاد الملكية بصورة جذرية حتى أصبحت هذه الملكية عاجزة عن العودة إلى حلق الشعب بأية صورة من الصور؛ فالجماهير الثورية لا تقبل أبدًا بقيصر جديد.

وما أن واجه أعضاء اللجنة المؤقتة هذه الظروف، حتى أخذوا يبتعدون عن ميخائيل واحدًا إثر الآخر، ولكن لم يكن ابتعادهم عنه بصورة نهائية، وإنما “بانتظار انعقاد المجلس التأسيسي”. وسنرى ذلك جيدًا. وكان ميليوكوف وغوتشكوف هما الوحيدان اللذان دعما الملكية حتى النهاية، واستمرا في طرح هذا الشرط المبدئي لاشتراكهما في الوزارة. فما العمل؟ فكر الديموقراطيون أنه لن يكون بالإمكان تشكيل حكومة برجوازية بدون اشتراك ميليوكوف، وأنه لن يكون بالإمكان، بدون حكومة برجوازية إنقاذ الثورة. وامتدت المحاورات والمناقشات المضنية إلى ما لا نهاية. ويبدو أن اللجنة المؤقتة في جلستها التي انعقدت في صباح 3 مارس (آذار) قد انحازت كلها إلى الرأي القائل “بضرورة تنازل شقيق الملك…” فقد كان ميخائيل قد اعتُبِر إذن كالقصر! وكان لدى نيكراسوف -أحد أعضاء الجناح اليساري لحزب الكاديت- نصٌ جاهز لإعلان تنازل شقيق القيصر، ولكن نظرًا لأن ميليوكوف كان يرفض التنازل بعناد، وجدوا أخيرًا بعد جدال مثير الصيغة التالية: “يضع الحزبان أمام شقيق الإمبراطور آراءهما المسببة، ويفوضانه باتخاذ القرار، ويعلقان المناقشة في الموضوع”.

وهكذا أصبح الرجل “السخيف” الذي حاول شقيقه البكر الذي خلعته الانتفاضة نقل العرش إليه خلافًا لأعراف السلطة المالكة وتقاليدها، أصبح هذا الرجل حَكَمًا في مسألة شكل الدولة الملائمة لبلد ثائر. ومهما يبدو هذا غير متصور، فإن النقاش والجدال حول مصير الدولة قد وقع فعلاً. وأكد ميليوكوف لشقيق القيصر أن هناك إمكانية كبرى لجمع قوات عسكرية خارج بتروغراد تدافع عن حقوقه كيما يقنعه بالتخلي عن اصطبلاته احترامًا للعرش. وبعبارات أخرى ما أن تلقى ميليوكوف السلطة من أيدي الاشتراكيين حتى وضع خطة انقلاب ملكي. وعندما انتهت الخطب الموالية والمعارضة، التي ألقاها عدد كبير من الأعضاء، طلب شقيق الملك منحه بعض الوقت للتفكير. ودعا رودزيانكو للاجتماع به في غرفة مجاورة لقاعة الاجتماع، وطرح عليه بصراحة السؤال التالي: هل بوسع الزعماء الحاليين أن يضمنوا له العرش ورأسه أيضًا؟ فرد عليه هذا الموظف الملكي -الذي لا مثيل له- إنه لا يستطيع أن يعد الملك إلا بالموت معه إذا اقتضى الأمر.

ولكن هذا لم يكن كافيًا لمدعي السلطة، فبعد أن عانق ميخائيل رومانوف رودزيانكو عاد نحو النواب الذين كانوا ينتظرون، وفسر لهم “بصورة حازمة نوعًا ما” تنازله عن المنصب الكبير الذي عرض عليه، هذا المنصب المرعب الذي قدم إليه ويخشى استلامه. وعندئذ، تحرك كرنسكي -الذي كان يجسد في هذه المحادثات ضمير الديمقراطية- وقفز من مقعده صائحًا: “إن لسموكم قلبًا نبيلاً!” وأقسم أنه سيذهب لإعلان ذلك في كل مكان. وأبدى ميليكوف ملاحظة خشنة قائلاً: “لم يكن تفخيم كرنسكي منسجمًا مع القرار الدنيء المتبني” وليس بوسع المرء إلا أن يتفق معه حول هذا الرأي. فنص هذا المشهد لا يتطلب بالتأكيد خطبًا تفخيمية. وينبغي أن نكمل المقارنة التي أجريناها حول هذا المشهد مع المسرحية التي تدور في زاوية ميدان قديم، بقولنا بأن المسرح قطع إلى مسرحين ووضعت بينهما الحواجز، فمن الجهة الأولى للمسرح كان الثوريون يستعطفون الليبراليون لإنقاذ الثورة، ومن الجهة الأخرى كان الليبراليون يستعطفون الملكية لإنقاذ الليبرالية.

ودهش ممثلو اللجنة التنفيذية بصورة بالغة من رؤية رجل متنور وحاذق كميليوكوف، يظهر جموحًا ورفضا، ويعاند من أجل بقاء الملكية، ويبدي استعداده أيضًا للتخلي عن السلطة إذا لم يعط بالإضافة إليها أحد أفراد أسرة رومانوف كهدية. ومع كل هذا لم يكن تمسك ميليوكوف بالملكية ناجمًا عن مذهبية أو رومانطيقية، بل على العكس كان تمسكه ناجمًا عن حساب واضح قام به الملاكون الخائفون. ويكمن في صفاقتهم أيضًا ضعفهم الذي لا يداوى. ومما لا شك فيه أنه كان بوسع المؤرخ ميليوكوف أن يتعلل بأن ميرابو أحد زعماء البرجوازية الثورية الفرنسية، حاول أيضًا، في مطلع الثورة الفرنسية، التوفيق بين الثورة والملك. وهنا نجد أن السبب أيضًا يعود إلى خوف الملاكين على ملكياتهم؛ فمن التعقل أكثر وضعها في حماية الملكية، في الوقت الذي تقف فيه الملكية تحت غطاء الكنيسة. ولكن في عام 1789، بقي تقليد السلطة الملكية في فرنسا معترفًا به من كل الشعب، هذا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار أن كل الدول الأوروبية المجاورة لفرنسا، إبان الثورة، كانت ملكية. وعندما تمسكت البرجوازية الفرنسية بالملك، كانت تتمسك بالبقاء على الأرضية نفسها مع الشعب، وكانت تجد مبرراتها لدى الشعب ضد نفسها على الأقل.

