تاريخ الثورة الروسية .. الجيش والحرب جـ 1

0
157

كان الانضباط قد تعرض لهزة عنيفة خلال الأشهر التي سبقت الثورة. ويمكننا أن نجد عددًا من شكاوي الضباط في تلك الفترة على غرار: لا يحترم الجنود ضباطهم كما ينبغي، وهم يتصرفون إزاء خيولهم ومعداتهم وأسلحتهم نفسها بشكل يستدعي كل نقد، وتسود الفوضى في القطارات العسكرية. ولم تكن الحالة على هذا المستوى من السوء بالنسبة لكافة النقاط، ولكن الأمور تسير كلها باتجاه واحد نحو التفتت.

ويضاف الآن إلى ما سبق الهزة الناجمة عن الثورة. ولم تتم انتفاضة حامية بتروغراد دون مشاركة ضباطها فحسب، بل جاءت ضدهم. واختفى القادة في اللحظات الحرجة. وفي 27 فبراير (شباط) تحدث النائب الأكتوبري شيدلوفسكي مع عدد من ضباط فوج بريوبر اجينسكي بغية سبر موقفهم حيال مجلس الدوما، ولكنه لاحظ أن ضباط الحرس الأرستوقراطيين لا يعون حقيقة ما يجري حولهم بشكل نصف خفي، وكان كل هؤلاء الرجال عبارة عن ملكيين خائفين متذمرين. ويقول شيدلوفسكي: “وكم أصبت بالدهشة عندما شاهدت في صبيحة اليوم التالي فوج بريوبر اجينسكي يسير في الشارع بكل نظام، تتقدمه الموسيقى، دون أن يكون معه أي ضابط…”، والحقيقة أن عددًا من الجنود جاءوا إلى قصر توريد مع رؤسائهم، أو اصطحبوا رؤساءهم بالأحرى معهم. وكان الضباط يحسون بأنفسهم كالأسرى وسط الموكب الظافر. ولقد رأت الكونتيسة كلينميشل الموقوفة آنذاك هذه المشاهد، وعبَّرت عن انطباعها بكل صراحة فقالت: لقد كان الضباط يشبهون الخِراف المُقادة إلى المسلخ.

ولم تخلق ثورة فبراير (شباط) أي انقسام بين الجنود والضباط، ولكنها كشفت هذا الانقسام وعرته. وكان الجنود يعتبرون الثورة ضد الملكية ثورة على الضباط قبل أي شيء آخر. ويتحدث أحد أعضاء حزب الكاديت نابوكوف، الذي كان يرتدي آنذاك بذة الضباط، عن هذا الأمر في “مذكراته” فيقول: “منذ صبيحة 28 فبراير (شباط)، أصبح خروج المرء من بيته خطرًا، وانتزعت كتافيات عدد من الضباط”. هكذا بدا الموقع في أول أيام النظام الجديد!

وكان أول اهتمامات اللجنة التنفيذية إصلاح العلاقات بين الجنود والضباط. ويعني ذلك في نهاية المطاف إخضاع القطعات من جديد لقياداتها السابقة. ورأى سوخانوف أن عودة الضباط إلى أفواجهم سيحفظ الجيش “من الفوضى الشاملة، أو من ديكتاتورية كتلة الجنود الجاهلة المتفسخة”، وكان هؤلاء الثوريون والليبراليون يخشون الجنود لا الضباط. أما العمال المؤيدون “لكتلة الجنود الجاهلة” فقد كانوا يتوجسون خيفة من الشرور التي ستأتي من جانب الضباط المرموقين. ونجم عن كل ذلك إصلاح العلاقات بشكل مؤقت غير متين.

ويصف ستانكيفيتش موقف الجنود إزاء الضباط الذين عادوا إليهم بعد الانتفاضة بقوله: “لقد خرق الجنود قواعد الانضباط، وخرجوا من الثكنة لا دون ضباطهم فحسب، بل… ضد إرادة هؤلاء الضباط في كثير من الحالات، وبعد قتل عدد ممن حاولوا القيام بواجبهم، ووجد الجنود أنهم حققوا بفضل ذلك إنجازًا تحرريًّا كبيرًا. فإذا كان هذا العمل إنجازًا جيدًا، وإذا كان الضباط يؤدونه الآن؛ فلِمَ لَم يخرج القادة الجنود إلى الشارع بأنفسهم؟ خاصة وأن عملاً كهذا كان أكثر سهولة وأقل خطورة. والآن، وما أن تمَّ تحقيق النصر، حتى عادوا لينضموا إلى الظافرين الشجعان. ولكن هل يتسم عملهم بالإخلاص، وهل سيدوم إخلاصهم طويلاً؟” ومما يزيد من أهمية هذه الأقوال أن الناطق بها ضابط من الضباط “اليساريين” الذين لم يخطر ببالهم أن يقودوا جنودهم، أو يخرجوا بهم إلى الشارع.

