تاريخ الثورة الروسية .. السلطة الجديدة جـ 2

0
61

كيف كان التكوين الحقيقي للبلاد بعد إقامة السلطة الجديدة؟

لقد اختفت الرجعية الملكية في الشقوق، وعندما ظهرت المياه الأولى للطوفان تجمَّع الملاكون من كل نوع ومن كل اتجاه تحت عَلَم حزب الكاديت، الذي أصبح دفعة واحدة، الحزب الوحيد اللا اشتراكي، وأصبح في الوقت نفسه أقصى اليمين في الحلبة المكشوفة.

واتجهت معظم الجماهير تقريبًا نحو الاشتراكيين، الذين تمتزج آراؤهم بآراء السوفييتات، ولم يبتعد العمال وجنود الحاميات الضخمة في المؤخرة عن الحكومة المؤقتة فحسب، بل ابتعد عنها الشعب الصغير الخليط في المدن، والصناع، وباعة الصحف، والموظفون الصغار، والحوذيون، والبوابون من الصبيان، والخدم من كل نوع، كما ابتعدوا عن مكاتبها، وكانوا يفتشون عن أكثر قربًا وأشد لينًا. وتزايد عدد مندوبي الأرياف الذين كانوا يتوافدون إلى قصر توريد. وتوافدت الجماهير إلى السوفييتات وكأنها تتوافد تحت أقواس نصر الثورة. وسقط كل ما بقي خارج مجلس السوفييتات بعيدًا عن الثورة، وبدا وكأنه منتمٍ إلى عالم آخر. وكان الوضع على الشكل التالي: كل ما هو خارج مجالس السوفييتات هو عالم المالكين الذين امتزجت كل ألوانه فورًا في لون واحد رمادي ميَّال إلى الحمرة للحماية.

ولم تكن كل جمهرة الكادحين هي التي انتخبت السوفييتات. فلم تستيقظ هذه الجمهرة كلها دفعة واحدة، ولم تكن كل الأوساط المضطهدة هي التي تجرأت فورًا على الاعتقاد بأن الثورة تهمها أيضًا. ولم يتحرك في وعي الكثيرين سوى أمل بسيط لا يتمتع بوضوح كافٍ. ولم يهرع نحو السوفييتات سوى القوى الفعالة في الجماهير، وفي وقت الثورة أكثر من أي وقت آخر، تنتصر الفعالية والحيوية. وبما أن حيوية الجماهير وفعاليتها كانت تزداد يومًا بعد يوم، فإن قاعدة السوفييتات كانت تتسع بصورة دائمة. وكانت هي القاعدة الوحيدة الحقيقية للثورة.

وانعقد مجلس الدوما ومجلس السوفييت في قصر توريد. وكانت اللجنة التنفيذية في البدء محشورة في مكاتب ضيقة كان يمر منها سيل بشري لا ينقطع. وحاول مندوبو الدوما التظاهر بأنهم أسياد الوضع في قاعاتهم الفخمة. ولكن المياه الكبرى للثورة جرفت الفواصل معها. وكان مجلس السوفييت يتوسع بصورة لا تقاوم، رغم تردد زعمائه، في حين كان مجلس الدوما يُستبعد دومًا إلى الساحة الخلفية. وشق ميزان القوى الجديد طريقه من كل الجهات.

