من الثورة الإشتراكية إلى استعادة الرأسمالية في روسيا والصين وكوبا جـ1

0
226

يسعدنا أن ننشر كتابات مارتن هيرنانديز باللغة العربية لأول مرة.
نُشر هذا الكتاب في العام 1995 باللغة الإسبانية، أي بعد سنوات قليلة على سقوط جدار برلين، وهو يقدّم تحليلاً ماركسياً أصيلاً حول ما حدث في الدول التي كانت تسمّى “اشتراكية”، حيث في تلك الفترة كان أغلب المفكرين اليساريين غارقين في ارتباكهم. كانت التحقيقات التي أجراها هيرنانديز حاسمة في تشكيل فهم “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”، وهي منظمة دولية، يُعتبر هيرنانديز أحد أعضائها القياديين.
نود أن نشكر الرفيق تامر خورما على جميع أعمال الترجمة.
ستنشر هذه الكتابات على امتداد (19) فصلاً، آملين أن يؤسّس ذلك لحوار مفتوح مع مؤلّف هذه الفصول.

مقدمة:

لا يمكن إنكار وجود مناخ سائد من التشوش وعدم اليقين بين ما يعرف عادة بـ “اليسار”، فيما يتعلق بالأحداث بأوروبا الشرقية في نهاية الثمانينيات.

تصرفات الجماهير التي قادت إلى سقوط معظم الأنظمة التي تقودها الأحزاب الشيوعية، والعدوان الإمبريالي المضاد الذي مكّن من تقدم نوعي في خطط استعادة الرأسمالية، تسببا بتشويش هائل في أذهان ملايين العمال، والطلبة، والفلاحين، والمثقفين الذين تشكل الماركسية مرجعية لهم.

ومن الواضح أن أولئك الذين هزموا خلال تلك العملية هم الأكثر تشوشاً. إننا نشير هنا إلى التنظيمات وأعضاء الأحزاب الذين يعدّون أنظمة الاتّحاد السوفياتي السابق، وألمانيا الشرقية، وألبانيا، أو كوبا، كنماذج لهم، وفي كثير من الحالات، كأساس استدامتهم السياسية والتنظيمية بل وحتى المالية.

على أية حال، سيكون من الخطأ تفسير التغيّرات التي وقعت في الشرق على أنّها أثرت فقط على هذه القطاعات، فقد ولّدت أيضا إرباكاً هائلا لتلك المنظّمات التي كانت تناهض الستالينية  وخلفائها.

بالطبع إن الإرباك في قطاع ما له سمات تختلف عن نظيرتها في قطاع آخر، فالقسم الأول تشوش لأن الجماهير التي يفترض أنه يمثلها هزمته، وتركته شبه محطم، وها هو يحاول ترميم نفسه. أما القسم الثاني فهو أيضا مرتبك ومشوّش بشكل عام. النصر الذي كان يعني لهم سقوط أنظمة الأحزاب الشيوعيّة لم يفض إلى تمكين العمّال أو إلى بدائل اشتراكيّة، بل على العكس، سرّع خطط استعادة الرأسماليّة.

بالنسبة لهذا القطاع، تزايد الارتباك بشكل ملحوظ عندما كانت خطوات استعادة الرأسماليّة تتقدّم، والجماهير بنت عليها الآمال بل واستقبلتها بنشوة.

حاليا حلّ مكان هذه النشوة سخط متنامي على الرأسماليّة ومشاريعها. بيد أن هذا لا يعني تراجع ما للتشوش المهيمن على اليسار الثوري. الرابطة الأمميّة للعمّال- الأمميّة الرابعة، لم تهرب من هذه الحقيقة. لصدمتها من الأحداث الجسيمة التي وقعت ما بين 1989 و1990، خلطت قيادة الرابطة في ذلك الوقت بين الواقع والأمنيات. اعتقدوا لوهلة قصيرة أن الحراك سيقود إلى انتصار صيرورة ثوريّة جديدة، كتلك التي قادها حزب البلاشفة في روسيا عام 1917.