وفي صبيحة 28 فبراير (شباط)، وقف ضابط من سلاح المهندسين في شارع سامبسونيفسكي يشرح لجنوده بأنه “تم قلب الحكومة التي يكرهها الجميع”، وأن حكومة جديدة تشكلت برئاسة الأمير لفوف، وأن من الضروري الاستمرار في طاعة الضباط. “والآن، أرجو من كل واحد منكم أن يعود إلى مكانه في الثكنة”، وأطلق بعض الجنود الجملة التقليدية المعهودة “سعداء بتنفيذ أوامركم!” ولكن الامتعاض بدا على غالبية الجنود. ما هذا هل هذا هو كل شيء؟ وشهد كييوروف هذا الموقف عن طريق الصدفة. وهزَّه الأمر من الأعماق فقال: “اسمح لي أيها السيد القائد بكلمة واحدة”… ودون أن ينتظر الإذن بالكلام طرح السؤال التالي: “هل سالت دماء العمال في شوارع بتروغراد خلال ثلاثة أيام في سبيل استبدال مالك بمالك آخر؟” وهكذا أمسك كييوروف الثور مرة أخرى من قرنيه، وكان السؤال الذي طرحه هو محور النضال خلال الأشهر التالية. وكان الخلاف بين الجندي والضابط انعكاسًا للعداء المستحكم بين الفلاح والمالك النبيل.

وتلقى قادة القطعات في كافة أرجاء البلاد تعليمات محددة، فأخذوا يطرحون الأحداث بشكل موحد، ويقولون لجنودهم: لقد أنهك القصر قواه في سبيل الدفاع عن البلاد، ووجد نفسه مضطرًا لإلقاء عبء الحكومة الثقيل على كاهل أخيه. ولقد صرح أحد الضباط العاملين في القرم بلهجة تنم عن الشكوى بأن من ينظر إلى الجنود خلال الطرح يرى بأنهم يعتبرون نيقولا وميخائيل شخصًا واحدًا. ولكن هذا الضابط يعترف بأنه عندما وجد نفسه في اليوم التالي مضطرًا إلى إعلام كتيبته بانتصار الثورة، تبدل موقف الجنود بشكل ملحوظ. وكانت أسئلتهم، وحركاتهم، ونظراتهم تشهد بوضوح على “أن هناك من قام بعمل دؤوب مستمر للتأثير على هذه العقول الجاهلة، والرمادية، التي لم تعتد التفكير”. وما أكبر الهاوية القائمة بين الضباط الذي يتلاءم دون صعوبة مع آخر برقية قادمة من بتروغراد، وهؤلاء الجنود الذين يحددون موقفهم إزاء الأحداث بصعوبة وبطء، ولكن بكل شرف. ويزنون هذه الأحداث بأيديهم العجفاء!

واعترفت القيادة العليا بالانتفاضة بصورة شكلية، ولكنها قررت منع الثورة من الامتداد إلى الجبهة. وأصدر رئيس هيئة أركان القيادة العليا أمرًا إلى قادة الجبهات باعتقال المبعوثين الثوريين -الذين أطلق عليهم الجنرال الكسييف اختصارًا لقب “العصابات”- في حالة قدومهم إلى القطاعات، وتقديمهم إلى محكمة ثورية دون انتظار. وفي اليوم التالي طلب هذا الجنرال من الحكومة باسم “سمو” عم الإمبراطور نيقولا نيقولاييفيتش “أن تضع حدًا لكل ما يجري على مؤخرة الجيش” أي أن تضع حدًا للثورة.

وتحاشت القيادة ما في وسعها إبلاغ الجيش المعسكر في الجبهة بأحداث الانتفاضة ولم يكن عملها هذا ناجمًا عن إخلاصها للملكية، بقدر ما كان ناجمًا عن خشيتها من الثورة، وتمت مصادرة الرسائل الصادرة من بتروغراد، كما تم توقيف الأشخاص القادمين من العاصمة؛ وهكذا حلَّق النظام القديم ساعات أخرى نحو الخلود. ولم تصل أخبار الثورة إلى خطوط القتال إلا في 5 أو 6 مارس (آذار)، ولكن بأي شكل؟ لقد سمعنا شيئًا مما يلي: تم تعيين عم الملك قائدًا عامًا، واستقال القيصر باسم الوطن. وليس هناك أي تبديل آخر. ووصلت أخبار الثورة إلى عدد كبير من الخنادق إن لم يكن إلى معظمها عن طريق الألمان، بدلاً من أن تصل عن طريق بتروغراد. وغدا واضحًا لدى كافة الجنود أن القيادة كلها كانت متواطئة لإخفاء الحقيقة. فهل كان بوسع هؤلاء الجنود أن يكنوا شيئًا من التقدير لهؤلاء الضباط الذين توشحوا بعد يوم أو يومين بالأشرطة الحمراء؟

