تاريخ الثورة الروسية .. اللجنة التنفيذية

0
107

في 27 فبراير (شباط) تشكل في قصر توريد لجنة أطلق عليها اسم “اللجنة التنفيذية لسوفييت مندوبي العمال” دون أن يكون تركيبها منطبقًا على اسمها. ومن المعروف أن أول سوفييت لمندوبي العمال تشكل في عام 1905 أثر إضرابٍ عام. وكان يمثل بشكل مباشر الجماهير المناضلة؛ إذ أن زعماء الإضراب غدوا مندوبين في السوفييت، وتم اختيار الأشخاص وتصنيفهم تحت النار. وانتخب السوفييت جهاز القيادة (اللجنة التنفيذية) لمتابعة النضال فيما بعد. وقامت اللجنة التنفيذية في عام 1905 بطرح مسألة الانتفاضة المسلحة ووضعها موضع التنفيذ.

ولكن ثورة فبراير (شباط) انتصرت بفضل انتفاضة الأفواج العسكرية قبل أن يشكل العمال سوفييتاتهم. وهكذا تشكلت اللجنة التنفيذية بشكل اعتباطي قبل تكوين السوفييت، وبصورة مستقلة عن المصانع والأفواج، وبعد انتصار الثورة على القيصرية. وإننا لنرى هنا المبادهة التقليدية للراديكاليين الذين يقفون موقف المتفرج خلال الصراع الثوري، ثم يندفعون بعد النصر لاقتطاف الثمار. ولم يكن الزعماء العماليون الحقيقيون قد تركوا الشارع بعد، وكانوا يجردون البعض من سلاحهم ليسلحوا البعض الآخر، ويدعموا النصر بقوة السلاح. وتلقى أكثر هؤلاء الزعماء فطنة خبرًا يقول بأن المحاولات تجري في قصر توريد لخلق سوفييت مندوبي العمال. ففهموا دلالة هذا الخبر وأبعاده. وكما قامت البرجوازية الليبرالية في خريف عام 1916، وخلال انتظار ثورة القصر التي لا بُدَّ أن يقوم بها أحدهم بإعداد حكومة احتياطية لفرضها على القيصر الجديد في حالة النجاح فإن المثقفين الراديكاليين شكَّلوا شبه حكومة احتياطية في لحظة انتصار فبراير (شباط). وبما أنهم كانوا -في الماضي على الأقل- جزءًا من الحركة العمالية، فإنهم عملوا على التستر وراء تقاليد هذه الحركة، فأطلقوا على مولودهم الجديد لقب “اللجنة التنفيذية للسوفييت”. وهذا مثال واضح لعمليات التزوير شبه الواعية التي تملأ التاريخ عامة، وتاريخ الانتفاضات الشعبية بصورة خاصة.

عندما تأخذ الأحداث اتجاهًا ثوريًّا، ويتحطم نظام التسلسل كله، تتمسك الشرائح “المثقفة” المدعوة للمشاركة بالسلطة بالأسماء والرموز المرتبطة بالذكريات البطولية للجماهير. وتخفي الكلمات عادة روح الأشياء وجوهرها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمصالح الشرائح المسيطرة. ولقد استمدت اللجنة التنفيذية سلطتها الكبيرة منذ يوم تشكيلها، من ادعائها بأنها استمرار لسوفييت 1905. وأقِّر تشكيل هذه اللجنة في الاجتماع الأول الذي عقده السوفييت وسط فوضى شاملة. ولم تلبث أن أثَّرت بشكل ملحوظ على تركيب السوفييت وعلى السياسة كلها. وكان هذا التأثير محافظًا؛ نظرًا لتوقف الاختيار الطبيعي للممثلين الثوريين، والذي يتم عادة وسط مناخ النضال. فلقد غدت الانتفاضة جزءًا من الماضي، وانتشى الجميع بخمرة النصر، وأخذوا يعيدون تنظيم وجودهم، وبدا الضعف على النفوس، وأصاب هذا الضعف بعض الرءوس. واحتاج الأمر فيما بعد إلى شهور من الصراع الجديد والنضال في ظروف جديدة حددت إعادة تجمعات الرجال، قبل أن تصبح السوفييتات التي أكملت النصر بعد وقوعه، أجهزة حقيقية للنضال وإعداد ثورة جديدة. وإننا لنؤكد على هذا المظهر من مظاهر القضية بعد أن بقي في الظل حتى الآن.

ولكن الطبيعة المعتدلة التوفيقية التي اتسمت بها اللجنة التنفيذية والسوفييت لم تأت من الظروف التي أحاطت بتشكيلها فحسب، بل ساعد على ذلك أسباب أكثر عمقًا وأبعد مدى.

فلقد كان في بتروغراد أكثر من 150 ألف جندي. وكان عدد العمال والعاملات من مختلف المستويات يعادل أربعة أضعاف ذلك. ومع هذا كان كل مندوبَين للعمال يقابلهما خمسة مندوبين عن الجنود. وكانت نسبة التمثيل مطَّاطة مرنة إلى حد بعيد. وكانت كافة الامتيازات لصالح الجنود. وكان كل ألف عامل ينتخبون مندوبًا واحدًا على حين كانت وحدات عسكرية صغيرة ترسل مندوبين. وهكذا غدا لون المعاطف الرمادية اللون السائد في لوحة السوفييت.

وبالإضافة إلى ذلك فإن انتخاب كافة المندوبين المدنيين لم يتم من قبل العمال! فلقد قَبل السوفييت عددًا من الأشخاص بناء على دعوة شخصية، أو لتمتعهم بحماية مجموعة ما، أو بفضل ألاعيبهم الفردية، وكانوا من المحامين والأطباء الراديكاليين، والطلاب، والصحفيين الذين يمثلون أحيانًا مختلف المجموعات المعقدة، ويمثلون في أغلب الأحيان تطلعاتهم الخاصة. ولقد وافق الزعماء على هذا الإفساد الأكيد لطبيعة السوفييت، نظرًا لرغبتهم في تخفيف حدة مندوبي المصانع والثكنات ببعض ممثلي البرجوازية الصغيرة المثقفة. ونجح عدد من هؤلاء القادمين الصدفيين الجدد، والباحثين عن المغامرات، والدجالين، والثرثارين المعتادين على الخطابة، والقادرين على فرض شخصيتهم والتحدث بحزم وشدة، وفرضوا سيطرتهم فترة طويلة على العمال الصامتين والجنود المترددين.

وإذا كان الأمر كذلك في بتروغراد فإن بوسعنا أن نتصور سير الأمور في المحافظات التي تحقق فيها النصر دون أي نضال. وكانت البلاد كلها تعج بالجنود. وكان تعداد حامية كييف وهلسنغفورز وتفليس لا يقل عن تعداد حامية بتروغراد. وكانت حامية ساراتوف وسامارا وطامبوف وأومسك تتراوح بين 70 و80 ألف جندي. على حين كانت الحامية في كل من ياروسلاف وإيكاتيرينوسلاف وإيكاتيرينبورغ تضم 60 ألف جندي. وكانت في سلسلة طويلة من المدن تضم 50 أو 40 أو 30 ألفًا. وتم تنظيم التمثيل السوفييتي بصورة متباينة حسب اختلاف الأماكن، ولكنه أعطى القطعات العسكرية في كل مكان وضعًا متميزًا. وهكذا تجسدت محاولة العمال للتقارب من الجنود إلى أبعد حد ممكن. وسعى الزعماء سعيًا حثيثًا إلى إرضاء الضباط. فبالإضافة إلى عدد كبير من الملازمين والملازمين الأولين الذين خرجوا في المرحلة الأولى من صفوف الجنود، منحت السلطات للقادة وخاصة في المحافظات حق تقديم ممثلين عنهم. ونجم عن ذلك أن حصل العسكريون في العديد من السوفييتات على أكثرية ساحقة. وهكذا استطاعت جماهير الجنود التي لم تأخذ بعد طابعًا سياسيًّا تحديد طابع السوفييتات عن طريق مندوبيها.

إن كل تمثيل يضم عنصر انعدام التناسب. وتزداد أهمية هذا العامل بصورة خاصة في الفترة التي تلي الثورة مباشرة. وكثيرًا ما كان المندوبون في البداية من الجنود العاجزين سياسيًّا، والأشخاص الذين لا علاقة لهم بالجيش أو بالثورة، والمثقفين وأنصاف المثقفين من كل نوع، وللقابعين في حاميات المؤخرة، والقادرين على الظهور بمظهر الوطنيين المتطرفين. وهكذا حصل تباين بين عقلية الثكنات وعقلية السوفييتات. ولقد تحدث الضابط ستانكيفيتش -الذي استقبلته كتيبته بعد الانتفاضة بكثير من التجهم والحذر- أمام فصيلة من الجنود عن موضوع الانضباط الشائك وتساءل: “لم تبدو الحالة الفكرية في السوفييت أكثر عذوبة وأشد لطفًا من الحالة الفكرية السائدة في الكتيبة؟” ويدل عدم الفهم هذا على الصعوبات التي تَلَقاها أحاسيس القاعدة عندما تحاول فتح طريقها نحو القمة.

ومع هذا، فقد بدأت اجتماعات الجنود والعمال منذ 3 مارس (آذار) تطالب السوفييت بحل الحكومة البرجوازية الليبرالية المؤقتة فورًا، واستلام السلطة بصورة مباشرة. وانطلقت المبادهة بالنسبة لهذه النقطة أيضًا من حي فيبورغ. وهل كان هناك مطلب تفهمه الجماهير وتتقبله مثل هذا المطلب؟ ثم لم يلبث هذا التحريض أن توقف؛ لأن أنصار الدفاع الوطني عارضوه بشدة وعنف؛ ولأن القيادة البلشفية انحنت منذ النصف الأول من شهر مارس (آذار) أمام ازدواجية السلطة. مع أنه لم يكن أي تنظيم باستثناء البلاشفة قادرًا على طرح مسألة السلطة بشكل كامل. واضطر زعماء فيبورغ إلى التراجع. ولم يمنح عمال بتروغراد ثقتهم للحكومة الجديدة ساعة واحدة، ولم يعتبروها حكومتهم أبدًا. ولكنهم كانوا يستمعون جيدًا إلى الجنود، ويبذلون قصارى جهدهم كيلا يجابهونهم بعنف. أما الجنود الذين بدءوا يتلمسون أول المفاهيم السياسية، فقد كانوا من الفلاحين المعدمين، ولا يعطون ثقتهم لأحد من السادة، ويصغون باهتمام كبير إلى مندوبيهم الذين يستمعون بدورهم لزعماء اللجنة التنفيذية، أولئك الزعماء الذين كانوا يجسون بقلق نبض البرجوازية الليبرالية. وكان كل شيء من الأسفل إلى الأعلى -مستندًا إلى هذا الموضوع- مؤقتًا.

