تاريخ الثورة الروسية .. السلطة الجديدة جـ 1

0
51

لم يكن بوسع البرجوازية الروسية المعزولة عن الشعب، والمرتبطة برأس المال النقدي الأجنبي بصورة أوثق بكثير من ارتباطها بالجماهير العاملة في بلدها، والتي ظهرت بصورة متأخرة على المسرح، ووقفت تعادي الثورة التي حققت الانتصار، لم يكن بوسع هذه البرجوازية بنفوذها وحده أن تجد أي سبب يبرر ادعاءاتها بالسلطة. ومع ذلك كان وجود قاعدة مبرَّرة أمرًا ضروريًّا، لأن الثورة لم تخضع الحقوق الموروثة لرقابة قاسية فحسب، بل أخضعت الادعاءات الجديدة. وكان رودزيانكو رئيس اللجنة المؤقتة، الذي كان على رأس بلد ثائر في الأيام الأولى بعد الانتفاضة، أقل الناس قدرة على طرح الدوافع المقنعة أمام الجماهير.

كان رودزيانكو غلامًا في القصر في ظل الكسندر الثاني، ثم أصبح ضابطًا في فوج خيَّالة الحرس، ثم مارشالاً يمثل طبقة النبلاء في المناطق، وموظفًا في حاشية نيقولا الثاني، ثم غدا ملكيًّا متعصبًا للنظام الملكي، وإقطاعيًّا غنيًّا وعضوًا مؤثرًا في الزيمستفو، وعضوًا في الحزب الأكتوبري، ومندوبًا في مجلس الدوما الإمبراطوري، ثم انتخب فيما بعد رئيسًا لمجلس الدوما. وقد انتخب لرئاسة مجلس الدوما بعد أن جُرد غوتشكوف من سلطاته الكاملة لأنه كان مكروهًا في البلاط، ومعتبرًا من المتحمسين لحركة “تركيا الفتاة”، وكان مجلس الدوما يأمل عن طريق هذه الشخصية الوصول بسهولة أكبر إلى قلب الملك.

كان رودزيانكو يفعل كل ما بوسعه، وكان يؤكد للقيصر إخلاصه للأسرة المالكة بدون خبث أو مراءاة، ويطلب تقديمه لولي العهد الوريث كدليل على إخلاصه، ويتبجح أمام ولي العهد بأنه “أضخم وأقوى رجل في روسيا كلها”. ورغم هذه المداعبات البيزنطية، لم يستطع اكتساب القيصر في مسألة الموافقة على الدستور. وكانت زوجة القيصر تسمي رودزيانكو في رسائلها بصورة موجزة بالسافل. وخلال الحرب، نقل رئيس مجلس الدوما من دون شك دقائق مزعجة للقيصر؛ إذ وضعه في مآزق حرجة، بتحذيرات مشوشة وجهها إليه، وبالنقد الوطني والتنبؤات الغامضة. وكان راسبوتين يعتبر رودزيانكو خصمه الشخصي. وكان كورلوف أحد زعماء شلة القصر يتحدث عن “الوقاحة” الطبيعية التي يتصف بها رودزيانكو بالإضافة إلى “فكره الضيق”. أما ويت فكان يتحدث عن رئيس الدوما بتسامح أكبر، ولكن دون أن يمتدحه: “ليس رودزيانكو شخصًا بليدًا، إنه معقول إلى حد ما. ومع ذلك لا تكمن صفته الرئيسية في فكره، بل في صوته، إن له صوتًا جهوريًّا”. وحاول رودزيانكو في بادئ الأمر التغلب على الثورة بواسطة خراطيم رجال الإطفاء. وبكى عندما علم بأن حكومة الأمير غاليتزين قد تخلت عن موقعها. ورفض مذعورًا السلطة التي قدمها له الاشتراكيون، ثم قبِل استلامها، ولكنه قَبل استلامها، كمواطن أمين، ليعيد السلطة الضائعة للملك في أول فرصة تسنح له. وإذا كانت هذه الفرصة لم تسنح، فإن ذلك لم يكن بسبب خطأ ارتكبه رودزيانكو. وبالمقابل، أتاحت الثورة لرودزيانكو، بفضل مساعدة الاشتراكيين أنفسهم القدرة الواسعة على استخدام صوته الجهوري أمام الأفواج الثائرة.

وكان رودزيانكو رئيس سرايا الحرس قد صرح بتاريخ 27 فبراير (شباط) لأحد أفواج الخيالة الذي ظهر في قصر توريد: “أيها المحاربون الأرثوذوكس، اسمعوا نصيحتي، إني رجل كبير السن ولن أحاول خداعكم، استمعوا إلى الضباط فهم لن يعلمونكم شيئًا سيئًا، وسيقررون كل شيء باتفاق كامل مع مجلس الدوما الإمبراطوري. فلتعش روسيا المقدسة!”. وكان كل ضباط الحرس مستعدين لقبول مثل هذا التحول. ولكن الدهشة أصابت الجنود؛ لماذا ينبغي أن يستمعوا إلى الضباط؟ كان رودزيانكو يخشى الجنود والعمال، ويعتبر تشخيدزه ورجال اليسار الآخرين عملاء لألمانيا، وكان ينظر حوله في كل لحظة، بعد أن وُضع على رأس الثورة، ليرى ما إذا كان مجلس السوفييت سيعتقله.