ويقول رئيس هيئة أركان أسطول البحر الأسود أن أثر أحداث بتروغراد لم يؤثر على البحارة في بداية الأمر تأثيرًا كبيرًا. ولكن ما إن جاءت الصحف الاشتراكية الأولى من العاصمة “حتى تبدلت حالة البحارة الفكرية بطرفة عين، وبدأت الاجتماعات، وخرج من الشقوق عدد من المحرضين المجرمين”، ولم يفهم الأميرال ما يجري تحت بصره. إن الصحف لم تخلق تغييرًا في الحالة الفكرية، ولكنها بددت شكوك البحارة حول أبعاد الانتفاضة. وسمحت لهم بالتعبير عن حقيقة مشاعرهم بكل صراحة، بعد أن اختفى الخوف من قهر القيادة. ويمكن تصور الواقع السياسي لضباط أسطول البحر الأسود، ولرئيس هيئة أركان هذا الأسطول من جملة واحدة قالها الأميرال: “يرى معظم الضباط أن البلاد ستسير دون القيصر نحو الضياع” على حين كان الديموقراطيون يعتقدون بأن الوطن كان معرضًا للضياع لو لم تصل مثل هذه الأنوار إلى البحارة الجاهلين.

وانقسمت قيادة الجيش والأسطول إلى جناحين واضحين، وحاول أفراد الجناح الأول البقاء في مراكزهم، والعمل مع الثورة، والانضمام إلى الحزب الاشتراكي – الثوري، كما حاول بعضهم فيما بعد التسرب إلى صفوف البلاشفة. على حين رفض أفراد الجناح الثاني ذلك وحاولوا معارضة النظام الجديد، ثم لم يلبثوا أن فقدوا توازنهم وسط صراع حاد، وجرفهم مد الجنود الصاعد. ومثل هذه التجمعات طبيعية لدرجة تجعلها تظهر في كافة الثورات. فلقد كان ضباط الملكية الفرنسية المتشددين الذين وصفهم أحد زملائهم بأنهم “قاتلوا بعنف زائد” يتضايقون من خضوع زملائهم من الضباط النبلاء، أكثر من ضيقهم الناجم عن عدم انصياع الجنود للأوامر. وأخيرًا تمت تصفية غالبية جهاز القيادة القديم وسحقها، ولم يتلاءم مع الوضع الجديد سوى عدد صغير جدًا من الضباط، وتعرضت مجموعة الضباط لنفس المصير الذي تعرضت له الطبقة التي اختيروا منها، ولكن بشكل أشد مأساوية.

يمثل الجيش عادة صورة المجتمع الذي يخدمه، مع تميزه بأن يعطي العلاقات الاجتماعية طبيعة مركزة، ويدفع العلاقات إلى أقصى مظاهرها الإيجابية أو السلبية. وليس من قبيل الصدفة أن الحرب لم تبرز في الجانب الروسي اسم أي قائد كبير. وها هو الجنرال زاليسكي أحد أفراد القيادة الروسية العليا يقدم لنا صورة حية عن هذه القيادة: “كثير من روح المغامرة، وكثير من الجهل، والدسائس، والبحث عن المناصب والشكليات، والجشع، والعجز، وضعف البصيرة، وقليل جدًا من العلم، والمواهب، والأعداد، والرغبة بالتعرض للخطر أو التضحية حتى ولو لم تشمل التضحية سوى الرفاهية والصحة. وكان القائد الأعلى نيقولا نيقولاييفيتش لا يمتاز إلا بقامته الفارهة، وبذاءة تبدو متنافرة مع مقامه الرفيع. والجنرال الكسييف عبارة عن تفاهة حمقاء، وهو مؤسس قديم من مؤسسي الجيش، اشتهر بين الضباط بحدته وعنفه. أما القائد المصمم كورنيلوف، فكان حتى المعجبون به يعتبرونه إنسانًا ساذج التفكير. ولقد تحدث خميرخوفسكي -وزير الحربية في وزارة كرنسكي- عن كورنيلوف فيما بعد فقال بأنه يتمتع بشجاعة أسد وعقل خروف. وكان بروسيلوف والأميرال كولتشاك أفضل من الآخرين من بعض الوجوه، وأحسن منهم من الناحية الفكرية، وكان هذا هو كل ما يمتازان به. وكان دينيكين قوي الشخصية، ولكن إذا نظرنا إليه من مختلف الزوايا الأخرى، وجدناه جنرالاً عاديًّا من جنرالات الجيش، ربما قرأ في حياته خمسة أو ستة كتب. ثم يأتي بعد ذلك يودينيتش ودراغوميروف ولوكومسكي وأضرابهم. وسواء أكان هؤلاء يتقنون الفرنسية أم لا، فقد كانوا كلهم مدمنين على شرب الخمرة، وتافهين إلى حد بعيد.

