نقاش مع يسار تونسي 2 عن الوضع السوري والثورة السورية

0
39

بقلم سلامة كيلة
عن موقع “الحوار المتمدّن”

عن الوضع السوري والثورة السورية (2 -2)

في النقاش مع رامي كان الأمر يتعلق بنقص في المعلومات وعدم المتابعة الدقيقة للوضع السوري، وأيضا اختلاف في المنهج. مع فريد و لا نجد سوى الأحكام غير المبنية على دلائل. ونلمس كيف أن تحوّل الموقف من النظام السوري الى محور تحديد، حيث إما معه أو يجري تكرار “سيستم” سطحي يقوم على سردية أن كل من هو ضده فهو سعودي، قطري، إمبريالي، داعشي وهكذا. بغض النظر عن رأيك في كل هذه الدول والقوى، حيث ليس من متابعة لما يكتب، ولا حاجة أصلاً لمتابعة ما يكتب، فهذه “مهمة صعبة” تفرض القراءة والبحث، وتفرض الموضوعية وليس الشلف. لهذا سيكون ردي هنا “توضيحياً” في الغالب، لأنْ ليس هناك ما يدفع الى النقاش النظري. حيث نجد فعل السيستم الجديد الذي يقسم العالم الى “فسطاطين”، الأمر الذي يجعله يكرر اللازمة المتعلقة بالاتهام واصدار الحكام والربط بالمحور المعتبر معادياً للنظام السوري. وهذا أمر سهل، بالضبط لأن هذا الخطاب مكرر ومكرور، ومتداول وبالتالي يمكن “تشغيل المسجل” بسهولة.
طبعاً، أأسف لأنني أناقش فريد بهذا الشكل، وهو دكتور الفلسفة، ولا شك أن ردوده فاجأتني، ليس لأنه يطرح ما يناقض رأيي، بل لأنه اتبع هذه الطريقة في الرد التي أفهم أن يتبعها متحمس لتيار معيَّن. واؤكد له أنني أعرف جيداً خريطة اليسار التونسي فعلاقتي به قديمة، وحين أتناول اليسار هنا، أشير الى التيار الغالب فيه، وأميّز بين اليسار “الرسمي” وبين المجموعات الشيوعية واليسارية التي تشكلت أو تتشكل، رغم أن في هذه المجموعات ما يطرح موقفاً متقارباً مع التيار السائد. وبالتالي حين أشرت الى اليسار كنت أتحدث عن الوفد البرلماني الذي زار دمشق، وأوضحت اختلاف المواقف في الجبهة الشعبية من القضية السورية. في كل الأحوال سوف أتناول “الموضوعات الخمس” التي نشرت على صفحة فريد، بما يستحق من النقاش أو الكشف. وأشير بداية الى أن فريد يهرب الى الاتهام والى الأحكام دون دليل أو تحليل، أو تفكيك، حيث تبدو أحكام القيمة هي كل زاده، وهو ما سأوضحه حين تفكيكي لرده.
يبدأ فريد بالإشارة الى مكان نشر المقال المذكور، حيث نشر “في مواقع محسوبة على بعض الدول الخليجية”، لكنه لا يعتبر أن العيب في هذا، “عندما يتعلق الأمر بكتابة لا تخع لإستراتيجيات تلك الدول، غير أن هذا الشرط مفقود في حالة كيلة، فمقالاته بخصوص المسألة السورية تتماهى وتلك الإستراتيجيات”. كرر الأمر في تعليقه الأول على مقالي، ولكي لا يحرج نشرت في هامش رده رابطين لمقالين لي حول الصراع الخليجي وتحليلي له، ودور الدول الإقليمية في سورية، لكن يبدو أن “الرفيق” لا يقرأ، ويريد فقط أن يثبِّت تهمة، هذه مشكلته، حيث يريد الإتهام “لوجه الله”، فقط لأنه عاجز عن تفكيك ما طرحت. يا صديقي، سأكرر موقفي هنا بعد أن نشرته في مئات المقالات، وعدد من الكتب، وأسمعتك إياه حينما التقينا:
1) منذ بدء الثورة التونسية وانتصارها في ترحيل بن علي كتبت مقالاً عنوانه “النظم العربية كلها يجب أن ترحل” نشر في جريدة السفير (وهي ليست خليجية)، وكتبت بعد الثورة المصرية تحليلي للسيناريو الأميركي لتحقيق تحالف بين الإخوان المسلمين والنظام القديم في تونس ومصر، وهو شكل الالتفاف على الثورة. وحين استلم الإخوان في تونس ومصر كان موقفي واضحاً من ذلك، لهذا أشرت الى أن الشعب المصري يحضّر لثورة جديدة ضد الإخوان، لهذا شاركت في ثورة 30 يونيو ورأيت زخمها، وكتبت في العربي الجديد بعد أن صدرت دفاع عن الثورة، وتأكيد أن الشعب هو الذي أسقط الإخوان بينما انقلب الجيش على الثورة، واشتبكت مع الذين يؤكدون على أن ما جرى هو انقلاب على مرسي. وحين كتبت عن الإسلام السياسي والثورات العربية شرحت دور هؤلاء بكل وضوح كونهم ليسوا من الثورة، وهم جزء من الرأسمالية التقليدية الليبرالية، والمتواطئة مع الإمبريالية الأميركية.