إن شخصية رودزيانكو مضحكة بعض الشيء، ولكنها لا تخلو من التفكير. ولهذه الشخصية صوت جهوري رائع وهي تمثل تحالف طبقتين حاكمتين في روسيا؛ الملاكون النبلاء، والبرجوازية، وينضم إليهما الإكليروس التقدمي. وكان رودزيانكو ذاته تقيًّا جدًا؛ فقد تعلم الأغاني الدينية، في حين كان البورجوازيون الليبراليون، بصرف النظر عن رأيهم في الأرثوذكسية، يجدون أن التحالف مع الكنيسة ضروري للنظام بقدر ضرورة التحالف مع الملكية.

وكان مظهر الملكي المحترم الذي استلم السلطة من المتآمرين، والمشاغبين، وقتلة الحكام يبدو في هذه الأيام في وضع محزن. ولم يكن وضع الأعضاء الآخرين في اللجنة أفضل من وضعه. وكان بعضهم يتجنب بصورة عامة الحضور إلى قصر توريد، نظرًا لرأيه بعدم جلاء الوضع بعد. وكان أعقل أعضاء اللجنة يسير على رئوس الأصابع حول مخزن حطب الثورة، ويسعل بسبب الدخان، ويقول لنفسه: سنحاول عمل اللحم المشوي عندما ينتهي اشتعال الحطب. ولم تقرر اللجنة فورًا تشكيل الوزارة، بعد قبولها استلام السلطة واكتفت، على حد تعبير ميليوكوف، “بانتظار لحظة تشكيل الحكومة” بتعيين المفوضين من بين أعضاء الدوما، لأعلى المؤسسات الحكومية الكبرى، وتركت اللجنة بهذا الشكل مجالاً لها للتراجع.

وأرسل إلى وزارة الداخلية نائب تافه هو كاراولوف. ولكنه ربما كان أقل جبنًا من الآخرين، وأصدر كاراولوف بتاريخ الأول من مارس (آذار) مرسومًا بانتقال كل موظفي الشرطة العامة أو السرية وأفراد الدرك. وكان لهذه الحركة الثورية الرهيبة طابع أفلاطوني، نظرًا لأنه تم اعتقال أفراد الشرطة قبل صدور كل الأوامر والمراسيم، وكان السجن بالنسبة إليهم الملاذ الوحيد من اقتصاص الجماهير الثائرة. واعتبرت الرجعية بعد فترة طويلة من الزمن العمل التظاهري لكاراولوف بداية كل النكبات.

وعين العقيد أنجلهاردت قائدًا لحامية بتروغراد، وهو ضابط في أحد أفواج الحرس، وملاك اسطبلات لخيول السباق، وسيد إقطاعي كبير. وبدلاً من أن يعتقل أنجلهاردت “الديكتاتور” إيفانوف الذي وصل من الجبهة ليعيد العاصمة إلى صوابها، نراه يضع تحت تصرفه ضابطًا رجعيًّا للعمل كرئيس للأركان: حقًا لقد كان الاثنان من العجينة ذاتها.

وأرسل إلى وزارة العدل ماكلاكوف، وهو نجم من نجوم المحامين الليبراليين في موسكو، وفصيح وفارغ في الوقت ذاته. وقد فهم البيروقراطيون الرجعيون منه في بادئ الأمر أنه لا يريد أن يصبح وزيرًا بفضل الثورة و”ألقى نظرة على رفيق أرسل خصيصًا إلى هناك وهو يدخل”، فقال باللغة الفرنسية: “إن الخطر إلى اليسار”.

ولم يكن الجنود والعمال بحاجة لمعرفة الفرنسية ليحسوا أن هؤلاء السادة هم ألد خصومهم.

ومع كل هذا لم يشوش رودزيانكو على رأس اللجنة خلال فترة طويلة. وسقط ترشيحه لرئاسة الحكومة الثورية من تلقاء ذاته؛ فقد كان الوسيط بين الملاكين والملكية غير قادر بالطبع على القيام بالدور ذاته بين الملاكين والثورة. ولكن لم ينزل من على خشبة المسرح أبدًا، وبقي يعاند في محاولة إثارة الدوما كوزن معاكس للسوفييت، وبقي مركزًا لكل محاولات الثورة المضادة التي قام بها البورجوازيون والملاكون. وسنعود للحديث عنه في الصفحات التالية.

وفي الأول من مارس (آذار) اهتمت اللجنة المؤقتة بتشكيل مجلس وزراء، ووضعت في مقدمة لائحة الترشيح الشخصيات التي أوصى بها القيصر مرارًا منذ عام 1915، كشخصيات تتمتع بثقة البلاد، من كبار المزارعين والصناعيين، ومندوبي المعارضة في الدوما، وزعماء الكتلة التقدمية. حتى كأن الثورة التي قام بها العمال والجنود لم يكن لها أي أثر على تشكيل الحكومة الثورية، فيما عدا استثناء وحيد تقريبًا. وكان هذا الاستثناء هو كرنسكي. وكان رودزيانكو – كرنسكي وامتدادهما وشمولهما يعبران عن ثورة فبراير (شباط).

وقد دخل كرنسكي في الحكومة، كسفير مفوض فوق العادة إذا أمكننا أن نقول ذلك، ومع ذلك، فإن موقفه إزاء الثورة كان موقف محامٍ يعمل في الأرياف وانتقل منها وبدأ بالمرافعة في القضايا السياسية. ولم يكن كرنسكي ثوريًّا، بل كان يحتك بالثورة ويتصل بها فقط. وأصبح كرنسكي رئيسًا لمفرزة الترودوفيكيون (العماليون). وهي ثمرة ضعيفة لزواج سياسي تم بين الليبرالية والشعبية.

