تاريخ الثورة الروسية .. الجيش والحرب جـ 2

0
539

وفوق كافة التناقضات داخل الجيش والبلاد ظهرت مسألة يمكن تلخيصها بكلمة واحدة: الحرب. فمن البلطيق إلى البحر الأسود، ومن البحر الأسود إلى بحر قزوين وما وراءه انتشر 68 فيلقًا من المشاة، و9 فيالق من الخيَّالة على جبهة طويلة لا نهاية لها. فما هو مصير هذه الفيالق؟ وما هو مصير الحرب كلها؟

ولقد تدعم الجيش بالمعدات الحربية في بداية الثورة، إذ ارتفع الإنتاج الداخلي لصالح الجبهة ارتفاعًا محسوسًا، وتزايد وصول المعدات الحربية وخاصة المدفعية المرسلة من قبل الحلفاء إلى مورمانسك وأرخانجلسك وأصبحت روسيا تمتلك من البنادق والمدافع والذخائر أكثر مما كان لديها خلال أولى سنوات الحرب. فعمدت إلى تشكيل فرق مشاة جديدة، وتطوير سلاح المهندسين، واستند إلى هذه الحقائق فيما بعد بعض القادة الكبار من ذوي الطالع السيئ، وأكدوا بأن روسيا كانت تقف على عتبة النصر، وأن الثورة وحدها حرمتها من تحقيق هذا النصر. وقبل ذلك باثنتي عشرة سنة أكد كوروباتكين ولينيفيتش للسبب نفسه أن ويت منعهما من سحق اليابانيين. والحقيقة أن روسيا كانت في مطلع عام 1917 بعيدة عن تحقيق النصر أكثر من أي يوم آخر. وبالرغم من تزايد الذخائر الحربية، فقد لوحظ تناقص المئونة داخل الجيش في نهاية عام 1916، وسبب التيفوس وداء الأسقربوط (الحفر) خسائر تفوق الخسائر الناجمة عن القتال، وعرقلت فوضى وسائل النقل حركة القطعات بصورة متزايدة، فنجم عن ذلك تعطيل المناورات الإستراتيجية المبنية على نقل قوات عسكرية كبيرة من مكان إلى آخر. وجاء نقص الخيول الفاحش فحرم المدفعية من الحركة.

ومع هذا فلم تكن النقطة الأساسية هنا؛ فالمهم هو أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على معنويات الجيش. ويمكن التعبير عن الموقف بما يلي: لم يعد الجيش قائمًا كجيش؛ فلقد هزت الهزائم، والتراجعات، وفضائح القادة روح القطعات هزًا عنيفًا. ولم يعد من الممكن معالجة هذا الأمر بتدابير إدارية، كما لم يعد من الممكن تعديل جهاز البلاد العصبي. وأصبح الجندي ينظر الآن إلى أكداس القنابل باشمئزاز، وكأنه ينظر إلى أكداس لحم متفسخ يعبث فيه الدود فسادًا، وبَدَا له كل هذا زائدًا، لا يمكن استخدامه، بالإضافة إلى كونه خديعة محققة. ولم يعد الضابط قادرًا على أن يقول له ما يقنعه، كما لم يعد قادرًا على ضربه ودفعه إلى العمل بالقوة. واعتقد الضابط نفسه أن القيادة العليا خدعته، وكثيرًا ما وجد نفسه مسئولاً عن رؤسائه أمام الجنود. وهكذا غدا الجيش مصابًا بمرض عضال لا شفاء له. وكان قادرًا على أن يقول كلمته في الثورة. أما بالنسبة للحرب، فإنه لم يعد من الناحية العملية موجودًا. ولم يعد أحد يؤمن بتحقيق النصر، وينطبق هذا القول على الضباط كانطباقه على الجنود. ولم يعد الجيش والشعب راغبين باستمرار الصراع.

