من الثورة الإشتراكية إلى استعادة الرأسمالية في روسيا والصين وكوبا جـ 2

0
107

 

المسيرة الكبرى لإستعادة الرأسمالية

 

من الأسئلة العديدة التي تمّت مناقشتها حول الدول التي جرّدت فيها الرأسماليّة من ملكيّتها، هنالك مسألة تثير جدلا واسعا وتتميّز بكونها نقطة البدء للكلّ. نشير هنا إلى الطبيعة الطبقيّة لتلك الدول.

ليس جديدا أن يولي الماركسيّون اهتماماً بمسألة الدولة. في الحقيقة الماركسيّة منذ ولادتها، بنقد ماركس وإنجلز للمفهوم الهيغلي للدولة، أدرجت هذه المسألة ضمن مخاوفها المركزيّة. في هذا السياق، منذ انتصار الثورة الاشتراكيّة في الاتّحاد السوفياتي السابق في 1917، وأكثر تحديدا منذ تحلّل هذه الدولة، كانت هذه المسألة محور نقاش دائم.

الواقع لا يختلف كثيراً اليوم. تماما كما كان الماركسيون الثوريون يتناقشون خلال عقود، بحديّة في كثير من الأوقات، حول ما إذا كان الاتّحاد السوفياتي مازال دولة عمّاليّة أم لا (نقاش لم ينته)، نقاش واسع أيضا برز حول ما إذا كانت روسيا ودول أخرى رأسماليّة أم لا.

في روسيا اليوم، على سبيل المثال، ثبت أن نظام “الحزب الفريد” انتهى، أو بالأحرى أسقط على يد حركة الجماهير. هل انتهت أيضاً الدولة السابقة؟ هل ظهرت دولة بسمة مختلفة؟ هل تمّت استعادة الرأسماليّة في روسيا؟ ما الذي يحدث في دول كالصين، وفيتنام، وكوبا، بل ومعظم جمهوريّات الاتّحاد السوفياتي السابق، حيث مازالت أنظمة الحزب الطليعي موجودة؟

الجدال حول ماهيّة تلك الدول يحظى بأهميّة موازية أو أكثر أهميّة ممّا كانت عليه في الثلاثينيّات والأربعينيّات.

اليوم، كالأمس، لسنا بحاجة فقط إلى تحديد توصيف أفضل، عندما نعالج هذه المسألة فإنّنا نناقش طبيعة الثورة ذاتها في هذه المناطق من العالم.

في الثلاثينيّات عرّف تروتسكي البيروقراطيّة الاستالينيّة بالثورة المضادّة، ودعا إلى إسقاطها ثوريّاً. إلى جانب ذلك طرح أن سمة هذه الثورة لن تكون اجتماعيّة في جوهرها، بل سياسيّة. رغم البيروقراطيّة، فإن الأسس الاقتصاديّة التي فرضت عبر ثورة أكتوبر كانت لاتزال قائمة (تأميم الاقتصاد والاقتصاد المخطّط واحتكار الدولة للتجارة الخارجيّة). هل مازال برنامج الثورة السياسيّة في روسيا والدول الأخرى صالحاً في جوهره؟

لا نعتقد هذا، لأن الظروف الموضوعيّة التي كانت تستند إليها تغيّرت نوعيّاً.

في روسيا نعتقد بأن الأسس الاقتصاديّة التي فرضتها ثورة أكتوبر لم تعد موجودة. في هذا البلد، مع خصوصيّته، تمّت استعادة الرأسماليّة. لذا، فإن البرنامج المطروح لا يمكن أن يكون برنامج الثورة السياسيّة، بل الثورة الاجتماعيّة.

وللاستمرار بالدفاع عن فكرة أنّ جوهر البرنامج في روسيا هو الثورة السياسيّة (ما يفترض الحفاظ على جوهر النظام الاقتصادي الحالي)، كما يفعل معظم الماركسيّون الثوريّون اليوم ليس مجرّد خطأ. موضوعيّاً هو استسلام حقيقيّ للرأسماليّة الروسيّة والإمبرياليّة العالميّة.