ولم يكن كرنسكي يملك إعدادًا نظريًّا، أو انضباطًا سياسيًّا، أو قدرة على التعميمات، أو إرادة كسياسي. وقد استبدلت كل هذه الصفات بانفعالية شاردة، وبغليان سهل، وببلاغة لا تؤثر على الفكر أو الإرادة، بل تؤثر على الأعصاب. ولقد ألقى كرنسكي في مجلس الدوما، خطبًا مشبعة بفكر راديكالي مفخم لا يخلو من الدوافع، استحق عليها الشهرة لكنها لم تجعله شعبيًا. وخلال الحرب كان كرنسكي يعتبر وطنيًا، وكان يرى مع الليبراليين أن فكرة الثورة ذاتها تؤدي إلى الضياع. واعترف بالثورة عندما وقعت. وحملته الثورة إلى أعلى المناصب عندما تعلق بشعبيته الظاهرية. وتجسدت الانتفاضة بالطبع بشخصه في السلطة الجديدة.

وقد قررت اللجنة التنفيذية مع ذلك أن من الواجب إعطاء السلطة للبرجوازية في ثورة برجوازية. وكانت هذه الصيغة تبدو خاطئة لكرنسكي لأنها تغلق عليه باب الوصول إلى الوزارة. وكان مقتنعًا تمامًا بما يلي: إن إيمانه بالاشتراكية لن يمنع الثورة البرجوازية، كما أن الثورة البرجوازية لن تسبب أي ضرر لمبدئه الاشتراكي. وقررت اللجنة المؤقتة لمجلس الدوما محاولة انتزاع النائب الراديكالي من السوفييت، وتوصلت إلى تحقيق ذلك دون عناء؛ إذ اقترحت عليه استلام حقيبة وزارة العدل، التي تسنَّى لماكلاكوف الوقت الكافي للتنازل عنها. وكان كرنسكي يوقف أصدقاءه في الممرات ويسألهم: هل أقبل الوزارة أم لا؟ وكان هؤلاء الأصدقاء على ثقة من أن كرنسكي قد قرر القبول. ولاحظ سوخانوف، الذي كان آنذاك ميَّالاً لكرنسكي في مذكراته التي كتبها فيما بعد، لاحظ في كرنسكي ما يلي: “ضمانة القيام بمهمة من المهمات… والتصرف بخشونة وفظاظة إزاء الذين لم يتنبئوا له بهذه المهمة”. وأخيرًا نصح الأصدقاء، ومنهم سوخانوف، كرنسكي بقبول الحقيبة الوزارية؛ فسيكون ذلك أضمن، وسيكون لديهم رجل يعمل لنفسه لمعرفة ما يجري لدى هؤلاء الخبثاء من الليبراليين. ولكن زعماء اللجنة التنفيذية، وهم يدفعون كرنسكي بصوت منخفض إلى ارتكاب الإثم القاتل الذي كان يطمح إلى ارتكابه بكل قواه دون مساعدتهم، كانوا يرفضون منحه موافقة رسمية؛ لأن اللجنة التنفيذية كانت قد أعلنت رأيها، كما ذكر سوخانوف كرنسكي بذلك، وأصبح “من الخطر” طرح المسألة أمام السوفييت الذي يستطيع الرد ببساطة: “إن السلطة من حق الديمقراطية السوفييتية”.

ذلك هو حرفيًّا سرد سوخانوف ذاته، وهو تركيب غير معقول من السذاجة والوقاحة. واعترف ملهم كل كوميديا السلطة المقدسة بصراحة أن سوفييت بتروغراد كان مستعدًا منذ 2 مارس (آذار) لاستلام السلطة التي هي من حقه بحكم الأمر الواقع منذ مساء 27 فبراير (شباط)، وأن الزعماء الاشتراكيين نزعوا هذه السلطة من أيدي السوفييت لصالح البرجوازية من وراء ظهر العمال والجنود، وبدون معرفتهم وضد إرادتهم الفعلية. واكتسبت الصفقة المعقودة بين الديموقراطيين والليبراليين في رواية سوخانوف كل الظواهر القانونية الضرورية لجريمة مرتكبة ضد الثورة، ولمؤامرة سرية ضد السلطة وحقوق الشعب.

وفيما يتعلق بعدم صبر كرنسكي، كان زعماء اللجنة التنفيذية يهمسون فيما بينهم أنه ليس من الأدب والحشمة أبدًا لاشتراكي قبول جزء من السلطة من بين أيدي رجال مجلس الدوما الذين استلموا السلطة الكاملة منذ فترة قصيرة من أيدي الاشتراكيين. ولقد كان من الأفضل لو أن كرنسكي فعل ذلك تحت طائل مسئوليته الشخصية. والحقيقة، كان هؤلاء السادة يجدون في كل وضع، وبغريزة عاجزة أكثر المخارج تشويشًا وخطأ. ولكن كرنسكي لم يكن يريد الدخول في الحكومة تحت رداء نائب راديكالي. كان يحتاج إلى رداء كبير لمفوض مطلق الصلاحيات تعطيه له الثورة الظافرة. ولكي لا يتعرض لمعارضة ومقاومة، فإنه لم يطلب موافقة الحزب الذي أعلن انتماءه كعضو فيه، ولا موافقة اللجنة التنفيذية التي يتسنَّم منصب الرئيس فيها.