وأحس مندوبو قصر توريد، والضباط في أفواجهم، والجنرالات في مقرات أركانهم، والمديرون والإداريون في المصانع، وموظفو السكك الحديدية، وموظفو البرق، والملاكون، ووكلاء الممتلكات، أحس كل هؤلاء منذ الأيام الأولى للثورة بأنهم تحت الرقابة الشريرة الدءوبة للجماهير. وكان مجلس السوفييت في أعين هذه الجماهير التعبير المنظم عن حذرها إزاء كل أولئك الذين اضطهدوها، وكان ضاربو الآلة الكاتبة والمختزلون يراقبون بعناية قُصوى نص المقالات المؤلفة، كما كان عمال السكك الحديدية يراقبون القطارات العسكرية بيقظة مشوبة بالقلق، وينكب عمال البرق على قراءة البرقيات الصادرة بانتباه خاص جديد بالنسبة إليهم. ويتبادل الجنود فيما بينهم النظرات لدى أول حركة مشبوهة يقوم بها أحد الضباط، ويطرد العمال من المصنع رئيس العمال التابع للمائة السود، ويراقبون المدير الليبرالي. وأصبح مجلس الدوما، منذ الساعات الأولى للثورة، كما أصبحت الحكومة المؤقتة منذ الأيام الأولى أيضًا أشبه بخزَّان تصب فيه شكاوَى ومطالب الطبقة العليا، واحتجاجاتها ضد “الأعمال المتطرفة”، وملاحظاتها الحزينة، وإحساساتها الغامضة.

ويتمحك البورجوازي الصغير الاشتراكي قائلاً: “لن نستطيع السيطرة على جهاز الدولة بدون البرجوازية” وهو يلقي نظرة خاطفة مذعورة إلى مؤسسات الدولة؛ حيث كان يبدو أن هيكل النظام القديم ينظر من محاجره الجوفاء. وكان المخرج الذي وجدوه هو تعليق رأس ليبرالي على الجهاز الذي قطعت الثورة رأسه. وتمركز الوزراء الجدد في وزارات القيصر وأصبحوا أسياد الآلات الكاتبة، والهواتف، والمراسلين، والمختزلين، والضاربين على الآلة الكاتبة، والموظفين، واقتنعوا يومًا بعد يوم أن الآلة تدور في فراغ.

وتذكر كرنسكي فيما بعد كيف “استولت الحكومة المؤقتة على السلطة في اليوم الثالث من الفوضى التي شملت كل روسيا، عندما لم يبق على كل امتداد الأرض الروسية أية سلطة، ولم يبق فيها أي شرطي”. ولا تدخل في الحساب سوفييتات مندوبي العمال والجنود، هذه السوفييتات التي كانت تقود عدة ملايين من الجماهير؛ لأن هذه الملايين لا تشكل برأيه سوى عنصر فوضوي. وكانت البلاد قد تُركت لنفسها، ودليل ذلك اختفاء رجال الشرطة من ربوعها. ويكمن مفتاح كل سياسة الحكومة في هذا الاعتراف الذي أدلي به أحد الوزراء الذي كان أكثر يسارية من الآخرين.

واحتُلت وظائف حكام المناطق من قبل رؤساء إدارات مقاطعات الزيمستفو بقرار من الأمير لفوف، مع أنهم لم يكونوا يتميزون عن أسلافهم! وفي أكثر من حالة، كان هؤلاء الحكام الجدد من الملاكين الإقطاعيين الذين كانوا يعتبرون حكام المناطق كاليعاقبة. وعُين على رأس النواحي رؤساء لإدارتها. ووجد السكان تحت التسمية الجديدة “للمفوضين” أعداء قدماء. وانطبق على البلاد قول ميلتون القديم بصدد إصلاح الكالفانيين: “إنهم الكهنة القدماء أنفسهم، ولكن بتسمية فيها تفخيم أكبر”. واستولى مفوضو المناطق والنواحي على الآلات الكاتبة، وعلى الموظفين الذين كانوا في خدمة الحكام ورؤساء الشرطة “أتسبرافنيك” لكي يلاحظوا جيدًا أن هؤلاء لا يعطونهم أية سلطة. وتركزت الحياة، في المناطق والنواحي حول مجالس السوفييتات. هكذا انتقلت ازدواجية السلطة من القمة إلى القاعدة. ولكن زعماء السوفييتات في المديريات، وهم من الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة كانوا يعملون ببساطة أكثر، ولا يرفضون -بعكس ذلك- السلطة التي كانت تفرضها كل الظروف. وفي النتيجة، كان نشاط مفوضي المناطق يتضمن أساسًا شكواهم من الاستحالة المطلقة لممارسة سلطاتهم الكاملة.