2) في سورية منذ البدء وقفت ضد كل السياسة التي إتبعها إخوان سورية في أسلمة الثورة، وأدنت دور قناة الجزيرة وقطر وتركيا التي تعمل على “تركيب” الإخوان على الشعب السوري، وهذا ما ذكرته أخيراً في المقال الذي نشرته في مجلة بالأحمر. وفي الصراع الخليجي الراهن نشرت موقفي الذي يقول أنه صراع من أجل الهيمنة على المنطقة ونهبها، وأن كل هذه الأطراف دعمت الإرهاب (وكنت أشرت لقطر وتركيا في دعم الإرهاب في جريدة العربي الجديد).
3) يا صديقي أنا لا أغيّر مواقفي حسب التكتيك والمصلحة، وأعرف دائماً أن هذه الصحف التي أنشر بها تتحملني لمدة فقط، بالضبط لأنني لا أخضع لسياساتها، ولا اقبل بألا أذكر أدوار الدول الداعمة لها. فقط وما دمت تعتبر ذاتك باحثاً، عليك البحث عن مواقفي قبل كيل التهم. يمكن أن نختلف في المواقف، لكن لا يفرض ذلك، بالنسبة لباحث، أن يؤلف موقف الخصم، ويقوّله ما لا يقوله، وبالتالي يزوّر مواقفه.
4) بالنسبة للموقف من الاتحاد العام التونسي للشغل وزيارة دمشق، ممكن يكون النهضويون في موقف رافض، وهذا أمر طبيعي لأنهم من قطع العلاقة (مع المنصف المرزوقي)، لكن هذا لا يعيبني، ولا يعني أنني أتبع سياسة قطر. وإذا أردتُ أن أنطلق من المنظور ذاته يأقول أنك تتبع مارين لوبين وكل اليمين الفاشي الذي يدعم بشار الأسد. في الصراعات السياسية تحدث تقاطعات، لكن الأساس هو السياق العام ومجمل الأفكار التي يطرحها الشخص، وليس تشابه موقف.
مخجل أن يكون مدخلك هو هذا، وبهذه الطريقة التي لا تنم عن القدرة على البحث، والتي تنطلق من “سيستم” ثابت يعتبر أن كل مناهض للنظام السوري هو سعودي قطري إخواني. سمعت ذلك كثيراً ولم أرد لأن ما أطلقها إما “جيش ألكتروني” أو شباب مندفع، يكررما يسمح. أما أن تقولها أنت فهذه مصيبة. خصوصاً أنك تؤكد أنني قلت أنني أبحث عن الكتابة في الموقع “الأكثر إدراراً للمال”. ما قلته هو أنه بما أنني صحفي فأكتب بالصحف الموجودة، والتي هي لدول أو لرأسمال، كما يشتغل خبير تقنية في شركة رأسمالية، أو أستاذ جامعة في جامعة تابعة لدولة تتبع رأسمالية، فأي عمل في ظل سيطرة الرأسمالية سيكون في أعمال رأسماليين، المهم الموقف، وأنت كتبت لي “موقفي” بكل “جدارة” (أقصد جهل)، ما دمت لم تقرأ ما أكتب، والأسوأ أنك سمعت رأيي مباشرة في كل المسائل التي تتهمني بها.
هل هو تحسس من موقفي لأن النهضة شنت حملة على الزيارة؟ ربما، لكن كان هذا يستدعي التحسس من موقف الغنوشي والنهضة (لاحقاً) من الثورة التونسية، حيث وقف معها، الأمر الذي يستدعي، وفق هذا المنظق، رفض الثورة. لا شك في أن كل طرف، وكل فئة يتخذ موقفه انطلاقاً من مصالحه ورؤيته وأهدافه، وهذا ما يجعل التقاطع ممكناً في المواقف، لكن هل يفرض التقاطع التحالف؟ بالنسبة لي، ومع الإسلاميين، لا؟ وهذا اختلافي مع جبهة 18 أكتوبر، ومع كل اليسار الذي تحالف مع الإسلام السياسي في كل البلدان العربية، حيث أنني أعتبر الإخوان هي التعبير الطبقي عن شريحة رأسمالية تقليدية، ومتشابكة مع الرأسمال الخليجي والإمبريالي. بمعنى أن موقفي من الإسلام السياسي أشدّ من موقف اليسار هذا، لكنني لا أقع، في المقابل، نتيجة ذلك، في مطبّ التحالف مع رأسمالية مافياوية، وهذا نقدي لتشكيل جبهة الإنقاذ.