وكان معظم مجموعة الضباط يمثلون روسيا البرجوازية والديمقراطية لا روسيا النبلاء. فلقد دفعت الحرب إلى صفوف الجيش عشرات الآلاف من شباب البرجوازية الصغيرة: ضباط، وموظفين في الإدارة العسكرية، وأطباء، ومهندسين. وكانت كل هذه الأوساط تؤيد استمرار الحرب حتى النصر، وتحس بضرورة أخذ تدابير واسعة النطاق، ولكنها تخضع في نهاية المطاف لسلطة الأوساط الرجعية العليا -عن خوف خلال عهد القيصرية، وعن قناعة بعد الثورة- تمامًا كما كانت الديمقراطية في المؤخرة تخضع لسلطة البرجوازية. ولقد لاقت عناصر الضباط التوفيقية فيما بعد نفس المصير المشئوم الذي لاقته الأحزاب التوفيقية، مع فارق واحد، هو أن الوضع على الجبهة كان أخطر إلى حد بعيد من الوضع على المؤخرة. واستطاع بعض السياسيين الصمود طويلاً داخل اللجنة التنفيذية عن طريق التلاعب المشبوه، ولكن الصمود أمام الجنود كان أشد صعوبة.

ولم تؤد الغيرة والاحتكاكات بين الضباط الديموقراطيين والضباط الأرستوقراطيين إلى تجديد الجيش، ولكنها أدخلت فيه رغم ذلك عنصرًا إضافيًّا من عناصر التفتيت. وكان شكل الجيش محددًا بشكل روسيا القديمة، ومطبوعًا إلى حد بعيد بطابع العبودية؛ لذا كان الضباط يتمسكون بالفكرة القديمة القائلة بأن أفضل جندي هو القروي الشاب، الذي يطيع دون تفكير، والذي لم يستيقظ في داخله بعد وعيه بشخصيته. هكذا كان التقليد الوطني الذي ابتدعه سوخوروف داخل الجيش الروسي المستند إلى زراعة بدائية، وحق القنانة، والمشاعية الزراعية. ولقد صنع سوخوروف في القرن الثامن عشر بناء رائعًا من هذه المادة.

ويجسد تولستوي في شخصية أفلاطون كاراتاييف، وبأسلوب النبيل السامي، الجندي الروسي القديم، الذي كان يخضع دون جدال لقوى الطبيعة، والظلم والموت (الحرب والسلام). وما أن اندلعت الثورة الفرنسية وفتحت السبيل واسعًا أمام اندفاع الفردية ونموها في كل مجالات النشاط البشري، حتى ألغت فن سوفوروف العسكري. وطوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أي خلال المرحلة الفاصلة بين الثورتين الفرنسية والروسية، تعرض الجيش القيصري الإقطاعي إلى هزائم متلاحقة. وكانت القيادة المؤهلة فوق هذه الأرضية “الوطنية” تتميز باحتقارها لشخصية الجندي. وتحمل عقلية المثقفين السلبية، وتجهل أسرار المهنة العسكرية، وتتسم بانعدام الشجاعة، والقدرة الكبيرة على الخيانة. وكانت سلطة الضباط  تستند إلى إشارات التمييز الخارجية، ومراسم الاحترام، وأسلوب الضغط، وطريقة معينة للحديث والتخاطب، لا تتميز عن حوار العبيد المبتذل -“مفهوم، أنا لا أعرف”- كان الجندي مجبرًا على استخدامها عند التحدث مع الضابط.