وفي اليوم التالي لتشكيل الوزارة الليبرالية، أحست البرجوازية بأنها لم تحصل على السلطة بل خسرتها. ومهما كان تعسف الزمرة الراسبوتينية خارقًا قبل الانتفاضة، فإن سلطتها الحقيقية كانت تتسم بطابع محدود. وكان نفوذ البرجوازية على شئون الدولة هائلاً جدًا. حتى أن اشتراك روسيا في الحرب كان إلى حد كبير من صنع البرجوازية أكثر من أن يكون من صنع الملكية. ولكن الشيء الرئيسي هو أن السلطة القيصرية كانت تحمي للملاكين مصانعهم وأراضيهم، ومصارفهم، ومبانيهم، وصحفهم. وبناء على هذا كانت السلطة سلطتهم في أكثر المسائل حيوية. وقد عدلت ثورة فبراير (شباط) الوضع في اتجاهين متضادين؛ فقد منحت رموز السلطة الخارجية للبرجوازية بصورة تتسم بالأبهة، ولكنها انتزعت منها في الوقت ذاته الجزء الأكبر من القوة الحقيقية التي كانت تملكها قبل الثورة. وأصبح أولئك الذين خدموا بالأمس في اتحاد الزيمستفو، الذي كان يرأسه الأمير لفوف، وفي لجنة الصناعات الحربية التي كان يقودها غوتشكوف، أصبح كل هؤلاء بعد الآن أسياد الوضع في البلاد، وفي الجبهة، وفي المدينة وفي القرية، تحت تسمية “الاشتراكيين – الثوريين” و”المناشفة”، وعينوا لفوف وغوتشكوف وزيرين، وفرضوا عليهما بهذه المناسبة شروطًا معينة وكأنهم استأجروهما لحسابهم كموظفين كبيرين.

ومن ناحية أخرى، لم تكن اللجنة التنفيذية التي شكلت حكومة برجوازية لتستطيع أن تحزم أمرها وتصرح بأن إنشاءها كان حسنًا، شأنها في ذلك شأن آلة التوراة. وعلى العكس سارت اللجنة فورًا لتكبير المسافة بينها وبين عملها، مؤكدة أنها تستعد لدعم السلطة الجديدة ما دامت هذه السلطة ستخدم الثورة الديمقراطية بأمانة. وكانت الحكومة المؤقتة تدرك تمام الإدراك أنها لن تصمد ولو لساعة واحدة بدون دعم الديمقراطية الرسمية! بَيْد أنه لم يكن مقررًا دعمها إلا مقابل حسن سلوكها، أي لتحقيق مهام كانت تحس بأنها غريبة عنها، وجاءت الديمقراطية ذاتها لترفض حلها. ولم تعرف الحكومة أبدًا الحدود التي كانت تستطيع إظهار سلطتها ضمن نطاقها كسلطة “نصف مهربة”. ولم يستطع زعماء اللجنة التنفيذية أبدًا إعلامها مسبقًا حول هذا الموضوع؛ إذ كان من الصعب عليهم أيضًا أن يتوقعوا الحد الذي يتفجر فيه الاستياء في وسطهم الخاص، كانعكاس لاستياء الجماهير. وكانت البرجوازية تتظاهر بأن الاشتراكيين قد خدعوها. ومن ناحية أخرى، كان الاشتراكيون يخشون من أن يهيج الليبراليون الجماهير، بادعاءاتهم السابقة لأوانها، ويفسدون بهذا الشكل وضعًا لم يكن سهلاً. ولقد عبَّرت الصيغة الغامضة “ضمن الحد الذي… فإننا نرى كذلك…” عن كل الفترة التي سبقت أكتوبر (تشرين الأول)، وأصبحت الصيغة الحقوقية لكذبة داخلية في النظام الهجين لثورة فبراير (شباط).