وطلب كرنسكي الكلام ليدلي بتصريح عاجل دون أن يخطر زعماء مجلس السوفييت في جلسته التي انعقدت بكامل هيئتها، هذا المجلس الذي كان يمثل في تلك الأيام اجتماعًا فوضويًّا، طلب كرنسكي الكلام ليدلي بتصريح عاجل، وطلب منحه الثقة، في خطاب وصفه البعض بأنه مشوش، كما وصفه الآخرون بأنه هيستيري -وليس في هذين الوصفين أي تناقض- وتحدث عن تصميمه الكامل للموت من أجل الثورة وقراره الفوري لاستلام وزارة العدل. وكان يكفي أن يشير إلى ضرورة إصدار عفو سياسي، وإلى ضرورة محاكمة أصحاب المقامات العليا في النظام القيصري؛ لكي يثير عاصفة من التصفيق في مجلس يفتقر إلى التجربة والقيادة. وقد قال شليابنيكوف في ذكرياته ما يلي: “أثارت هذه المزحة لدى كثير من الأشخاص سخطًا عميقًا وكرهًا ضد كرنسكي”. ولكن أحدًا لم يرد عليه؛ فبعد أن نقل الاشتراكيون السلطة إلى البرجوازية، تجنبوا إثارة هذه المسألة أمام الجماهير. ولم يحدث أي تصويت. فقرر كرنسكي تفسير التصفيق بأنه منح للثقة. وكان على حق في هذا الأسلوب الذي اتبعه. وكان أعضاء السوفييت من أنصار دخول الاشتراكيين في الوزارة، ووجد كرنسكي في دخولهم خطوة نحو القضاء على الحكومة التي لم يتفق معها، ولو لدقيقة واحدة. ومهما يكن من أمر، فإن كرنسكي قبل بتاريخ 2 مارس (آذار) منصب وزير العدل، بعد أن قلب العقيدة الرسمية للسلطة. ويرى الأكتوبري شيد لوفسكي “أن كرنسكي كان مسرورًا جدًا من تعيينه. وإنني أذكر تمامًا أنه كان متمددًا في مبنى اللجنة المؤقتة، ويتعلق نفسه بحرارة في أنه سينقل العدالة في روسيا ويحملها على قاعدة لا يمكن لأحد الوصول إليها”. وهذا ما برهن عليه كرنسكي بالفعل بعد عدة أشهر في القضية المرفوعة ضد البلاشفة.

ورفض المنشفي تشخيدزه -الذي أراد الليبراليون استنادًا إلى حساب بسيط ومعتمدين على التقليد الدولي- فرض وزارة العمل عليه في لحظة صعبة، رفض هذا المنصب بصورة قاطعة وبقي رئيسًا لسوفييت المندوبين. وكان تشخيدزه مع ذلك من معدن أصلب من معدن كرنسكي، ولكنه أقل بريقًا.

كان ميليوكوف محور الحكومة المؤقتة، مع أنه لم يكن رئيسها. فهو بلا جدال زعيم حزب الكاديت. وقد كتب نابوكوف بعد أن قطع صلاته بميليوكوف قائلاً: “كان ميليوكوف على العموم من طراز غير طراز زملائه في الوزارة كقوة فكرية، وكفرد يتمتع بمعارف عديدة لا ينضب معينها، وفِكر واسع”. ثم كتب سوخانوف الذي حمّل شخصية ميليوكوف مسئولية سقوط الليبرالية الروسية، ما يلي: “كان ميليوكوف في ذلك الوقت الوجه المركزي، وروح كل الدوائر السياسية البرجوازية وعقلها… وبدونه لم يكن من الممكن وجود أية سياسة برجوازية في الفترة الأولى من الثورة”. ومهما تكن هذه الأحكام متطرفة، فهي تشير إلى تفوق ميليوكوف المؤكد على سياسي البرجوازية الروسية الآخرين. وتكمن قوته فيما يشكل ضعفه أيضًا؛ فقد كان يعبر بصورة كاملة أكثر من الآخرين، وفي لغة السياسة عن مصير هذه البرجوازية، أي عن عجزها التاريخي. وإذا كان المناشفة قد حزنوا لأن ميليوكوف أفسد الليبرالية، فإن بوسعنا أن نقول بصورة أدق أن الليبرالية دمرت ميليوكوف.

فبرغم اتسام ميليوكوف بسُلافية جديدة تؤججها أهداف إمبريالية، فإنه بقي دائمًا نصيرًا بورجوازيًا للغرب. وكان يعتبر انتصار الحضارة الأوروبية في روسيا هدفًا لحزبه، ولكنه كان يخشى الطرق الثورية التي مرت فيها الشعوب الغربية. ولهذا تحوَّل ولاؤه للغرب إلى غِيرَة عاجزة إزاءه.

لقد أشادت البرجوازية الإنكليزية والبرجوازية الفرنسية مجتمعًا جديدًا على صورتها. وأتت البرجوازية الألمانية فيما بعد واضطرت خلال فترة طويلة للاكتفاء بحساء من الشوفان الفلسفي. واخترع الألمان كلمة Weltanschauung (رؤية العالم) التي لم يعرفها الإنكليز، أو الفرنسيون. وفي حين كانت الشعوب الغربية تبني عالمًا جديدًا، كان الألمان يتأملون هذا العالم بإمعان. ولكن البرجوازية الألمانية، العاجزة في العمل السياسي، خلقت الفلسفة التقليدية -وليس هذا بحصيلة ضعيفة- ثم جاءت البرجوازية الروسية متأخرة جدًا. حقًا، إن البرجوازية الروسية، ترجمت الكلمة الألمانية Weltanschauung إلى الروسية، وأوجدت لها كثيرًا من الكلمات البديلة، بَيْد أنها لم تبرهن بذلك إلا على فقرها الفلسفي القاتل، بالإضافة إلى عجزها السياسي. وكانت تستورد الأفكار والتقنية بعد أن وضعت على التقنية تعرفة جمركية عالية، كما وضعت على الأفكار حجر الخوف. وكان ميليوكوف مدعوًا إلى إعطاء تعبير سياسي بمثل هذه الملامح لطابع طبقته.