وعندما قيل مارشالات القيصر الثورة لفظيًّا، وأقسموا على الولاء أمام الحكومة المؤقتة، كان عملهم هذا يعني إلقاء تبعية أخطائهم كلها على عاتق الأسرة المالكة. ولقد قبل الجميع بكل مهارة أن يكون نيقولا الثاني كبش الفداء للماضي بأسره. ولكنهم كانوا يرفضون الذهاب إلى أبعد من ذلك. فكيف كان بوسعهم أن يفهموا أن جوهر أخلاق الثورة يكمن في استثارة الجماهير البشرية ضد الجمود الفكري الذي يشكل أساس رفاههم ووضعهم المتميز؟ وعندما عين دينيكين لقيادة الجبهة صرح في منسك بما يلي: “إنني أقبل الثورة كلية ودون تحفظ. ولكنني أرى أن تثوير الجيش وإدخال الديماغوجية بين صفوفه أمر يعرض البلاد للأذى”. إنها صيغة تقليدية لفكرة يحملها أي جنرال أحمق! أما الجنرالات المساعدون، فيقول زالسكي: إن طلباتهم كانت محدودة بشيء واحد هو؛ “لا تلمسونا، ولا يهمنا أي شيء آخر عدا ذلك!”. ولم يكن بوسع الثورة أن لا تلمسهم. ولم يكن أمام هؤلاء الضباط المنحدرين من الطبقات المتميزة أن يريحوا شيئًا، بل كان عليهم أن يخسروا الكثير. وجابههم خطر فقدان الامتيازات التي يتمتعون بها كقادة، بالإضافة إلى خسارة ممتلكاتهم وأراضيهم. وأخذ الضباط الرجعيون موقفًا مواليًا للحكومة المؤقتة، ولكنهم ناضلوا بشراسة ضد السوفييتات. وعندما اقتنعوا بأن الثورة تغلغلت بعمق وسط جماهير الجنود، وفي قلب أريافهم، اعتبروا أن هذا التغلغل خيانة وضيعة ارتكبها كرنسكي وميليوكوف ورودزيانكو. وغني عن الذكر أن اتهامهم الأكبر كان موجهًا إلى البلاشفة.

وكانت ظروف حياة الأسطول الحربي تحمل أكثر من ظروف حياة الجيش بذورًا دائمة وحياة للحرب الأهلية. وكانت حياة البحارة داخل علب الفولاذ؛ حيث يتكدسون بالقوة خلال عدة سنوات، لا تتميز كثيرًا -حتى من ناحية التغذية- عن حياة السجناء، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان الضباط المنحدرون من الطبقات المتميِّزة، والذين اختاروا الخدمة في سلاح البحرية عن قناعة وبمحض إرادتهم، يعتبرون أن الوطن متمثل بالقيصر، وأن القيصر متمثل بهم. وكانوا يرون في الجندي البحَّار أقل أجزاء المركب الحربي قيمة. وكان هذان العالَمان المختلفان المغلقان يعيشان على اتصال وثيق دائم. ويراقبان بعضهما بشكل متبادل. وكانت قواعد المراكب الحربية تقع في الموانئ الصناعية التي تضم عددًا كبيرًا من العمال اللازمين لبناء السفن وإصلاحها. وكان سدنة الآلات وعمال الخدمات التقنية على المراكب نفسها يضمون عددًا كبيرًا من العمال المؤهلين. هذه هي الظروف التي قلبت الأسطول الحربي إلى لغم ثوري حقيقي. ومن المعروف أن البحارة يشكلون في الانتفاضات وعمليات التمرد العسكرية في كافة البلاد عنصرًا شديد الانفجار؛ فهم يعمدون دائمًا إلى التصرف بعنف إزاء الضباط عند ظهور أول فرصة سانحة. ولم يختلف البحارة الروس بهذا الصدد عن بحارة العالم أجمع.

فلقد رافق الانتفاضة في كرونشتادت انفجار عمليات انتقام عنيفة ضد القادة، الذين علمهم الماضي الأليم أن عليهم إخفاء أخبار الثورة عن بحَّارتهم. وكان أول ضحايا الثورة الأميرال نيرن، القائد العام للأسطول الذي كان يستقطب كراهية الجميع. وأوقف البحارة جزءًا من الضباط، وتركوا القسم الآخر حرًا بعد أن جردوه من سلاحه.