وانتخبت اللجنة التنفيذية لجنة خاصة سمتها بصورة مهذبة “لجنة الاتصال”، لكنها لجنة مضحكة للتأثير على الحكومة. وهكذا بُني تنظيم السلطة الثورية رسميًّا على مبادئ النصح المتبادل. ولقد وجد ميرجكوفسكي -وهو كاتب صوفي يتمتع ببعض السمعة- سابقة لمثل هذا النظام، ولكنه وجدها في العهد القديم فقط، على مقربة من ملوك إسرائيل، يمكث الأنبياء. ولكن أنبياء التوراة كانوا كنبي آخر ملوك رومانوف يتلقون على الأقل الوحي من السموات، ولم يكن الملوك ليتجرءوا على معارضتهم، هكذا تأمَّنت وحدة السلطة. وكان الوضع مختلفًا كل الاختلاف لأنبياء مجلس السوفييت الذين كانوا يتنبئون بوحي من فكرهم الضيق. ومع ذلك كانت الوزارات الليبرالية تجد أنه لا يصدر شيء جيد عن السوفييت. وكان تشخيدزه وسكوبوليف وسوخانوف وغيرهم يقدمون الاقتراحات للحكومة. ويكثرون من نصحها بضرورة الخضوع! وكان الوزراء يردون. وكان المندوبون يتحولون عنهم إلى اللجنة التنفيذية، ويفرضون عليها ضغط السلطة الحكومية. ثم يعودون للاتصال مع الوزراء… وهكذا يعيدون الكرَّة، ويبدءون اللعبة ذاتها من جديد. ولم تكن هذه الطاحونة المعقدة تطحن شيئًا.

وكان الجميع دائمي الشكوى في “لجنة الاتصال”. وكان غوتشكوف بشكل خاص، يتبرم أمام الديموقراطيين من الفوضى التي تجتاح الجيش بسبب تسامح السوفييت. وكان وزير حرب الثورة “يسكب الدموع”، أو على الأقل كان يفرك عينيه بمنديله بإكباب، بكل معنى الكلمة”. وكان يرى عن حق ومعرفة بأن تجفيف بكاء الكهنة والملوك يدخل مباشرة في صلب وظائف الأنبياء.

وأبرق الجنرال الكسييف الذي كان على رأس مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بتاريخ 9 مارس (آذار) إلى وزير الحربية قائلاً: “إن النير الألماني يقترب منا إذا أظهرنا أننا مستعدون للمصالحة مع السوفييت”. ورد عليه غوتشكوف بعبارات متباكية: وا أسفاه على الحكومة! إنها لا تملك السلطة الحقيقية. فمجلس السوفييت هو الذي يملك القطعات، والسكك الحديدية، والبريد، والبرق: “وبوسعنا القول بوضوح إنه لا وجود للحكومة المؤقتة إلا بمقدار ما يسمح مجلس السوفييت بذلك”.

ومن أسبوع إلى آخر، لم يطرأ أي تحسن على الوضع. وعندما أرسلت الحكومة المؤقتة، في مطلع أبريل (نيسان) مندوبين من مجلس الدوما إلى الجبهة، أمرتهم رسميًّا وهي تصر على أسنانها، أن لا يتظاهروا بوجود أي خلاف مع مندوبي السوفييت. وأحس النواب الليبراليون، خلال الرحلة، وكأنهم تحت الحراسة، ولكنهم فهموا أيضًا أنهم لولا هذه الحراسة لما استطاعوا أن يتقدموا للجنود، ولما وجدوا مكانًا لهم في عربة قطار. ويتمم هذا الخبر التفصيلي في مذكرات الأمير مانسيرييف بصورة رائعة الاتصال بين غوتشكوف والقيادة العامة للقوات المسلحة حول المحتوى الأساسي لتكوين حكومة فبراير (شباط). ووصف هذا المفكر الرجعي الوضع على الشكل التالي: “كانت السلطة القديمة محبوسة في قلعة بطرس وبولص، أما السلطة الجديدة فكانت موقوفة في منازلها”. وكان في وصفه هذا كثير من الصواب.