وفي هذه الفترة كانت الحالة المعنوية للقاعدة تظهر بوضوح متزايد، وأخذت مسألة السلطة تظهر بعد إبعادها المصطنع، وتأخذ غالبًا شكلاً مموًّهًا. وأعلنت النواحي والمناطق “أن الجنود لا يعرفون من يطيعون”، وكان إعلانها هذا تذكيرًا للجنة التنفيذية بوجود ازدواجية السلطة. وفي 16 مارس (آذار) أعلنت وفود أسطولي البلطيق والبحر الأحمر أنها مستعدة للاعتراف بالحكومة المؤقتة إذا ما سارت هذه الحكومة وفق خطوات اللجنة التنفيذية. وهذا يعني أن هؤلاء المندوبين لا يقيمون للحكومة المؤقتة أي وزن. وتزايد إلحاح هذه الفكرة ووضوحها مع مرور الزمن. وذكرت مقررات الفوج 172 ما يلي: “على الجيش والشعب أن لا يطيعا سوى قرارات السوفييت” ثم أضافت إلى ذلك: “أن تعليمات الحكومة المؤقتة المتعارضة مع قرارات السوفييت لا تستوجب التنفيذ”. ووافقت اللجنة التنفيذية على هذا الموقف وسط إحساس مفعم بالرضى والقلق بآن واحد. وقبلت الحكومة ذلك وهي تصر على أسنانها غيظًا. ولم يكن بوسع الحكومة المؤقتة المتعارضة مع قرارات السوفييت لا تستوجب التنفيذ”. ووافقت اللجنة التنفيذية على هذا الموقف وسط إحساس مفعم بالرضى والقلق بآن واحد. وقبلت الحكومة ذلك وهي تصر على أسنانها غيظًا. ولم يكن بوسع الحكومة المؤقتة أو اللجنة التنفيذية القيام بأي شيء آخر.

ومنذ بداية مارس (آذار) ظهرت السوفييتات في جميع المدن الرئيسية والمراكز الصناعية. ثم انتقلت بعد عدة أسابيع إلى كافة أرجاء البلاد. ولكنها لم تشمل الريف كله إلا في أبريل – مايو (نيسان – أيار). وكان الجيش يتحدث مبدئيًّا باسم الفلاحين.

وأخذت اللجنة التنفيذية لسوفييت بتروغراد بصورة طبيعية أهمية مؤسسة كبرى على مستوى الدولة. وسارت بقية السوفييتات على خطى سوفييت العاصمة، وأخذت توافق بصورة متدرجة على مقررات دعم الحكومة المؤقتة المشروط. وسارت العلاقات بين سوفييت بتروغراد وسوفييتات المناطق في الأشهر الأولى بكل سهولة، ولم تشهد هذه العلاقات أية صراعات أو خلافات جادة. ولكن الوضع كله كان يؤكد ضرورة وجود تنظيم على مستوى الدولة. وبعد قلب الحكم المطلق بشهر واحد، دُعي إلى عقد المؤتمر الأول للسوفييتات، وكان هذا المؤتمر ناقصًا وحيد الاتجاه. وكانت سوفييتات المدن الصغرى تشكل ثلثي التنظيمات الـ 185 الممثلة، ويتألف معظمها من سوفييتات الجنود. فإذا أضفنا إلى ذلك مندوبي تنظيمات الجبهة، وجدنا أن المندوبين العسكريين، ومعظمهم من الضباط، كانوا يشكلون أكثرية ساحقة داخل المؤتمر. وانطلقت الخطب التي تتحدث عن الحرب حتى النصر الكامل، كما انطلقت الشتائم الموجهة إلى البلاشفة رغم اعتدال موقفهم أكثر مما ينبغي. وألحق المؤتمر بسوفييت بتروغراد 16 مندوبًا محافظًا من المقاطعات، على اعتبار أنه مؤسسة على نطاق الدولة كلها.

ووجد الجناح اليميني كل دعم. ومنذ ذلك الوقت أخذ البعض يضغط على المتذمرين بصورة متزايدة ويهددهم بقوة المناطق. ولم يُنفذ القرار المتخذ في 14 مارس (آذار) والخاص بإعادة تشكيل سوفييت بتروغراد. ولم يكن هذا في الحقيقة مهمًا، فليست القرارات بيد أي سوفييت محلي بل بيد اللجنة التنفيذية لعموم روسيا. واحتل الزعماء الرسميون وضعًا يتعذر الوصول إليه تقريبًا. واتخذت أهم القرارات في اللجنة التنفيذية، أو بالأحرى داخل نواتها القيادية بالتفاهم مع نواة الحكومة. وتُرك السوفييت بعيدًا عن كل قرار، واعتبر وكأنه اجتماع عام لا سلطة له، “ولا تتقرر السياسة هنا في الجمعيات العمومية، وليس لكل هذه “الاجتماعات العامة أية أهمية علمية” (سوخانوف). وأعجب زعماء مصير البلاد بأنفسهم، واعتبروا أن السوفييتات أنهت مجمل مهمتها عندما سلمتهم مقاليد الأمور. ولكن المستقبل القريب جاء ليؤكد فيما بعد خطأ هذا التفكير. صحيح أن الجماهير صبورة، ولكنها لا تشكل عجينة يسهل للمرء تكييفها على هواه. وهي تتعلم في الفترات الثورية بسرعة بالغة. وهنا تكمن أكبر قوة تتمتع بها الثورة.

ولفهم تطور الأحداث اللاحق بشكل أفضل، لا بُدَّ لنا من الوقوف عند صفات الحزبين اللذين شكلا في بداية الثورة كتلة متماسكة، وسيطرا على السوفييتات والبلديات الديمقراطية، وحصلا على الأكثرية في مؤتمرات الديمقراطية الملقبة “بالثورية”، وحافظا على أكثريتهما المتزايدة يومًا بعد يوم حتى انعقاد المجلس التأسيسي الذي كان آخر انعكاس لسلطتهم القديمة، تمامًا كما يكون احمرار ذروة الجبل عندما تضيئها شمس غاربة!

وإذا كانت البرجوازية الروسية قد ظهرت بشكل جد متأخر عرقل انقلابها إلى قوة ديمقراطية، فإن الديمقراطية الروسية أرادت الظهور بمظهر الاشتراكية للسبب نفسه. فلقد استنزفت الأيديولوجية الديمقراطية إلى حد بعيد خلال القرن التاسع عشر. وكان على الأنتليجنسيا الراديكالية الروسية في مطلع القرن العشرين أن تأخذ طابعًا اشتراكيًّا إذا ما أرادت التقرب من الجماهير. وكان هذا هو مجمل السبب التاريخي الكامن وراء خلق حزبين وسطيين هما: المناشفة، والاشتراكيون – الثوريون. علمًا بأنه كان لكل واحد منهما أصله الخاص وأيديولوجيته المستقلة.

فلقد بنى المناشفة مفاهيمهم على قاعدة ماركسية وكان من جراء تخلف روسيا التاريخي أن اعتبرت الماركسية فيها في بداية الأمر حجة لصالح التطور البورجوازي المحتوم في البلاد، لا نقدًا موجهًا إلى المجتمع الرأسمالي. وعندما ظهرت الحاجة لعقيدة ما، استخدم التاريخ بخبث النظرية المخصية للثورة البروليتارية بغية العمل بعقلية برجوازية لتطور أجزاء واسعة من الأنتليجنسيا الشعبية الزنخة، وإعطائها طابعًا أوروبيًّا. ولقد احتل المناشفة في هذا المجال أكبر مكان. وكانوا يشكلون الجناح اليساري للأنتليجنسيا البرجوازية، ويربطون هذه الأنتليجنسيا بالشرائح الوسطية التي تضم العمال المعتدلين المؤمنين بالعمل الشرعي حول مجلس الدوما وداخل النقابات.

وكان الاشتراكيون – الثوريون على العكس يعارضون النظرية الماركسية ويتلقون جزءًا من تأثيرها. وكانوا يعتبرون أنفسهم حزبًا يحقق تحالف المثقفين، والعمال، والفلاحين، تحت لواء العقل النقاد. وتبدو أفكارهم على الصعيد الاقتصادي مزيجًا فجًا من مختلف الترسبات التاريخية، بعكس الظروف المتناقضة التي يعيشها الفلاحون في بلد تنمو فيه الرأسمالية بسرعة متزايدة.

وكان الاشتراكيون – الثوريون يرون بأن على الثورة المقبلة أن لا تكون برجوازية أو اشتراكية، بل “ديمقراطية”، وهذا يعني أنهم استعاضوا عن المحتوى الاجتماعي بصيغة سياسية. فشقوا لأنفسهم بذلك طريقًا بين البرجوازية والبروليتاريا، وأخذوا دور الحكم بين هاتين الطبقتين. وبدا للبعض بعد فبراير (شباط) أن الاشتراكيين – الثوريين اقتربوا من هذا الوضع إلى حد بعيد.

وكانت جذور الاشتراكيين – الثوريين منذ الثورة الأولى ممتدة إلى طبقة الفلاحين. وفي الأشهر الأولى من عام 1917 تشبعت الأنتليجنسيا الريفية كلها بشعار الشعبيين التقليدي: “الأرض والحرية”. وكان المناشفة يعتمدون على سكان المدن، على حين كان الاشتراكيون – الثوريون يعتمدون على قواعدهم الريفية. ومع هذا فقد مد الاشتراكيون – الثوريون سيطرتهم حتى شملت المدن، خاصة وأنهم اكتسبوا غالبية الأصوات داخل السوفييتات، وفصائل الجنود، وأول البلديات الديمقراطية. وبدت قوة هذا الحزب الظاهرية بلا حدود، ولم يكن هذا سوى وهم سياسي محض لا يستند إلى أية حقيقة راسخة.

إن حزبًا يصوّت له الجميع، باستثناء أقلية تعرف لمن ينبغي أن تصوت، لا يشكل حزبًا. كما أن الألفاظ التي يستخدمها الرُضَّع في كل بلاد العالم لا تشكل لغة قومية.

والحقيقة أن الحزب الاشتراكي – الثوري أعطى اسمه إلى كل ما هو بدائي، معدوم الشكل، مضطرب، داخل ثورة فبراير (شباط). وكان كل من لم يملك قبل الثورة ماضيًا يجبره على التصويت لصالح الكاديت أو البلاشفة يصوت للاشتراكيين – الثوريين. ولكن الكاديت كانوا يتمركزون في معسكر الملاكين. وكان البلاشفة آنذاك قلة، غير مفهومة، ينظر البعض إليها بهلع. وكان التصويت للاشتراكيين – الثوريين يعني التصويت للثورة بمجملها مع عدم الالتزام بشيء. وكان تأييد هذا الحزب يمثل في المدن محاولة الجنود للتقارب مع الحزب المدافع عن مصالح الفلاحين، ومحاولة العناصر العمالية المتخلفة للتقارب مع الجنود، ومحاولة من صغار سكان المدن تستهدف عدم الانفصال عن الجنود والفلاحين. وكانت بطاقة العضوية في الحزب الاشتراكي – الثوري تعطي المرء خلال هذه الحقبة حقًا مؤقتًا بالدخول إلى المؤسسات الثورية، وتحتفظ بقيمتها حق يتم استبدالها بوثيقة ذات قيمة أكبر. ولم يكن من قبيل الصدف أن أطلق على هذا الحزب الكبير الذي يضم كل من هبَّ ودبَّ اسم “الصفر الضخم”.