ومنع الأميرال نيبينين وصول أية معلومات من بتروغراد الثائرة إلى هلسنغفورز وسفيابورغ حتى ليلة 4 مارس (آذار)، وهدد البحارة والجنود باتخاذ أقسى التدابير وأشدها. ولكن الانتفاضة اندلعت بعد ذلك بعنف أكبر، ودامت يومًا وليلة. وتم اعتقال عدد كبير من الضباط، وألقي بالضباط المكروهين تحت الماء المتجمد. بَيْد أن سوخانوف الذي لا يميل إلى التساهل مع “الجنود الجهلة” كتب ما يلي: “إذا حكمنا على تصرف سلطات هلسنغفورز وسلطات الأسطول بناء على أقوال سكوربيليف استغربنا قلة عدد التصرفات العنيفة المتطرفة”.

ولم يخل الجيش البري من عمليات القمع الدموية التي انطلقت بموجات متعاقبة. وكان الجنود ينتقمون في بداية الأمر من تصرفات الماضي، والمعاملة القاسية التي تعرضوا لها طويلاً. ولم تكن الذكريات السيئة الأليمة المشابهة للقرحة قليلة العدد. فمنذ عام 1915؛ أي منذ أقر الجيش بصورة رسمية استخدام الجلد الانضباطي لمعاقبة الجنود، لجأ الضباط إلى استخدام هذه الوسيلة للانتقام من جنودهم، وضربوا كثيرًا من الجنود، بما فيهم الجنود القدامى أرباب العائلات. ولكن الأمر لم يتعلق بضرورة الانتقام من الماضي فحسب. ففي مؤتمر سوفييتات عموم روسيا، أشار التقرير الخاص بمسألة الجيش، إلى أن الضباط أمروا في الفترة الواقعة بين 15 و17 مارس (آذار) بتعذيب عدد من جنود الجبهة تعذيبًا جسديًّا. وتحدث أحد نواب مجلس الدوما بعد عودته من الجبهة عن أن القوزاق قالوا له عند غياب الضباط: “حسنًا، إنك تتحدث عن الأمر (يبدو أنهم كانوا يقصدون “الأمر رقم 1″ الذي سنتحدث عنه فيما بعد) لقد تلقيناه البارحة، ومع هذا فقد ضربني القائد اليوم على بوزي”. وهرع البلاشفة والتوفيقيون إلى منع أعمال الجنود العنيفة المتطرفة، ولكن الانتقام الدموي كان محتومًا كالصدمة التي تنجم بعد انطلاق الرصاصة. والحقيقة أن الليبراليين لم يصفوا ثورة فبراير (شباط) بأنها غير عنيفة، إلا لأنها رفعتهم إلى السلطة.

ووجد بعض الضباط الفرصة لإثارة صراعات عنيفة بسبب الوشاح الأحمر الذي اعتبره الجنود رمزًا لقطع العلاقات مع الماضي. ولهذا السبب قتل قائد فوج سومي. ولما طلب قائد أحد الفيالق نزع الوشاح الأحمر الذي يرتديه أفراد وحدة احتياطية قادمة حديثًا، أوقفه الجنود وسجنوه سجنًا انفراديًّا. ووقعت احتكاكات أخرى بصدد صور القيصر المعلقة في أماكن إقامة الضباط. فهل كان الحفاظ على الصورة دليلاً على الإخلاص للملكية؟ كلا. إنه لم يكن في غالب الحالات أكثر من تحد لصلابة الثورة، وحيطة شخصية للمستقبل. ولم يخطئ الجنود عندما رأوا شبح النظام القديم مختفيًا وراء هذه الصور.

وهكذا نجم النظام الجديد عن تدابير اعتباطية من الأعلى، وقفزات عنيفة من الأسفل. ولم تُلغ سلطة الضباط الانضباطية أو تُحدد، ولكنها سقطت لوحدها بصورة متدرجة خلال الأسابيع الأولى من شهر مارس (آذار). وقال رئيس هيئة أركان أسطول البحر الأسود ما يلي: “وكان من الواضح أنه لو شاء أحد الضباط تطبيق عقوبة انضباطية على جندي من الجنود، لما وجد القوى اللازمة لتنفيذها” وهذه دلائل وجود ثورة شعبية حقيقية.

ومنذ سقوط السلطة الانضباطية، ظهر عجز الضباط بشكل لا يدع مجالاً للشك. ويتحدث ستانكيفيتش المشهور بدقة مراقبته وشدة اهتمامه بالأمور العسكرية، حديثًا دقيقًا عن القيادة من هذه الناحية فيقول: بأن التدريب كان يتم وفق أنظمة قديمة لم تعد تصلح لمتطلبات الحرب أبدًا “ولم تكن مثل هذه التمارين سوى تجارب لمعرفة قدرة الجنود على التحمل، واستعدادهم للخضوع”. وحاول الضباط بلا شك إلقاء تبعة عجزهم على عاتق الثورة.