ولكن ألم تكن الحكومة المؤقتة تملك دعمًا آخر غير الدعم المشكوك به لزعماء السوفييت؟ أين اندست الطبقات المالكة؟ إنه سؤال ثابت. لقد سارعت هذه الطبقات التي ارتبطت في ماضيها بالملكية إلى التجمع على محور جديد بعد الانتفاضة. وانحنى مجلس الصناعة والتجارة، الذي يمثل رأس المال الموحد لكل البلاد منذ 2 مارس (آذار)، “انحنى أمام العمل الباهر لمجلس الدوما الإمبراطوري” ووضع نفسه “تحت التصرف الكامل” للجنته. وسارت اتحادات الزيمستفو والبلديات في الطريق ذاته. وفي 10 مارس (آذار) كان مجلس الطبقة النبيلة الموحدة، سند العرش، يدعو بلغة الجبن المثيرة للمشاعر، كل المواطنين الروس، “لضم الصفوف حول الحكومة المؤقتة، هذه الحكومة التي تمثل في الوقت الحاضر السلطة الشرعية الوحيدة في روسيا”. وفي الوقت ذاته تقريبًا، بدأت المؤسسات وأجهزة الطبقات المالكة بإدانة ازدواجية السلطة، وألقت مسئولية الفوضى على عاتق السوفييتات، وكان موقفها هذا حذرًا في بادئ الأمر، ثم لم يلبث أن ازداد جرأة فيما بعد.

وخلف الزعماء، اصطف المستخدمون الكبار، واتحادات المهن الليبرالية، وموظفو الدولة وكانت ترد من الجيش برقيات صيغت في هيئة الأركان، ومنشورات وقرارات من النوع ذاته. وبدأت الصحافة الليبرالية حملة هجومية “من أجل السلطة الموحدة” التي اتخذت في الأشهر التالية طابع سد ناري ضد زعماء السوفييتات. وكان لكل هذا معًا نغم جليل جدًا. ومارَس هذا العدد الكبير من المؤسسات، والأسماء المعروفة، والقرارات، والمقالات، ولهجة التصميم، مارَس كل هذا بلا ريب أثرًا على زعماء اللجنة التنفيذية الحساسين. ومع ذلك لم يكن هناك جدية خلف هذا الموكب المهدد للطبقات المالكة، ورد الاشتراكيون من صغار البورجوازيين “ولكن أين قوة الملكية؟”. إن الملكية علاقة بين الرجال. إنها تمثل قوة ضخمة ما دامت تتمتع باعتراف عام يسنده جهاز قهر يسمى “الحق والدولة”. ولكن الوضع يشتمل بالضبط على انهيار الدولة القديمة، ووضع كل الحق القديم بالنسبة للجماهير تحت إشارة استفهام.

ووجد العمال أنفسهم في المصانع، وقد بدءوا يصبحون أرباب عمل، وأصبح رب العمل ضيفًا جاء في وقت غير ملائم. وكان هناك ضمانة أقل لدى الملاكين الزراعيين، في مواجهة الموجيك الحمقى العدوانيين البعيدين عن سلطة آمَنَ أصحاب الممتلكات بوجودها نظرًا لبعدهم عنها. ولكن الملاكين لم يعودوا ملاكين حقيقيين بعد أن فقدوا إمكانية التصرف بممتلكاتهم وحمايتها وصيانتها، وأصبحوا مجرد مواطنين مهزوزين بقوة، ولا يستطيعون، بأية وسيلة من الوسائل، منح دعم لحكومتهم؛ لأنهم كانوا هم أنفسهم في أمس الحاجة لمساعدتها. وبدأ هؤلاء الملاكين في وقت مبكر يلعنون الحكومة نظرًا لضعفها. ولكن صب اللعنات على الحكومة كان يعني أنهم يهاجمون مصيرهم الخاص.