كنت اعتبرت أن المواقف من النظام السوري في أحد جوانبها “النكاية بالنهضة”، فريد ينتقد ذلك، ويرفض أنه يتعلق الأمر بالنكاية، لكنه يوضّح بالملموس أن الأمر نكاية، حيث يقول أن النهضة عملت “بقوة على إفشال مشروع إعادة العلاقات مع سورية، ونجحت في ذلك داخل البرلمان”، ويكمل “وتنزل زيارة وفد الاتحاد في إطار هذه المعركة، فالنقابيون يريدون القول أنه على خلاف تونس الرسمية فإن تونس الشعبية مع عودة العلاقات الدبلوماسية”. ولا شك في أن هذا الصراع هو الذي حوّل مواقف بعض الأحزاب من الثورة السورية، ومنهم (مع الأسف) فريد ذاته. طبعاً لم أقتصر على هذا الجانب حيث أشرت الى أن البعض الآخر ينطلق من “”معرفة” اليسار و”البروليتاريا” بالوضع العالمي، وفهم “المؤامرات” التي تقوم بها الإمبريالية ضد “النظم التقدمية”، أو باختلاط السببين معاً”، وبالتالي هؤلاء القادة ينطلقون من “سياسة” مبنية على أحد هذين الجانبين أو على كليهما، حيث ان اليسار الرائج ينطلق من “سيستم نظري” تناولته في ردي على رامي.
هل يعني أن رفضي للزيارة يعني بقاء العلاقات مقطوعة؟ لم تكن مشكلتي هذه، ولم أفرح حينما قُطعت العلاقة، ولست مهتماً بعودتها، لأن النظم بمجملها متشابهة، وتقطع أو تعيد نتيجة مصالح. ما رفضته هو الزيارة، ولقاء رئيس بات لا يحكم، ومجرم حرب، وطالب الشعب بإسقاطه (حتى وإن اعتبرنا أن الثورة انتهت)، على الأقل احتراماً للشعب الذي طالب بذلك، والذي تدمرت بيوته ومناطقه ومدنه وتهجّر، وقتل منه مئات الآلاف، ولا زال في السجون مئات الآلاف. وأيضاً وقّع على عقد احتلال روسيا لسورية. أفهم ألا يكون أي كان ضد كل التشكيلات القائمة المناهضة للنظام، وأن لا يعتبر أن هناك ثورة، لكن أن يصبح مع نظام مافياوي دمّر سورية، وباعها؟ هذا أمر لا يليق بيسار، أي يسار.
طبعاً، لم يهتم فريد بالأسس التي طرحتها في المقال، وفي الرد عليه، لتوضيح سبب رفضي للزيارة، وهرب الى كيل الاتهام، واصدار الأحكام، ولم يرجع الى كل المراجع التي أشرت إليها وأنا أدعم ما أقول، حيث أن كل ذلك لا معنى له، وليس مهماً، ولا يغيّر شيئاً فيما يطرح. إن ما لا يعرفه هو غير موجود، ولا يفيد توضيح المرجع، لأن وجوده يفكك الخطاب الاتهامي الذي يكيله. يا صديقي، الذي لا تعرفه لا يعني أنه غير موجود، بل يعني أن معرفتك ناقصة، ولقد حاولت أن أشير الى ما يعزز معرفتك دون جدوى، بالضبط لأنه لا يحتاج الى معرفة الواقع حيث تعينه “النظرية” على معرفة كل شيء، وبالتالي فإن كل الوقائع التي يمكن أن أسردها لا قيمة لها لأن “النظرية” هي التي تحدِّد الواقع.
والأدهى أنه “يلعب في المياه العكرة” حين يتناول الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث يُظهر أنني أهاجم الاتحاد، لهذا يشرح دوره العريق في الكفاح، وأنه قدّم التضحيات، وكل ذلك أعرفه لهذا لم أعمم نقدي على الاتحاد كما يحاول ويداور لكي يقول، فأنا لم ألمح الى أن قيادة الاتحاد هي من زار دمشق بل قلت بوضوح ذلك، ومن ثم يكرر نقدي لقيادة الاتحاد التي كانت قريبة من بورقيبة وبن علي. ماذا يريد القول؟ نقدت قيادة الاتحاد التي زارت دمشق، فاعتبر أنه مقصود لأنه أحد منتسبي الاتحاد وتحمّل مسؤليات ضمن هياكله. ثم تخيّل أنني أنتقص من الاتحاد وأنا أنتقد قيادته التي زارت دمشق. مؤسف هذا الفهم الشخصي، واللعب في المياه العكرة. طبعاً يعتبر فريد أن زيارة الوفد تعبّر “عن مزاج نقابي عام في تونس”، وأنه ضم مسؤولين نقابيين من الهياكل العليا والوسطى. ماشي الحال، أنا أنتقد كل هؤلاء، ما لهذا ولتاريخ الاتحاد؟ هناك تيار في الاتحاد تعزز موقعه في الفترة الأخيرة، قريب من أعضاء الجبهة الشعبية الذين زاروا دمشق، وهذا التيار بات ينشط لإعادة العلاقة مع النظام السوري، تحت مبررات مختلفة، كشفت بعضها في ردي على رامي. هذا التيار يخطئ، وأصلاً كان ضد الثورة منذ البدء، أي قبل الإرهاب وداعش والجيش الحر، حيث اعتبر أن ما يجري في سورية مؤامرة إمبريالية، دون أن يلاحظ أنه هذا الإتهام يطال تونس وثورتها التي أعلن أوباما منذ البدء برحيل بن علي، وبالتالي يشكك بكل الثورات العربية. وليس الخلاف هنا أن “النظام السوري وطني” بينما الآخرين عملاء، فكل هذه النظم واحدة طبقياً، وأيضاً لا يعني أن يثور شعب ضد نظام وطني أنه مدفوع من الإمبريالية، فهذا تهافت في الفهم، وتسطيح للسياسة. وقفز أصلاً عن دراسة الوضع الاقتصادي والتكوين الطبقي لسورية، الذي كان أسوأ من تونس، حيث كانت سورية أغلى بلد عربي سنة 2010 حسب تقرير الاسكوا. لكنني أعرف أن هذا التيار تجاوز الطبقي، في تحولاته الفكرية، نحو “الوطني”، رغم أنه لا وطني دون الطبقي. وهذا الفهم انعكس على التكتيك الذي اتبعه ويتبعه فيما يتعلق بالوضع التونسي، حيث ابتعد عن مطالب الطبقات الشعبية واعتبر أن البرلمان هو طريق التغيير.