وبالرغم من قيام الجنود بتصفية حساباتهم القديمة بعنف لا يرحم، فقد كانوا يتسمون بسذاجة طفولية، واعتراف عميق بالجميل. حتى أن جنود الجبهة، رأوا خلال فترة من الزمن في النائب الليبرالي القسيس فيلونينكو رجلاً يحمل أفكار التحرر، وداعية من دعاة الثورة. وكانت المفاهيم الدينية القديمة تتحد مع الإيمان الجديد بشكل عجيب. وحمل الجنود القسيس كبطل ظافر، ورفعوه على الأعناق، ووضعوه بكل تبجيل واحترام داخل زحافته. ولم يلبث هذا النائب أن تحدث أمام مجلس الدوما بحماس بالغ قائلاً: “ولم نكن نستطيع الانتهاء من مظاهر الوداع، وكانوا يقبِّلون أيدينا وأقدامنا” واعتقد هذا النائب أن للدوما في داخل الجيش سلطة رائعة. وكانت السلطة في الحقيقة ملك الثورة التي كانت تلقي أحيانًا بعض انعكاسات النور على عدد من الوجوه التي تبرز عن طريق الصدفة.

وقام غوتشكوف بعمليات تطهير داخل القيادة العليا عندما سرح عشرات الجنرالات. ولم يحظ هذا التدبير برضى الجنود، مع أنه خلق بين صفوف الضباط حالة من القلق. وكان كل واحد يخشى التقصير في تقديم البراهين على ولائه، وترك معظم الضباط أنفسهم لمشيئة التيار، وكانوا يمالئون الوضع على مضض، ويخفون قبضاتهم المضمومة في جيوبهم. وكان الوضع أسوأ بين صفوف الضباط القادة والأعوان الذين يتعاملون مع الجنود بصورة مباشرة. ولم تقم الحكومة في هذا المجال بأي تطهير. وحاول رماة إحدى بطاريات مدفعية الجبهة إتباع سبل التسلسل النظامية فكتبوا إلى اللجنة التنفيذية لمجلس دوما الدولة رسالة بخصوص قائدهم قالوا فيها: “أيها الأخوة… إننا نرجوكم بكل تواضع، أن تعدوا عدونا الداخلي فانتشيخاسا” وكان الجنود الذين لا يتلقون ردًا على رسائلهم يلجئون عادة إلى التصرف ببداهتهم؛ فيخالفون النظام، ويطردون الضباط أو يعتقلونهم؛ عندها كانت القيادة تضطر إلى الاستيقاظ فتبعد الضباط أو المضروبين، وتحاول أحيانًا معاقبة الجنود، ولكنها تتركهم غالبًا بلا عقاب، خشية تعقيد الأمور بشكل أوسع. ونجم عن كل ذلك مناخ لا يحتمل من قبل الضباط، دون أن يحدد هذا المناخ وضع الجنود بشكل واضح.

وظهر عدد كبير من الضباط المقاتلين الذين نظروا إلى مصير الجيش بجدية، فألحوا على ضرورة إجراء تطهير عام بين صفوف القيادة. وأكدوا أن عدم اللجوء إلى هذا التدبير سيجعل إعادة تنظيم قدرات القوات القتالية أمرًا متعذرًا. وقدم الجنود إلى نواب مجلس الدوما حججًا لا تقل عن هذه الحجج إقناعًا. ولما أحجم المجلس عن تلبية رغباتهم، رفعوا الطلبات إلى رؤسائهم الذين لم يهتموا غالبًا بشكايات الجنود وطلباتهم. وتساءل الجنود كيف يمكن أن يتصرفوا؟ ورأوا بأن الشكايات ستلقى المصير نفسه طالما أن القيادة القديمة باقية على حالها، واعترف أحد النواب بأن “الإجابة عن هذا السؤال صعبة”، مع أن الإجابة عنه كانت تتعلق بمصير الجيش، وتحدد مستقبله.

بَيْد أن علينا أن لا نتصور بأن العلاقات داخل الجيش كانت متشابهة في كافة أرجاء البلاد، وفي جميع التشكيلات والقطعات العسكرية. كلا. فلقد كان هناك صور جد متناقضة. فإذا كان بحارة أسطول البلطيق قد لجئوا إلى استخدام العنف ضد الضباط منذ وصول أول أنباء الثورة، فإن ضباط هلسنغفورز كانوا يحتلون حتى مطلع إبريل (نيسان) موقعًا قياديًّا في سوفييت الجنود. وكان أحد الجنرالات المهيبين يمثل الاشتراكيين – الثوريين في الاحتفالات الرسمية. ولم يكن مثل هذا التناقض بين الحقد والثقة نادرًا. ومع هذا فقد كان الجيش يمثل جهازًا يشبه الأواني المستطرفة، وأخذت المواقف السياسية للجنود والبحارة تتقارب من بعضها البعض لتأخذ مستوى واحدًا متماثلاً.