وكان الوضع في روسيا في عام 1917 مختلفًا كل الاختلاف. وبصرف النظر عن المآسي والمثالب التي تعرض لها النظام الملكي في بلدان مختلفة، كانت الملكية الروسية قد تصدعت منذ عام 1905، ولم يعد رأب هذا التصدع ممكنًا. وبعد 9 يناير (كانون الثاني) حَرم البابا غابون القيصر و”عائلته من الملعونين”. وكان سوفييت مندوبي العمال الذي تشكل في عام 1905 يقف على أرضية جمهورية. وظهر أن مشاعر طبقة الفلاحين الموالية للملكية، والتي اعتمدت عليها القيصرية خلال فترة قصيرة، واتخذتها البرجوازية حجة ومبررًا لتغطية ولائها الخاص للملكية، ظهر أن هذه المشاعر لا وجود لها. وكانت الثورة المضادة المؤيدة للحرب -والتي ظهرت بوضوح ابتداء من تاريخ مغامرة كورنيلوف- تُعلن عن رفضها الجازم للسلطة القيصرية، رغم انبثاق جزء كبير من هذا الرفض عن المراءاة والخبث؛ فقد فقدت الفكرة الملكية جذورها في الشعب.

ومع ذلك، فإن ثورة 1905 ذاتها، التي وجهت ضربة مميتة للنظام الملكي، كانت تقوم بتخريب الاتجاهات الجمهورية للبرجوازية “المتقدمة”. وقد تحقق هذان التطوران التكميليان، الواحد مع الآخر. ومنذ الساعات الأولى لثورة فبراير (شباط) تعلقت البرجوازية التي أحست بأنها تغرق، بقشة. وكانت بحاجة للملكية، لا لأنها تشترك بهذا الإيمان مع الشعب، بل على العكس، لأنها لا تستطيع مجابهة القناعات الشعبية بشيء آخر غير شبح متوج. وتقدمت الطبقات “المتعلمة” في روسيا على أرض الثورة لا كمبشرات بقيام دولة عقلانية، بل كبطلات لمؤسسات من مؤسسات القرون الوسطى، وحاولت أن تفتش عن السند فوقها؛ لأنها لم تكن تملك أية نقطة استناد في الشعب، أو في ذاتها.

لقد كان أرخميدس يدعي أن بوسعه رفع الأرض، لو أُعطي نقطة استناد. وكان ميليكوف على العكس، يفتش عن نقطة استناد ليمنع تقويض الملكية وقلبها. وفي هذه النقطة كان يحس بأنه أقرب إلى جنرالات القيصر الهرمين، وإلى أصحاب المقامات الرفيعة في الكنيسة الأرثوذكسية، من قربه للديموقراطيين المستأنسين الذين لم يكونوا يهتمون إلا بمجاملة الليبراليين. وقد وجد ميليكوف نفسه عاجزًا عن إحباط الثورة، فراح يغرر بها ويكيد لها. وكان مستعدًا لقبول أمور كثيرة؛ كالحريات المدنية للجنود، والبلديات الديمقراطية، والمجلس التأسيسي، شريطة أن تترك له نقطة استناد أرخميدس: وهي الملكية. وكان يخطط ليجعل من الملكية المحور الذي يتجمع حوله الجنرالات، والبيروقراطية المجددة، وأمراء الكنيسة، والملاكون، وكل المستائين من الثورة، وذلك بصورة تدريجية وخطوة أثر خطوة، ومبتدئًا “برمز”. كما كان يخطط لخلق كابح ملكي حقيقي بصورة تدريجية تتزايد مع تعب الجماهير من الثورة. ولم يكن الهدف بالنسبة إليه سوى كسب الوقت.

وفسر نابوكوف، وهو زعيم آخر من زعماء حزب الكاديت، فيما بعد الميزة الأساسية التي كان من الممكن الحصول عليها لو أن ميخائيل قَبِل العرش: “استبعاد المسألة القاتلة الخاصة بدعوة مجلس تأسيسي في زمن الحرب”. وعلينا أن نحفظ هذه الكلمات: فقد اتخذت المعركة القائمة لتأجيل انعقاد المجلس التأسيسي من موعد إلى آخر أهمية كبيرة في الفترة الواقعة بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول). وتابع زعماء الكاديت بإصرار وعناد سياسة الشعوذة في هذه المعركة، مع إنكارهم بصورة مطلقة أن فكرتهم كانت تأجيل استدعاء ممثلي الشعب. ولكن وا أسفاه! كان عليهم أن لا يعتمدوا إلا على أنفسهم بلجوئهم إلى هذا الأسلوب، ولم يتهيأ لهم الاحتماء خلف الملكية في نهاية المطاف. وبعد فرار ميخائيل، لم يعد بإمكان ميليوكوف أن يتعلق حتى بقشة.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية.. مفارقة ثورة فبراير (شباط)