صحيح أن المسئولين في الأوساط العليا المعزولة كانوا يتحدثون عن العمليات الكبيرة، وعن هجوم الربيع، واحتلال المضائق التركية، بحكم الاستمرار والعادة. حتى أنهم أعدوا في بلاد القرم قوة كبيرة لتحقيق الهدف الأخير. وأشارت الوثائق إلى أن القيام بالإنزال على الشواطئ التركية دفع القيادة إلى تعيين خِيرة عناصر الجيش لهذه المهمة. وجاءت قطعات الحرس من بتروغراد للمشاركة في العملية. ولكن أحد الضباط الذين بدءوا تدريب هذه القطعات في 25 فبراير (شباط)، أي قبل الثورة بيومين، أشار إلى أن مستوى أفراد الوحدات التكميلية كان أقل من أن يستحق النقد. ولم يشع في هذه العيون اللا مبالية الزرقاء، والبنية، والرمادية…. أي حماس للحرب. “وكانت جميع أفكارهم، وكل رغباتهم تتركز على نقطة واحدة هي السلم”.

وبوسعنا ذكر عدد كبير من الشهادات المشابهة. ولم تعمل الثورة إلا على إظهار ما كان معدًا قبلها. ولذا غدا شعار “فلتسقط الحرب!”. أحد نداءات التجمع الأساسية في أحداث فبراير (شباط). وكنت تسمعها على لسان النساء المتظاهرات، وعمال حي فيبورغ، وجنود قطعات الحرس.

وعندما أخذ النواب يتجولون في جبهات القتال في مطلع مارس (آذار)، كان الجنود، المسنون منهم بصورة خاصة، يسألون دائمًا: “وماذا يقال عن الأرض؟”. وكان النواب يردُّون بأسلوب متهرب بأن مسألة الأرض ستجد حلها على يد المجلس التأسيسي. وهنا يرتفع صوت يعبر عن الفكرة الكامنة في صدر كل جندي: “لِمَ الأرض؟ إنني لن أكون بحاجة لها إذا لم أعد موجودًا”. وكان هذا هو برنامج الجنود الثوري: السلم أولاً، ثم الأرض.

وفي نهاية مارس (آذار)، عقد مؤتمر سوفييتات عموم روسيا، وشهد هذا المؤتمر عددًا من الخطب الوطنية، وتحدث أحد مندوبي الجنود المتمركزين في الخنادق، شارحًا بكل دقة، كيف تصرفت الجبهة عندما سمعت نبأ اندلاع الثورة: “وقال جميع الجنود: حمدًا لله، قد نحصل الآن على السلم بعد فترة قصيرة”. وطلب جنود الخنادق من هذا المندوب أن يقول في المؤتمر: “نحن على استعداد للتضحية بأنفسنا في سبيل الحرية، ولكننا نود أيها الرفاق الانتهاء من الحرب”. وكان هذا هو صوت الحقيقة الحي، وخاصة في النصف الثاني من الطلب. وهو يعني أنه إذا كنتم تودون مزيدًا من الصمود، فإننا سنصمد، ولكن ليعجل الرؤساء بإحلال السلام.

وعاشت قوات القيصر المتمركزة في فرنسا، أي في وَسَط أجنبي عنها، نفس الأحاسيس، ومرت بنفس مراحل التفتت التي مر بها الجيش الموجود في البلاد. ولقد تحدث أحد الجنود القدامى -وهو فلاح أمِّي- من القوات المتمركزة على الأرض الأجنبية، وقال لأحد الضباط: “عندما علمنا بأن القيصر تنازل عن العرش، تصورنا أن هذا سيؤدي إلى انتهاء الحرب… لأن القيصر هو الذي دفعنا إلى الحرب… وماذا أفعل بالحرية طالما أنَّ علي حتى الآن أن أموت في الخنادق؟” هذه هي فلسفة الجندي الحقيقية النابعة من ذاته دون تدخل أحد، ولا يمكن لأي محرض أن يبتدع مثل هذه الكلمات البسيطة المقنعة.