على أيّة حال، الحقيقة أنّه رغم الأدلّة، فإنّ بين معظم التيّارات الماركسيّة الثوريّة وحتّى الرابطة الأمميّة للعمّال- الأمميّة الرابعة، شكوك عدّة، واختلافات، وفي بعض الحالات مقاومة واضحة لبلوغ هذه الاستنتاجات.

الشكوك والاختلافات تبرز عادة بسبب الافتقار إلى دراسة الواقع الراهن، ولكن في أحيان أخرى تكون نتيجة تضخيم بعض عناصر هذا الواقع. على سبيل المثال: ضعف البرجوازيّة الروسيّة، والشركات الكبرى التي مازالت ملكاً للدولة، وتأثير البيروقراطيّة، وبشكل عام حقيقة أن الطبقة العاملة لم تهزم.

خلفيّة

كثير من المناضلين الشرفاء يشعرون بخيبة أمل لأنّهم يعتقدون أن الجماهير بتعبئتها مكّنت من استعادة الرأسماليّة. ومن الضروري أن نبيّن لهؤلاء المناضلين ليس فقط دور البيروقراطيّة الحاليّة في مواجهة استعادة الرأسماليّة، بل أيضاً الإطار التاريخي لهذه الصيرورة.

رغم أنّنا عالجنا هذا بتفاصيل أكثر في مكان آخر من هذا العمل، إلا أنّه من الضروري التأكيد الآن على لا نستطيع فهم الصيرورة الراهنة دون أن نردّها إلى الصيرورة التي شهدتها العشرينيّات والثلاثينيّات في الاتّحاد السوفياتي السابق وحزب البلاشفة.

نظريّة “الاشتراكيّة في بلد واحد”، التي طوّرتها الاستالينيّة في العشرينيّات، كانت في الواقع التبرير النظري لسياسة “التعايش السلمي” مع الإمبرياليّة. هذا لم يكن يعني إلاّ تسليمهم مفاتيح الاستمرار بحكم العالم.

لا نستطيع القول أنّه في العشرينيّات كانت هناك خطط سياسيّة واقتصاديّة لاستعادة الرأسماليّة. ومع هذا، نستطيع التأكيد أن سياسة البيروقراطيّة الحاكمة برمّتها، سواء على المستوى الدولي أو القومي، أو على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، مكّنت القوى الداعمة للرأسماليّة دون غيرها، وهكذا هيّأت الأرضيّة لاستعادة الرأسماليّة.

على أيّة حال، “حان وقت الحقيقة” فيما يتعلّق بصحّة نظريّة “الاشتراكيّة في بلد واحد”. حدث هذا عندما بدأت اقتصادات البلدان، التي جرّدت فيها البرجوازيّة من ملكيّتها، بالتحلّل وبولوج الأزمة. قبل هذا تبجّحت بيروقراطيّة الاتّحاد السوفياتي بقدرتها على هزيمة الإمبرياليّة عبر التعايش معها في عالم تحكمه هي، مبيّنة مثاليّتها الجليّة وطابعها الرجعيّ.

لم يكن هنالك مخرج “اقتصادي” بالأساس. كان الأمر يتعلّق باستعادة طريقة البلاشفة، بعبارة أخرى: طريق الثورة العالميّة. على أيّة حال، من المعروف تماما أن البيروقراطيّة لم توجّه أعمالها بمنطق أيديولوجي، بل بمصالحها الضيّقة. وهكذا، لحماية مصالحها، بحثت البيروقراطيّة عن المساعدة في العالم الرأسمالي. لذا، عوضا عن التغلّب على الأزمة الاقتصاديّة تمّ تعميقها.

في 1953، بعد فترة وجيزة من موت ستالين، بدأ بعض المختصّين بخوض نقاشات حول الاختلال الذي يولّده الاقتصاد المخطّط، وبدأوا بطرح سلسلة من الإصلاحات لمعالجة هذا.