في كل الأحوال فريد يعتبر أن “اليسار الليبرالي” هو الذي “هلل للثورة السورية المزعومة”، وبات يميل الآن الى موقف هو أقرب الى موقف “اليسار الثوري”. شكرا له على هذا التحديد، بالضبط لأنه صنّف ذاته كـ “يسار ليبرالي”، أقول ذلك لأنه كان من المؤيدين للثورة السورية، وكان ناقشي معه واضح في هذا المجال، لهذا نجد أن حزبه يعلن سنة 2015 ، أنه ” يجدد الحزب وقوفه إلى جانب كفاح الشعب العربي السوري من أجل التحرر الوطني الديمقراطي والاشتراكية مؤكدا على مشروعية انتفاضته”، لكن” قبل أن تحولها الرجعية والامبريالية إلى حرب رجعية لا علاقة لـــــــــــــــها بما تسمّيه الرجعية والانتهازية “الثورة السورية””. بمعنى أنه كان يعترف بوجود انتفاضة في سورية، ويقف الى جانبها. لكنه تحوّل الآن الى موقف أقرب الى مواقف اليسار الثوري الذي لا أعرف من هو. رغم أن الحزب الذي اتخذ موقفاً ضد الثورة منذ البدء هو حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد.
أشرت الى معنى اليسار قبلاً، لكن يبدو أن عليّ أن أعيد التأكيد على الأمر لأن فريد يلعب في هذه المسألة. ما كتبته منذ زمن هو أنْ “علينا أن ندفن موتانا”، وأشرت بوضح الى الأحزاب الشيوعية واليسار القديم. وأنا أستخدم تعبير يسار لأشير الى اليسار الرائج، والذي بت أسميه “اليسار الممانع”. وأميّز بين اليسار والتيارات الماركسية، فرغم أن التيارات الماركسية هي يسار إلا أن مصطلح يسار بات مشوشاً ولا يستوعب الوضع الجديد. وفي تحديدي هذا لم أجرّم أحداً أو اتجاهل تاريخ كل الحركات التي نشأت، بالضبط لأنني أناقش أفكار ولست معنياً بما هو شخصي، ولهذا حددت سبب “حُكمي” هذا، حيث أن اليسار لا يملك رؤية حقيقية للواقع ويعيش أوهام ثقافوية أو سياسية تجعله بعيداً عن حركة الشارع والصراع الواقعي. كان يمكن لفريد أن يناقش خطأ هذا التحديد لوضع اليسار بدل أن يذهب الى شخصنة الأمور وكيل الشتائم واصدار أحكام القيمة، ربما كان ذلك أفيد في توضيح خطأ رأيي، أو على الأقل يمكن أن يغني الحوار النظري.
ولا شك في أن يسار لا يمتلك رؤية للواقع وانفصل عن الطبقات التي يمثلها لأنه يعيش أوهام ثقافوية أو سياسية يستحق الفناء، ليس ذلك فقط بل أنه في طريقه الى الفناء، بالضبط لأنه بات مقطوع الصلة بالطبقة التي من المفترض أنه يمثلها ويدافع عنها ويخوض صراعاتها. فقوة الحزب في إرتباطه بالطبقة التي يعبّر عنها، ونهايته في الانفصال عنها. وهذا ليس تمنياً كما يوحي فريد، بل هو تحليل واقعي لوضع اليسار هذا الذي أتحدث عنه، هو استنتاج من تحليل واقع هذا اليسار، الذي كتبت حوله الكثير لتوضيح هذه المسألة.
