البلشفية و الستالينية: الأقطاب المتضادة

0
131
February 4-11, 1945, Yalta, USSR --- Soviet leader Stalin, American President Roosevelt and British Prime Minister Churchill seated together during the Yalta Conference, 1945. Behind them stand their respective foreign ministers; Molotov, Stettinius and Eden. Decisions made at this conference influenced the rebuilding of Europe after WWII. --- Image by © Hulton-Deutsch Collection/CORBIS

بقلم برناردو كيرديرا

نحتفل هذا العام بمرور 100 على ثورة أكتوبر التي عرفت بتحقيقها لأول انتصار ثوري اشتراكي ضد جيوش الثورة المضادة (أنصار التسار والإمبريالية) و بانشائها لأول دولة عمال في التاريخ، ما ساهم في تحفيز حماس الطبقة العاملة وكل شعوب العالم .اثر هذا الانجاز انتشرت الثورات والنضالات العمالية في أوروبا و العالم بأخذ الثورة الروسية كمثال لذلك.

ومع ذلك، بعد قرن من الزمان، صارت لصورة “ثورة أكتوبر” منظور آخر. معظمم الناس لا يعرفونها وكثيرون منهم  يقارنونها بالاتحاد السوفياتي الستاليني، حيث سادت الديكتاتورية و استعادت الرأسمالية مكانتها، غير أنها في الاخير جرفت بعدما انتفض الشعب ضد نظامها الشمولي.

كان النظام الستاليني هو المسؤول عن كل شيء بعد اقتحامه الاتحاد السوفييتي كليا خلال العشرينيات. فقد استولت البيروقراطية الستالينية على جهاز الدولة السوفياتية والحزب الشيوعي السوفييتي والمؤسسة الدولية الثالثة. و من هنا، بدأت بسرقة ميراث لينين والبلشفية وتشويه تعاليم الماركسية. وليس من قبيل الصدفة أن الإمبريالية في جميع أنحاء العالم منذ ذلك الحين بدأت تقوم بحملة هائلة لمحاولة تشبيه الستالينية بالبلشفية. لأن هدفها هو تشويه البلشفية ومقارنتها بالشمولية والإرهاب وامتيازات البيروقراطية.

النضال السياسي والإيديولوجي الذي قام به تروتسكي ضد الستالينية كان كفاحا لاستعادة إرث الماركسية والبلشفية، وتطهيرها جذريا من عار الستالينية.

في الاحتفال بالذكرى المئوية للثورة الروسية، لا يمكننا أن نقتصر فقط على الأيام المجيدة لثورة أكتوبر و انتصارات الجيش الأحمر، فعلينا أن نوضح أيضا أن هذا الانتصار العظيم للثورة العالمية، انقلب رأسا على عقب اليوم، نتيجة الانحطاط  الثوري بسبب الستالينية.

في القرن الحادي والعشرين، ظهرت أجيال جديدة تناضل ضد الإمبريالية والاستغلال الرأسمالي وضد كل أشكال القمع. ومع ذلك، هناك تساؤلات لدى هؤلاء المناضلين الجدد حول “ثورة أكتوبر”: هل البلشفية نظام شمولي مثل الستالينية ؟ هل كان “الإرهاب الأحمر” وحظر الأحزاب الإصلاحية ضروريا ؟

البعض الآخر لا يرى لأية صلة بين البلشفية و الستالينية، ولكن يتساءل عما إذا كانت الأخطاء التي ارتكبها البلاشفة ، قد ساهمت إلى حد ما في صعود الستالينية. و هذه التساؤلات التي تطرح اليوم معقولة، لأن بعد رجوع الرأسمالية الى دول العمال البيروقراطية القديمة وسقوط الأنظمة الستالينية في فترة 1989-1990، صار أصل و طبيعة البيروقراطية الستالينية موضوع  نقاش.