وقد بيّنت الحقائق بسرعة أن ذلك كان سوء فهم للواقع. على أية حال، رغم أنّه تمّ وضع تلك الآراء جانباً، لم يحلّ مكانها أيّ فهم ماركسي حقيقيّ لذلك الواقع، وقد خلق هذا، بطريقة ما، فراغاً نظريّاً وبرامجيّاً. والنظرية، كالسياسة، لا تقبل بالفراغ. العالم مضى قدماً، وولدت اتجاهات أيديولوجية جديدة (معظمها ليست بتلك الحداثة)، وتطورت وشغلت “فراغنا”. في هذا السياق، لا يمكن ادّعاء أن هذا العمل أفضى إلى ردم الهوّة السحيقة، لأن هذه المهمّة تحتاج حتماً إلى سنوات ونتاج عمل جماعيّ. ومع هذا، كانت هنالك محاولة للتقدّم في ذلك الاتّجاه. وإذا ما تمّ تحقيق ذلك، فأعقد الأمل على المجموعات الثوريّة في روسيا، وأوكرانيا، أو بولندا، والذين يواجهون المهمّة الصعبة لبناء الأحزاب والبرامج الثوريّة التي يمكنهم اعتمادها.

لماذا ندرس دول العمال السابقة؟

مجال الدراسة لهذا البحث هو الدول التي سبق وأن وصفناها بشكل تقليدي بـ “دول العمال البيروقراطية المتحلّلة” (الاتّحاد السوفياتي السابق) أو “دول العمال البيروقراطيّة المشوّهة” (بولندا، هنغاريا، ألمانيا الشرقيّة، الصين، كوبا، فيتنام.. الخ). بين هذه الدول نسلّط الضوء على روسيا والصين وكوبا تحديدا. ولدراسة هذه الدول علينا طرح السؤال التالي: ما هو هدف هذه الدراسة؟

الجدال الدائر بين مختلف التيّارات الماركسيّة يتضمّن مواضيع في غاية التنوّع. والشيء ذاته حدث عندما دار الجدال في الرابطة الأممية للعمال- الأممية الرابعة، حيث كان هنالك ميل للتركيز على السمة الطبقيّة للاتّحاد السوفياتي السابق منذ الثلاثينيات. النقاش كان له أهميّة جوهريّة. لذا، فقد تمّ التطرّق له في هذا النص بالتفصيل، ولكنه ليس الهدف الرئيسي لدراستنا.

كثوريين فاعلين، فإننا لا نتظاهر بوصف الواقع، بل نعمل على تغييره. هذا الجهد يسعى إلى تحقيق فائدة برامجيّة. أي برنامج لدول العمّال السابقة، أو للاتّحاد السوفياتي السابق، يبدأ من الوقت الراهن. لذا، فإن هدف هذه الدراسة هو تناول الوضع الراهن لتلك المنطقة الهامّة من العالم. في هذا السياق، وبناء على هذا الهدف، نتناول القضايا التاريخية والجدال الذي كان دائرا في الماضي. نتبني كلمات تروتيسكي التي قالها في كتابه الشهير “الثورة المغدورة”: “إن هدف هذا الكتاب إجراء تقدير صحيح لما هو موجود لتفهم ما يجري بشكل أفضل. ولن نقف أمام الماضي إلا بقدر ما يساعدنا ذلك على توقع المستقبل”. (“الثورة المغدورة”/ تروتيسكي 1937).

بعض الملاحظات على التعاريف

إننا نعتبر كلّ الدول التي نذكرها دولا رأسماليّة. ومن جهة أخرى فإنّنا نعتقد أن تروتسكي كان محقّاً عندما عرّف الاتّحاد السوفياتي في الثلاثينيّات على أنّه دولة عمّال متخلّفة. قبل أن نتناول هذه المسائل، ولتجنّب النقاش على المسمّيات، من الضروري تقديم بعض التفسيرات.

عندما أعلن تروتيسكي في الثلاثينيّات أن الاتّحاد السوفياتي كان لايزال دولة عمّال، أجاب كثير من الحزبيّين بغضب: كيف يمكننا القول بأنها دولة عمّال في الوقت الذي تعقد فيه الاتفاقيّات مع هيتلر لغزو بولندا؟ أليس واضحا أن دكتاتورية البروليتاريا ينبغي أن تستثني البروليتاريا من الدكتاتورية؟

شكوك مماثلة، لكن من نوع مختلف، تظهر عندما نعرّف الدولة الروسيّة الحاليّة على أنّها رأسماليّة. كثير من الناس يقولون: كيف يمكنك القول إنها دولة رأسماليّة إذا لم يكن هنالك رأسماليّون في روسيا، ومعظم الشركات العظمى لم تتم خصخصتها؟

معضلات التعريف هذه لا تظهر فقط حول مسألة الدولة فحسب. كم مرّة سئل الماركسيون عن تعريف “الديمقراطية البرجوازية” أو “الديمقراطية المباشرة” من قبل عمال نزيهون من اللذين واجهوا جرائم الرأسماليّة بسؤال: هل هذا ما تدعونه ديمقراطيّة؟

عندما يجد ماركسيّ نفسه في هذا الوضع، لا بديل له عن الشرح، بكلمات عديدة، ما الذي يحاول قوله بهذا التعريف. ويعكس هذا مرّة أخرى أن التعريف هو الحلقة الأضعف في التحليل، لأنه يحاول أن يلخّص بكلمات قليلة كميّة هائلة من المفاهيم.