وحاول الليبراليون والاشتراكيون نصف الليبراليين بعد وقوع الأحداث اعتبار الثورة انتفاضة وطنية. وفي 11 مارس (آذار)، تحدث ميليوكوف أمام الصحفيين الفرنسيين فقال: “لقد وقعت الثورة الروسية لإبعاد الحواجز القائمة على الطريق الذي يُوصل روسيا إلى النصر” وهنا يلتقي الدجل بالوهم، ولكن نسبة الدجل في هذا المجال أكبر. ورأى الرجعيون الحقيقيون الأمور بشكل أوضح. فلقد شرح فون ستروف المؤيد للوحدة السلافية مع أنه من أصل ألماني، والأرثوذكسي الذي كان لوثريًا، والملكي ذو الثقافة الماركسية، بلهجة تنم عن الحقد الرجعي، ولكنها تعبر عن المنابع الحقيقية للانتفاضة عندما كتب: “كان اشتراك الجماهير الشعبية، وجماهير الجنود بصورة خاصة في الثورة عبارة عن تحلل الجيش بصورة عفوية وكارثوية، وكان هذا التحلل موجهًا بشكل محدد ضد استمرار الحرب. وعاملاً أساسيًّا في توقيف جميع العمليات الحربية”.

وتحمل هذه الأقوال فكرة صحيحة، ولكنها تخفي بين طياتها قسطًا كبيرًا من الافتراء. فلقد نجم تحلل الجيش الكارثوي عن الحرب نفسها. ولم ينجم أبدًا عن الثورة؛ ويمكننا أن نقول إن الثورة أوقفت هذا التحلل فترة من الزمن. ومن المعروف أن حالات الفرار العديدة التي شهدتها الوحدات العسكرية قبيل الثورة، تضاءلت في الأسابيع الأولى التي تلت الانتفاضة. ووقف الجيش موقف الانتظار آملاً أن تقدم له الثورة السلم، وكان الجندي مستعدًا لدعم الجبهة وسط هذا الأمل على اعتبار أن دعمه ضروري حتى تستطيع الحكومة الجديدة تحقيق السلام.

وفي 23 مارس (آذار) كتب أحد قادة فرق رماة القنابل تقريرًا قال فيه: “يؤكد الجنود بكل وضوح، أن علينا أن نركن إلى الدفاع، وأن لا نعتمد إلى الهجوم أبدًا”، وكانت التقارير العسكرية والتقارير السياسية تكرر هذه الفكرة نفسها بأشكال متعددة. ويقول الملازم الثاني كريلنكو -وهو ثوري قديم غدا فيما بعد قائدًا عامًا لجيوش البلاشفة- أن الجنود لخَّصوا مسألة الحرب في هذه الفترة بالصيغة التالية: “الصمود على الجبهة، وعدم شن الهجمات”. وهذا يعني بكل صدق وإخلاص الدفاع عن الحرية.

“علينا أن لا نغرس الحِرَاب في الأرض!”(1) هكذا عبَّر الجنود عن رأيهم تحت تأثير الأفكار المضطربة المتناقضة، وكانوا يرفضون الاستماع إلى البلاشفة. واعتقد البعض تحت تأثير بعض الأحاديث الخرفاء أن البلاشفة لا يهتمون بالدفاع عن الثورة، وأن بوسعهم منع الحكومة من إقرار السلام. ومع تقدم الأيام ازدادت هذه القناعة لدى الجنود ترسخًا بفضل الصحف والمحرضين والاشتراكيين – الوطنيين. ولكن الجنود الذين كانوا يمنعون البلاشفة أحيانًا من الحديث، كانوا يرفضون منذ اندلاع الثورة فكرة الانتقال إلى الهجوم. ورأى ساسة العاصمة في هذا الأمر نوعًا من سوء التفاهم الذي يمكن تبديده إذا ما تم الضغط على الجنود بشكل ملائم.