لا شك أنه من المهم جدا الخوض في هذا الموضوع، ما يعني مناقشة كيفية مواجهة حكومة العمال في المستقبل، في سياق الثورة الاشتراكية، أية حالة من الحرب الأهلية والعزلة الدولية. أي على صورة مماثلة لتلك التي قدمت خلال فترة 1917-1923، ألا و هي: ما هي سياسة حزب ثوري في السلطة؟ وتغطي هذه القضية ثلاثة جوانب رئيسية على الأقل:

  • ما إذا كنا نستطيع في الواقع وصف الفترة الأولى من حكم البلاشفة (1917-1923) بأنها فترة سلطوية في الغالب.
  • ما إذا كان الدفاع عن الثورة ودولة العمال، وخاصة في خضم حرب أهلية، يأذن أو يتطلب استخدام التدابير الاستبدادية – التي اتخذها بالفعل البلاشفة – ضد الطبقات الحاكمة ووكلائها.
  • مناقشة ما إذا كانت التدابير التي اتخذها البلاشفة قد مهدت الطريق أمام الستالينية، أي أن البلشفية عن غير قصد، ساهمت في صعود الستالينية.

 

البلشفية في السلطة: نظام ديمقراطية العمال

إن الجانب الأول، بدلا من وصفه بـ “التقييد المتزايد للحريات الديمقراطية”، خلال السنوات الأولى للسوفياتية أعطى بعض الحريات للطبقة العاملة التي كانت حتى ذلك الحين غير معروفة، ليس فقط في النظام السابق بل حتى في “الديمقراطيات” البرجوازية.

حتى في لحظات الحرب الأهلية، مع كل القيود الواضحة التي فرضها هذا النضال المضطرب، كان النظام البلشفي من 1917 إلى 1923 ديمقراطيا للغاية تجاه الطبقة العاملة والقطاعات الشعبية الاخرى. وعلى الرغم من تعرضها لهجوم من جميع الجوانب من قبل الجيش الأبيض وقوات أربعة عشر دولة بقيادة أكبر الدول الإمبريالية، و تخريبها داخليا من قبل الأحزاب الانتهازية (مثل الاشتراكيين الثوريين والمناشفة) على الرغم من كل ذلك، كان الأكثر ديمقراطية للطبقة العاملة وللشعب في التاريخ.

و هذا لأنه أولا كان قائما على دولة العمال: مجالس ممثلي العمال والفلاحين (السوفييت). وثانيا، لأن النظام السوفييتي ضمن حرية واسعة للطبقة العاملة وللشعب، وكفل حق منظمات العمال والنقابات ولجان المصانع وما إلى ذلك. كانت هناك حرية حزبية واسعة للأحزاب السوفياتية، سواء للحكومة (البلاشفة واليساريين الاشتراكيين الثوريين في البداية)، كما للمناشفة اليمينيين والاشتراكيين الثوريين، الى حد تمسكهم بعد ذلك بالثورة المضادة. وقبل كل شيء، لأن النظام أقام أعظم حريات سياسية وثقافية وفنية وعلمية وتجمعية وصحافية. على سبيل المثال، خلال فترة 1917-1923، عارض قادة البلاشفة فكرة لدعم الدولة أي تيار فني معين ضد مزاعم “البروليكولت” و”المستقبليين”. وقد عبر عن هذا لينين وتروتسكي عدة مرات في مقالاتهم وخطبهم. طوّر تروتسكي هذا الموقف في كتابه “الأدب والثورة”، وخاصة في فصول “الثقافة والفن البروليتاري” و “سياسة الحزب في الفن”.

داخل الحزب البلشفي نفسه كانت هناك حرية غير مسبوقة. فعلى سبيل المثال، خلافات جوهرية مثل سلام بريست- ليتوفسكي وتنظيم الجيش الأحمر واستخدام الضباط التساريين ومناقشة نقابات العمال وعسكرة العمل، أعلنت في صحف الحزب، لدرجة بالغة في “الدمقرطة” كان قد انتقدها لينين.