واستمر الحفاظ على النظام طالما كان الجنود يعتمدون على تبديل سريع حاسم، ويصرح أحد مندوبي الجبهة أنه ما أن رأى الجنود بأن الأمور تسير بشكل مشابه لما كانت عليه في الماضي، وأنهم يتعرضون للقهر نفسه، والعبودية نفسها، والظلمات ذاتها، والإهانات عينها، حتى بدأت الاضطرابات. لقد زودت الطبيعة الجنود ويا للأسف بجهاز عصبي، ووضعتهم بعد ذلك في موقف صعب. وتفيد الثورة في أنها تذكر بهذا الخطيئة المزدوجة ما بين آونة وأخرى.

وكانت الأسباب العرضية تثير على الجبهة وفي المؤخرة صراعات أليمة. وكانت القيادة قد منحت الجنود حق ارتياد المسارح والاجتماعات وصالات الموسيقى …إلخ، بشكل حر “أسوة بباقي المواطنين” وفهم عدد كبير من الجنود من ذلك أن لهم الحق بدخول المسارح مجانًا. وشرح لهم الوزير أن عليهم فهم معنى “الحرية” بصورة سامية. ولكن الجماهير الشعبية الثائرة لم تبرهن في أي يوم من الأيام على ميلها إلى الأفلاطونية أو الكانتية المثالية.

وتمزق رداء الانضباط من كل مكان، وفي كل لحظة، وفي مختلف القطعات والمواقع. وكان قائد الوحدة يعتقد أن الأمور تسير في فوجه أو فرقته سيرًا حسنًا، حتى تصل الصحف، أو يأتي محرض من الخارج. والحقيقة أن القوات كانت تتعرض لتأثيرات قوى أشد عمقًا وأكثر تأثيرًا.

وحمل النائب الليبرالي يانوشكيفيتش من الجبهة الفكرة العامة القائلة بأن الفوضى تظهر في القطعات المدعوة باسم القطعات “الخضراء” أي قطعات الموجيك قبل أي مكان آخر. “وكانت الوحدات الأكثر ثورية تتفاهم مع الضباط بشكل أفضل”. والحقيقة أن الانضباط يثبت أطول مدة في قطبين هما: الخيالة المتميزة، المكونة من الفلاحين الموسرين؛ والمدفعية والوحدات التقنية التي تضم أكبر عدد من العمال والمثقفين بصورة عامة. واستمرت المقاومة أطول مدة ممكنة داخل صفوف القوزاق – الملاكين، الذين كانوا يخشون اندلاع ثورة زراعية يخسر معظمهم فيها الكثير دون أن يربح شيئًا. وقامت بعض عناصر وحدات القوزاق بعمليات القمع أكثر من مرة، حتى بعد الثورة. ولكن الاختلاف بين الوحدات لم يكن سوى في سرعات التفتت ومدده.

وعرف الصراع العنيف مدًا وجزرًا. وحاول الضباط التلاؤم. وتمسك الجنود بالأمل. ولكن ما أن انتهت فترة التهدئة المؤقتة، وانقضت أيام السكون والراحة، حتى ظهر من جديد الحقد الاجتماعي الذي فتت جيش النظام القديم، ولكنه أخذ هذه المرة حدة متزايدة. ولقد عقد في سيرك موسكو اجتماع لمشوهي الحرب حضره الجنود والضباط. وصعد أحد الخطباء من المشوهين إلى منصة الخطابة، وامتدح الضباط. فارتفعت صيحات الاستنكار من كل جانب، وتصاعدت قرعات الأرجل والعُصي والعكازات على الأرض. “هل مضى زمن طويل، على العهد الذي كنتم تجلدون فيه أيها السادة الضباط جنودكم، وتضربونهم بقبضات أيديكم؟” ووقف الرجال الجرحى، والمصابون والعُرج تجاه بعضهم، وشكلوا جدارين بشريين هائلين. وانتصب الجنود المشوهون أمام الضباط المشوهين، ووقفت الأغلبية مقابل الأقلية، وارتفعت العكازات ضد العكازات. ووسط هذا الكابوس الدائر داخل السيرك، ظهرت بوادر عنف الحرب الأهلية.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. اللجنة التنفيذية