وتزايد التحريض لصالح استمرار الحرب إلى أقصى درجة. وأخذت ملايين النسخ من الصحف البرجوازية تطرح مهمات الثورة على ضوء الحرب حتى النصر. ودعم التوفيقيون هذا التحريض في بادئ الأمر بصوت منخفض، ثم ازدادت جرأتهم مع الأيام. أما تأثير البلاشفة الذي كان ضعيفًا في لحظة الانتفاضة، فقد أخذ يتناقص عندما بدا من الواضح أن آلاف العمال الذين ترسلهم القيادة إلى الجبهة عقابًا لهم على إضرابهم يتركون الجيش ويتخلون عن الواجب. ولم يجد الميل إلى السلم تعبيرًا صريحًا وواضحًا،  وخاصة في الأماكن التي كان فيها هذا الميل قويًّا. ووجد القادة والمفوضون الباحثون عن الأوهام المطمئنة أن هذا الوضع يحمل إمكانية الإفادة من حقائق الأشياء. وإننا لنشهد في مقالات هذه الفترة وخطبها كثيرًا من الجمل التي تؤكد بأن الجنود رفضوا العودة إلى الهجوم لأنهم لم يفهموا جيدًا معنى صيغة “بلا إلحاق أو ضم”. وبدأ التوفيقيون يشرحون أن الحرب الدفاعية تشتمل على الهجوم، بل وتتطلب شن هذا الهجوم في كثير من الحالات. وكأن الأمر يتعلق بمثل هذه السكولاستيكية الخرقاء! لقد كان الهجوم يعني عودة الحرب. أما الترقب على الجبهة فهو فترة استراحة. وكانت نظرية الحرب الدفاعية وتطبيقها يتمثلان عند الجنود بتفاهم ضمني مع الألمان، انقلب بعد ذلك إلى تفاهم صريح: “لا تلمسونا، وسوف لن نلمسكم”. ولم يعد الجيش قادرًا على أن يقدم للحرب أكثر مما قدم.

وكان تقبل الجنود للدعايات الحربية يتناقص كلما حاول الضباط الرجعيون استغلال فكرة الإعداد للهجوم في سبيل استعادة السيطرة على قطعاتهم. وانتشرت الجملة التالية بين صفوف الجنود: “الحربة ضد الألمان، وعقب البندقية ضد العدو الداخلي”، ومع هذا فقد كانت الحربة معدة للدفاع فقط. ولم يفكر جنود الخنادق لحظة واحدة في احتلال المضائق التركية. وكانت الرغبة بالسلم تشكل تيارًا قويًّا خفيًّا لم يلبث أن ظهر على السطح.

ولقد اعترف ميليوكوف بأن الجيش كان يحمل بعض الظواهر السلبية قبل الثورة. ولكنه حاول بعد الانتفاضة جاهدًا، التأكيد على أن الجيش كان قادرًا على تنفيذ المهمات التي يكلفه بها الحلفاء. ولقد عبَّر ميليوكوف عن رأيه كمؤرخ عندما كتب: “وكانت الدعاية البلشفية أبعد من أن تتغلغل في الجهة كلها. وبقي الجيش سليمًا بشكل لا يقبل الشك خلال الأسابيع الستة التي تلت الثورة”. وينظر ميليوكوف هنا إلى المسألة كلها من وجهة نظر الدعاية، وكأن التطور التاريخي يتوقف عند مثل هذه الأمور. والحقيقة أن ميليوكوف الذي أخذ يقاتل البلاشفة بصورة متأخرة، ويصفهم بصفات سحرية، لم يكن يقاتل سوى الحقائق القائمة الملموسة. ولقد رأينا كيف كان الجيش بصورته الحقيقية. ولنر الآن كيف قيم القادة قدرته القتالية في الأسابيع الأولى أو الأيام الأولى التي أعقبت الثورة.

في 6 مارس (آذار) أعلم الجنرال روسكي قائد الجبهة الشمالية اللجنة التنفيذية بأن الجنود يرفضون الانصياع لأوامر السلطات رفضًا باتًا، وأن من الضروري قدوم رجال شعبيين إلى الجبهة، بغية إعادة بعض الهدوء إلى صفوف الجيش.