أخيراً، يدخل فريد في نقاش “نظري”، حيث يبدأ من أحكام غاية في “الدقة”، حيث يقول أن كيلة يعبّر “عن ماركسية رثة، لا تمتلك ناصية المعرفة والمنهج، تلقي الأحكام على عواهنها”. وهي “أقرب الى خليط من ماركسية وقومية وليبرالية مهشمة”، وبالتالي يجدني أعيش على “فتات أيديولوجي فيه ما هو ليبرالي وما هو إخواني وما هو إصلاحي”. ومن ثم يجتهد في الكشف عن عجزي في الفلسفة والسوسيولوجيا والاقتصاد. هذا تقييمه لي، من حقه ذلك، ولست معنياً بنقاش هذا التقييم. ولكن همّني “النقاش الفكري الرصين” الذي أراده مع الماركسية المبتذلة التي أطرحها، والتي وجدت لها “جرائد ومواقع صفراء تشتري التفاهة بالدولارات”. هذا “النقاش الفكري الرصين” الذي يقوم على التزوير، فلكي تهزم خصماً زوّر عليه، أي قوّله ما تريد لكي يسهل سحقه. الجميل هنا هو أن هذا الشكل بالتحديد هو الذي يمثل “النقاش الفكري الرصين”. فمثلاً يعتبر أنني “أدس السم في الدسم”، طبعاً لا أعرف ولم يحدد هو ما السم وما الدسم. فهو يقول أنني أعتبر أن “ستالين وماو تسي تونغ لا علاقة لهما بالماركسية”، وأن “لينين مخطئ في بعض ما قاله حول الإمبريالية”. أين قلت ذلك؟ الأكاديمي الذي يعيرني أنني لم أتحصل سوى على الإجازة في العلوم السياسية، يشلف دون مرجع، ويبدو أنه يلعب على وتر كسب الماويين والستالينيين معاً، لهذا يزوّر، ولا يخجل من أن يفعل ذلك. رأيي أن ستالين رغم كل نقدي له ماركسي، ونقدي يطال منظوره وقولبته للماركسية، وهو مكتوب ومنشور ولا أتردد من تكراره، حيث أنه أول من “خصى” الماركسية عبر تبنيه منظور بليخانوف للجدل، وليس منظور لا لينين ولا إنجلز ولا ماركس طبعاً. أما ماو تسي تونغ فعلى العكس أعتقد أنني قرأته أكثرر من كثير من مدعي الماوية، وبدأت فهم الماركسية من كتاباته. لهذا اعتبر أن قراءة تراثة مسألة مهمة، ولقد أعدت طباعة كراسين له لأنني أعتقد أنه قدّم فيهما إضافة في الماركسية. ولينين؟ أظن أنني الذي يدافع عن تحليله للإمبريالية، واعتبرت أنني أحاول تكملة ما بدأ. مع توضيح بسيط يتمثّل في أن نقد هؤلاء ليس جريمة، وطرح ما يتجاوز آرائهما ليس جريمة كذلك، ما دام كان مبنياً على فهم الواقع انطلاقاً من الجدل المادي. ولا شك في أن الفارق بيني وبين التيارات التي تسمت بأسماء هؤلاء هو أنها قولبت بعض الأفكار جاعلة منها منظومة تقيس الواقع بها، بينما ظللت أعتمد على الجدل المادي في فهم الواقع.
في السياق ذاته يقوّلني ما أرفضه، حيث يشير الى أنه عندما لا تروق لي “سياسات ما، يستلّ سيف الترهيب الأيديولوجي، فهؤلاء خونة وعملاء وماركسية سوفياتية وضحايا المنطق الصوري والمنهج الستاليني الماوي التبسيطي ألخ..”، فلست ممن يخوّن كما يفعل ويفعل كثير من “اليساريين”، وحين أشير الى “الماركسية السوفيتية” أكون قد قدمت تحليلاً يوضّح بسس حكمي هذا. أما أنني “أدحش” ماو في المنطق الصوري التبسيطي فهذا ما ينم عن لعب مقصود، من المخجل أن يمارسه. ثم يقوّلني أنني أعتبر أن “التناقض الرئيسي هو مع الإمبريالية الروسية الصاعدة”، أولاً مفهوم التناقض الرئيسي لا أستخدمه إلا لماماً، ولا أعتبر أنه مناسب لتحليل الوضع العالمي، بالضبط لأنه يرتبط بالتكتيك وليس بالمنظور العام. وثانياً لست أحادي النظر لكي أميّز بين إمبريالية وأخرى، حيث انني اعتبر أن الصراع العالمي القائم الآن هو تنافس بين إمبرياليات، وفي هكذا صراع لا يمكن للماركسي أن يكون مع إمبريالية ضد أخرى. أما إذا كان يؤّل تركيزي على روسيا في الوضع السوري فلأنها باتت دولة احتلال.
في هذه المسألة يعيدني الى نظرية العوالم الثلاث التي ينسبها الى دنغ سياو بيغ بدل أن يقول أن ماو أخطأ حين طرحها، فهو الذي اعتبر روسيا إمبريالية صاعدة وليس دنغ، وهو الذي أكد على أولوية الصراع معها، لهذا فتح العلاقة مع أميركا منذ سنة 1972. وكان ماويونا يكررون ذلك منذ ئذ. من الصعب أن يقول فريد أن ماو أخطأ، لهذا يلقي الأمر على دنغ سياو بينغ. لكن من الطبيعي أن يخطئ أي شخص، فإنجلز أشار الى أخطاء ارتكبها ماركس وهو، وماركس لم يدَّعِ أنه معصوم عن الخطأ. إذن، خطأ ماو أنه اعتبر أن “الإمبريالية الاشتراكية” هي الخطر بينما باتت الإمبريالية الأميركية “نمر من ورق”. ما أقوله يختلف عن ذلك تماماً لأنني لا أنطلق من تحديد “التناقض الرئيسي” كما فُهم من قبل رهط من “الماركسيين”، وألتزم بأن الصراع يجري بين إمبرياليات، روسيا واحدة منها، حيث أنها تريد “حصتها” في السوق العالمي، ولهذا تتقدم بقواتها لكي تسيطر، وأميركا تراجعت وهي في أفول لكنها لا تتنازل بسهولة، رغم أنها تتنازل لروسيا عن سورية، بالضبط لأنها تريد العراق.