في الاتّحاد السوفياتي، قام نيكيتا خروتشوف في إطار ما يدعى بـ “الحرب على الاستالينية”، وبخطاب مناهض للبيروقراطيّة غير الفاعلة، روّج للامركزيّة الأجهزة الاقتصاديّة، لذا تمّت إزالة كثير من الوزارات المركزيّة، وانتقل جزء جيّد من القيادة الاقتصاديّة إلى المجالس الإقليميّة. ومع هذا، لم تحقّق هذه التدابير كفاءة أكبر في الجهاز الاقتصادي، لأن الهيمنة البيروقراطيّة، كما قال بيار برو، قيّدت أشكال التغيير، وبقيت المشاكل دون حلّ (بيار برو/ الحزب البلشفي/ 1973). في الواقع تعمّقت المشاكل، فعشرات آلاف البيروقراطيّين المحليّين شعروا بحريّة أكبر لتلبية مصالحهم. وليست صدفة أنّه خلال تلك الفترة بدأ تسليط الضوء على ما ستتمّ مأسسته لاحقاً: فضائح الفساد الكبرى التي تورّط فيها مدراء وشخصيّات حزبيّة.

في ذات الوقت، ومع نهاية الخمسينيّات، تبنّت البيروقراطيّة الحاكمة وجهة نظر الأخصّائيّين الذين أوصوا بإجراء التغييرات. إقتصادات الشرق كانت تفقد دينامكيّتها الأوليّة، وكان هذا لا يمكن إنكاره.

في ذلك الوقت، لم يكن الوضع يشغل البال إلى ذلك الحدّ، لأن الاقتصاد كان لايزال ينمو بوتيرة جيّدة، ولكن سبق وأن ثبت حضول انخفاض واضح في ذلك النموّ.

في بداية الستينيّات تدهور الوضع أكثر وبات الانخفاض ملموساً، بحيث لن يوقفه صعود أو هبوط طفيفين (1) وقد حمل ذلك السلطات على فهم ضرورة التخلّي تدريجيّاً عن نمط النموّ الشامل والمضيّ قدما نحو نمط نموّ مكثّف جديد.

سلطات جمهوريّة ألمانيا الديمقراطيّة (ألمانيا الشرقيّة) بادرت إلى اتّخاذ الخطوات الأولى عبر خطّة عرفت بالميكانيكيّات الاقتصاديّة الجديدة، وخلال خمس سنوات من التجربة شملت عموم أوروبا الشرقيّة.

العناصر الأساسيّة لهذه الخطّة تمحورت حول تحسين أسلوب إدارة المشاريع (التي تتضمّن علاقة مع المستهلكين) وتمّ التوجّه إلى تعاون أكبر مع البلدان الرأسماليّة للاستفادة من أحدث تكنوليجيّاتها المتقدّمة.

هذا الإصلاح، الذي طبّق ما بين 1963 و1968 انتهى بفشل ذريع للاقتصادات الشرقيّة. فمن جهة شكّك المسؤولون البيروقراطيّون وقاطعوا التغييرات المختلفة على مستوى إدارة المشاريع لأنّهم وجدوا أن قوّتهم تتقلّص بهذا. وعلى النقيض من ذلك، فإن الجزء الآخر من الخطّة، فيما يتعلّق بتكثيف العلاقات التجاريّة مع البلدان الرأسماليّة، تطوّر لدرجة أن تلك المرحلة باتت تعرف بالعصر الذهبي للتجارة بين الشرق والغرب.

ومع ذلك، فإن هذه العلاقات، بعيداً عن إتاحة استرداد معدّلات النموّ القديمة لاقتصادات الشرق، بدأت بشقّ الطريق نحو الأزمة. في الواقع لمست البيروقراطيّة بيديها أن الدول التي تديرها هي جزء من اقتصاد عالميّ تقوده الإمبرياليّة. استيراد التكنولوجيا الغربيّة أدّى في نهاية المطاف إلى خلخلة الميزان التجاري لتلك البلدان.

التبادل السلبيّ من جهة، وصعوبة إحلال منتجات البلدان الشرقيّة بالغرب، من جهة أخرى، قادت إلى هذا الخلل في الميزان التجاري، وهو ما لم يكن ممكناً تصويبه في ذلك الوقت. وقد حلّ ذلك الوضع في سياق الأزمة الرأسماليّة بالدول المتقدّمة، ما قلّص قدرتها على الطلب، وتضمّن أثراً كارثيّاً على التجارة العالميّة برمّتها.