ويقول رئيس هيئة أركان أسطول البحر الأسود في مذكراته: “وبدا لي بوضوح منذ الأيام الأولى للثورة بأننا لم نعد قادرين على متابعة الحرب، وأننا خسرنا الجولة”. وينطبق هذا القول على رأي كولتشاك الذي عبَّر عنه بأسلوبه، وقال بأنه سيبقى في منصب القائد الأعلى للأسطول، بغية حماية الضباط من أعمال العنف الموجهة ضدهم.

وكتب الكونت إيغناتييف، الذي كان يشغل مركزًا مرموقًا في قيادة قطعات الحرس، رسالة إلى نابوكوف قال فيها: “ينبغي أن نفهم من كل هذا أن الحرب قد انتهت، وأننا عاجزون عن متابعتها. وعلى الرجال الأذكياء أن يجدوا وسيلة لإنهاء الحرب بلا ألم، وإلا وقعت كارثة ماحقة”.

وفي تلك الفترة قال غوتشكوف لنابوكوف الذي كان يتلقى العديد من الرسائل المشابهة إن بعض الأفكار النادرة الملائمة ظاهريًّا تفقد قيمتها بسبب التعليمات المُرفَقة بها. وإننا لنجد في تقرير كتبه دانيلوف قائد الجيش الثاني ما يلي: “إن الرغبة بتحقيق النصر موجودة داخل القطعات، كما أنها تزايدت في بعض وحداتنا”، ولكننا نجد بعد ذلك مباشرة هذه الملاحظة: “لقد انهار الانضباط… ومن الأفضل تأجيل العمليات الهجومية (من شهر إلى ثلاثة شهور) حتى تنخفض حدَّة الموقف الحرج”. وفجأة تبرر هذه الفكرة غير المنتظرة: “ولا تصل النجدات الدائمة إلا بنسبة 50٪، فإذا ما استمرت على الذوبان بهذا الشكل، وبدت بهذا المظهر اللا انضباطي، تعذر علينا الاعتماد على نجاح أي هجوم”.

ويقول تقرير قائد فرقة المشاة الواحدة والخمسين ما يلي: “الفرقة مستعدة كل الاستعداد للعمل دفاعيًّا” ثم يضيف بعد ذلك: “ومن الضروري أن يلغي الجيش تأثير مندوبي العمال والجنود” ولكن تطبيق فكرته لم يكن بمثل هذه البساطة.

ورفع قائد الفرقة 182 إلى قائد الفيلق تقريرًا قال فيه: “ويتزايد مع الأيام وبشكل متسارع ظهور سوء التفاهم حول أمور تافهة في حد ذاتها، ولكنها تحمل مع ذلك طابعًا خطيرًا. ويبدو الجنود عصبيون بشكل متزايد، كما يبدو الضباط أكثر عصبية أيضًا”.

إننا لم نذكر حتى الآن سوى شهادات متفرقة متعددة. ولكن ما أن جاء يوم 18 مارس (آذار) حتى عُقد في مقر القيادة العامة مؤتمر خاص خصصته السلطة العليا لمسألة الوضع داخل الجيش. وكانت استنتاجات القيادات المركزية واحدة وهي: “يستحيل علينا في الأشهر التالية إرسال القسط الكافي من النجدات التكميلية إلى الجبهة، نظرًا لانتشار التخمُّر بين القطعات الاحتياطية، ويعيش الجيش حالة مرضِية. ومن المحتمل أن لا نصل إلى تحسين العلاقات بين الضباط والجنود وتوطيدها إلا بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، (ولم يفهم الجنرالات أن الحالة المرضية ستسير نحو التزايد). وينتشر اليأس في الوقت الحاضر بين صفوف الضباط، كما يسري التخمر داخل القطعات، وتستشري حالة الفرار من الخدمة على نطاق واسع. لقد انخفضت قدرة الجيش القتالية، ويصعب الاعتماد على هذه القدرة الآن في سبيل القيام بأية حركة إلى الأمام. استنتاج: “يتعذر الآن تنفيذ العمليات الفعَّالة المحددة لفترة الربيع”.

وتفاقم سوء الحالة بسرعة في الأسابيع التالية. وتكرر ظهور الشهادات المنذرة بلا انقطاع.