الدفاع عن الثورة

ومع ذلك، واجه هذا النظام تناقضا كبيرا: منذ فترة 1918 إلى 1921، اضطر قادة البلشفية إلى وضع قبل كل شيء الدفاع عن الجمهورية السوفياتية الجديدة. وما كان على المحك هو الحفاظ على دولة العمال من الحرب الأهلية، التي جمعت هجوم الحرس الأبيض مع غزو أربعة عشرة جيشا أجنبيا ضد روسيا. ما تطلب الوضع بالقيام بقمع شديد ضد البرجوازية، الأرستقراطية ووكلائها. تروتسكي وضّح جيدا المهمة العظيمة للطبقة العاملة والحزب الثوري في ذلك الوقت، عندما أكد: “إن مهمة و واجب الطبقة العاملة التي استولت على السلطة بعد صراع طويل هو ضمان استقرارها و ردع أي محاولة انقلاب من طرف الأعداء. و بالتالي، البحث عن إمكانيات لتحقيق الإصلاحات الاشتراكية لأن هذا هو واجب السلطة”.

وأوضح تروتسكي أن استخدام العنف من قبل البروليتاريا الثورية يكون فقط من أجل الدفاع عن السلطة الجديدة: “الثورة لا تعني منطقيا الإرهاب، كما أنها لا تعني في حد ذاتها رفع السلاح . فهذا تصرف همجي. لكن على عكس ذلك، تتطلب الثورة أن تفعل الطبقة الثورية كل ما بوسعها لتحقيق أهدافها: التمرد المسلح، إذا لزم الأمر؛ الإرهاب، إذا لزم الأمر. يجب على الطبقة العاملة، التي وصلت الى السلطة بالسلاح، أن تفشل كل محاولات الحصول عليها عن طريق العنف.

قبل نصف قرن تقريبا، انجلز، تحدث عن السلطة والعنف و الدولة العمالية، موجها كلامه للأناركيين خاصة: “إن مناهضي السلطوية يطالبون بإلغاء الدولة السياسية الاستبدادية على الفور، بدون النظر الى الظروف الاجتماعية التي أنشأتها. و يطالبون بأن يكون إلغاء السلطة هو أول رد فعل الثورة الاجتماعية. ألم ير هؤلاء ثورة من قبل؟ الثورة هي بلا شك، شيء سلطوي. لأن جزء من الشعب يفرض إرادته على الطرف الآخر عن طريق البنادق والمدافع والحرب؛ وهي وسائل استبدادية بالاساس؛ والحزب المنتصر، إذا لم يكن يرغب في أن يكافح عبثا، يجب أن يحافظ على هيمنته عن طريق ترهيب أعدائه بالسلاح. فهل كان ممكنا لكومونة باريس أن تستمر يوما واحدا فقط إذا لم تكن قد استخدمت سلطة الشعب المسلح ضد البرجوازية؟ فلا يمكننا اذا، انتقادها فقط لعدم استخدامها بما يكفي.

لذلك، اما أن مناهضي السلطوية لا يعرفون ما يقولون، وفي هذه الحالة ما يفعلونه ليس سوى زرع الارتباك؛ أو هم يدركون ما يقولون، و بالتالي، فهم يخونون حركة البروليتاريا. و في كلتا الحالتين، هذا يخدم رد الفعل”.

في تلك الحالة من الحرب الأهلية والأزمة الاقتصادية الوحشية، اضطر البلاشفة إلى منع عمل الأحزاب السوفياتية، مثل الاشتراكيين الثوريين والمناشفة. وشارك زعماء كلا الطرفين في الحكومات المعادية للثورة، وأبرز مثال لذلك، مشاركة قيادات SR في حكومة الجنرال الأبيض كولشاك، التي تم تركيبها في Samara. فقد أطلق الاشتراكيون الثوريون اليساريون، في عام 1918، محاولة انقلاب وموجة من الهجمات على البلاشفة، بما في ذلك المحاولة الفاشلة لاغتيال لينين.