ومنذ الثورة الأولى استنتج المناشفة من الطبيعة البرجوازية للثورة ضرورة التحالف مع الليبراليين، وأعطوا هذا التحالف أهمية تفوق أهمية التعاون مع الطبقة الفلاحية التي نظروا إليها كحليف غير مضمون. وكان البلاشفة على العكس يرون آفاق الثورة في تحالف البروليتاريا مع الفلاحين ضد البرجوازية الليبرالية. وكان اعتبار الاشتراكيين – الثوريين لأنفسهم حزبًا فلاحيًّا قبل أي شيء آخر، يدفع إلى الاعتقاد بأنهم سيؤيدون أي تحالف بين البلاشفة والشعبيين ضد تحالف المناشفة والبرجوازية الليبرالية. ولكننا نرى في الحقيقة أن ثورة فبراير (شباط) شهدت تجمعًا معكوسًا؛ إذ عمل المناشفة والاشتراكيون – الثوريون بتنسيق وثيق كمَّل كتلتهم مع البرجوازية الليبرالية. على حين كان البلاشفة على الصعيد السياسي الرسمي معزولين كل الانعزال.

ولكن هذا الواقع الغريب ظاهريًّا هو في الحقيقة واقع جد منطقي؛ إذ لم يكن (الاشتراكيون – الثوريون) حزبًا فلاحيًّا، رغم تعاطف الأرياف الكبيرة مع شعاراتهم. وكانت نواة الحزب الأساسية التي تحدد السياسية العملية، وتقدُّم الوزراء والموظفين مرتبطة بأوساط الليبراليين والراديكاليين في المدن أكثر من ارتباطها مع جماهير الفلاحين الثائرة. ولقد انتفخت هذه النواة القيادية إلى حد بعيد بفضل مد الاشتراكيين – الثوريين من أنصار الحرب. وبدأت تخاف من سعة الحركة العمالية السائرة تحت شعاراتها. صحيح أن أفراد الرعيل الأخير من الشعبيين كانوا يتمنون كل الخير للفلاحين، ولكنهم لم يكونوا يودون رؤية “الديك الأحمر”(1)، ولا يرغبون باندلاع الحريق. وكان خوف الاشتراكيين – الثوريين أمام الأرياف الثائرة، يشبه إلى حد بعيد خوف المناشفة من زخم هجوم البروليتاريا. والخلاصة أن خوف الديموقراطيين كان يعكس خطرًا حقيقيًّا كامنًا في حركة المعدمين ضد الطبقات المالكة، وهذا ما دفع الطبقات المالكة إلى التجمع في معسكر واحد يضم الرجعية البرجوازية والنبيلة. وجاء تكتل الاشتراكيين – الثوريين مع النبيل الإقطاعي لفوف ليحدد انفصال هذا الحزب عن الثورة الزراعية، تمامًا كما حدد تكتل المناشفة مع الصناعيين وكبار الممولين من أمثال غوتشكوف وتيريشتشنكو وكونوفالوف انفصال هذا الحزب عن البروليتاريا. وكان تحالف المناشفة مع الاشتراكيين الثوريين لا يعني في هذه الظروف تعاون البروليتاريا مع الفلاحين، بل تحالف حزبين قطعا كل صلاتهما مع البروليتاريا والريف؛ بغية خلق كتلة مشتركة مع الطبقات المالكة.

ويدلنا كل هذا على زيف اشتراكية هذين الحزبين الديموقراطيين. ولكن هذا لا يعني أن ديموقراطيتهما كانت حقيقة. كلا، إن فقر ديموقراطيتهما هو الذي دفعهما إلى البحث عن تمويه اشتراكي. لقد شنَّت البروليتاريا الروسية نضالها في سبيل الديمقراطية عبر صراع رهيب مع البرجوازية الليبرالية. وكان على الأحزاب الديمقراطية المتكتلة مع البرجوازية الليبرالية الدخول في صراع محتوم ضد البروليتاريا. هذه هي الجذور الاجتماعية للصراع الطويل الذي دار فيما بعد بين التوفيقيين والبلاشفة.

إذا أعدنا التطورات المذكورة آنفًا إلى آليتها الطبقية المجردة، التي لم يعِ كل إبعادها ولا شك أفراد الحزبين التوفيقيين وزعماؤهما، توصلنا إلى توزيع المهمات التاريخية التقريبي التالي: لم تعد البرجوازية قادرة على امتلاك الجماهير؛ لذا فإنها باتت تخشى الثورة. ولكن الثورة ضرورية لتطور البرجوازية. وانفصل عن البرجوازية الموسرة مجموعتان تضمان أخوتها وأبناءها الشبان. واتجهت إحدى هاتين المجموعتين نحو العمال، على حين اتجهت الثانية نحو الفلاحين. وحاولت كل واحدة منهما اجتذاب العمال والفلاحين وبرهنتا بإخلاص وحماس على أنهما اشتراكيتان معاديتان للبرجوازية. وحصلت بذلك على تأثير حقيقي كبير داخل صفوف الشعب. ولم تمضِ فترة قصيرة حتى تجاوزت تأثيرات أفكارهما حدود تفكيرهما. وأحست البرجوازية بخطر الموت المحدق بها، فأعطت إشارة الإنذار، وردت المجموعتان اللتان انفصلتا من قبل عن البرجوازية (أي المناشفة والاشتراكيين – الثوريين) على نداء الأخ الأكبر. وتجاوزتا عددًا من الخلافات القديمة، وتعاضدتا، وأدارتا ظهريهما للجماهير، واندفعتا لنجدة المجتمع البورجوازي.

ويتسم الاشتراكيون – الثوريون، حتى بالمقارنة مع المناشفة، بقسط كبير من التفتت والتراخي. وكان البلاشفة يعتبرونهم في كافة اللحظات الحرجة عبارة عن كاديت من الدرجة الثالثة. على حين كان الكاديت يعتبرونهم بلاشفة من الدرجة الثالثة. وكانت الدرجة الثانية في الحالتين من نصيب المناشفة. وكانت قاعدة الاشتراكيين – الثوريين المتحركة، وأيديولوجيتهم اللا واضحة تؤديان إلى اختيار أشخاص يتسمون بالصفات نفسها؛ لذا كان كافة زعماء هذا الحزب يحملون طابع النقص، والسطحية، والخفَّة المعنوية. ويمكننا أن نقول دون أية مبالغة، بأن أي بلشفي من القاعدة، كان يتمتع بوضوح سياسي، وفهم للعلاقات بين الطبقات، أكثر من أكبر زعماء الاشتراكيين – الثوريين وأكثرهم شهرة.

ولم تكن مقاييس الاشتراكيين – الثوريين ثابتة، وهذا ما جعلهم يخضعون لكثير من المتطلبات الأخلاقية. ومن الواضح أن ادعاءاتهم بالتمسك بالأخلاقيات لم يمنعهم من اللجوء خلال تنفيذ السياسة الكبرى إلى الخبث الدنيء الذي تتسم به عادة الأحزاب الوسطية المحرومة من القاعدة الصلبة، والعقيدة الواضحة، والمحور الخلقي الصحيح.

وكان المناشفة يحتلون منصب القيادة داخل الكتلة التي شكلوها مع الاشتراكيين – الثوريين، رغم أن الغالبية كانت لصالح الاشتراكيين – الثوريين. ويترجم توزيع الأدوار بهذا الشكل سيطرة المدينة على الريف. وتفوُّق البرجوازية الصغيرة الحضرية على البرجوازية الصغيرة الريفية. والامتياز الأيديولوجي الذي تحس به الأنتليجنسيا “الماركسية” بالنسبة للأنتليجنسيا الأخرى المتمسكة بالأفكار الاجتماعية الوطنية “للروس الحقيقيين”، والمنبثقة من فقر تاريخ البلاد القديم.

ولم يكن لأحزاب اليسار في العاصمة خلال الأسابيع الأولى بعد الثورة أية قيادة حقيقية؛ إذ كان زعماء الأحزاب الاشتراكية يعيشون في المنفى. واتجه زعماء الصف الثاني نحو المركز قادمين من الشرق الأقصى. ونجم عن ذلك وقوف الزعماء المؤقتين موقف الانتظار الحذِر الذي قرَّب فيما بينهم. ولم تذهب أية مجموعة قيادية في هذه الأسابيع إلى طرح أفكارها بشكل كامل. وكان صراع الأحزاب داخل السوفييت يسير بشكل سلمي تمامًا، وبدا الأمر وكأنه يتعلق بتمايزات بسيطة داخل “ديمقراطية ثورية” واحدة. ومن المؤكد أن وصول تسيريتلي القادم من منفاه في 19 مارس (آذار)، جعل القيادة السوفييتية تنحرف فجأة نحو اليمين، وتؤكد على ضرورة تحمل مسئولية السلطة والحرب. كما أن البلاشفة أنفسهم اتجهوا بسرعة نحو اليمين في منتصف مارس (آذار) تحت تأثير كامنييف وستالين بعد عودتهما من المنفى. وهذا ما جعل المسافة الفاصلة بين الغالبية السوفييتية والمعارضة اليسارية في بداية إبريل (نيسان)؛ أي في اليوم التالي لقدوم لينين إلى بتروغراد.

وكان على رأس الميول المختلفة في الحزب المنشفي وجوه شهيرة معروفة، دون أن يكون بينها قائد ثوري واحد. وكان أقصى اليمين تحت قيادة الأساتذة القدماء في الحزب الاشتراكي – الديموقراطي الروسي: بليخانوف وزاسوليتش ودوتش، قد وقف موقفًا وطنيًّا منذ أيام الحكم القيصري. وفي عشية ثورة فبراير (شباط)، نشر بليخانوف في إحدى الصحف الأمريكية مقالاً مفعمًا بالشكوى، أشار فيه إلى أن الإضرابات وكافة أساليب العمال النضالية في روسيا تعتبر منذ الآن أعمالاً إجرامية. وارتبطت أوساط واسعة من المناشفة القدماء المتمثلين بـ: مارتوف ودان وتسيريتلي بمعسكر الزيمرفالديين، ورفضت كل المسئولية الخاصة بالحرب. ولكن أُممية المناشفة اليساريين، والاشتراكيين – الثوريين اليساريين كانت تخفي في معظم الحالات عقلية المعارضة الديمقراطية. وأدَّت ثورة فبراير (شباط) إلى عودة معظم هؤلاء “الزيمرفالديين” إلى تأييد فكرة الحرب التي أخذوا يرون فيها وسيلة للدفاع عن الثورة. وكان تسيريتلي أكثر المتحمسين في هذا المجال، ولقد جر وراءه (دان) وآخرين غيره.

وفوجئ مارتوف بالحرب وهو في فرنسا، ولم يعد إلى البلاد إلا في 9 مايو (آيار) ولكنه رأى بكل وضوح أن زملاء البارحة وصلوا بعد ثورة فبراير (شباط) إلى النقطة التي انطلق منها غيسد وسيمبا وغيرهما في عام 1914، عندما دافعوا عن الجمهورية البرجوازية ضد التسلطية الجرمانية. وأخذ مارتوف قيادة جناح المناشفة اليساري الذي لم يتح له أن يلعب أي دور هام في الثورة، ودفعه هذا إلى الوقوف موقف المعارضة من سياسة تسيريتلي – دان، ومعارضة أي تقارب بين المناشفة اليساريين والبلاشفة. وكان تسيريتلي المتحدث الرسمي باسم المناشفة، وسار وراء غالبية أعضاء الحزب؛ إذ اتحد وطنيو ما قبل الثورة دونما عناء، مع وطنيي نداء فبراير (شباط). وكان مع بليخانوف مجموعته الشوفينية إلى أبعد مدى، والواقفة خارج الحزب وخارج السوفييت أيضًا. ولم يترك جناح مارتوف الحزب، ولم يعمد إلى إصدار صحيفة خاصة، ولم يكن له سياسة مستقلة. وطاش صواب مارتوف كعادته في الأحداث الكبيرة، ولم يعد يستقر على رأي، ولا شك في أن الثورة لم تلحظ في عامي 1905 و1917 وجود هذا الشخص الهام الجليل.