كان ميليوكوف أستاذ تاريخ في موسكو، ومؤلف عدة كتب علمية، ثم أصبح مؤسسًا لحزب الكاديت الذي اندمج فيه اتحاد الملاكين الليبراليين واتحاد المثقفين اليساريين. ولم يكن ميليوكوف يمارس السياسة كهواية منبثقة عن كبرياء السيادة وسمو الثقافة، تلك الهواية التي اتسمت بها أكثرية السياسيين الليبراليين الروس، بل كان ميليوكوف يمارس مهنته بجدية، ويكفي هذا لإبراز قيمته.

وكان الليبراليون الروس حتى عام 1905 يحسون عادة بالإزعاج من كونهم ليبراليين. وكانت صبغة الشعبية، وصبغة الماركسية فيما بعد بالنسبة إليهم اللون الضروري للحماية. ويعبر هذا الاستسلام المُخجل أمام الاشتراكية والذي لا يتسم بأي عمق في واقع الأمر لعدد واسع من الدوائر البرجوازية، وبينهم عدد من صغار الصناعيين، يعبر هذا الاستسلام عن الافتقار إلى الثقة الوثيقة لطبقة ظهرت في الوقت المناسب تقريبًا لجمع الملايين، واستلام قيادة الأمة. وقد كنز الأموال آباء ملتحون وموجيك وأصحاب دكاكين أثروا دون أن يفكروا بدورهم الاجتماعي. وخرج الأبناء من الجامعات في فترة التخمر ما قبل الثوري للأفكار، وعندما حاولوا أن يجدوا لأنفسهم مكانًا في المجتمع، لم يسارعوا إلى العمل تحت عَلَم الليبرالية، الذي أفنته الدول المتقدمة وذهبت كثرة الاستعمال بلونه وغطته بالرقع والشقوق المرتقة. وخلال فترة من الوقت، تخلوا للثوريين عن جزء من نفوسهم، وعن قسط من عائداتهم. وبالإضافة إلى ذلك كان عدد هائل منهم قد مرَّ في سنوات شبابه في مرحلة التعاطف مع الاشتراكية. وهذا يخص ممثلي الحِرف الليبرالية. ولم يُصب الأستاذ مليوكوف بحصبة الاشتراكية. وكان بورجوازيًّا بكل معنى الكلمة، ولم يكن يخجل من ذلك.

حقًا! إن مليوكوف خلال فترة الثورة الأولى لم يكن قد تخلَّى نهائيًّا عن الأمل في الاعتماد على الجماهير الثورية بواسطة الأحزاب الاشتراكية المُستأنسة. ويقول ويت إنه في اللحظة التي كان يشكل فيها حكومته الدستورية، في أكتوبر (تشرين الأول) 1905، ونظرًا لأنه كان يطالب الكاديت “بقطع ذيل الثورة” ردوا عليه بأنهم لا يستطيعون التخلي عن القوة المسلحة للثورة، تمامًا كما لا يستطيع ويت التخلي عن الجيش. والحقيقة، كان هذا الادعاء منذ ذلك الوقت نوعًا من المُزَايدة. فقد كان أعضاء حزب الكاديت يحاولون إرهاب ويت بالجماهير التي يخشونها، كما يسودوا ويسيطروا. وتبعًا لتجربة عام 1905 لاحظ مليوكوف أن القوى الحقيقية للثورة -الجماهير- لن تسلم أبدًا سلاحها للبرجوازية -مهما كان تعاطف المجموعات الاشتراكية المثقفة قويًّا- وأن خطرها على البرجوازية سيزداد كلما أصبحت أفضل تسليحًا. وعندما أعلن مليوكوف بصراحة أن العلم الأحمر هو خرقة حمراء، توصَّل إلى رضًى طبيعي عن قصة لم يبدأ قراءتها بصورة جدية.

وكان انعزال الطبقة المسماة بالأنتليجنسيا عن الشعب يُشكل أحد المواضيع التقليدية للصحافة الروسية؛ حيث كان الليبراليون، على عكس الاشتراكيين، يعنون بالأنتليجنسيا كل الأشخاص “المتعلمين” أي الطبقات المالكة. ومنذ أن انكشف هذا الانعزال وأصبح كاملاً ومهددًا لليبراليين خلال الثورة الأولى عاش أيديولوجيو الطبقات “المتعلمة” كما لو أنهم بانتظار أبدي لحكم أخير. وقد عبَّر أحد الكتاب الليبراليين، وهو فيلسوف غير ملتزم سياسيًّا عن خوفه من الجماهير بعنف مستميت يُذكر بالفكر الرجعي الصرعي لدوستويفسكي: “مهما كُنَّا فنحن لا نستطيع أن نحلم باندماج الشعب فحسب، بل ينبغي علينا أيضًا أن نخشاه أكثر من كل عمليات الإعدام التي تقوم بها الحكومة، وأن نقدس هذه السلطة التي تحمينا لوحدها، بحرابها وسجونها، وتنقذنا من الجنون الشعبي”. فهل يستطيع الليبراليون في مثل هذه الإجراءات السياسية أن يحلموا بقيادة شعب ثوري؟ إن كل سياسة مليوكوف مطبوعة ببصمة خاتم اليأس. وفي لحظة الأزمة الوطنية، كان الحزب الذي وجد على رأسه مليوكوف يفكر في تجنب الضربة، لا في توجيهها.

