مائة يوم على وصول ترامب: تأثيره على الوضع السياسي الأمريكي و العالمي جـ 1

0
126
LAS VEGAS, NV - OCTOBER 08: Republican presidential candidate Donald Trump speaks during a campaign rally at the Treasure Island Hotel & Casino on October 8, 2015 in Las Vegas, Nevada. During the rally, Trump said people were giving him credit for helping force House Majority Leader Kevin McCarthy to bow out of the race for Speaker of the House. (Photo by Isaac Brekken/Getty Images)

بقلم: إدواردو ألميدا

بعدما مرور 100 يوم لحكومة ترامب، يمكننا اذا أن نبدأ بتقييمها بشكل أكثر دقة. قام ترامب بتغييرات هامة سواء في الولايات المتحدة كما على الصعيد الدولي التي يجب تحليلها بعمق.

أول ما أتت به على الصعيد الأمريكي هو تقسيم البرجوازية واستقطاب صراع طبقي غير مسبوق. ومن الواضح أن ذلك ينطوي على ردود فعل اقتصادية وسياسية في جميع أنحاء العالم.

ضهور هذه الشخصية الجديدة، هو تعبير عن مشاكل الاقتصاد الامبريالي من حيث انتمائه لتلك الفئة البرجوازية الإمبريالية غير الراضية عن بعض خصائص العولمة.

أزمة 2007-2009 أدت الى موجة متناقصة للاقتصاد الرأسمالي و لازالت مستمرة الى اليوم. لايوجد هناك أي انتعاش لمعدل الربح الذي قد يمكن خلق موجة جديدة من الاستثمارات و التوسع لدى الاقتصاد الرأسمالي. وهذا هو السبب الرئيسي للنمو المتناقص و الأزمات العميقة بعد 2007-2009.

في عام 2016، ارتفع نمو الولايات المتحدة 1.6٪ (2.6٪ في عام 2015). و في الربع الأول من عام 2017، كان هذا النمو بنسبة 0.7٪، ما يدل على استمرارية هذا النمو المتناقص. وعلى عكس ذلك، ارتفعت منطقة اليورو بنسبة 1.7٪ في عام 2016.

وعلى الرغم من مجموعات الاستثمار الضخمة للدول الامبريالية في البنوك والشركات الكبرى و كذا سياسات التقشف المتعاقبة و الإفلاس المالي و خفض مستوى الدول الأوروبية (مثل اليونان والبرتغال)، لا توجد هناك أي علامات رفع معدل الربح أو قمم جديدة للاستثمار.

قامت مجلة The Economist بتقييم لهذا الوضع الذي صار يطرح الكثير من الأسئلة حول العولمة. مع صعود الشركات المتعددة الجنسيات ، بالمقارنة مع الشركات الأخرى، كان الاقتناع بأنها آليات أكثر فعالية لكسب المال. غير أن الامور قد تغيرت. ففي السنوات الخمس الماضية، عانت أرباح الشركات العالمية من انتكاسة بنسبة 25٪ و العائد على رأس المال كان الأدنى خلال العشرين سنة الاخيرة. جزء من هذا التراجع هو ما يوضح ارتفاع قيمة الدولار وانخفاض سعر النفط. أما ¨نجوم¨  التكنولوجيا و أصحاب البضائع الاستهلاكية  ذات العلامات التجارية القوية ، فارباحها مازالت في تصاعد.

لكن هذه الظاهرة منتشرة ومطولة عن ارادة كي تعتبر مجرد نكسة. لإن العائد على ممتلكات ما يقارب 40٪ من جميع الشركات المتعددة الجنسيات في العالم هو أقل من 10٪، ما يدل على أداء أقل بكثير مما كان متوقعا. وفي معظم قطاعات الاقتصاد، تنمو هذه الشركات حاليا على إِيقاع أبطأ وأقل من الشركات المحلية التي اختارت عدم المغامرة في أماكن أخرى.

بمعنى آخر، هذا الوضع دفع بعض قطاعات البرجوازية الإمبريالية  لاعادة النظر في بعض خصائص العولمة و التركيز على استغلال أسواقها الوطنية خاصة  بروليتاريا بلدانها، وهذا نوع من الرجعية المتطرفة أو القومية اليمينية المتطرفة. هم ليسوا فاشيين بالمعنى التقليدي، لأنهم لا يدافعون عن أساليب الحرب الأهلية ضد البروليتاريا كما فعل موسوليني وهتلر. لكنهم يمينيون و لهم مواقف بونابارتية، لأنهم يتهجمون على الحقوق الديمقراطية و قد تبين هذا و مع سياسة الجبهة الوطنية في فرنسا و ويلدرز في هولندا و في العديد من الحالات (كالتعامل مع اللاجئين).