وترأس سوفييت بتروغراد، واللجنة التنفيذية المركزية، بصورة شبه آلية، تشخيدزه زعيم المجموعة المنشفية في مجلس الدوما. وحاول هذا الزعيم أن يضم إلى واجباته كل ما كان لديه من شرف وأخلاق، مستخدمًا المزاح الفاشل لتغطية قلقه الدائم. وكان يحمل البصمات التي تركها أصله الريفي على شخصيته. فلقد انحدرت من جورجيا الجبلية، بلاد الشمس، وكروم العنب، والفلاحين، والأمراء الإقطاعيين، التي لم يكن فيها سوى عدد قليل من البروليتاريين، شريحةٌ واسعة من المثقفين اليساريين، المرنين، المتحمسين، الذين لم يرتفع معظمهم عن أفق البرجوازية الصغيرة. وأرسلت جورجيا إلى مجالس الدوما الأربعة مندوبين من المناشفة. ولعب هؤلاء النواب في المجموعات البرلمانية الأربع دورًا قياديًّا. وغدت جورجيا “جيروند” الثورة الروسية. وإذا كان جيرونديو القرن الثامن عشر قد اتهموا بالفدرالية، فإن جيرونديي جورجيا بدءوا بالدفاع عن روسيا الواحدة التي لا تتجزأ، وانتهوا بعد ذلك بالانفصالية.

وكان تسيريتلي النائب القديم في مجلس الدوما الثاني أهم الوجوه الجيروندية الجورجية بلا منازع. وما أن عاد من منفاه، حتى تربع لا على زعامة المناشفة فحسب، بل على زعامة الغالبية السوفييتية آنذاك. ولم يكن مُنَظرًا أو كاتبًا صحفيًّا، ولكنه كان خطيبًا مفوهًا، ويمكن اعتباره راديكاليًّا يشبه الفرنسيين الجنوبيين. ولو عاش وسط الروتين البرلماني لأحس بأنه سمكة في الماء. ولكنه عاش في عصر ثوري، وكان قد تأثر في صباه ببعض الأفكار الماركسية. وعلى كل حال، فقد أظهر تسيريتلي خلال الأحداث الثورية اندفاعًا يفوق أي منشفي آخر، وبذل جهدًا لا يجارى ليكون صادقًا مع نفسه؛ لذا فإنه شارك أكثر من غيره في انهيار نظام فبراير (شباط). وكان تشخيدزه يتبع تسيريتلي تبعية كاملة، رغم أن هناك لحظات أحس فيها بالخجل أمام أفكاره القديمة كمنظِّر، نظرًا لأنه يعمل على تقارب الثوري الذي كان بالأمس سجينًا مع ممثلي البرجوازية المحافظين.

أما المنشفي سكوبيليف الذي اكتسب شهرته الحديثة من وضعه كنائب في آخر مجلس دوما، فقد كان مظهره الشاب، وعدد من الصفات التي يتصف بها، تجعله يبدو كطالب يمثل على مسرح صغير دور رجل الدولة. ولقد تخصص سكوبيليف بتخفيف “المبالغات”، والقضاء على الصراعات المحلية، وكان اهتمامه ينصب على سد الشروخ الناجمة عن ازدواجية السلطة. حتى جاءت لحظة استلم فيها منصب وزير العمل في وزارة مايو (آيار) الائتلافية فكان استلامه مأساةً.

وكان (دان) من أهم الشخصيات بين صفوف المناشفة. وهو مناضل حزبي قديم، لعب دائمًا دور الشخصية الثانية بعد مارتوف. وإذا كانت المنشفية قد تشربت في لحمها ودمائها عادات تفكير الاشتراكية – الديمقراطية الألمانية في فترة انحطاطها، فإن دان يبدو كعضو في قيادة الحزب الألماني، أو أيبرت من نوع متدنٍ. ولقد طبق دان الألماني بعد سنة من الزمن بنجاح السياسة التي عجز أيبرت الروسي عن تطبيقها. ولا يعود سبب هذا التباين بالنتائج إلى تباين بين الأشخاص، بل إلى اختلاف الظروف.

وإذا كان تسيريتلي الكمان الأول في جوقة الأكثرية السوفييتية، فقد كان ليبر ينفخ بكل ما أوتى من قوة في مزمار صغير، وعيناه الجاحظتان محتقنتان بالدم من فرط الإعياء. إنه منشفي من الاتحاد العمالي الإسرائيلي (البوند)، وهو يتمتع بماض ثوري طويل مليء بالإخلاص، مفعم بالحماس والفصاحة، ولكنه متعنت محدود، يحاول جاهدًا أن يفرض نفسه كوطني ثابت، ورجل صلب متشدد. وكان ليبر مشبعًا بالحقد على البلاشفة.

ويمكن تكملة مجموعة الزعماء المناشفة بالبلشفي القديم واليساري المتطرف فويتينسكي الذي لعب دورًا ملحوظًا في الثورة الأولى، وأمضى جزءًا من حياته في السجن، ثم قطع صلاته مع الحزب في مارس (آذار) نظرًا لاختلافه معه بالنسبة للقضايا الوطنية. وما أن انضم فويتينسكي إلى المناشفة حتى غدا ألد أعداء البلاشفة. ولكنه لم يملك من الحماس ما يجعله مشابهًا لليبر في مهاجمة رفاق الفكر القدماء.

وكانت قيادة الشعبيين تماثل قيادة المناشفة في عدم الانسجام ولكنها كانت أقل أهمية وأخفت بريقًا. وكان على رأس “الاشتراكيين الشعبيين” الذين يمثلون أقصى اليمين، المهاجر العجوز تشايكوفسكي الذي كانت شوفينيته تذكرنا بشوفينية بليخانوف دون أن يتمتع بمواهب بليخانوف أو ماضيه النضالي. وتقف إلى جانب تشايكوفسكي امرأة مسنة تدعى بريشكو – بريشكو فسكايا، وكان الاشتراكيو ن – الثوريون يطلقون عليها لقب “جدة الثورة”، ولكنها كرست كل حماسها واندفاعها لتكون أشبينة الثورة المضادة. أما المناضل الفوضوي كروبتكين الذي كان يشعر منذ صباه بميل للشعبيين، فقد وقف إلى جانب الحرب، ونقض كل ما نادى به خلال نصف قرن تقريبًا، ووقف هذا الرافض لوجود الدولة موقفًا مؤيدًا للحلفاء. ولم يكن تنديده بازدواجية السلطة يستهدف إلغاء السلطة، بل يستهدف المناداة بسلطة البرجوازية وحدها. ولم يلعب كل هؤلاء المسنين سوى دور تزييني غير فعال، رغم أن تشايكوفسكي تربَّع فيما بعد على رأس حكومة بيصاء موَّلها تشرشل خلال الحرب ضد البلاشفة.

واحتل كرنسكي المكان الأول عند الاشتراكيين – الثوريين، ولكنه لم يكن داخل الحزب بل فوقه، وهو شخص لا يملك أي ماض حزبي. وسنجد أكثر من فرصة لفحص هذا الشخص “مبعوث العناية الإلهية”، والذي تكمن قوته خلال فترة ازدواجية السلطة في توافق نقاط ضعف الليبرالية مع نقاط ضعف الديمقراطية. ولم يؤد انضمام كرنسكي الشكلي إلى الحزب الاشتراكي – الثوري إلى تبديل رأيه الذي يزدري الأحزاب بصورة عامة؛ نظرًا لأنه يعتبر نفسه منتخب الأمة المباشر. ولكن ألم يفقد الحزب الاشتراكي – الثوري في هذه الفترة صفته كحزب، بعد أن أصبح صفرًا وطنيًّا ضخمًا؟ حقًا، لقد وجد الحزب في كرنسكي زعيمًا ملائمًا.

وكان تشيرنوف الذي تبوأ منصب وزير الزراعة، ثم لم يلبث أن غدا رئيسًا للمجلس التأسيسي، أفضل وجوه الحزب الاشتراكي – الثوري القديم. وليس من قبيل الصدفة أن اعتبره الجميع منظِّر هذا الحزب وملهمه ودليله. ولقد كان تشيرنوف يملك معلومات واسعة، ولكنها لا ترتبط مع بعضها في كلٍّ متماسك. ويمكن اعتباره قارئًا كبير الاطلاع دون أن يكون مثقفًا. وهذا ما جعله قادرًا على الاستشهاد في كل مناسبة بجمل مشهورة تلائم الموقف. وكانت هذه الاستشهادات تنصب على الشبيبة الروسية دون أن تعلمها شيئًا كبير الأهمية. وكان هذا الزعيم المفوَّه قادرًا على الرد على كل سؤال، باستثناء سؤال واحد هو: من هم الأشخاص الذين يقودهم، وإلى أين يسير بهم؟ وكانت صيغ تشيرنوف المتنوعة، المفعمة بالحديث عن الأخلاق والمفاسد، تجتذب في فترة من الفترات مجموعة من المستمعين المتباينين الذين يختفون في اللحظات الحرجة، ويتبعثرون في كل اتجاه. وليس من المستغرب قيام تشيرنوف بكل سخف وتبجح بطرح أسلوبه الخاص ببناء الحزب كبديل “لتشيّع” لينين.

ولقد عاد تشيرنوف من الخارج بعد لينين بخمسة أيام؛ إذ سمحت له إنكلترا أخيرًا بالمرور. ووسط الحماس ومظاهر التأييد التي أبداها السوفييت، ألقى زعيم أكبر حزب خطابًا طويلاً وصفه سوخانوف -وهو نصف اشتراكي ثوري- كما يلي: “وكنت مع كثيرين غيري من الوطنيين أفراد الحزب الاشتراكي – الثوري مكشرين نهز رءوسنا استخفافًا. وتساءلت لِمَ يتحدث تشيرنوف بهذا الشكل المنفر، ولم يستخدم مثل هذه المواقف الغريبة وهو يدور بعينيه الكبيرتين، ويتحدث بلا انقطاع عن كل شيء، وعن لا شيء؟”. وكان كل نشاط تشيرنوف محصورًا ضمن حدود خطابه الأول. فلقد حاول في بداية الأمر اتخاذ موقف المعارضة اليسارية أمام كرنسكي وتسيريتلي، ثم لم يلبث أن وجد نفسه محاصرًا من كل جانب، فاستسلم من غير قتال، وتخلص من زيميرفالديته التي اكتسبها في المنفى، ودخل في “لجنة الاتصال”، ثم انضم بعد ذلك إلى حكومة التآلف. وكان يخطئ في كل ما يقوم به؛ ولذا فقد قرر الابتعاد عن أي عمل. وأصبح الامتناع عن التصويت عنده شكلاً من أشكال الوجود السياسي. وذابت سلطته بين إبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) بسرعة تفوق سرعة ذوبان حزبه. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الفرق القائم بين تشيرنوف وكرنسكي -اللذين يكرهان بعضهما بصورة متبادلة- وجدنا أن جذور هذين الرجلين ممتدة إلى ماضيهما الذي سبق الثورة، وإلى المجتمع الروسي القديم المهترئ، وإلى الأنتليجنسيا الضعيفة المغرورة، التي كانت تتحرق شوقًا لتعليم الجماهير الشعبية، والوصاية عليها، وتأمين راحتها ومصالحها، مع العجز الكامل عن الاستماع إليها، أو فهمها أو التعلم من دروسها وتجاربها. ومن المعروف أن اختفاء هذه الأمور يعني انعدام السياسة الثورية.