وعلى الرغم من هذه المواقف العلنية المضادة للثورة، فإن التدابير التي اتخذها البلاشفة – كحظر الصحافة والأحزاب نفسها – كانت خد محدودة. و مع ذلك، بقيت هذه الاحزاب و الصحف على مواصلة نشاطها حتى أثناء الحرب الأهلية. ودافع زعماء الحزب الشيوعي دوما عن حظرها مبررين ضرورة الدفاع عن الجمهورية السوفياتية. بل أكثر من ذلك، فقد طبقوا نفس المنهج عندما اضطروا إلى منع الانقسامات الداخلية لدى الحزب البلشفي.

البلشفية و الستالينية: الأقطاب المتضادة

هناك سؤال يطرح دائما كخلفية لنقاش الأخطاء المفترضة والتقاليد السلطوية للبلاشفة: هل البلشفية والستالينية وجهان لعملة واحدة؟ هل كانت عملية البيروقراطية الستالينية نتيجة طبيعية أو تطور للبلشفية؟

الخطأ الأساسي في التفكير وراء الأسئلة التي صيغت بهذه الطريقة هو إعطاء العامل الذاتي للحزب البلشفي، دورا متفوقا وحاسما، قادرا على عكس مسار العمليات الموضوعية للتاريخ. وكانت عملية البيروقراطية ظاهرة موضوعية تعتمد بشكل مباشر على تطور الصراع الطبقي. في هذه الحالة، هزيمة الثورة العالمية وما يترتب على ذلك من عزلة الاتحاد السوفيتي أتى كنتيجة التخلف الهائل للبلاد و تدهور أوضاع الشعب بعد الحرب الأهلية. أي، تلك الظواهر المعارضة التي دفعت البلاشفة إلى قيادة البروليتاريا نحو غزو السلطة. وبسبب النضال ضدهم، لم يتمكن البلاشفة من أن يعكسوا مسار الصراع الطبقي.

و قد أوضح تروتسكي تناقض استنتاج الذين كانوا ينظرون إلى الستالينية على أنها استمرارية للبلشفية: إذا كانت حقا الستالينية وريثة للبلشفية، فلماذا إذن قامت بتصفية البلشفية و أبادت الحرس البلشفي القديم بالكامل؟ إن إبادة الجيل البلشفي، كان جزء أساسي في الجيل القديم، هو الذي شارك في الحرب الأهلية و الذي أخذ فعلا على محمل الجد تقاليد البلشفية الاصيلة. و هذا يدل على أن الاختلافات الجوهرية التي تكمن بين البلشفية والستالينية تتسبب في عدمية تواجدهما مع بعضهما البعض.

ويوضح تروتسكي أن “سفك الدماء” الذي يفصل البلشفية عن الستالينية تحديدا بسبب العناصر الموضوعية التي حفزت ظهور وتطور كلتيهما. جاءت البلشفية إلى السلطة في وسط الموجة الثورية التي ظهرت في نهاية الحرب العالمية الأولى. ولا يمكن إلا لهذا الدافع الهائل أن يفسر كيف تمكن الجيش الأحمر، الذي تم تشكيله بين عشية وضحاها، من الانتصار في حرب غير متكافئة على الجيوش البيضاء، المسلحة والمدعومة بقوات الدول الإمبريالية.

من ناحية أخرى، كانت الستالينية نتيجة لانتكاسة وهزيمة الثورة الدولية بين عامي 1919 و 1923، وخاصة بعد هزيمة الثورة الألمانية. وقد تسبب هذا في تخلف روسيا وإبادة جزء كبير من الطبقة العاملة، ولا سيما العناصر الأكثر أهمية لدى الطليعة خلال الحرب الأهلية. وبالتالي، فإن الستالينية هي نتاج وتعبير عن تراجع الثورة، لأنها تعزز نفسها كبيروقراطية، وعامل للموجة المضادة للثورة التي استمرت منذ عام 1923 الى هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية.