وبنهاية الستّينيّات، قادت هذه الأزمة بالميزان التجاري الاقتصادات الشرقيّة إلى وضع حرج. الاتّحاد السوفياتي كان الأقلّ تحاملاً لأنّه كان منتجاً عظيماً للنفط، واستفاد من الأسعار المرتفعة لهذا المنتج في الأسواق العالميّة. هنا لم يعد الوضع الصعب للاقتصادات مرتبطاً بالسنوات السابقة، إلاّ بانخفاض معدّلات النموّ.

وقد أضيفت مشاكل أخرى خطيرة: تباطؤ الاستثمار (أيضاً نتيجة هرم الجهاز الإنتاجي)، تقلّص الإنتاجيّة، وظهور مشاكل غير مسبوقة في الاقتصاد المخطّط: التضخّم والبطالة. في ظلّ هذا كلّه تزايدت حالة السخط الاجتماعي. دعونا نتذكّر على سبيل المثال، أنّه خلال تلك المرحلة حصلت أحداث ثوريّة عظيمة، “ربيع براغ” في 1968، والإضرابات العظيمة في بولندا في 1970 والتي أدّت إلى سقوط غومولكا.

وللخروج من هذه الفوضى، ناشدت اقتصادات الشرق البلدان الرأسماليّة مرّة أخرى، في سعيها لرأس المال. في البداية، حقّق هذا الخيار نتائج جيّدة، لأنّه كان من السهل بالنسبة لهم للحصول على قروض بكلفة منخفضة، بيد أن هذه السياسة أسفرت عن نتائج كارثيّة، لأنّه في بداية الثمانينيّات ارتفعت أنواع الفائدة بشكل هائل(2)، ما كان له تداعيات كبيرة على زيادة الدين. (للبعثة الاقتصاديّة الأوروبيّة والأمم المتّحدة). وقبل الحاجة إلى إعادة التوازن للميزانيّات التجاريّة، دشّنت البيروقراطيّة الحاكمة سياسة صارمة لزيادة الصادرات وتخفيض الواردات.

في 1981 أتاح لهم هذا التغيير إزالة العجز في الميزان التجاري. هذا النجاح الجزئي لم يكن كافيا لتقليل الدين الخارجي، بل لم يكن كافيا حتّى لزيادة الاستثمار في الإنتاج. في الثمانينيّات بات وضع كلّ الاقتصادات أكثر سوءً، مع زيادة كبيرة للدين الخارجي. حتّى الاتّحاد السوفياتي بعظمته لم يكن قادراً على الفرار من ذلك الوضع في ذالك الوقت

(1): الدخل القومي ومعدل النمو .. الأرقام في الجدول بالنسبة المئوية

   السنة        51-55     56-60   66-70   76-80   1983  1985   1987
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلغاريا           12,2     9,6     8,7     6,1      3,0   1,8     5,3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هنغاريا          5,7      6,0     6,8      3,2     0,3    -1,4   2,0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بولونيا           8,6     6.6     6,0      1,2    6,0     3,4    2,0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألمانيا الشرقية     13,2    7,4      5,2      4,2     4,6    5,2     3,5
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رومانيا          14,2    6,6     7,7       7,3    3,7    5,9     4,8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشيكوسلوفاكيا      8,1      7,0     7,2      4,3     2,3     3,0     2,0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإتحاد السوفييتي   11,3     9,2    7,4       4,2      4,2    3,5     2,3
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوروبا الشرقية     10,7    8,3     7,4      4,2     4,1     3,5     2,6

المصدر: Comisión Económica para Europa, de las Naciones Unidas, Cuadernos del Este Nº 9, Editorial Complutense, Madrid, صفحة 14.

 

السنة                          1970       1976     1982      1987
____________________________________________________
بلغاريا                         0,6          2,9        1,9        5,1
____________________________________________________
هنغاريا                        0,6          2,8       7,0        16,2
____________________________________________________
بولونيا                        0,9         11,3      24,4       36,2
____________________________________________________
ألمانيا الشرقية                 0,9         5,2        10,7       10,2
____________________________________________________
رومانيا                       1,0         2,4         9,5        4,3
____________________________________________________
تشيكوسلوفاكيا                0,0          1,3         3,0        3,5
____________________________________________________
الإتحاد السوفييتي             0,6         16,1        18,4      25,3

المصدر: Comisión Económica para Europa, de las Naciones Unidas, Cuadernos del Este Nº 9, Editorial Complutense, Madrid, صفحة 16.