هل أتحدث عن روسيا أكثر من أميركا؟ ربما لشخص لا يتابع، وفقط يقرأ من “يلفت انتباهه”، أو “يستفزّ حميته” يلمس ذلك، لكنني أتابع نشاط كل الإمبرياليات وأكتب عنها، فقد أصدرت أربع كتب معظمها ضد الإمبريالية القديمة، ومؤخراً بدأت أركز على روسيا، بالضبط لأنها أخذتت تتوحش، وتسعى الى السيطرة والاحتلال، دون أن أتناشى أميركا وكل الإمبرياليات. فلست انطلق من منظور أحادي كما يفعل معظم اليسار، ويحصر ذاته في سؤال: إما/ أو، إما مع الإميريالية الأميركية أو مع الإمبريالية الروسية.
إن ميل فريد للاتهام واصدار الأحكام انطلاقاً من تحديد مسبق لتوضعه يجعله “يكذب”، فليس من خيار أمامه سوى ذلك، فهو يشير الى أنني أسكت عن قواعد أميركا بينما أشير الى قواعد روسيا، ولا يرى أنني أفضح كل الفظائع الأميركية في العراق وسورية، وأتحدث عن إعادة احتلالها العراق، ولعبها بالورقة السورية. مخجل أن يكيل دكتور فلسفة الإتهام دون دليل، وبما يعاكس الحقائق، فقط لكي يؤكد موقفه، ويُظهر عجزه عن الحوار الذي قال أنه يهدف الى الدخول في “نقاش فكري رصين”. فمثلاً، عادة أضع كلمة جهاديين بين قوسين، لأن هذا هو إداعاءهم، لكن فريد لا يفهم معنى القوسين، لهذا يعتبر أنني أدعم هؤلاء، رغم أنه ولا كل اليسار الرئج كتب أكثر من شتائم ضد المختلفين ناسباً إياهم لهذه التنظيمات، ولم يجرؤ على تحليل الظاهرة، أو يلمس من هي الدول التي تدعمها. فهو لا يعرف مثلاً أن نوري المالكي الذي كان رئيس وزراء العراق والتابع لإيران، صرّح سنة 2009 بأنه سيرفع قضية ضد النظام السوري لأنه يرسل الى العراق “مفخخات” و”إرهابيين”. ولا يعرف أن النظام أطلق زعماء كل هذه المجموعات الأصولية من السجب بعد الثورة، وأن نوري المالكي هو من هرّب عناصر داعش من سجن أبو غريب الى سورية بشهادة وزير العدل في الحكومته حينها. ولهذا يهزأ بما قلت عن دور النظام في اختراعها. طبعاً، ليس النظام وحده، بل كل المستفيدين من تخريب الثورة (التي كان فريد يعتبر أنها انتفاضة لسنوات بعد انطلاقها)، من أميركا الى تركيا ودول الخليج، وإيران وروسيا والنظام ذاته. هو لا يريد معرفة كل ذلك الآن، بالضبط لأنه يريد تأكيد نظرية المؤامرة.
طبعاً الكذب مستمر في رد فريد، ولم أفهم الضرورة التي فرضت عليه ذلك، فمثلاً يقول أنني قلت عن خير الدين التونسي أنه “صاحب فتاوى تحرّم كل شيء، وأصلاً بينه وبين ابن تيمية وفتاويه التكفيرية، وينقل عني (ولا أعرف من أي كتاب أو مقال) أنني اقول “وجاء إلينا ابن تيمية وخير الدين التونسي بفتاوى هائلة تحرّم كل شيء”. طبعاً لا مصدر لهذا القول المنسوب لي، ورغم أنه أشار الى كتابي “النهضة المجهضة” فيبدو أنه لم يقرأ فيه أبداً، لأنني أشير في الفصل الأول الى تيارات الفكر العربي في عصر النهضة، وأضع خير الدين التونسي مع رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك والكواكبي، وهو التيار الذي طرح مسائل النهضة. ترى هل قرأ فريد كتاب “النهضة المجهضة”؟
يبدو لي وأنا أقرأ مثل هذه المسائل أن فريد يريد “الردح” فقط، دون أن يقرأ شيء لي، ويظهر أن نقدي للاتحاد العام التونسي للشغل قد أفقده عقله، فكان يجب أن يردّ بطريقة لا علاقة لها بالفكر ولا بالنقاش لا الرصين ولا الرخيص. وإذا كنت أخطأت في عصر ابن رشد فشكراً له تصحيحه معلوماتي. لكنه كان مصمماً على “التخبيص” في هذا الأمر، فقد استمرأ التزوير، حيث يقول نقلاً عني (دون مصدر) أن وجهة نظري أن لدى ابن رشد “لا تعارض أو تناقض بين العقل والنقل، بين الدين والفلسفة، على العكس من ذلك هما شكلان لحقيقة واحدة. هنا ابن رشد وضع العقل في مواجهة الدين”، كيف يستقيم ذلك، وأنا أتحدث عن النقلة التي حققها ابن رشد عبر إقراره بأحقية العقل كما النقل وبالمساواة بينهما، مع اعطاء العقل مرتبه مميزة لأنه للخاصّة؟ حتى وأن كان هناك خطأ مطبعي، فإن السياق واضح لا لبس فيه، إلا لمن أراد التصيّد (أنظر الصفحات 178 – 183 من كتاب الإسلام في سياقه التاريخي).