إن الطابع الذي لا يمكن التوفيق بين البلشفية والستالينية لا يتجلى فقط في الشراسة القاتلة التي ألقت بها البيروقراطية الستالينية على “الحرس القديم” البلشفي، بل أيضا في المقاومة التي عرضها البلاشفة لعملية البيروقراطية. وكان أول من حارب البيروقراطية هو لينين نفسه، والتي كانت هي آخر معركة له بعد وفاته عام 1924. و كانت المعارضة اليسارية هي من رفع علم الكفاح ضد البيروقراطية، برئاسة تروتسكي، الذي اختصرها في شكل برنامج للتحول النضالي من أجل الثورة السياسية، والتي كانت احد أسس الاممية الرابعة.

ولكن هناك بعض الاسئلة، على سبيل المثال، كحظر الأحزاب و الانقسامات الداخلية للحزب البلشفي. هل كان هذا هو الخطأ الذي مهد الطريق للستالينية؟

في الواقع، هناك سؤال آخر: ماذا كان سيحدث للثورة الروسية والجمهورية السوفياتية إذا لم يكن قد اتخذ البلاشفة تلك الخطوة وسمحوا للمناشفة والاشتراكيين الثوريين بتخريب الدفاع عن الثورة؟

ليس من الصعب أن نستنتج أن نتيجة الحرب الأهلية كانت ستأتي بسحق دولة العمال. و حتى على افتراض فرضية سخيفة بأن دور الطابور الخامس من الاحزاب الخائنة لن يكون له أي تأثير، رغم  ذلك، لم يكن ممكنا ايقاف صعود الستالينية.

هل يجب على البلاشفة التوقف عن اتخاذ مثل هذه التدابير حتى لا “تسهّل” صعود البيروقراطية؟ هذا مجرد نقاش من وجهة نظر ثورية. إذا دُمرت دولة العمال من قبل الجيوش البيضاء والقوات الإمبريالية، أو إذا سمحت للعوامل المضادة للثورة للتلاعب بغضب الشعب الناجم عن الجوع والأزمة الاقتصادية والحرب، سيتم سحق الثورة. ولن يكون النظام السياسي الجديد الناتج عن ذلك ديكتاتورية بيروقراطية، بل ديكتاتورية بورجوازية  أو شبه فاشية.

كانت التدابير التي اتخذها البلاشفة لازمة من أجل الدفاع عن الثورة، في ظروف عزل الدولة السوفياتية وتخلف البلاد. وقد أوضح زعماؤهم أكثر من مرة على أنه لما كان لتلك التدابير أثر في ظروف مختلفة. في الثلاثينات، دافع تروتسكي مرة أخرى عن حاجة حظر الأحزاب السوفياتية في ذلك الوقت، و أشار الى الأسباب الموضوعية ، فضلا عن مخاطرها الكامنة: ” أما بالنسبة لحظر الأحزاب السوفياتية الأخرى، فهذا ليس نتاج نظرية بلشفية، بقدر ما هو مقياس للدفاع عن ديكتاتورية بلد متخلف، مدمر و محاط بالأعداء. ومن الواضح أن البلاشفة فهموا منذ البداية أن هذا الإجراء، الذي استكمل لاحقا بحظر الانقسامات داخل الحزب الحاكم نفسه، أشار إلى خطر كبير. ومع ذلك، فإن الخطر لا يكمن في الايديولوجية أو التكتيكات بل في الضعف المادي للديكتاتورية والصعوبات الداخلية والدولية. لو أن الثورة انتصرت فقط في ألمانيا، لما كانت هناك حاجة لحظر الأحزاب السوفياتية. ولا جدال في أن هيمنة الحزب الواحد كانت بمثابة نقطة انطلاق قانونية للنظام الشمولي الستاليني. و لكن الامر لا يتعلق بالبلشفية أو بحظر الاحزاب الأخرى كسياسة مؤقتة خلال الحرب، بل بهزائم البروليتاريا في أوروبا وآسيا “.

وحول الموضوع نفسه، يشير تروتسكي إلى الفرضيات التي حددها هو ولينين عن البدائل السياسية للأناركيين، والتي تبين موقف البلاشفة في ظروف مختلفة عن تلك التي تفرضها الحرب والتدمير الاقتصادي: “خلال الفترة البطولية للثورة، قاتل البلاشفة جنبا إلى جنب مع الأناركيين الثوريين. العديد منهم انضم الى صفوف الحزب. و قد ناقش لينين ومؤلف هذه الخطوط أكثر من مرة إمكانية منح الأناركيين مناطق معينة، حيث يمكنهم بموافقة السكان المحليين، أن يحققوا تجربة إلغاء الدولة. لكن الحرب الأهلية والحصار والجوع لم يسمحوا بذلك”.