 


الأزمة بالأرقام


في حالة الاتّحاد السوفياتي السابق تحديداً، تبيّن الأرقام مدى خطورة الوضع في بداية الثمانينيّات. معدّل النموّ الاقتصادي إنخفض ما بين 1971 و1985 لضعفين ونصف

وحدث أمر مماثل بالنسبة للإنتاجيّة. في 1981 و1982 لم تكن تزدهر، بل تتناقص بمعدّل 1% سنويّاً. لذا كانت الإنتاجيّة أقلّ بضعفين أو ثلاثة أضعاف من نظيرتها في البلدان الرأسماليّة المتقدّمة. الاستثمارات التي كانت تحقّق نموّاً بنسبة 8.8% بالسنة ما بين 1971- 1975، باتت الآن تنمو بمعدّل 3.4%. وبذات الوقت تمّ تخفيض الربحيّة إلى نسبة 14% لكلّ خطّة خمسيّة جديدة.

البيروقراطيّة الحاكمة، المسؤولة عن هذا الوضع، ألقت بثقل الأزمة الاقتصاديّة على ظهر العمّال. ونسبة رأس المال المخصّص للإسكان والتي سبق وأن كانت 23% في 1960، انخفضت إلى 13% خلال 1981- 1985.

وفي ذات السياق، التعليم الذي كان يستهلك 10% من الدخل القومي في 1950، بات يستهلك 6% فقط في الثمانينيّات.

وقد انخفض معدّل النمو للفرد من 5.1% خلال 1966- 1970، إلى 2.4% في 1976- 1980، إلى ركود النموّ بل وحتّى إنخفاضه إلى السالب في مطلع الثمانينيّات، وبالنتيجة تغيّر متوسّط معدّل الأعمار من 67 عاماً في 1955، إلى 70 عاما في 1972، لينخفض إلى 60 عاماً في مطلع الثمانينيّات (للإدمان على الكحول علاقة بخفض متوسط الأعمار إلى 60 عاماً، حيث هنالك 40 مليون مواطن روسي في العام 1970 مدمنون، وربما أصبح هذا الرقم أكبر بكثير في الثمانينات).

التحلّل المستمرّ حمل البيروقراطيّة الحاكمة على محاولة تغيير مسار الوضع. الأرقام بيّنت بوضوح إلى أين ستؤول الأمور حتماً، فقد كانت أوضح دليل على فشل الإدارة البيروقراطيّة.

البيروسترويكا

في الاتّحاد السوفياتي، الحلّ للفشل الجليّ للإدارة البيروقراطيّة كان له اسم: البيروسترويكا.

ميخائيل غورباتشوف، المنظّر الأيديولوجي الرئيسي والمروّج لهذه الخطّة، ورغم محاولته إلاّ أنّه لم يتمكّن من إخفاء الأسباب التي قادته لهذا. لذا، في مقدّمة كتابه “البيروسترويكا، تفكير جديد لبلدنا وللعالم” قال: “هنالك تفسيرات مختلفة للبيروسترويكا في الغرب، بما في ذلك الولايات المتّحدة. هنالك وجهة نظر بأن ذلك فرضته الحالة الكارثيّة للاقتصاد السوفياتي (…) لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة أكثر من مثل هذا التفسير، مهما كان الدافع من ورائه. طبعاً ما حفّز على البيروسترويكا إلى حدّ كبير هو استياؤنا من الطريقة التي كانت تسير بها الأمور ببلدنا في السنوات الأخيرة. لكن ما حضّ عليها إلى درجة أكبر بكثير هو الوعي بأن إمكانات الاشتراكيّة لم يتمّ استغلالها بشكل كاف. (غورباتشوف، 1987، ص 10). على أيّة حال، اعترف غورباتشوف في بضعة صفحات لاحقة: “بتحليل الوضع، اكتشفنا بداية تباطؤ النموّ الاقتصادي. في السنوات الخمسة عشر الأخيرة انخفضت معدّلات نموّ الدخل القومي إلى أكثر من النصف، وفي بداية الثمانينيّات هبطت إلى مستوى قريب من الركود الاقتصادي. (غورباتشوف، 1987، ص 19).