وكان مليوكوف كاتبًا جامد الأسلوب، مُطنبًا، ومضجرًا. وينطبق هذا القول عليه كخطيب. ولم يكن شخصًا يزين المجالس. وكان من المحتمل أن يكون واحدًا “زائدًا” لو أن السياسي البخيل مليوكوف لم يكن بحاجة لقناع، أو كان لديه على الأقل ملاذ موضوعي يتمثل في تقاليد كبيرة. بَيْد أنه لم يكن يملك حتى تقاليد صغيرة. وللسياسة الرسمية في فرنسا، وهي لباب أنانية البورجوازيين ومكرهم دعمان قويان: التقاليد والبلاغة. وهي تتكامل وتغلف بحجاب واقٍ كل سياسي بورجوازي، حتى ولو كان هذا السياسي مثل بوانكاريه التافه المتطفل على مواد رأس المال الكبير. وليس من خطأ مليوكوف إذا كان قد افتقر إلى أسلاف سبقوه وحددوا أساليب الاستهواء وإثارة العواطف، وإذا اضطر إلى تطبيق سياسة الأنانية البرجوازية في بلاد تقع على حدود أوروبا مع آسيا.

ونقرأ في ذكريات الاشتراكي – الثوري سوكولوف، عن ثورة فبراير (شباط) ما يلي: “إلى جانب مشاعر التعاطف مع كرنسكي، كان هناك منذ البدء، نفور كبير واضح وغريب في نوعه من ميليوكوف. وإني لا أفهم وما زلت لا أفهم لماذا كان هذا السياسي المحترم لا يتمتع بأية شعبية إلى هذه الدرجة”. ولو أن غير المثقفين فهموا سبب حماستهم لكرنسكي واشمئزازهم من ميليوكوف، لكفوا عن كونهم غير مثقفين. ولم يكن البورجوازي المتوسط يحب ميليوكوف لأنه كان يعبر بمعان نثرية، متزنة، لا تلوين فيها، عن الجوهر السياسي للبرجوازية الروسية. فعندما ينظر مليوكوف إلى نفسه في المرآة، يجد هذا البورجوازي أنه تافه، وجشع وجبان، ويغضب من مرآته كما يحدث عادة.

وكان مليوكوف يقول بهدوء وثبات، وهو يلاحظ من ناحيته تكشيرات الاستياء من البورجوازي الليبرالي: “إن رجل الشارع مغفل”. وكان يتكلم دون انفعال، وبلهجة المداعبة تقريبًا، وهو يتمنى أن يقول: إذا لم يفهمني رجل الشارع اليوم، فلن يكون ذلك كارثة، لأنه سيفهمني فيما بعد. وكان مليوكوف يعيش هذه الضمانة العميقة من أن البورجوازي لن يخونه، وينقاد إليه وهو يطبق منطق الوضع، نظرًا لعدم وجود أي مخرج آخر. والواقع أن كل الأحزاب البرجوازية، حتى أحزاب اليمين تبعت زعيم الكاديت بعد انتفاضة فبراير (شباط)، وهي تشتمه أحيانًا وتلعنه أيضًا.

وكان الوضع مختلفًا بالنسبة لسوخانوف السياسي الديموقراطي ذو الطابع الاشتراكي. ولم يكن سوخانوف رجلاً يسعى لاكتساب الشارع، بل كان على العكس سياسيًّا محترفًا، خبيرًا إلى حد ما بمهنته الصغيرة. أما ذكاؤه فلا يمكن أن يبدو عليه لأن هناك تناقضًا مستمرًا قائمًا يقفز إلى العيون فجأة بين ما كان يريده وما يصل إليه. ولكنه كان خبيثًا يشوش ويضايق. فلِجَرِّه ينبغي خداعه لا بإعطائه استقلالاً كاملاً فحسب، بل باتهامه يتجاوز الحدود في القيادة، واتهامه بالاستبداد. وهذا النوع من الكلام يتملقه ويجعله يعتاد على دوره في المجاملة. وفي حديث مع هؤلاء الماهرين في الاشتراكية ألقى مليوكوف جملته القائلة: “إن رجل الشارع مغفل”. كانت تملقًا دقيقًا؛ “ليس هناك أذكياء إلا أنتم ونحن”. وكان مليوكوف يضع في هذه اللحظة الحلقة في أنف أصدقائه الديموقراطيين. ثم أدَّت هذه الحلقة إلى استبعادهم فيما بعد.

ولم تكن شعبية مليوكوف الشخصية تسمح له برئاسة الحكومة؛ فقد تكفل بالشئون الخارجية، التي كانت من اختصاصه في مجلس الدوما.