وكان اكسنتييف الذي رفعه حزبه إلى أعلى المناصب الثورية -رئيس اللجنة التنفيذية لمندوبي الفلاحين، ووزير الداخلية، ورئيس المجلس التأسيسي- يمثل الصورة الممسوخة لرجل السياسة: فهو مدرس أدب سلس، في مدرسة البنات الثانوية باورل، وهذا كل ما يمكننا أن نقول عنه. ومن المؤكد أن نشاطه السياسي كان أكثر حداثة من شخصيته.

ولعب غوتز دورًا هامًا وراء كواليس المجموعة الاشتراكية – الثورية، ونواة السوفييت القيادية. وكان إرهابيًا ينحدر من أسرة ثورية مشهورة؛ لذا فإننا نجده أكثر عملاً وأقل تبجحًا من أقرب أصدقائه السياسيين. وكان رفاقه يطلقون عليه لقب “الرجل العملي”، ولكنه كان يختار العمليات الداخلية الصغيرة، تاركًا للآخرين حل المسائل الكبرى. ولا بُدَّ لنا من أن نضيف أنه لم يكن خطيبًا أو كاتبًا. وأن مصدر قوته كامن في سيطرته الشخصية الناجمة عن قضاء سنوات طويلة في السجن.

وهكذا نكون قد أتينا على ذكر كل من يمكننا ذكرهم من الحلقة القيادية للشعبيين. ولقد تحلَّق من حولهم وجوه رفعتها الثورة بصورة صدفية، مثل فيليبوفسكي، الذي لا يستطيع أي امرئ أن يفسر السبب الحقيقي الكامن وراء وصوله إلى أعلى قمة معبد فبراير (شباط)، وقد يكون سبب هذا الصعود هو لباس ضابط البحرية الذي كان يرتديه.

ووقف إلى جانب الزعماء الرسميين للحزبين المسيطرين داخل اللجنة التنفيذية عدد كبير من “المتوحشين”، المستقلين، الذين اشتركوا بالحركة خلال مختلف مراحلها الماضية. ومن بينهم أناس ابتعدوا عن النضال قبل الانتفاضة بزمن بعيد، ولكنهم عادوا بعدها على جناح السرعة، وانضموا تحت لواء الثورة الظافرة، دون أن يسعوا إلى الخضوع لنير الحزب. وكان “المتوحشون” يتبعون خط الأكثرية السوفييتية بالنسبة لكافة المسائل الأساسية. ولقد احتلوا في بداية الأمر مراكز قيادية هامة. ولكن عودة الزعماء الحزبيين الرسميين من المنفى أو اللجوء، كانت تدفع المستقلين إلى الصف الثاني، وتعطي السياسة شكلها، وتعيد لفكرة الحزب كل قوتها.

ولقد أشار أعداء اللجنة التنفيذية في معسكر الرجعية أكثر من مرة فيما بعد إلى سيطرة الأجانب في هذه اللجنة؛ كاليهود، والجورجيين، والليتونيين، والبولونيين، وغيرهم. وبالرغم من قلة عدد الأجانب بالنسبة لمجموع أعضاء اللجنة التنفيذية، فإن من المؤكد أنهم احتلوا مكانة ملحوظة في المكتب، ومختلف اللجان، وكمراسلين، …إلخ، وبما أن مثقفي الجنسيات المضطهدة كانوا يجتمعون عادة في المدن، ويكملون الصفوف الثورية بعدد غفير منهم، فإن من الطبيعي أن نجد في الرعيل الأول من الثوريين عددًا كبيرًا من الأجانب. وكانت خبرتهم رغم ضحالتها في بعض الأحيان ضرورية لبناء الأشكال الاجتماعية الجديدة.

ولكن من السخف تصديق المحاولات الرامية إلى اعتبار سياسة السوفييت، ومسيرة الثورة كلها، ناجمتين عن سيطرة الأجانب. وتعبر الوطنية في هذه الحالة أيضًا عن احتقار للأمة الحقيقية، أي للشعب، وتمثله في فترة يقظته الوطنية الكبرى كشعب بسيط، معدوم الإمكانات، تتصرف به أيد أجنبية جاءت صدفة. ولكن لِمَ استطاع الأجانب تحقيق هذه السيطرة الكبيرة على الملايين من أبناء البلاد، وكيف تم ذلك؟ والحقيقة أن جماهير الأمة تستفيد عادة في لحظات الانعطاف التاريخية من إمكانات العناصر التي كانت بالأمس مضطهدة مسحوقة، والتي تحاول أكثر من غيرها التعبير عن المعضلات الجديدة. ولا يقود الأجانب الثورة، ولكن الثورة الوطنية تستفيد منهم. ولقد تمت الأمور بالشكل نفسه حتى في فترات الإصلاح الفوقية. ولم تفقد سياسة بطرس الأول وطنيتها عندما تخلَّت عن الطرق القديمة، واستخدمت عددًا من الأجانب. وكان المعلمون الحرفيون والألمان، وقباطنة المراكب الهولنديين، يعبرون في هذه الفترة عن متطلبات التطور الوطني لروسيا أكثر من رجال الدين الروس الذين استخدمهم اليونانيون في قديم الأزمان، أو النبلاء الموسكوفيون الذين كانوا يشتكون من الغزو الأجنبي، مع أنهم منحدرون من الأجانب القدماء الذين أسسوا الدولة الروسية من قبل. وعلى كل حال فقد كانت الأنتليجنسيا الأجنبية في عام 1917 موزعة على مختلف الأحزاب التي تضم الأنتليجنسيا الروسية، وتشتكي من السلبيات نفسها، وترتكب الأخطاء ذاتها. ومن المعروف أن الأجانب في حزبي المناشفة، والاشتراكيين – الثوريين كانوا أكثر الناس حماسًا في الدفاع عن وحدة روسيا.

وهكذا تكونت اللجنة التنفيذية؛ أي الجهاز الأعلى للديمقراطية. وتربَّع حزبان فقدا كل أوهامهما، وحافظا على أفكارهما المسبقة، وزعماء عاجزون عن الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، على رأس ثورة مدعوة إلى قطع قيود القرون الماضية، وإرساء قواعد المجتمع الجديد. وغدا كل نشاط التوفيقيين سلسلة متلاحقة من التناقضات الأليمة التي أضعفت الجماهير الشعبية، وأعدَّت تشنجات الحرب الأهلية.

ونظر العمال والجنود والفلاحون إلى الأمور نظرة جدية. ورءوا أن على السوفييتات التي خلقوها بأنفسهم أن تعمل فورًا للقضاء على النوائب والنقائص التي أنجبت الثورة. وتوجهوا بأنظارهم نحو السوفييتات. وكان البعض يحمل شكواه الشخصية. ومن كان آنذاك لا يرزح تحت بلواه الخاصة؟ وطالب الشعب بقرارات حاسمة. وبات على الأمل، ينتظر العدالة، وأخذ يصر على ضرورة شن حملات التأديب. وهكذا اعتبر المطالبون، والمشتكون، والعارضون، والمتهون، أن السلطة المعادية قد اختفت وحلت محلها سلطتهم. إن الشعب واثق بالسوفييت، وهو يحمل السلاح. إذن فالسوفييت يمثل الحكومة. وهكذا اعتبر الناس السوفييت. أفلم يكن معهم الحق كل الحق؟..

وأخذ سيل لا ينقطع من الجنود، والعمال، وزوجات الجنود، وصغار الباعة، والمستخدمين، والآباء، والأمهات يفتحون الأبواب ويغلقونها، ويبحثون، ويتساءلون، ويبكون، ويطالبون، ويفرضون اتخاذ التدابير، ويحددون هذه التدابير في بعض الحالات بكل دقة، ويقلبون السوفييت بذلك إلى سلطة ثورية حقيقية. وجمجم سوخانوف الذي كان يناضل ضد هذا التطور “لم يكن هذا لصالح السوفييت، كما لم يكن أبداً ضمن مخططاته”. ثم اعترف مع الأسف! بأن “الأداة السوفييتية، بدأت تعمل آليًّا على طرد الآلة الرسمية للدولة، رغمًا عنها، وضد إرادة السوفييت؛ نظرًا لأن هذه الآلة كانت تدور بلا جدوى”. فماذا كان يفعل آنذاك منظرو الاستسلام، وميكانيكيو الدوران بلا جدوى؟ ويعترف سوخانوف بأسًى: “واضطررنا إلى القبول بتسنم بعض المناصب الحكومية، وتمسكنا بوهم وجود القيادة في قصر ماري”. هذا ما اهتم به هؤلاء الرجال في بلد مُهدم مستنزف، يحف به لهيب الحرب والثورة، لقد عملوا على استخدام الوسائل التافهة لتغطية هيبة حكومة كان الشعب يرفضها بصورة عضوية؛ فلتمت الثورة، على أن يعيش الوهم! وهكذا طرد هؤلاء الأشخاص السلطة من الباب، فعادت إليهم من النافذة، وفاجأتهم في كل مرة، ووضعتهم في وضع سخيف أو غير لائق.

ومنذ ليلة 27 – 28 فبراير (شباط) منعت اللجنة التنفيذية صدور الصحف الملكية، ووضعت نظامًا خاصًا لصدور الصحف؛ عندها انطلقت الاحتجاجات. وكان أعلى الصارخين صوتًا أولئك الذين اعتادوا إسكات الجميع. وبعد عدة أيام اصطدمت اللجنة من جديد بمعضلة حرية النشر. فهل تسمح بصدور الصحف الرجعية أم لا؟ وظهرت الخلافات في وجهات النظر بالنسبة لهذه المسألة. ودافع بعض المنظِّرين كسوخانوف وأمثاله عن الحرية المطلقة للصحافة. ولم يوافقه تشخيدزه في بداية الأمر؛ فكيف نترك مثل هذا السلاح دون رقابة بِيد الأعداء الألداء؟ ولم يفكر أي شخص لحظة واحدة بإخضاع المسألة لقرار الحكومة. ولو قررت الحكومة أي شيء لذهب قرارها أدراج الرياح، لأن عمال المطابع كانوا يرفضون كل قرار لا يصدر عن السوفييت.