البيروسترويكا، على المستوى الاقتصادي، ارتبطت بالغلاسنوت، على المستوى السياسي، حيث أن خططاً مختلفة نوعيّاً عن كلّ هذا كان قد تمّ تطبيقها سابقاً في تاريخ الاتّحاد السوفياتي السابق.

منذ فرض البيروقراطيّة على الدولة السوفياتيّة، تمّ تنفيذ خطط وتدابير مختلفة تماماً، وبطابع مؤيّد للرأسماليّة. نقول “مؤيّدة للرأسماليّة” لأنها عوضاً عن تعزيز التوجّهات الاشتراكيّة، مكّنت البرجوازيّة.

وكانت البيروسترويكا أيضاً خطّة مؤيّدة للرأسماليّة بهذا المعنى، ولكنّ باختلاف نوعيّ. البيروسترويكا كانت الخطّة الأولى التي حاولت التغلّب على الأزمة الاقتصاديّة عبر استعادة الرأسماليّة.

في كتابه “انهيار الاتّحاد السوفياتي”، قدّم كارلوس تايبو توصيفاً دقيقاً للغاية لهدف هذه الخطّة. الهدف الأساسي للإصلاحات كان توليد تسارع من شأنه أن يتيح مضاعفة الإمكانات الاقتصاديّة في العام 2000، بمضاعفة النموّ من 2.3- 2.5 في الإنتاج الاجتماعي للعمل، والانتقال تدريجيّاً إلى نموذج النموّ المكثّف . الآليّة الاقتصاديّة الحديثة كان ينبغي أن تدخل حيّز التنفيذ مع الخطّة الخمسيّة الثالثة عشر (1991- 1995). وكان لعمليّة التنفيذ ثلاث مراحل: تمديد التجربة الاقتصادية على نطاق واسع، مسؤوليّة اقتصاديّة كاملة، وتغيير جذري في خطّ “اشتراكيّة السوق”. وبمجرّد بلوغ المرحلة الأخيرة، سيكون النظام الاقتصادي الجديد قد تحقّق، بحيث سيكون هنالك تنسيق أفقيّ بين المؤسّسات، وسيكون قد تمّ إلغاء التخطيط الإلزامي. حتى العام 1991 كان الاقتصاد في مرحلة ما قبل الإصلاح (كارلوس تايبو/ تحلّل الإتحاد السوفييتي/ دار نشر “رونسيل”/ برشلونة/ صـ 79).

كان شائعا خلال تلك السنوات لغورباتشوف وفريقه استخدام مصطلحات غامضة، كـ “اشتراكيّة السوق”، لإخفاء مضيّهم قدماً نحو الرأسماليّة. وفوق ذلك قال غورباتشوف إن لينين كان منبع البيروسترويكا، (غورباتشوف، 1987، ص 25)، هذه الصيغة التي تجمع ما بين مهاجمة البيروقراطيّة لعدم كفاءتها وبين الوعود بالحرية والتبريرات عبر لينين، أربكت العديد من الثوّار في كلّ أنحاء العالم. آمنوا بأن غورباتشوف سيكون بديلاً ثوريّاً، أو على الأقلّ تقدّميّاً، في مواجهة القوى البيروقراطيّة. ومع ذلك، فإنه بتحليل التدابير التي طبّقت في تلك الفترة، تمكن ملاحظة الطابع الحقيقيّ للبيروسترويكا. وثيقة أقرّتها اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي للاتّحاد السوفياتي في حزيران 1987، أعلنت أن الاقتصاد ينبغي أن يستمرّ بالاستناد إلى نظام التخطيط المركزي، ولكن إنشاء هذه المركزيّة ينبغي ألاّ يؤثّر على المستويات الاقتصاديّة الأدنى. لذا، فيما يتعلّق بالقرار التشغيلي، ستكون للشركات استقلاليّة كاملة، ويؤكّد في الوقت ذاته أن تحديد نجاحها أو فشلها سيتمّ استناداً إلى معايير اقتصاديّة صارمة.