منظور الثورة الاشتراكية العالمية

تجدر الإشارة، قبل كل شيء، إلى أن البلاشفة اتخذوا جميع التدابير للدفاع عن الثورة الروسية مركزين على تطور الصراع الطبقي الدولي، وخاصة الثورة في ألمانيا. أي بانتظار قيام الثورة الدولية بإزالة روسيا من العزلة والسماح بعودة النظام السوفياتي “الطبيعي” غير الاستثنائي. ولم يعتقدوا أبدا أن أي نوع من التنمية “الاشتراكية” في بلد ما سيكون ممكنا.

أكثر من ذلك، فقد كان اعتقادهمم على أنه بدون انتصار سريع للبروليتاريا في البلدان الرأسمالية المتقدمة، لن تنجو الثورة الروسية. وهكذا عرّف لينين دور الطبقة العاملة في السلطة: “…بعدما أن استولت البروليتاريا الروسية على السلطة، كانت تحظى على شتى الفرص للحفاظ عليها و الاسهام في تقدم روسيا من خلال الانتصار الثوري في الغرب”. في مؤتمر السوفيات الثاني، بمناسبة الاستيلاء على السلطة، أعرب تروتسكي نفسه بنفس المعنى: “إذا لم ينتفض الشعب الأوروبي ضد الإمبريالية سوف يتم سحقنا، وهذا أمر محسوم. و إلا يجب على الثورة الروسية أن تتمكن من اشعال فتيل النضال في الغرب، وإلا فإن الرأسماليين في العالم سيخنقون ثورتنا “.

أي أن البلاشفة دافعوا عن السلطة السوفياتية أملا في أن تسمح الثورة الدولية بتحليل المشاكل، بما في ذلك البيروقراطية الناجمة عن العزلة والتخلف والحرب الأهلية. ولم يظنوا أبدا أنه يمكن التغلب على هذا التخلف في حدود الدولة الوطنية.

ولذلك، فإن أخطاء البلاشفة، سواء الملحوظة أو المفترضة، لم تسهل أو تساهم في عملية البيروقراطية. لأنه اعتمد على التطور الموضوعي للصراع الطبقي، على الصعيد الوطني و بالاخص الدولي. والدور الشخصي للحزب، الحاسم في أزمة ثورية لتوجيه الطبقة العاملة نحو الاستيلاء على السلطة، ليصبح عنصرا آخر لهذا الواقع المؤسف، غير قادر على تحديد مسار الأحداث عندما يتسبب تيار الصراع الطبقي في هزائم البروليتاريا و تراجع الحركة الثورية لدى الشعب.

الاستنتاج السابق يقودنا إلى آخر: سواء خلال فترة الثورة أو عند المقاومة الستالينية، أثبتت البلشفية على أن الماركسية هي الحل الحقيقي في عصر الأزمات والحروب والثورات. ولا تزال كلمات تروتسكي صالحة لليوم: ” وجدت الماركسية أسمى تعبيرها في التاريخ في حضن البلشفية. فتحت العلم البلشفي، حققت أول انتصار للبروليتاريا وأنشأت أول دولة للعمال “.

مائة سنة مضت منذ الثورة الروسية. قرن يتميز بالانتصارات والهزائم. واليوم، تواجه طليعة البروليتاريا تحدي لرفع العلم البلشفي والسعي نحو التقدم مرة أخرى، خارج البوابات التي فتحتها ثورة أكتوبر 1917. الثورة الاشتراكية العالمية، اساس البلشفية والمنظمة الدولية الثالثة، لا تزال هي المهمة العظيمة. ولهذا السبب، مازالت البلشفية هي ماركسية عصرنا.