وفي 5 مارس (آذار) أعطت اللجنة التنفيذية التأكيد التالي: منع المطبوعات اليمينية، وإخضاع صدور الصحف الجديدة لموافقة السوفييت. ولكن ما أن جاء يوم 10 مارس (آذار) حتى أُلغي هذا القرار تحت تأثير هجمات الأوساط البرجوازية. وصرح سوخانوف بغبطة: “لقد عادوا إلى الصواب بعد ثلاثة أيام”، ولم يكن لهذا النصر أي أساس! فليست الصحافة فوق المجتمع. وتعكس شروط وجودها في فترة الثورة خط مسيرة الثورة نفسها. فعندما تأخذ الثورة أو توشك أن تأخذ منحى الحرب الأهلية، يرفض كل طرف من الأطراف المتنازعة وجود صحافة معادية داخل منطقة نفوذه، ولا يتخلى بمحض إرادته عن السيطرة على مستودعات الأسلحة، والسكك الحديدية، والمطابع. وليست الصحافة في الصراع الثوري سوى وسيلة من وسائل التسليح. وليس حق الكلام على كل حال فوق حق الحياة. وتتمسك الثورة بحق الحياة قبل كل شيء آخر. ويمكننا أن نضع القانون التالي: تكون الحكومات الثورية أكثر ليبرالية، وأشد تساهلاً، وأكبر “كرمًا” تجاه الرجعية كلما كان البرنامج الثوري تافهًا، وكانت هذه الحكومات مرتبطة بالماضي، وكان دورها محافظًا. وعلى العكس: كلما عظمت المهمات وسمت، كلما زاد عدد الحقوق والمصالح التي تتجاهلها الحكومات الثورية، وتضاعفت مركزية السلطة الثورية، وظهرت ديكتاتوريتها بشكل أوضح. وسواء كان هذا الأمر حسنًا أم سيئًا، فلقد تقدمت الإنسانية على مثل هذه السبل حتى وقتنا هذا.

وكان السوفييت محقًا عندما أراد السيطرة على الصحافة. فلم تتراجع عن هذا المطلب الهام بكل سهولة؟ لأنه تراجع بصورة عامة أمام كل احتمالات الصراع الجدي. فلقد صمت أمام مسألة الحرب، ومسألة الجمهورية نفسها. ولم يعد يخشى الصحافة اليمينية أو يرى ضرورة النضال ضدها، طالما أنه سلم السلطة للبرجوازية المحافظة. ولم تمض عدة أشهر، حتى قامت الحكومة المدعومة بالسوفييت بضرب الصحافة اليسارية بكل عنف. ومنعت الصحف البلشفية واحدة تلو الأخرى.

وفي 7 مارس (آذار) أعلن كرنسكي في موسكو ما يلي: “أن نيقولا الثاني بين يدي… ولن أكون مارات(*) الثورة الروسية… وسيذهب نيقولا الثاني إلى إنكلترا تحت مراقبتي الشخصية…” ونثرت بعض السيدات الزهور على الخطيب، وصفق عدد من الطلاب. ولكن الجماهير تحركت باتجاه معاكس؛ إذ لا يمكن لأية ثورة جادة يتعلق مصيرها بنجاحها أن تترك الملك المخلوع يرحل إلى خارج البلاد. ولم يتوقف العمال والجنود لحظة واحدة عن المطالبة بتوقيف عائلة رومانوف. وأحست اللجنة التنفيذية بأن عليها أن لا تعبث بالنسبة لهذا الأمر. واتُخذ قرار يقضي بأن يأخذ السوفييت على عاتقه مسألة عائلة رومانوف، وهذا اعتراف واضح بأن الحكومة غير أهل للثقة. وأصدرت اللجنة التنفيذية أمرًا إلى السكك الحديدية بمنع حركة أي فرد من هذه العائلة؛ وهذا هو السبب الذي جعل قطار القيصر يتسكع على الخطوط الحديدية. وكلف أحد أعضاء اللجنة التنفيذية، وهو المنشفي اليميني العامل غفوزدييف، بتوقيف نيقولا. وكذب هذا القرار العمالي كل تصريحات كرنسكي وحكومته. فلم يقدم كرنسكي استقالته احتجاجًا على ذلك، بل لزم الصمت. وفي 9 مارس (آذار) صرح تشخيدزه أمام اللجنة التنفيذية بأن الحكومة “تخلت” عن فكرة نفي نيقولا إلى إنكلترا. وتم توقيف القيصر وأسرته في قصر الشتاء. وهكذا أخفت اللجنة التنفيذية سلطتها تحت الوسادة. وجاءت من الجبهة طلبات متتالية تصر على نقل القيصر المخلوع إلى قلعة بطرس وبولص.

لقد عرفت الثورة دائمًا انقلابات في الملكية لا على صعيد التشريع فحسب، بل على صعيد عمليات الاستيلاء التي تمارسها الجماهير. ولم تسر أية ثورة زراعية في التاريخ على غير هذا السبيل؛ فلقد جاء الإصلاح الشرعي بعد سيطرة “الديك الأحمر” واندلاع الحرائق. ولعبت المصادرات في المدن دورًا أصغر؛ إذ لم تكن الثورات البرجوازية تستهدف هز أسس الملكية البرجوازية. ولكن ليس هناك ثورة لم تستول فيها الجماهير، لأهداف اجتماعية على المؤسسات التي كانت من قبل ملكًا لأعداء الشعب. وما أن انتصرت انتفاضة فبراير (شباط)، حتى خرجت الأحزاب من حالتها اللا شرعية وظهرت إلى الوجود. وولدت نقابات متعددة، وعقدت الاجتماعات، وشكلت الأحياء سوفييتاتها، وأحس الجميع بحاجتهم لأبنية ومقرات. واستولت التنظيمات على الفيلات المهجورة التي تركها وزراء القيصر، كما استولت على قصور محظيات القيصر من راقصات الباليه. واشتكى الضحايا أو تدخلت السلطات بمبادهتها الخاصة. ولكن بما أن القائمين بالاستيلاء كانوا يملكون في الحقيقة كل السلطة، وبما أن السلطة الرسمية لم تكن سوى شبح، فلقد وجد أصحاب الادعاء أنفسهم مجبرين على اللجوء أخيرًا إلى اللجنة التنفيذية نفسها، مع التماس بإعادة الحقوق المهضومة لراقصة الباليه، التي كان أفراد الأسرة المالكة من قبل يدفعون لها مقابل خدماتها المتعددة المتشابكة المعروفة والخفية أموالاً طائلة يقتطعونها من خزانة الشعب. وبدأت “لجنة الاتصال” حركتها. وعقد الوزراء الاجتماعات. وأخذ مكتب اللجنة التنفيذية يجري المشاورات. وذهبت الوفود إلى المسئولين على البيوت، وطالت العملية عدة شهور.

وأعلن سوخانوف أنه لا يعارض “كيَسَاري” أي تدخل شرعي في حقوق الملكية، ولكنه سيكون “عدوًا عنيفًا لكل عمليات وضع اليد الاعتباطية العنيفة”. وبمثل هذه المهارة كان اليسار التافه يخفي في العادة عجزه. ولو كانت الحكومة ثورية حقًا لاستطاعت دون شك تخفيف المصادرات الاعتباطية الفوضوية إلى الحد الأدنى، عن طريق الإسراع بإصدار مرسوم يحدد في الوقت الملائم أساليب مصادرة الأبنية. ولكن توفيقيي اليسار سلموا السلطة إلى دعاة الحفاظ على الملكية، ثم طالبوا الجماهير بعد ذلك دون جدوى بضرورة احترام الشرعية الثورية… أنَّي لهم ذلك. إن مناخ بتروغراد غير ملائم للطوباوية.

لقد أعطى الانتظار الطويل أمام أبواب المخابز الدفعة الأخيرة للثورة. ولكن “طوابير” الانتظار هذه كانت أول خطر يهدد النظام الجديد. وكان الاجتماع التأسيسي للسوفييت قد اتخذ قرارًا بتشكيل لجنة تموين. ولم تسأل الحكومة نفسها كيف ستعمل على تموين العاصمة. ولم يكن يقلقها أن تعيش العاصمة في قلب المجاعة. وأثقلت المسألة بعد ذلك كاهل السوفييت الذي كان يضم عددًا من الاقتصاديين وعلماء الإحصاء المحرومين من الخبرة العملية، والذين خدموا من قبل في الأجهزة الاقتصادية والإدارية البرجوازية. وكان معظمهم من جناح المناشفة اليميني، مثل غرومان وتشيريفانين، أو بعض البلاشفة القدامى الذين انحرفوا نحو اليمين مثل بازاروف وآفيلوف. ولكن ما أن جابه هؤلاء الأشخاص مسألة تموين العاصمة، حتى أجبرتهم مختلف الظروف على اقتراح تطبيق عدد من التدابير الراديكالية لإيقاف التلاعب وتنظيم السوق.

وعقد السوفييت سلسلة من الاجتماعات أقر فيها مجموعة تدابير “اشتراكية الحرب” التي اعتبرت كافة مخزونات القمح ملكًا للدولة، ونظمت توزيع الخبز بصورة متوازية مع تنظيم توزيع المنتجات الصناعية، ومراقبة الدولة للإنتاج، وتنظيم مبادلات البضائع مع القرية. وتبادل زعماء اللجنة التنفيذية نظرات مفعمة بالقلق. ولما لم يجدوا ما يقولونه وافقوا على التدابير الراديكالية. ونقل أعضاء “لجنة الاتصال” هذه المقررات إلى الحكومة بكل خجل. ووعدت الحكومة بدراستها. ولم يكن الأمير لفوف أو غوتشكوف أو كونوفالوف راغبين بالمراقبة، والمصادرة، والتقشف مع أصدقائهم بأي شكل من الأشكال. وتحطمت كافة مقررات السوفييت الاقتصادية على المقاومة السلبية التي أبدتها الأداة الحكومية، إلا في الحالات التي نفذتها بها السوفييتات المحلية بكل شدة. وكان التدبير الوحيد الذي تم تنفيذه في مجال تموين بتروغراد، هو تحديد حصة غذائية يومية ثابتة للمستهلك تشمل: ليبرة ونصف من الخبز للعامل اليدوي، وليبرة واحدة للأشخاص الآخرين. والحقيقة أن هذا التحديد لم يعادل شيئًا في تموين سكان العاصمة؛ إذ يستطيع المرء أن يعيش بليبرة أو بليبرة ونصف من الخبز. ولم تأت مآسي الجوع اليومي إلا فيما بعد.

إننا سنرى أن على الثورة خلال سنوات لا خلال أشهر أن تشد الحزام على البطن. وستتغلب الثورة على هذه الصعوبة. ولم يكن قلقها الآن ناجمًا عن الخوف من المجاعة، بل الخوف من المجهول، وتبدل مسيرة الأحداث، وانعدام الثقة بالنسبة للمستقبل. وأخذت الصعوبات الاقتصادية المتفاقمة بسبب 32 شهرًا من الحرب تقرع أبواب النظام الجديد ونوافذه. وكان اضطراب المواصلات، ونقص مختلف المواد الأولية، واهتراء جزء كبير من الآلات والمعدات، والتضخم المنتظر، واضطراب دورة البضائع، تتطلب تدابير جريئة عاجلة. وكان الوصول إلى ذلك على الصعيد الاقتصادي ممكنًا، ولكن التوفيقيين جعلوا تطبيقها على الصعيد السياسي مستحيلاً، وكانوا يقبلون كل معضلة اقتصادية إلى اتهام وتنديد موجهين إلى ازدواجية السلطة. وكان توقيع أي قرار من القرارات يحرق أصابعهم بشكل لا يحتمل.