وفي نهاية مارس (آذار) كتب قائد الجيش الخامس الجنرال دراغوميروف إلى الجنرال روسكي يقول: “انخفضت الروح القتالية. ولم يفقد الجنود حماسهم للهجوم فحسب، بل إن إمكانات الصمود في الدفاع تضاءلت إلى درجة خطرة تضر بنتيجة الحرب كلها… إن السياسة التي اجتاحت كل صفوف الجيش على أوسع نطاق… قد أقنعت جماهير الجنود بأن عليهم أن يرغبوا شيئًا واحدًا؛ هو إيقاف القتال، والعودة إلى بيوتهم”.

أما الجنرال (لو كومسكي)، وهو أحد دعائم القيادة العليا الرجعية، فقد أبدى تذمره من الوضع الجديد، ونقل في بداية الثورة لاستلام قيادة أحد الفيالق، فوجد أن الانضباط مفقود إلا في وحدات المدفعية والمهندسين التي تضم عددًا كبيرًا من ضباط الكوادر والجنود المتطوعين، “أما فرق المشاة الثلاث، فكانت تسير على سبيل التفتت الشامل. وعادت حالات الفرار إلى الظهور بشكل عنيف بسبب خيبة الأمل، علمًا بأنها كانت قد تضاءلت بعد الثورة، وما أيقظته الثورة من آمال. ويقول تقرير الجنرال الكسييف أن حوالي 8000 جندي هربوا من الجبهتين الشمالية والغربية في الفترة الواقعة بين 1 و7 إبريل (نيسان). وكتب الكسييف إلى غوتشكوف يقول: “إنني أقرأ باستغراب كبير تقارير رجال غير مسئولين يتحدثون عن معنويات الجيش “الرائعة”، وماذا يفيد كل هذا؟ إننا لم نخدع الألمان بعد الآن، أما بالنسبة لنا فهذا تبجح قاتل”.

ومن الجدير بالملاحظة، أن التقارير لم تشر حتى الآن إلى البلاشفة، ولم يكن معظم الضباط قد وعوا بعد معنى هذه التسمية الغريبة. وكانت التقارير كلها تتحدث عن أسباب تفتت الجيش، وتُلقي الوِزر على عاتق الصحف، والمحرضين، والسوفييتات، والسياسة بصورة خاصة، أي باختصار على عاتق ثورة فبراير (شباط).

ومع هذا فقد بقي حتى ذلك الوقت عدد من القادة المتفائلين الذين يأملون بتحسن الأوضاع. وكان العدد الأكبر يغلق عينيه عن رؤية الأمور عامدًا متعمدًا حتى لا يسبب للسلطة الجديدة أية متاعب. بَيْد أن عددًا كبيرًا من ضباط القيادات العليا، كان يتعمد المبالغة بذكر مظاهر التفتت بغية دفع الحكومة إلى اتخاذ تدابير حاسمة لا يستطيع الضباط أخذها على عاتقهم، أو الأمر بها باسمهم. ولكن اللوحة بمجملها كانت واضحة لا تقبل الجدل. لقد وجدت الثورة أمامها جيشًا مريضًا، فغلَّفت مسيرة تحلله المحتوم الذي لا يقاوم بأشكال سياسية، أخذت مع الأسابيع وضوحًا متزايدًا أكيدًا. ولم تكتف الثورة بدفع الرغبة بالسلام إلى أبعد مدى، بل زادت أيضًا عداء جماهير الجنود نحو القيادة والطبقات الحاكمة بصورة عامة.