ما يقومون به هؤلاء هو تضخيم ما كانت تفعله الحكومات البورجوازية في الماضي، أي التهجم المباشر على قطاعات العمال برمتها مستغلة الخلافات العرقية و الجنسانية وحتى الأصلية (المهاجرين) لإزالة الحقوق الديمقراطية وحقوق العمال والحد من مستوى معيشتهم للزيادة في معدلات الربح. و في نفس الوقت الذي يقسمون الطبقة العاملة وينظمون دعمهم السياسي داخل القطاعات المميزة. وبهكذا الاسلوب اعتمادا على تطور الصراع الطبقي يسهل عليهم تطبيق خططهم.

كذلك، ليسوا ضد كل ما يسمى بـ”العولمة”، بل فقط بعض حيثياتها مثل ما يسمى “بالتجارة الحرة”، مستجيبين  لمن يهتفون بالحفاظ على السوق المحلي، تعزيز الإنتاج  فيه والدفاع عن السيادة. لكنهم يؤيدون خصائص أخرى للعولمة، مثل الهجمات النيوليبرالية على العمال وإلغاء القيود التنظيمية في الاقتصاد.

حكومة يمينية، متطرفة و امبريالية

أحسن تعبيرعن هذا  في قلب الامبريالية هو ترامب نفسه، كممثل للقطاعات البرجوازية (النفط، البناء المدني، الزراعة والأسلحة). فعلى سبيل المثال، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون، ريكس تيلرسون، هو وزير خارجيته و الذي قام بعلاقات تعاملية تعادل 200-300 مليار دولار بين شركته إكسون و عملاق النفط الروسي “روزنيفت”. وهو أمر معروف أن علاقته مع بوتين جد وثيقة.

تربط ترامب علاقة قوية بفرع البناء المدني ومن الأرجح أن يأتيه بالمزيد من الامتيازات الاستثمارية في المستقبل. يتضمن مشروع  ترامب الزيادة في الإنفاق على ميزانية الأسلحة. وفي نفس الوقت، يريد خفض الضرائب على الشركات والأغنياء و إزالة الغرامات و إعفاء البنوك من الضريبة. ما انتهى الأمر باحداث أزمة أخرى داخل الكونغرس، ورغم الأغلبية الجمهورية هناك، لم ينجح في اقناع الديمقراطيين.

تمثل مختلف الحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا (لوبان في فرنسا، أوكيب في إنجلترا، وحزب الحرية في هولندا، وما إلى ذلك) بشكل عام، القطاعات البرجوازية الصغيرة أو البرجوازية الأقل أهمية التي لا تشعر بالارتياح إزاء بعض عواقب العولمة ما ايقظ الشك فيما يعرف بـ”الاتحاد الأوروبي”.

في واقع آخر، روسيا (“الحاضرة المطرانية الفرعية مهيمَنة”) و التي تلعب دور الدرك في بعض المناطق، كأوروبا الشرقية والشرق الأوسط، أيضا لها علاقات ودية مع البرجوازية (المتحكمة في النفط والغاز) و مع عناصر من القومية الرجعية لـ”روسيا العظمى” و البونابارتية. فليس محض صدفة بأن يبني بوتين علاقات وطيدة مع كل القطاعات الأوروبية ومع ترامب بالاخص.

المزيد من الهجوم على البروليتاريا الأمريكية

ايدولوجية ترامب: “أمريكا أولا”، هدفها إرجاع  الشركات الأمريكية للإنتاج فقط في الولايات المتحدة. لكن ما لا يعلمه هؤلاء العمال ذوي الياقات البيضاء الذين يسرهم خطاب ترامب أن هذا المشروع  سيحمل معه انخفاض وحشي على مستوى معيشتهم.

وبالفعل تم ذلك، بعد عام 2007 عانى العمال الأمريكيين في قطاع السيارات، مثل جنرال موتورز، من تخفيض فظيع على مستوى أجورهم (نصف أجرهم) ما جعل وضعهم مزريا. وأتاح ذلك لجنرال موتورزالفرصة للخروج من الإفلاس و للشركات الإمبريالية الاخرى إعادة تشكيلها.