وكان غوتشكوف وزير حرب الثورة من أكبر رجال الصناعة في موسكو. وقد عرفناه سابقًا فهو ليبرالي منذ شبابه مع استعدادات للمغامرة. ثم أصبح فيما بعد رجل ثقة البرجوازية الكبيرة في عهد ستوليبين خلال فترة سحق الثورة الأولى. وقد أدَّى حل مجلسي الدوما الأولين اللذين كان الكاديت يسيطرون عليهما، إلى انقلاب 3 يونيو (حزيران) 1907، الذي استهدف تعديل حق الانتخاب لصالح حزب غوتشكوف، وهو الحزب الذي قاد فيما بعد مجلسي الدوما الأخيرين حتى قيام الثورة. وفي عام 1911، عندما احتفل في كييف بتشييد ضريح ستوليبين الذي قتله أحد الإرهابيين، وضع غوتشكوف إكليلاً من الزهور وانحنى بصمت إجلالاً واحترامًا، وكانت حركته هذه باسم طبقة كاملة. وكرَّس غوتشكوف كل جهوده بصورة خاصة في الدوما لمسائل “الطاقة العسكرية”. وكان يتعاون مع مليوكوف في إعداد الحرب. وجمع غوتشكوف الصناعيين تحت شعار المعارضة الوطنية، بوصفه رئيسًا للجنة المركزية للصناعات الحربية، دون أن يمنع في الوقت ذاته زعماء الكتلة التقدمية، ومنهم رودزيانكو من “تحقيق الأرباح” في تجهيز المواد العسكرية. وقد نشر أحد الثوريين نصف الأسطورة المرتبطة باسمه عن إعداد ثورة القصر. وكان المدير السابق للشرطة يؤكد بالإضافة إلى هذا أن غوتشكوف “سمح لنفسه في محادثات خاصة فيما يتعلق بالإمبراطور، أن يطلق على القيصر لقبًا مهينًا إلى حد كبير” وهذا معقول جدًا. ولكن غوتشكوف لا يخالف في هذا المجال. فقد كانت زوجة القيصر التقية تكره غوتشكوف، وتوجه إليه إهانات كبيرة في رسائلها وتتمنى له أن يشنق “على أعلى شجرة”، وكانت زوجة القيصر تتمنى هذا المصير لأكثر من شخص في الدولة. ومهما يكن من أمر فإن الذي حيا منحنيًا حتى الأرض جلاد الثورة الأولى، أصبح وزيرًا للحربية خلال الثورة الثانية.

وسمي شينغاريف أحد أعضاء الكاديت وزيرًا للزراعة، وهو طبيب ريفي، أصبح فيما بعد نائبًا في الدوما. وكان أقرب أنصاره إليه يعتبرونه إنسانًا شريفًا دون المتوسط في ذكائه، أو حسب تعبير نابوكوف “مثقف روسي ريفي، لم يخلق للعمل في قيادة الدولة، بل في ناحية أو قسم من الأقسام”. وفسدت الراديكالية المحيرة التي اتسمت بها سنوات شباب شينغاريف مدة طويلة، وأصبح همه الرئيسي أن يُظهر للطبقات المالكة نضوجه كرجل دولة. ومع أن البرنامج القديم لحزب الكاديت تحدث عن “نزع إجباري لملكية أراضي الملاكين النبلاء طبقًا لتقدير صحيح” فإن الملاكين لم يحملوا هذا المنهاج على محمل الجد، وبصورة خاصة الآن، خلال سنوات تضخم الحزب. ووجد شينغاريف أن الشيء الأساسي في مهمته هو تأجيل حل المسألة الزراعية بإعطاء الفلاحين الأمل، مع سراب انعقاد مجلس تأسيس كان أعضاء الكاديت لا يريدون دعوته. وسنرى كيف دقت ثورة فبراير (شباط) عنقها حول مسألة الأرض، ومسألة الحرب.

وساعدها شينغاريف بقدر ما استطاع.

وآلت حقيبة وزارة المالية إلى شاب يدعى تيريشتشنكو. وهنا لا بُدَّ من التساؤل أين وجدوه؟ كان كل من في قصر توريد يطرح هذا السؤال بدهشة. وكانت الشخصيات العليمة تفسر بأنه ملاك لمصافي السكر، وأن له أملاكًا وغابات وثروات لا تحصى يقدر ثمنها بـ80 مليون روبل ذهبي، وأنه كان رئيسًا للجنة الصناعات الحربية في كييف، ويتحدث الفرنسية بطلاقة، ويعتبر خبيرًا في الباليه. وكانوا يضيفون أن تيريشتشنكو، باعتباره موضع ثقة غوتشكوف، قد شارك في المؤامرة الكبرى التي كانت نتيجتها تنازل نيقولا الثاني. وساعدت الثورة التي أحبطت المؤامرة تيريشتشنكو.

وخلال الأيام الخمسة من فبراير (شباط)، بينما كانت المعارك الثورية تجري في شوارع العاصمة التي غطاها الجليد، مر أمامنا مرارًا ظل ليبرالي وُلد من عائلة وجيهة، إنه ابن الوزير السابق للقيصر نابوكوف، وهو شخصية تمثل الأدب واحترام الذات، والأنانية المتزنة. ولقد قضى نابوكوف الأيام الحاسمة من الانتفاضة بين أربع جدران ديوان من الدواوين، أو بين أفراد عائلته “في ترقب مذهل وقلق”. ثم أصبح الآن أمينًا لسر الحكومة المؤقتة، وكان بالفعل وزيرًا بلا وزارة. وعندما هاجر إلى برلين دوّن هناك ملاحظات لا تخلو من الفائدة عن الحكومة المؤقتة، تركها بعد أن أطلق عليه أحد الحراس البيض رصاصة حمقاء. فلنسجل هذه المزية لحسابه.

ولكننا نسينا تسمية رئيس الوزراء، الذي كان الجميع ينسونه في أكثر اللحظات جدية من هيمنته المؤقتة. فبعد أن أوصى مليوكوف بتشكيل الحكومة الجديدة في الاجتماع الذي انعقد في قصر توريد بتاريخ 2 مارس (آذار) عين مليوكوف الأمير لفوف “كتجسيد للأوساط الاجتماعية الروسية التي اضطهدها النظام القيصري”. وأشار مليوكوف بحذر فيما بعد في كتابه “تاريخ الثورة” أنه وضع الأمير لفوف “غير المعروف شخصيًّا من أكثرية أعضاء اللجنة المؤقتة”. على رأس الحكومة. ويحاول المؤرخ هنا تحرير السياسي من مسئوليته في هذا الاختيار. والحقيقة، كان الأمير يُعتبر منذ فترة طويلة في الجناح اليميني لحزب الكاديت.