في هذا الوقت ظهر أن مهمة العمل المتضافر للجنة التنفيذية ولمجلس الوزراء قد أصبحت البرهان على أن فن القيادة في زمن الثورة يتضمن تضييع الوقت بإطلاق سيل من الأقوال. وكان هذا الفن لدى الليبراليين مسألة حساب واعٍ. وينبغي في نظرهم تأجيل كل المسائل إلى ما بعد، فيما عدا قسم الولاء للتحالف.

وأطلع مليوكوف زملاءه على المعاهدات السرية. وتظاهر كرنسكي بأنه لم يسمع شيئًا. ومن البدهي أن يحتدَّ وكيل المجلس الأعلى للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وهو واحد من أسرة لفوف يملك قسطًا كبيرًا من المصروفات غير المنظورة وسمي لرئيس الوزراء، ولكنه ليس أميرًا، من البدهي أن يحتد مثل هذا الرجل بعنف ويصرح بما يلي: “إن الاتفاقات جديرة بالعصابات والنشَّالين”، وبهذا التصريح أثار بلا ريب ابتسامة حليمة ظهرت على وجه ميليوكوف القائل (“إن رجل الشارع مغفل”)، فاقترح مليوكوف الانتقال إلى جدول الأعمال. ويكيل التصريح الرسمي للحكومة الوعود باستدعاء المجلس التأسيسي في أقرب وقت ممكن، ولكن تاريخ انعقاده لم يحدد عمدًا.

ولم يكن شكل الدولة مطروحًا على بساط المناقشة؛ فقد كانت الحكومة تأمل إعادة استتباب فردوس الملكية الضائع. ولكن التصريح اشتمل في الحقيقة الالتزام بمتابعة الحرب حتى النصر و”احترام الاتفاقات المعقودة مع الحلفاء”. وفيما يتعلق بأخطر مشكلة للوجود الشعبي، فقد تمت الثورة على ما يبدو لتصرح بما يلي: يبقى كل شيء على ما كان عليه في الماضي. وبما أنهم كانوا يعطون لاعتراف دول التحالف بالسلطة الجديدة معنى صوفيًّا -لأن التاجر الصغير لا يساوي شيئًا ما دام المصرف لا يعتبره مليئًا- فقد تحملت اللجنة التنفيذية بصمت، التصريح الإمبريالي بتاريخ 6 مارس (آذار). وقد صرح سوخانوف بعد عام، بنغمة مؤسفة قائلاً: “لم يكن هناك أي جهاز رسمي للديمقراطية لم يعارض علنًا عمل الحكومة المؤقتة الذي شوَّه ثورتنا منذ ولادتها في أعين أوروبا الديمقراطية”.