هذه القواعد الإرشاديّة، بقيادة غورباتشوف، تحوّلت تدريجيّاً إلى قوانين. في حزيران 1987، تمّ إقرار قانون مؤسّسات الدولة، وبهذا ألغيت المعونات الدولة. وقد صيغ هذا القانون بقيود معيّنة، أنه سيكون على عاتق الشركات مسؤوليّة وضع خططها السنويّة، وخططاً سنويّة خماسيّة، بعقود حرّة مع العملاء والمزوّدين داخل وخارج الاتّحاد السوفياتي. ولم تفارق غورباتشوف في أيّ وقت كلمة الاشتراكيّة، بل على العكس، عندما صوّت وطبّق القوانين الداعمة لاستعادة الرأسماليّة، استمرّ بهذا النوع من التصريحات:

صحيح أن الصحافة طرحت بعض الاقتراحات التي خرجت عن نظامنا. كان هناك رأي، على سبيل المثال، يفيد بأن علينا التخلّي عن الاقتصاد المخطّط، والقبول بالبطالة. غير أنّه لا يمكننا السماح بهذا كوننا نهدف إلى تعزيز الاشتراكيّة وليس استبدالها بنظام مختلف. ما طرح علينا من الغرب، ذي الاقتصاد المختلف، غير مقبول بالنسبة لنا. (غورباتشوف، 1987، ص 86).

ومع هذا فإن القوانين التي تمّ الصويت عليها هدفت إلى إلغاء الاقتصاد المخطّط واحتكار الدولة للتجارة الخارجيّة. الجزء الأخير كان واضحاً عندما تمّ حلّ وزارة التجارة الخارجيّة، وأنشئت لجنة العلاقات الاقتصاديّة الدوليّة، بعد فترة، وكانت وظيفتها الوحيدة هي التنسيق والتوجيه.

تروتسكي قال إن الدولة السوفياتيّة، رغم البيروقراطيّة، كانت لاتزال دولة عمّال (رغم فرض البيروقراطيّة عليها) لأن وسائل الإنتاج كانت لاتزال تحت سيطرة وتخطيط الدولة، ولأن الدولة كانت تحتكر التجارة الخارجيّة.

البيروسترويكا، عبر قانون مؤسّسات الدولة، وجّهت ضربة قاتلة لهاتين الركيزتين: احتكار التجارة الخارجيّة، والاقتصاد المخطّط. الشيء الوحيد الذي كان لايزال بمنأى هن هجمة ضارية كان الركيزة الثالثة: الاقتصاد المؤمّم.

في تشرين الثاني 1986، بعبارة أخرى عبر قانون الأنشطة الفرديّة، ولاحقا في أيّار 1988 عبر قانون التعاونيّات، تسنّى عبر هذين القانونين ظهور عدد هائل من الشركات الخاصّة.

أتاح قانون التعاونيّات، من ناحية، تأسيس شركات خاصّة بثلاث شركات تابعة أو أكثر، بصيغة التعاونيّات الإنتاجيّة، ومن ناحية أخرى سمح لتلك الشركات بإقامة علاقات داخل وخارج الاتّحاد السوفياتي.

بحماية هذا القانون، كان انتشار التعاونيّات هائلاً، من تجارة التجزئة إلى الحرف اليدويّة إلى خدمات التصليح. في 1989 كان هنالك أكثر من 200000 تعاونيّة مع 4.8 مليون شركة تابعة، معظمها كان في الواقع من كسبة الأجور في الشركات الخاصّة.

ما بعد البيروسترويكا

البيروسترويكا انتهت بذات الطريقة التي انتهى بها مستقبل غورباتشوف السياسي. كان هو من صاغ أيديولوجيّتها ونفّذها. ومع هذا، فإنّنا نعتقد أنّه من الخطأ الحديث عن “فشل البيروسترويكا” كما يفعل عادة معظّم المؤلّفين.

غورباتشوف اقترح بالفعل مضاعفة الإمكانات الاقتصاديّة للاتّحاد السوفياتي، وبهذا المعنى فإن البيروسترويكا فشلاً مطلقاً. ولكن، البيروسترويكا اقترحت من أجل تحقيق ذلك استعادة الرأسماليّة في الاتّحاد السوفياتي، وفي هذا السياق لا نستطيع التحدّث عن فشل، بل على العكس، البيروسترويكا تعني “الانطلاقة الأوّليّة” لهذه العمليّة. وبما أن النتيجة لا يمكن أن تكون مختلفة، فقد تسبّبت التدابير المتّخذة باضطراب اجتماعيّ هائل. غورباتشوف سقط لأنّه كان قد وقع في أسر التناقضات التي خلقتها الأجهزة البيروقراطيّة القديمة، والقطاعات المنتفعة الحديثة، في البلاد. وتناقضات كلّ هذا مع حركة الجماهير.