وفي منتصف إبريل (نيسان)، بعث الكسييف إلى الحكومة بتقرير شخصي حول معنويات الجيش، وكان تقريره مفعمًا بالتفاصيل والحقائق. فكتب نابوكوف عن هذا التقرير ما يلي: “وإنني لأذكر جيدًا كيف اجتاحني عند سماعه شعور بالهلع وخيبة الأمل”، ومن المؤكد أن ميليوكوف حضر قراءة هذا التقرير الخاص بالأسابيع الست الأولى للثورة، ومن المحتمل أن يكون هذا السياسي قد دفع الكسييف لكتابة التقرير بغية تحذير زملائه ولفت أنظار الأصدقاء الاشتراكيين عن طريقهم. ولقد تحدث غوتكشكوف بعد هذا التقرير دون ريب مع ممثلي اللجنة التنفيذية، وتمتم بأسًى “لقد وصلت الأمور إلى حد التآخي الكارثوي مع جنود العدو. وهناك حالات كان فيها رفض الانصياع للأوامر واضحًا. وتخضع الأوامر لنقاش مسبق داخل الاجتماعات وتنظيمات الجيش. ولم يشأ الجنود في هذه القطعة العسكرية أو تلك الاستماع إلى الحديث عن أية عمليات إيجابية.. وعندما يأمل الرجال بقدوم السلام في الغد، يصبح إجبارهم اليوم على التضحية بحياتهم متعذرًا”. ثم استنتج وزير الحربية ما يلي: “لا بُدَّ من إيقاف الحديث بصوت عالٍ عن السلم”. ولكن الثورة علمت الناس أن يتحدثوا بصوت عالٍ عن كل ما كانوا يخفونه من قبل في أعماق نفوسهم، ومنع الناس من الحديث عن السلم بصوتٍ عالٍ يعني ضرورة التخلص من الثورة.

ومن المؤكد أن الجندي كان عازفًا عن القتال والموت منذ أول أيام الحرب. ولكنه كان يكره هذه الحرب كما تكره خيول المدفعية جر المدافع الثقيلة وسط الوحل. وكان الجندي كالحصان يعتقد أنه عاجز عن التخلص من العبء الثقيل الملقَى على عاتقه. ولم يكن بين إرادة الجندي وإحداث الحرب أية علاقة، وجاءت الثورة لتكشف له هذه العلاقة. وكانت الثورة تعني بالنسبة لملايين الجنود حق الحياة بشكل أفضل. وهذا يعني حق الحياة، وحق الحماية من الرصاص والقنابل، وحق حماية الوجه من لكمات الضباط وصفعاتهم. ولقد قلنا من قبل إن التطور النفسي الأساسي داخل الجيش أخذ في هذا المجال شكل استيقاظ الشخصية الفردية. ورأت الطبقات المثقفة أن ظهور الفردية بعنف بركاني، وفوضوية، يعني خيانة الأمة. والحقيقة أن الأمة أخذت تشكل من مواد أولية، قديمة، لا شكل لها، وسط مظاهرات الجنود الفوضوية، واحتجاجاتهم المحمومة، وتطرفهم الدموي أيضًا. وكان تزايد فردية الجماهير الذي تندد به البرجوازية ناجمًا عن طبيعة ثورة فبراير (شباط)، أي عن كونها ثورة برجوازية.

ولكن الثورة كانت تتسم بصفات إضافية أخرى. فقد اشترك بها العامل بالإضافة إلى الفلاح وابنه الجندي. وكان العامل يحس بقيمته الشخصية منذ أمد بعيد. ولم يشترك العامل في الحرب على كُره منه فحسب، بل دخل الحرب وهو مصمم على النضال ضدها. ولم تكن الثورة تعني بالنسبة له انتصارًا فحسب، بل تعني انتصار جزء من أفكاره أيضًا. ولم يكن يرى في قلب الملكية سوى خطوة أولى لا ينبغي الوقوف عندها، بل السير بعدها نحو أهداف أخرى. وكانت المسألة الأساسية التي تشغل باله هي معرفة إلى أي مدى سيدعمه الفلاح والجندي فيما بعد. وكان الجندي يقول “ماذا تفيدني الأرض إذا لم أعد موجودًا؟” ولما رأى العامل أن أبواب المسرح مقفلة في وجهه قال: “وماذا تفيدني الحرية، إذا كانت مفاتيحها في أيدي السادة؟”. وهكذا لمع الإطار الفولاذي لأكتوبر (تشرين الأول) وسط الاضطراب الكبير الذي عاشته ثورة فبراير (شباط).

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. الجيش والحرب جـ 1