وأخيرًا بتاريخ 8 مارس (آذار) خرج من المخبز الوزاري مرسوم عفو عام عن المعتقلين والمسجونين. وفي هذا الوقت كان الشعب قد فتح كل أبواب السجون، وكان المنفيون السياسيون يعودون وسط تيار هائل من الاجتماعات، والحماسة، والموسيقى العسكرية، والخطب، والزهور. وكان للمرسوم دوي صدى متأخر صادر عن المستشاريات. وبتاريخ 12 أعلن إلغاء عقوبة الإعدام. وبعد أربعة أشهر، أعيد تطبيق هذه العقوبة على الجنود. وكان كرنسكي قد وعد بأنه سيرتفع بالعدالة إلى مستوى لم يُعرف من قبل. وفي فورة حماسية، ساعد على إقرار اقتراح قدمته اللجنة التنفيذية ينص على قبول ممثلي العمال والجنود كقضاة صلح. وكان هذا الإجراء هو الإجراء الوحيد الذي أحس الناس فيه بنبضات قلب الثورة، وهو إجراء سبب رعب كل خصيان العدالة. ولكن هنا توقفت التكاليف. وقرر المحامي دميانوف “الاشتراكي”، الذي كان يشغل منصبًا عاليًا في الوزارة لدى كرنسكي، قرر التمسك بمبدأ الاحتفاظ بكل الموظفين السابقين واستخدام التعبير التالي: “ينبغي على سياسة الحكومة الثورية أن لا تكدر أحدًا إذا لم يكن هناك داعٍ إلى ذلك”. وكان هذا المبدأ الجديد القاعدة التي اعتمدت عليها كل الحكومة المؤقتة، هذه الحكومة التي كانت تخشى بالإضافة إلى كل هذا إهانة أي شخص من الطبقات المالكة، حتى أنها تخشى إهانة البيروقراطية القيصرية. ولم يبق القضاة في أماكنهم فحسب، بل بقي المدعون العامون القيصريون أيضًا. ومن الطبيعي أن يكون من حق الجماهير أن تغضب من هذا العمل. ولكن غضبها لم يصل إلا إلى السوفييتات؛ فالجماهير لا تدخل في أفق الحكومة.

وهبَّ نوع من الهواء البارد ذاته من شخصية سميناها سابقًا، هبت هذه الطراوة من المدعي العام لفوف الذي كان يضع التقارير الرسمية عن “البلداء والأنذال” المتمركزين في المجلس الأعلى للكنيسة الأرثوذوكسية الروسية. وكان الوزراء يستمعون بقلق إلى هذه التقديرات العذبة، ولكن هذا المجلس عبارة عن مؤسسة للدولة، كالأرثوذوكسية التي هي دين الدولة. واحتفظوا أيضًا بتأليف المجلس الأعلى؛ إذ أن على الثورة أن لا تتشاجر مع أحد.

وتابع أعضاء مجلس الدولة والأتباع الموالون لاثنين أو ثلاثة من القياصرة على عقد الجلسات، أو تابعوا على الأقل تقاضي رواتبهم وأتعابهم. وكان لهذا الحادث معنى رمزيًّا. وفي المصانع والثكنات كان العمال والجنود يحتجون بصوت عالٍ. واضطربت اللجنة التنفيذية وعقدت الحكومة جلستين ناقشت فيهما مصير أعضاء مجلس الدولة ورواتبهم، ولم تتوصل إلى أي قرار. نعم! لم تتوصل إلى قرار؛ إذ كيف يمكنها أن تزعج شخصيات محترمة بينها عدد لا بأس به من أصدقائها الطيبين؟

كان الوزراء الراسبوتينيون في القلعة، لكن الحكومة المؤقتة سارعت إلى تحديد رواتب لهم. وكان لعملها هذا نغمة ساخرة أو رنة صوت قادم من العالم الآخر. ولكن الحكومة لم تكن تريد أن تختلف مع أعضاء الحكومة السابقة، حتى ولو كانوا معتقلين.

وتابع النواب نعاسهم في بزاتهم المزركشة. وعندما تجرأ سوكولوف النائب اليساري، الذي رفعه كرنسكي مؤخرًا لهذا المنصب وحضر الاجتماع “بالردنغوت” الأسود، طرده الوزراء من الجلسة؛ فلم يكن نواب القيصر يخشون الاختلاف مع ثورة فبراير (شباط) حيث اقتنعوا بأنه ليس لحكومة هذه الثورة أسنان حادة.

وقد رأى ماركس أن سبب انهيار ثورة مارس (آذار) في ألمانيا سابقًا هو أن الحركة “أصلحت فقط أعلى قمة سياسية، دون أن تمس كل الطبقات تحت هذه القمة؛ فهي لم تمس البيروقراطية القديمة، والجيش القديم، والقضاة القدماء الذين ولدوا، وعُلِّموا، ونُظِّفوا في خدمة الحكم المستبد”. وقد فتش الاشتراكيون من نموذج كرنسكي عن الخَلاص؛ حيث كان ماركس يرى سبب الضياع. وكان الماركسيون المناشفة مع كرنسكي لا مع ماركس.