ووقع في هذه الفترة تدقيق هام للقوى ولموازين القوى عند بحث مسألة يوم العمل المؤلف من ثماني ساعات. لقد انتصرت الانتفاضة، ولكن الإضراب العام مستمر. ويعتبر العمال بكل جدية أن تبديل النظام يستدعي تبديلات هامة في أوضاعهم الذاتية، ومن هنا جاء قلق الزعماء الجدد الليبراليين والاشتراكيين على حد سواء. وأطلقت الصحف الوطنية شعار “الجنود إلى الثكنات! والعمال إلى الآلات!” فتساءل العمال: هل هذا يعني أن يبقى كل شيء على ما كان عليه من قبل؟ وأجاب المناشفة على ذلك بشكل مضطرب. نعم، سيبقى الأمر كذلك في الوقت الحاضر. وفهم العمال أنه إذا لم تقع تبديلات فورية تعرضوا للخديعة مرة أخرى. وترك الاشتراكيون للبرجوازية مهمة حل المسألة مع العمال. وقررت اللجنة التنفيذية في مارس (آذار) متابعة العمل في منطقة بتروغراد، ونادت بشعار: “العمال إلى الآلات!” اعتمادًا على أن النصر الذي حققته الثورة “قد قوَّى موقع الطبقة العاملة في صراعها الثوري”؛ أفلم يكن في السلطة الآن عدد من المالكين الليبراليين؟

هذه هي قوة الأنانية المدرعة التي تتسم بها الطبقات المثقفة، والليبراليون، واشتراكيوهم. ولقد اعتقد هؤلاء الناس أن ملايين العمال والجنود الذين اندفعوا إلى الانتفاضة بقوة التذمر والآمال سيخضعون بشكل طيِّع بعد الانتصار على ظروف الحياة القديمة. وتدل كتب التاريخ على أن الزعماء كانوا على قناعة تامة بأن الأمور جرت بهذا الشكل في الثورات السابقة. ولكن هذا خطأ فاحش؛ إذ لم تجر الأمور أبدًا على هذه الصورة، ولا تستطيع الثورة المضادة إعادة الكادحين إلى إسطبلهم القديم إلا باستخدام طرق ملتوية، وبعد تعرض الكادحين إلى سلسلة من الهزائم والخدع.

ولقد أحس مارات بكل أبعاد النكسة الاجتماعية الثورية السياسية؛ لذا هاجمه المؤرخون الرسميون وطعنوه إلى حد بعيد. فقبل يوم 10 أغسطس 1792 بحوالي شهر، كتب مارات ما معناه: إن تنفيذ الثورة ودعمها لا يتمان إلا بفضل الطبقات الدنيا من السكان. ومن قبل هؤلاء الأشخاص المحرومين الذين يعتبرهم الأغنياء رعاعًا، والذين أطلق عليهم قدماء الرومان بكل سخرية لقب “البروليتاريون”، فماذا تعطي الثورة لهذه الكائنات المحرومة؟ “تحقق الحركة في بداية الأمر بعض النجاحات، ثم لا تلبث أن تُغلب؛ إذ تنقصها دائمًا المعلومات، وأساليب العمل، والإمكانات، والأسلحة، والقادة وخطة العمل. وتقف عزلاء عاجزة عن الدفاع أمام المتآمرين المزودين بالخبرة، والمهارة، والحيلة” فهل نستغرب بعد ذلك أن كرنسكي لم يشأ أن يكون مارات الثورة الروسية؟

ويتحدث (ف. أورباخ) أحد زعماء الصناعة الروسية بكل اشمئزاز عن أن “حثالة الشعب كانت تفهم الثورة كنوع من التسلية؛ فلقد كان الخدم مثلاً يختفون خلال أيام متتالية، ويتنزهون بعد أن يتوشحون بالشرائط الحمراء، ويمتطون السيارات، ولا يعودون إلا مع الصباح، ليغتسلوا ويرتبوا هندامهم، وينطلقوا إلى النزهة من جديد”. ومن الجدير بالاهتمام أن محاولة هذا الرجعي لوصف الضرر الذي تلحقه الثورة بالأخلاق، جعلته يصف تصرف الخدم بشكل يماثل الحياة العادية لنبيلة برجوازية -باستثناء ارتداء الشارة الحمراء- نعم، إن المضطهدين يعتبرون الثورة كالعيد أو كالليلة التي تسبق العيد، وأول ما يفعله الخدم – العبيد المستيقظون بفضل الثورة، التخلص من نير عبودية يومية، مهينة، بائسة، بلا نهاية.

ولم تكن غالبية الطبقة العمالية تود أو تستطيع الاكتفاء بالشرائط الحمراء التي ترمز إلى انتصار مكرس لخدمة الآخرين. فلقد ساد مناخ التحريض في مصانع بتروغراد.

ورفض عدد من المؤسسات علانية الخضوع لمقررات السوفييت. وكان على العمال أن يعودوا بالفعل إلى آلاتهم، فهم مضطرون إلى ذلك. ولكن ما هي شروط هذه العودة؟ لقد طالبوا بيوم العمل المؤلف من 8 ساعات. وصرح المناشفة بأن الكادحين تعرضوا للهزيمة في عام 1905 لأنهم حاولوا فرض يوم العمل المؤلف من 8 ساعات. وكانت فكرتهم الأساسية بأن “الصراع على جبهتين -ضد الرجعية والرأسماليين- كان فوق مستوى قوة البروليتاريا”. وكان المناشفة يرون بصورة عامة أن القطيعة ستكون مع البرجوازية في المستقبل محتومة. ولكن هذا الاعتراف النظري البحت لا يلزمهم بأي شيء. لأنهم رءوا أن عليهم عدم الإسراع بالقطيعة. بيد أن انتقال البرجوازية إلى معسكر الرجعية بفعل حركة الجماهير الكادحة لا بفعل جمل الخطباء أو الصحفيين الملتهبة، جعل المناشفة يعرقلون بكل قواهم النضال الاقتصادي للعمال والفلاحين. وكان المناشفة يقولون: “لا تعتبر المسائل الاجتماعية اليوم بالنسبة للطبقة العمالية مسائل من الدرجة الأولى. وما على هذه الطبقة في الوقت الحاضر سوى أن تكتسب حريتها السياسية”.

ولكن مم تتألف هذه الحرية الموهومة؟ إن العمال عاجزون عن تحقيقها. لقد أرادوا في بداية الأمر الحصول على جزء من الحرية لعضلاتهم وأعصابهم. وضغطوا على أصحاب العمل. وفي 10 مارس (آذار) كتبت صحيفة منشفية بأن يوم العمل المؤلف من ثماني ساعات غير مطروح على بساط البحث. ومن سخرية القدر أن رابطة أصحاب المصانع والمعامل التي اضطرت بالأمس إلى إقامة علاقات رسمية مع السوفييت، صرحت في اليوم نفسه (10 مارس) بأنها وافقت على مسألة العمل 8 ساعات كل يوم، ومسألة تنظيم لجان المعامل والمصانع. وهكذا أثبت كبار الصناعيين أنهم أكثر حنكة وأشد بصيرة من إستراتيجيي السوفييت الديموقراطيين. وليس في هذا ما يثير الاستغراب: فلقد وقف أصحاب الأعمال في المصانع في مواجهة العمال الذين كانوا يعمدون في نصف أكبر المصانع على الأقل، إلى ترك الآلات بصورة جماعية بعد العمل مدة 8 ساعات. وهكذا أخذوا بأنفسهم ما رفضت الحكومة والسوفييت تقديمه لهم.

ولقد اقتربت الصحافة الليبرالية من الحقيقة أكثر مما تصورت، عندما قارنت برقة تصرف الصناعيين الروس في يوم 10 مارس (آذار) 1917 مع تصرف طبقة النبلاء الفرنسيين يوم 4 أغسطس (آب) 1789. ذلك لأن إقطاعيي فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر، ورأسماليي روسيا انحنوا أمام الضرورة القاهرة. ورأوا أن تقديم تنازل مؤقت يساعدهم على استعادة كل شيء في المستقبل. ولقد كذَّب أحد كتاب الكاديت هذه الأكذوبة الرسمية بقوله: “ومن سوء حظ المناشفة، أن البلاشفة استطاعوا بفضل الإرهاب إجبار رابطة أصحاب المصانع والمعامل على تطبيق يوم العمل المؤلف من 8 ساعات فورًا”، فما هو الإرهاب الذي يتحدث عنه. إننا نعرفه جيدًا. ولا شك في أن العمال البلاشفة كانوا في مقدمة الحركة. وسارت غالبية العمال معهم هذه المرة. تمامًا كما سارت معهم في أحداث فبراير (شباط).

واستقبل السوفييت وقيادته المنشفية بشعور مختلف هذا النصر الذي حققه العمال ضدها إلى حد ما. واضطر الزعماء رغم عارهم إلى السير خطوة أخرى إلى الأمام، ودعوة الحكومة المؤقتة إلى إصدار المراسيم التي تحدد يوم العمل بثماني ساعات في روسيا كلها، قبل أن يقوم المجلس التأسيسي بذلك. ولكن الحكومة المتفقة مع أرباب العمل، حرنت، ورفضت الخضوع لمطلب لا يقدم بإلحاح وعنف كافيين، ومكثت تنتظر أيامًا أفضل.

وشهدت منطقة موسكو الصراع نفسه. ولكن مدة الصراع كانت أطول. وهنا أيضًا طالب السوفييت بالعودة إلى العمل رغم مقاومة العمال. واجتمع العمال في واحد من أكبر المصانع، وصوّت على رفض إنهاء الإضراب 7 آلاف عامل مقابل 6 آلاف عامل وافقوا على العودة للعمل. وتصرف العمال في مختلف المصانع والمؤسسات بشكل مماثل. وفي 10 مارس (آذار)، أكد السوفييت مرة أخرى على ضرورة العودة إلى الآلات. صحيح أن العمل بدأ في معظم المصانع بعد هذا التأكيد، ولكن العمال شنوا في كل مكان نضالاً دءوبًا من أجل تخفيض ساعات العمل اليومية. وصحح الكادحون تصرفات زعمائهم عن طريق الأفعال لا الأقوال. وبعد مقاومة طويلة اضطر سوفييت موسكو في 21 مارس (آذار) إلى إصدار المراسيم الخاصة بيوم العمل المؤلف من 8 ساعات. ووافق الصناعيون على هذه الخطوة فورًا. واستمر النضال في المقاطعات حتى إبريل (نيسان). ومنذ بداية الأمر، حاولت السوفييتات في كل مكان إيقاف الحركة أو عرقلتها، ثم أجبرها ضغط العمال على الدخول في مفاوضات مع أرباب العمل، وعندما كان أرباب العمل هؤلاء يرفضون الإذعان كان العمال يرفضون يوم العمل المؤلف من 8 ساعات. وهذا ما يدل على حجم الثغرة القائمة في النظام كله!