وبعد حُل أول مجلس للدوما، في جلسة النواب المشهورة التي انعقدت في فيبورغ، والتي وجه فيها الأعضاء للسكان نداء الليبرالية المهانة الشعائري -“لا تدفعوا الضرائب”- كان الأمير لفوف حاضرًا ولم يُوقع البيان. ويذكر نابوكوف في ذكرياته أن الأمير مرض منذ وصوله إلى فيبورغ، وأن توعكه “يُعزَى إلى الانفعال الذي أحسَّ به”. ولكن جميع الظواهر تشير إلى أن الأمير لم يخلق للهِزات الثورية. وكان الأمير لفوف المعتدل إلى حد كبير يتحمل في كل المنظمات التي وجد على رأسها عددًا كبيرًا من مثقفي اليسار والثوريين القدماء، والوطنيين الاشتراكيين الموجودين في المؤخرات الأمينة، بسبب لا مبالاة سياسية تشبه سعة الأفق. وكان هؤلاء لا يعملون بصورة أسوأ من الموظفين الآخرين، ولا يسرقون أبدًا، ويخلقون في الوقت ذاته للأمير مظهرًا من مظاهر الشعبية. وكان لفوف أميرًا غنيًّا وليبراليًّا، الأمر الذي كان له وقع على البورجوازي المتوسط. ولهذا كان يُرشح دومًا كرئيس للوزراء منذ أيام القيصر. فلو أردنا تلخيص ما قيل، وجدنا أن من الضروري الاعتراف بأن رئيس حكومة ثورة فبراير (شباط) يمثل فراغًا واضحًا للعِيان، مع أنَّة صاحب سمو. وكان لرودزيانكو على كل حال رونقًا أكبر.

إن التاريخ الأسطوري للدولة الروسية يبدأ بمجموعة أخبار تحكي أن مبعوثين من العشائر السلافية أتوا ورجوا الأمراء السكاندينافيين وقالوا لهم: “تعالوا واملكونا، وكونوا أمراءنا”. وقد حوَّل ممثلو الديمقراطية الاشتراكية التعساء الأسطورة التاريخية إلى حركة في القرن العشرين، لا في القرن التاسع، مع الفارق التالي: أنهم لم يتوجهوا إلى أمراء ما وراء البحار، بل إلى أمراء البلاد. وهكذا أدَّت انتفاضة العمال والجنود إلى أن يعتلي السلطة عدة ملاكين وصناعيين في منتهى الغنى لم يكونوا بارزين في شيء، وهواة للسياسة لا يملكون أي برنامج، على رأسهم أمير لا يتحمل الاضطرابات.

وتلقت سفارات الحلفاء تأليف الحكومة بالرضا، كما عمَّ الرضا الصالونات البرجوازية والبيروقراطية ودوائر البرجوازية المتوسطة والواسعة، وجزءًا من الطبقة البرجوازية الصغيرة. وكانت أسماء الأمير لفوف، والأكتوبري غوتشكوف، وعضو الكاديت مليوكوف تحمل رنة جمهورية مهدئة. وربما كان اسم كرنسكي هو الاسم الوحيد من أسماء الوزراء الذي اضطر الحلفاء إلى التكشير عند سماع تعيينه، ولكنه لم يكن يرعبهم على كل حال. وقد فهم الأذكياء ما يلي: هناك ثورة في البلاد على كل حال. إن وجود حصان جر موثوق مثل مليوكوف يجعل وجود حصان نشيط إلى جواره أمرًا لا يخلو من الفائدة. بهذا الشكل وُصِف الوضع من قِبل سفير فرنسا باليولوغ، الذي كان يحب الاستعارات الروسية.

وولَّد تأليف الحكومة مشاعر عدائية لدى العمال والجنود، أو ولَّد في أفضل الحالات ارتباكًا مكتومًا. ولم يكن اسما مليوكوف أو غوتشكوف يثيران أي تهليل في المصانع والثكنات. ولدينا في هذا المجال شهادات عديدة. فقد عبر الضابط مستيسلا فسكي عن القلق الكئيب الذي اعترى الجنود، الذين رأوا السلطة تنتقل من القيصر إلى أمير، كانوا يتساءلون هل كان مثل هذا النقل يستحق عناء سفك الدماء؟ وفي 3 مارس (آذار) قام ستانكيفيتش المُقرَّب من كرنسكي بجولة تفتيشية في كتيبته، كتيبة النقابيين، وزار سرِية بعد الأخرى، وامتدح الحكومة الجديدة التي كان يعتبرها هو شخصيًّا أفضل كل الحكومات الممكنة، وكان يتحدث عنها بحماسة كبرى. ولكن “استقبل الجنود المستمعون كلماته ببعض البرود”. ولم “ينفجر الجنود مهللين” إلا عندما ذكر الخطيب اسم كرنسكي. في هذا الوقت، كان الرأي العام في أوساط البرجوازية الصغيرة للعاصمة قد وصل إلى تحويل كرنسكي إلى بطل يقف في مركز الثورة. وكان الجنود يريدون أكثر من العمال أن يروا في كرنسكي وزنًا معاكسًا للحكومة البرجوازية. وكانوا مدهوشين فقط لأنه وحيد في هذا المكان. ولكن كرنسكي كان في الحقيقة متممًا للحكومة، لا وزنًا معاكسًا لها، وكان تمويهًا، ونوعًا من الزينة؛ إذ كان يدافع عن نفس المصالح التي يدافع عنها مليوكوف ولكن ببريق كبريق المغنيزيوم.
للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية.. مفارقة ثورة فبراير (شباط) جـ 2