وكان المجال الوحيد الذي أظهرت الحكومة فيه شيئًا من البديهة، واتخذت فيه مسلكًا ثوريًّا، هو التشريع الذي أصدرته حول الشركات المساهمة، فقد أصدرت مرسومًا إصلاحيًّا بتاريخ 17 مارس (آذار). ولم تُلغ القيود القومية والمذهبية إلا بعد ثلاثة أيام من تاريخ صدور هذا المرسوم. وكانت الحكومة تضم عددًا لا بأس به من الشخصيات التي لم تعانِ، في ظل النظام القديم، إلا من مساوئ قانون الشركات المساهمة.

وكان العمال يطالبون بإلحاح لا يعرف الكلل بتحديد يوم العمل بثماني ساعات. وتظاهرت الحكومة بالصَمم في كلا الأذنين. فقد كانت حالة الحرب قائمة، وعلى كل فرد أن يضحي من أجل الوطن. وبالإضافة إلى هذا فإن مهمة السوفييت تهدئة العمال.

وكانت مسألة الأرض تنطوي على تهديد أكبر. وكان من الضروري عمل شيء ما في هذا المجال. وأوصى شينغاريف وزير الزراعة بعد أن أزعجه إلحاح الفلاحين بإنشاء لجان محلية، ولكنه كان حذرًا فلم يحدد وظائفها ومهامها. وتصور الفلاحون أن اللجان ستسلمهم الأراضي. وقدر الملاكون أن اللجان ذاتها ستحمي ممتلكاتهم. وهكذا أحس نظام فبراير (شباط) منذ البدء بأنه مربوط من عنقه بعقدة الموجيك، القاسية أكثر من كل العقد والأربطة الأخرى.

واستنادًا إلى العقيدة الرسمية، أجِّلت كل المسائل التي انبثقت عنها الثورة إلى أن ينعقد المجلس التأسيسي. فهل يمكن للديموقراطيين الدستوريين الذين لا عيب فيهم والذين لم ينجحوا، أن يلبوا الإرادة الوطنية! وأن يمتطي ميخائيل رومانوف هذه الإرادة؟ كم كان هذا مدعاة للأسف! وفي هذه الغضون كان تحضير التمثيل الوطني المقبل يتم بجدية بيروقراطية كبيرة، وبطء محسوب لدرجة تحول معها المجلس التأسيسي إلى سراب. وفي 25 مارس (آذار) فقط، أي بعد شهر من الانتفاضة -والحياة شهرًا في ظل الثورة!- قررت الحكومة تشكيل مؤتمر حافل خاص لوضع قانون الانتخابات. ولكن هذا المؤتمر لم ينعقد أبدًا. وصرح مليوكوف في كتابه “تاريخ الثورة”، الخاطئ دومًا، وبلهجة مضطربة مشوشة “لم يشرع بعمل المؤتمر الخاص في ظل أول حكومة” بسبب تعقيدات مختلفة. وتتعلق هذه التعقيدات بتشكيل اللجنة والتزاماتها. وكانت المهمة تأجيل انعقاد المجلس التأسيسي إلى وقت أفضل، حتى النصر، وحتى السلم أو حتى الأحداث الكورنيلوفية.

كانت البرجوازية الروسية، التي جاءت للعالم متأخرة جدًا، تكره الثورة كرهًا مميتًا. ولكن حقدها كان يفتقر إلى القوة. وكان عليها أن تبقى في موقف المتفرج لتناور. وبما أن البرجوازية لا تملك إمكانية قلب الثورة وخنقها، فإنها اعتمدت السيطرة عليها عن طريق إطفاء لهيبها.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. السلطة الجديدة جـ 1