وتعمدت الحكومة الوقوف بعيدة عن هذا النزاع. وفي تلك الفترة بدأت حملة مسعورة ضد العمال أثارها الزعماء الليبراليون. وكان إخضاع العمال يتطلب استخدام الجنود ضدهم. أفلا يعني تخفيض ساعات العمل إضعاف الجبهة؟ وهل يحق للمرء ألا يفكر إلا بنفسه خلال الحرب؟ وهل يحسبون ساعات العمل في خنادق القتال؟ إن سير الطبقات المالكة على طريق الديماغوجية يجعلها لا تقف عند أي حد. وأخذ التحريض شكلاً مسعورًا، ثم لم يلبث أن انتقل إلى الخنادق. ويعترف الجندي بيريكو في مذكراته التي كتبها في الجبهة، بأن التحريض الذي حمل لواءه الضباط المنضمون حديثًا إلى معسكر الاشتراكية؛ كان فعالاً إلى حد بعيد. “ولكن السيئة الوحيدة لمجموعة الضباط التي حاولت إثارة الجنود ضد العمال، كانت كامنة في كونها مؤلفة من الضباط. وكانت ذكريات الجنود عما كان يمثله الضباط بالنسبة لهم لا تزال حية في الأذهان”.

ومع هذا فقد تعرض عمال العاصمة إلى الضغط أكثر من أي مكان آخر؛ إذ وجد الصناعيون بالتعاون مع قيادة الكاديت كثيرًا من الوسائل والقوى للتحريض بين صفوف حامية الموقع. ويتحدث سوخانوف عن ذلك بقوله: “ومنذ يوم 20 وما بعده، غدا من المألوف مشاهدة العمال والجنود مشتبكين بمعركة كلامية حادة عند مفارق الطرق، وداخل حافلات الترام، وفي أي مكان عام”. ولم يقتصر الأمر على الكلام، بل انتقل في بعض الحالات إلى العراك. وفهم العمال مدى الخطأ فدرءوه بمهارة. واعتمدوا في ذلك على الحديث بصراحة، وذكر أرقام الأرباح التي حققها الصناعيون من الحرب، واصطحاب الجنود إلى المصانع والورشات التي تهدر فيها الآلات، ويرتفع لهيب الأفران الجهنمي؛ أي إلى الجبهة الدائمة التي يتعرض العمال فيها لخسائر لا تحصى. وأخذ العمال المبادهة لتنظيم زيارات مفارز من حامية الجيش لعدد من المصانع، وخاصة المصانع العاملة لتأمين متطلبات الدفاع. وأخذ الجندي ينظر ويصغي، وبدأ العامل يكشف ويشرح. وكانت الزيارات تنتهي بتآخ رائع. ونشرت الصحف الاشتراكية العديد من مقررات الوحدات العسكرية التي تؤكد تضامنها مع العمال بشكل لا يتزعزع. وفي منتصف إبريل (نيسان) اختفى موضوع النزاع من أعمدة الصحف. وصمتت الصحافة البرجوازية. وهكذا حقق العمال نصرًا اقتصاديًّا أعقبوه بنصر سياسي ومعنوي.

وكان للأحداث الناجمة عن الصراع من أجل يوم العمل المؤلف من 8 ساعات تأثير كبير على تطور الثورة ومسيرتها فيما بعد. وربح العمال عدة ساعات حرة في الأسبوع كرسوها للقراءة، وعقد الاجتماعات، والتدريب على البنادق الذي غدا منتظمًا منذ لحظة تشكيل الميليشيا العمالية. وأخذ العمال بعد هذا الدرس البليغ يراقبون زعماء السوفييت عن كثب. وأصيبت سلطة المناشفة بضرر بالغ. وقويت مكانة البلاشفة داخل المصانع، كما قويت بشكل جزئي داخل الثكنات. وغدا الجندي أكثر انتباهًا، وأعمق تفكيرًا وأشد يقظة، وفهم بأن هنالك من يراقبه. وعاد مخطط الديماغوجية السيئ بالضرر على من وضعوه. وتلاحم الجنود والعمال بشدة بدلاً من أن يتباعدوا أو يتباغضوا.

وكانت الحكومة، تكره السوفييت، وزعماءه، والأوصياء عليه، رغم كل محاولات “لجنة الاتصال”، ولقد كشفت عن هذه الكراهية عندما سنحت الفرصة بذلك. وبما أن السوفييت كان ينفذ مهمات حكومية بحتة، بناء على طلب الحكومة نفسها عندما يتطلب الأمر إخماد حركات الجماهير، فقد طلبت اللجنة التنفيذية ميزانية صغيرة لمصروفاتها. ولكن الحكومة رفضت تلبية هذا الطلب، وبقيت متمسكة برفضها رغم إلحاح السوفييت المتواصل، وأكدت عدم استطاعتها إعطاء جزء من خزينة الدولة “لتنظيم خاص”. وصمت السوفييت، وألقى عبء ميزانية السوفييت على عاتق العمال الذين لم يترددوا أبدًا عن جمع التبرعات لصالح متطلبات الثورة.

وفي الوقت نفسه حافظ الحزبان الليبرالي والاشتراكي على صداقة حميمة متبادلة ووُصفت ازدواجية السلطة في مؤتمر سوفييتات عموم روسيا بأنها اختراع لا وجود له. وأكد كرنسكي لمندوبي الجيش أن بين الحكومة والسوفييت وحدة كاملة بالأهداف والمهمات. وأنكر وجود ازدواجية السلطة بحماس مشابه لحماس كل من تسيريتلي ودان وغيرهما من زعماء السوفييت. وهكذا كانوا يحاولون بالكذب تدعيم نظام مبنيٍ على الكذب.

ومع هذا فقد تعثر النظام منذ الأسابيع الأولى. وأبدى الزعماء قدرة كبيرة على خلق التركيبات التوفيقية بين التنظيمات؛ خاصة وأنهم كانوا يحاولون الاستناد إلى مندوبين صُدفيين للوقوف بوجه الجماهير. ويعملون على استرضاء الجنود للعمل ضد العمال. ويستخدمون المجالس الجديدة، والزيمستفو، والتعاونيات، ضد السوفييتات. ويتكئون على المقاطعات ضد العاصمة، وعلى مجموعة الضباط ضد الشعب بأسره.

ولم يكن شكل التمثيل السوفييتي يحمل في ذاته سرًا غامضًا. وهو لا يخلو مطلقًا من السلبيات التي يحملها كل شكل من أشكال التمثيل الاضطرارية، طالما بقي هذا التمثيل ضروريًّا. ولكن قوة التمثيل السوفييتي تكمن في أنه يخفض قيمة هذه السلبيات إلى أدنى حد ممكن. ويمكننا القول بكل ثقة -وهذا ما أكدته التجربة فيما بعد- إن كل تمثيل آخر يقسم الجماهير، قادر على التعبير عن إرادة هذه الجماهير داخل الثورة، ولكن بشكل أكثر سوءًا وأشد بطئًا. فإذا أخذنا كافة أشكال التمثيل الثوري، وجدنا أن السوفييت هو أكثرها مرونة وصفاء والتصاقًا مباشرًا بالجماهير. ولكنه يبقى مع ذلك شكلاً من الأشكال. ولا يستطيع أن يقدم أكثر مما تستطيع الجماهير أن تضع فيه في كل لحظة محددة. ولكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يسهل على الجماهير فهم الأخطاء المرتكبة، وسبل إصلاحها. وهنا يكمن واحد من أكبر ضمانات تطور الثورة.

فما هي إذن الآفاق السياسية للجنة التنفيذية؟ إننا نشك في أن يكون أي واحد من الزعماء قد حدد هذه الآفاق بعد إمعان الفكر. ولقد أكد سوخانوف -فيما بعد- بأن خطته كانت ترمي إلى التخلي عن السلطة للبرجوازية خلال فترة قصيرة محدودة، بغية إعطاء الديمقراطية الفرصة الكافية لتجميع قوتها، واستعادة هذه السلطة بشكل مضمون. ومع هذا، فإن هذا التسلسل الساذج للأحداث يتحدث عن هذه الأحداث بعد وقوعها. ولم يقم أحد آنذاك بطرح هذا التسلسل أو تحديده. ولقد استمر تذبذب اللجنة التنفيذية تحت قيادة تسيريتلي حتى غدا أسلوبًا دائمًا. وأعلن تسيريتلي بكل صراحة، بأن عدم قيام سلطة برجوازية قوية سيدفع الثورة إلى دمارها المحتوم. وأن على الديموقرطية أن تكتفي بالضغط على البرجوازية الليبرالية، مع الحذر من التصرف حيالها بطيش يدفعها إلى معسكر الرجعية، ودعمها على العكس بشكل يجعلها تثبت مكتسبات الثورة ومنجزاتها. وهذا يعني أن على النظام أن يصل في نهاية المطاف إلى تشكيل جمهورية برجوازية يلعب الاشتراكيون فيها دور المعارضة البرلمانية.

وبدا حجر الأساس لدى الزعماء في برنامج العمل أكثر مما بدا في الآفاق. فلقد وعد التوفيقيون الجماهير بأن يحصلوا من البرجوازية “عن طريق الضغط” على سياسة ديمقراطية داخلية وخارجية. ومن المؤكد أن الطبقات الحاكمة قدمت التنازلات خلال التاريخ أكثر من مرة عندما وقعت تحت ضغط الجماهير الشعبية. وكان “الضغط” يعني في نهاية المطاف تهديد الطبقة المالكة بعزلها عن السلطة وأخذ مكانها. ولم تكن الديمقراطية تمتلك مثل هذا السلاح. فلقد سلمت السلطة للبرجوازية بمحض إرادتها. ولم تكن الديمقراطية عند تفجر الصراع تهدد بإلغاء السلطة، بل كانت البرجوازية تهدد برفض قبول هذه السلطة. وهكذا كانت الرافعة الأساسية في ميكانيكية الضغط بين يدي البرجوازية، وهذا ما يفسر قدرة الحكومة العاجزة على مقاومة كافة أوامر زعماء السوفييت بنجاح، رغم قلة جدية هذه الأوامر.

وفي منتصف إبريل (نيسان)، غدت اللجنة التنفيذية جهازًا كبيرًا لا يسمح بإجراء التصرفات السياسية السرية التي ترغبها نواة قيادية استدارت نحو الليبراليين بصورة نهائية. ونجم عن ذلك تشكيل مكتب كان كافة أعضائه من اليمين، أنصار الدفاع الوطني. ومنذ ذلك الوقت، أصبح تخطيط السياسة العليا يتم داخل حلقة ضيقة محدودة. وبدت الأمور وكأنها سائرة على طريق الترتيب والتماسك. وكان تسيريتلي مسيطرًا داخل السوفييت بشكل غير محدود. وأخذ كرنسكي يصعد بسرعة مذهلة. وفي هذه اللحظة بالذات، ظهرت أول البوادر المنذرة القادمة من القاعدة، ومن قلب الجماهير. ولقد كتب ستانكيفيتش المقرب من مجموعة كرنسكي: “ومن المدهش أن اللجنة التنفيذية فقدت القدرة على قيادة الجماهير، التي ابتعدت عنها في اللحظة التي تم فيها تنظيم هذه اللجنة، وألقيت مسئولية العمل على عاتق مكتب اختير أعضاؤه من أحزاب الدفاع الوطني” من المدهش؟ كلا. إن هذا الأمر طبيعي جدًا.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. ازدواجية السلطات