ما يُعرف اليوم بـ  Right To Work”الحق في العمل” في الولايات المتحدة (ما يعني في الواقع العمل دون نقابات)، أصبح يهدد بتصفية النقابات من أجل المزيد من السيطرة على العمال. وهذا الاستنزاف الهائل الذي تعانيه البيروقراطية النقابية، بدأ يستغله ترامب لجعل الـ Right To Work الذي ينفَّذ في 27 ولاية، قانونا يشمل الجميع. والنتيجة ستكون اذا فقدان النقابات الحق الكامل في تمثيل العمال.

في جنوب الولايات المتحدة أصبح حقيقة ملموسة ، فالأجور هناك تكاد تشبه جارتها أميركا اللاتينية. والآن ترامب يريد توسيعه ليشمل الشرق والغرب حيث المناطق الأكثر صناعية و نقابية. حاليا، معدل النقابة منخفض جدا على المستوى الوطني ، حوالي 10٪، بمعنى أن تمديد ذاك القانون سيكون ضربة قاضية لجزء كبير من النقابات في البلاد.

هناك صراع بين ترامب و غالبية البورجوازية الامبريالية الأمريكية حول التمويل الرأسمالي الذي ما زال يراهن على جميع عناصر العولمة، بما في ذلك الإنتاج الدولي. معظم رجال أعمال شركات سيليكون فالي (أكبرشركات التكنولوجيا: أبل، ياهو، فيسبوك، وجوجل) هم أجانب، وجزء كبيرمن أرباحها يأتي في ظل وجودها و إنتاجها السلع والعمل في الأسواق الدولية المدعومة باتفاقيات التجارة الحرة في مختلف مناطق العالم. نفس الشيء بالنسبة لمعظم شركات السيارات وغيرها من الصناعات الأخرى لأنها أيضا تنتج خارج أراضيها. وبالتالي على هذا النحو، كل الشركات تتعارض مع ترامب.

انقسام البرجوازية في مجال الطاقة

هناك  مسألة آخرى تتعلق بالصدام و الانقسام الداخلي للبرجوازية الامريكية و هو مجال الطاقة والنقل. يمثل ترامب البرجوازية المسيطرة على قطاع النفط التي تحافظ على استراتيجية استخدام مصفوفة الطاقة المرتبطة بالنفط والغاز. وهناك قطاع آخر، ربما الأغلبية، و هو الذي يدافع عن تنويع الاستثمار (مثلا في الطاقة “النظيفة”). وقد اتخذ أوباما مبادرات لتحفيز هذا القطاع بما في ذلك بعض القوانين البيئية الخجولة. لكن بعد مجيء ترامب، كجزء من برنامج حكومته، بدأ بإلغاء تلك القوانين القليلة.

عائلة روكفلر، مؤسسة شركة ستاندرد أويل، قامت بإدانة إكسون اثر مناوراتها لمقاطعة البحوث العلمية التي توضح الأضرار المناخية الناتجة عن صناعة النفط. معظم شركات النفط الكبرى اليوم تبحث عن أشكال جديدة للطاقة استعدادا للمستقبل.

Tesla هي احد تعبيرات الطاقة الجديدة، بسياراتها الكهربائية والألواح الشمسية. وهي صناعة أمريكية يوجد مقرها في ولاية كاليفورنيا و تنتج سيارات كهربائية بالكامل تصل استقلاليتها إلى 400 كم. أصبحت هذه الصناعة في عام 2017 الأكثر قيمة لسوق الأسهم في قطاع السيارات في أمريكا ، و اليوم تجاوز فورد و جنرال موتورز على الرغم من إنتاجها وبيعها أقل بكثير من تلك الشركتين. قيمة أسهم Tesla تشير إلى أن البرجوازية تراهن على مستقبل هذه الصناعة. كما تقوم Tesla أيضا بصناعة الألواح الشمسية للمساكن الأكثر حداثة حاليا، مما يشير إلى إمكانية استقلالية الطاقة للمباني والمنازل و انتهاء الاعتماد على محطات الطاقة والشبكات الكهربائية.

للتذكير فقط، هذا ليس نزاعا علميا بحتا بل انما هو ينطوي على أعمال تجارية تحرك مليارات الدولارات والتي سيكون لها أثرفي غاية الاهمية من خلال تعريفات الحكومات. من هنا مفهوم أهمية النزاع بين مختلف قطاعات البرجوازية.