لا أريد أن أكمل في كل هذا “التخبيص”، بالضبط لأنه تخبيص، فقط أود أن أنهي بنقاش مسألة التناقض الرئيسي. طبعاً فريد يعتبر أنني أتجاهل التغيرات في الوضع السوري، وهذا حكم ممكن نتيجة أن فريد لم يتابع ما أكتب، وبالتالي لم يقرأ كل ما كتبت عن التحولات التي حدثت للثورة وللنظام وللوضع الإقليمي والوضع العالمي. من حقه ألا يقرأ، لكن ليس من حقه أن يصدر حكماً على أمر لم يقرأ حوله. لكن هذه هي سمة فريد، اصدار الأحكام على “غير المقروء”، حيث يكفي التصنيف الأولي لكي تتشكل كل الأفكار عن الآخر، ويكرر الخطاب الذي يمكن أن يقال عن أي أحد مخالف لرأيه في النظام السوري. يقول فريد:
” الوضع في سوريا مُركب ، وهناك عوامل كثيرة ضمنه متداخلة فيما بينها، وهى في حالة حركة دائبة وتحولات سريعة، ولكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون ادراك ذلك الوضع في كليته فسوريا ساحة تتجمع فيها أغلب التناقضات التى تتحكم بعالمنا اليوم، ولكن معالم اللوحة الأساسية تقول أن الامبريالية والصهيونية والرجعية تستهدف اليوم سوريا والعرب قاطبة باعتبارهم أمة مضطهدة بالتدمير ، مما يعنى أن التناقض الرئيسي الغالب على ما عداه انما هو التناقض بين الامبريالية والشعب وعلى أساس هذا التناقض ينبغي ترتيب المهام السياسية وهى وطنية ديمقراطية بآفاق اشتراكية في جوهرها”.
طبعاً الوضع مركب في سورية، لكن لا يشرح فريد ذلك بل يهرب الى التجريد الذي يفرضه “السيستم النظري”، هذا المحدَّد في الصراع ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية، الذي يؤشر في منظور “وطني”، لكن الى تجريد فارغ أيضاً. فالوضع المركب يتسم في، أولاً، الصراع الذي انفتح بين الشعب والنظام عبر ثورة استمرت سلمية لأشهر، لكنها أخذت تتحوّل الى العمل المسلح نتيجة وحشية النظام، وهذا التسلح ثانياً سمح بإدخال مجموعات سلفية “جهادية”، بعضها يقاتل النظام (أحرار الشام وجيش الإسلام) وبعضها يدمّر بيئة الثورة ويقتل الناشطين (النصرة وداعش)، ومن ثم، ثالثاً أصبح هناك تدخل إيراني من خلال حزب الله، والميلشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري الإيراني بعد أن مال ميزان القوى لغير مصلحة النظام (قبل دخول المجموعات السلفية كلها)، وأصبحت المجموعات السفلية التي تقاتل النظام، ومجموعات أخرى حملت السلاح بيد دول إقليمية (تركيا والسعودية وقطر)، وبهذا تراكب على الثورة في المرة الأولى صراع سلفي، وفي المرة الثانية صراع إقليمي. ومن ثم تدخلت أميركا “ضد الداعش” لتدعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (وقوات سورية الديمقراطية) وبعض الكتائب المسلحة التي فرضت عليها قتال داعش فقط. الى أن تدخلت روسيا عسكرياً وبات الوضع منحكماً لتفاهم روسي أميركي. بالتالي، بات هناك أدوات للدول الإقليمية والإمبرياليات في الداخل السوري. الفارق في كل التحليلات يتمثل في أنني لا زلت ألمس وجود المستوى الأول الذي أُرهق نتيجة تراكب الأدوار السلفية والإقليمية والدولية عليه، لكنه لا زال قائماً، وهو الذي سيستمر، بالضبط لأن التنافس الإقليمي والدولي سوف يفرض حلاً متوافق عليه بينها، هو ليس في مصلحة الشعب السوري. لهذا لا زلت أقول أنه لا زال هناك ثورة، ليس لأنني لا أرى ما يجري بل لأنني أرى ما يجري. الحل الآن بيد الدول العظمى والدول الإقليمية، لكنه حل مؤقت لأنه لا يحقق مطالب الشعب السوري. طبعاً يمكن أن نتجاهل في هذه المعادلة دور الشعب، الذي بقي والذي تهجّر، والذي يقاتل هنا أو هناك، ويتظاهر ضد داعش والنصرة وجيش الإسلام وغيرها، لكن ذلك لا يعني شيئاً، بالضبط لأن الشعب هو الذي بدأ الثورة، وسيستمر رغم كل ما جرى.