نبدي هذه الملاحظات لأن النصّ يشير، في أجزاء متعددة، إلى صوابيّة وعدم صوابيّة تعاريف معيّنة. ولتحقيق هذا من الضروري توضيح حدود “تعريف” ما، والحاجة إلى تناول مضمونه.

أعمال تروتسكي كمرجعيّة

يتّخذ هذا المؤلَّف من أعمال ليون تروتسكي الأساسيّة مرجعيّة له، لأنّنا مقتنعون أن الأحداث التي شهدتها الدول العمّاليّة السابقة ولا سيّما الاتّحاد السوفياتي السابق، تبيّن القيمة العظيمة لأعماله التي يمكن الاستفادة منها اليوم. لذا، سنعيد خلال هذا النصّ اقتباس مقولات هذا المؤلّف. ولا نسعى خلال هذا إلى شنّ “حرب اقتباسات”. نحاول ببساطة الاستمرار ببذل الجهود التي دشّنتها مواقف تروتسكي الحقيقيّة. لأننا كما سنرى لم يكن هذا هو الحال دائما في تلك المناظرة.

ملاحظة أخيرة

خلال هذا العمل سنضطرّ إلى تقديم إجابات مثيرة للجدل، الجدال حول هذه القضايا قد يقودنا إلى الاستنتاج، في مرحلة لاحقة، أن كثيرا منها كانت خاطئة. ونعتبر أن هذا لا يمكن تداركه وهو طبيعي تماماً. وللعمل على مثل هذه القضايا الحسّاسة من الضرورة الحفاظ على ذهن منفتح. وفي هذا الصدد من المهم الأخذ بعين الاعتبار خطاب ناهويل مورينو (1982) حول مسألة الثورة السياسيّة في الدول العمّاليّة، في مدرسة للكوادر بفنزويلا. لقد قال: بداية يا رفاق، الماركسيّة منفتحة. الرابطة الأمميّة للعمّال مازالت أكثر انفتاحاً لأن كلينا، ألبيرتو وأنا، تماما كنابوري، وإنريكيو، وإيرنيستو، نعرف حدودنا الكثيرة. لذا ليست الماركسيّة فقط هي المنفتحة، بل إن الرابطة الأمميّة للعمّال أكثر انفتاحاً بثلاثة أضعاف لأننا نعرف أننا نقترف الكثير من الأخطاء، وأكثر انفتاحاً بعشرة أضعاف لأن هذه مشكلة جديدة، جديدة تماما. تبنّينا تصريح مورينو، ولكنّنا ضخّمناه عدّة أضعاف، أولا لأن “الحدود” التي أشار إليها مورينو هي في حالتنا متفوّقة بشكل نوعيّ. ثانيا لأنّنا نواجه، تماما كما كان في ذلك الوقت، مشاكل “جديدة”، لكنّها اتّسعت الآن لتشمل مساحة أكبر نوعيّا، ثالثا لأنّنا، وللمرّة الأولى، نواجه أعمالنا بتلك التي يقوم بها النشطاء الماركسيّين الجدّيّين في أوروبا الشرقيّة.

ولهم التقدير الأخير. الستالينيّة وورثتها وضعوا بحكمهم الإرهابي حاجزا بين الثوّار الماركسيّين في العالم الرأسمالي ونظرائهم في أوروبا الشرقيّة. الثورات الشرقيّة بدأت تتعثّر تحت هذه الحواجز. لكن “لم الشمل السعيد” ليس سهلاً. طيلة سنوات التشتّت تلك تمّ بناء لغات سياسيّة مختلفة، والتي زادت من حدّتها الحواجز الإصلاحيّة، التي ليست بالقليلة ولا بالثانويّة. وينبغي أن نضيف لهذا، من جانبنا، أن الماركسيّين الغربيّين حافظوا من عدّة جوانب -عذرا على التكرار- على المنظور “الغربي” للواقع الذي عاشته وتعيشه تلك الدول. هذه المسألة الأخيرة ترغمنا على أن نكون أكثر حذراً وانفتاحاً بما يتعلّق بأعمالنا، ونعتذر مسبقاً لهؤلاء الرفاق على الأخطاء التي سنرتكبها بالتأكيد.