في تلك الأيّام، خفّضت مرتبة غورباتشوف إلى سياسي من الدرجة الثانية، ففي الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة، بالكاد نال 1% من الأصوات. رغم هذا، قدّرته كلّ حكومات القوى الرأسماليّة العظمى كأحد أهم رجالات الدولة في القرن العشرين. وهذا ليس مصادفة، بل إقرار بما قدّمه من خدمات.

في كلّ من الاتّحاد السوفياتي وروسيا الاتّحاديّة، كان للخطط الاقتصاديّة التي أعقبت البيروسترويكا حثّ الخطى على الطريق الذي شقّته. لذا، في كانون الأوّل 1990 صادقت روسيا الاتّحاديّة على قانون المشاريع وريادة الأعمال، ما سمح عمليّاً بكلّ.أنواع المشاريع. قد تكون مشاريع خاصّة أو مؤسّسات عامّة أو محدودة. في 1991 تمّت المصادقة على قانون الاستثمار الأجنبي، الذي أعقبه المرسوم الرئاسي المتعلق بتحرير النشاط الاقتصادي الأجنبي في مناطق روسيا الاتّحاديّة. قانون الاستثمارات الأجنبيّة سمح لشركات البلدان الأخرى الاستثمار في روسيا عبر المشاريع المشتركة.

كما أنّه في صيف 1990 تمّ تدشين برنامج الـ 500 يوم، والذي كان يهدف إلى خصخصة سريعة على أوسع نطاق، ولم تحدّد هذه الخطة النسبة المئوية للشركات التي ستتمّ خصخصتها، رغم أنها تحدّثت عن 70%. وكجزء من الخطّة، تحوّلت شركات الدولة الرئيسيّة إلى مؤسّسات عامّة في 1991.

بعد نقاش طويل حول كيفيّة المضيّ بالخصخصة، صادق المجلس السوفياتي الأعلى في 1992 على برنامج الخصخصة لتلك السنة، والذي تلته برامج خصخصة سنويّة في 1993 و1994.

برنامج الخصخصة للعام 1992 شمل عمليّاً كافّة ممتلكات الدولة والبلديّات، باستثناء مزارع الدولة “السوفخوز”، والأراضي، والمنشآت. وقد لخّصت الأهداف الأساسيّة للخصخصة فيما يلي:

– لتشكيل قطاع من أصحاب القطاع الخاصّ المهتمّين بتشكيل اقتصاد السوق الاشتراكي.

– لرفع كفاءة المؤسّسات.

– لتحسين شبكة الضمان الاجتماعي عبر عمليّة الخصخصة.

– للمساعدة في تحقيق الاستقرار المالي.

– لخلق بيئة تنافسيّة ولا احتكاريّة.

– لجذب الاستثمارات الأجنبيّة.

– للتحضير للاستمرار بالخصخصة في 1993-1994 . (من برنامج الخصخصة بعد البيروسترويكا).

هذه الخطّة وضعت بعض القيود على عمليّة الخصخصة، بيد أن تلك القيود لم تكن مختلفة عن القيود التي قد تضعها أيّة دولة رأسماليّة. 70% من الشركات بات بالإمكان خصخصتها والسلطات المحليّة للحكومة المركزيّة يمكنها تنفيذ 17% من عمليّة الخصخصة.

تجارة الجملة والتجزئة، وشركات التجهيزات العامّة، وخدمة المستهلك، وجمعيّات الإنشاءات، ومواد البناء، والأعمال التجارية الزراعية، وصناعة الأغذية، والصناعات الخفيفة، والصناعات التي تستمرّ تحت وطأة العجز، والمصانع قيد الإنشاء، كلّ هذا يمكن خصخصته دون أيّة عقبة.

يمكن مراجعة الجزء الأول من خلال الرابط التالي:

من الثورة الإشتراكية إلى استعادة الرأسمالية في روسيا والصين وكوبا جـ1