في هذه الوضعية، كيف يمكن أن نحدد “التناقض الرئيسي”؟ يتعلق هذا بالمنظور الذي ننطلق منه، هل ننطلق من الصراع الطبقي أو ننطلق من “الصراع الوطني”، أو ننطلق من الصراع “من أجل الحداثة”؟
الصراع ضد السلفية كتناقض رئيسي يؤشر الى ميل ليبرالي (أو ديمقراطي بشكل ما)، وهو ما يفرض التحالف مع النظام “العلماني”. الصراع ضد الإمبريالية؟ لكن أي إمبريالية؟ فريد يعتبر روسيا إمبريالية وهذا جيد،لكنه يتجاهل ذلك في تحديد التناقض الرئيسي لأن الصراع هو مع “الإمبريالية والصهيونية والرجعية”. إذن، لا بد من أن نقف ضد أميركا، ونتحالف مع النظام من أجل ذلك. لكن النظام لا يقاتل أميركا التي تقاتل داعش التي يخوض النظام الحرب ضدها. لكنها تدعم المجموعات السلفية والدول الإقليمية التي تدعن إسقاط النظام. في هذا السياق ينحكم النظر للسيستم الذي يحكم العقل: الإمبريالية والصهيونية والرجعية، لكن ما موقف كل منها من النظام ومن الثورة ومن الصراع في سورية؟ يمكن إراحة العقل والقول أنها تقود مؤامرة ضد “سورية والعرب قاطبة”، هذا استنتاج سهل، وسطحي، ويؤشر الى دوغما تحكم النظر، بالضبط لأنه يقوم على خطاب متقادم، ليس لأن هؤلاء ليسوا أعداء بل لأن الصراع في سورية أعقد من أن يُحدَّد في ذلك. لن أكرر هنا ما كتبته حول الموضوع، لكن سأقول أن الشعب السوري أجاب في الملموس على ذلك، حيث أنه لا زال يصارع النظام لأنه يريد التغيير، لكنه بات يخوض صراعاً أيضاً ضد المجموعات السلفية، ويسعى لإعادة الثورة الى طابعها المدني. وهو يعرف “مؤامرات” أميركا، ومصالح الدولة الصهيونية، لكنه يتحسس جرائم روسيا وإيران.
عادة توضع المعادلة كالتالي: في سورية نظام صحيح هو استبدادي، لكنه يواجه الإرهاب السلفي، والأصولية التي هي البديل عنه في حال سقوطه، لهذا أفضل أن نكون مع نظام “علماني” استبدادي من أن نكون تحت سلطة سلفية رجعية. أو أن يقال: في سورية نظام وطني معادي للإمبريالية ومتحالف مع “محور المقاومة” ومع روسيا التي تقارع الإمبريالية. أي الخيارات نختار؟
هذا تبسيط فظ لما يجري، ولا قيمة له، بالضبط لأن الوضع مركب، والصراع أكثر تعقيداً من طرف، ومن طرف آخر يجب أن ننطلق من الصراع الطبقي بالأساس، واليسار يجب أن يكون مع الطبقات المفقرة، وبالتالي أن يقاتل ضد كل الأطراف التي تريد سحقها. هنا مفهوم “التناقض الرئيسي” لا معنى له، ولم يُطرح لكي يجري تطبيقه على هذه الحالات، بل كما أشرت قبلاً، يتحدد في التكتيك، حيث يمكن في لحظة من الصراع أن يجري التنسيق مع طرف ضد آخر، كتنسيق وليس حتى كتحالف. أما على الصعيد التحليلي العام فهو “خارج الخدمة”، بالضبط لأن الصراع متعدد (وهذا أهم ما أضافه ماو أصلاً)، حيث يمكن الصراع ضد أطراف متعددة في الآن ذاته، ويمكن استخدام أشكال مختلفة لهذا الصراع تجاه كل طرف.
فريد في الرد علي كان يقتطف مما أواجه به “اليسار الممانع”، أو اليسار الرائج، أي أنه يحوّل رؤيتي ضدي. لم يفلح في ذلك، ولم يفلح في الانتقال الى “نقاش نظري رصين”، ليبدو أنه يريد التهجّم فقط. شكراً له في كل الأحوال
أما عن مصطفى علوي فليس لي رد سوى القول: يعطيك العافيةز حيث أنه لم يفعل إلا دحش قطر في كل رد علي، ربما كان من الأفضل أن يرد على قطر، ويمكنه إذا أراد أن يعود لما كتبت عنها لكي يجد “ما يسرّه”، حيث أوضحت كل دورها في الهيمنة وتأسيس “إمبراطورية” تحت حكم الإخوان المسلمين، ودورها التخريبي في أسلمة الثورة السورية، ودعم مجموعات إرهابية (مثل تركيا والسعودية والإمارات)، وما الى ذلك، “زورونا تجدوا ما يسركم” إذن.

الآراء الواردة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”

لقراءة المادّة السابقة للكاتب يمكن الإطلاع على الرابط التالي:

نقاش مع يسار تونسي عن الوضع السوري والثورة السورية (1 -2)