تاريخ الثورة الروسية: البلاشفة ولينين جـ 1

0
86

في 3 إبريل (نيسان) وصل لينين إلى بتروغراد قادمًا من ملجئه في سويسرا. واعتبارًا من هذه اللحظة، بدأ الحزب البلشفي يتحدث بملء صوته. والأهم من ذلك بكثير أن صوته الجديد بدأ يعبر عن حقيقته.

لقد كان شهر الثورة الأول بالنسبة للبلاشفة فترة من الفوضى والتردد. ويقول “البيان” الذي أصدرته اللجنة المركزية للبلاشفة بعد الانتفاضة مباشرة ما يلي: “على عمال المعامل والمصانع، وعلى جنود القطعات العسكرية الثائرة أن يعملوا فورًا على انتخاب مندوبيهم للحكومة المؤقتة”. وطُبع البيان في صحيفة السوفييت الرسمية دون تعليقات أو اعتراضات، وكأن الأمر يتعلق بمسألة أكاديمية. ولكن زعماء البلاشفة أعطوا لشعارهم الكبير قيمة تظاهرية فقط. ولم يتصرفوا كممثلين لحزب بروليتاري يستعد لشن الصراع لاستلام السلطة في الوقت المناسب، بل تصرفوا وكأنهم ممثلو الجناح اليساري للديمقراطية، ذلك الجناح الذي يطرح مبادئه، ولكنه يبدي استعداده للقيام بدور المعارضة الشرعية خلال فترة غير محدودة.

ويؤكد سوخانوف أن مركز المناقشات في جلسة اللجنة التنفيذية المنعقدة في 1 مارس (آذار) كان يدور حول شروط نقل السلطة، ولم يرتفع صوت أمام فكرة تشكيل حكومة برجوازية، مع أن 11 عضوًا من أعضاء اللجنة التنفيذية الـ39 كانوا بلاشفة، أو مؤيدين للبلاشفة، ومن بينهم 3 قادة من اللجنة المركزية البلشفية وهم: زالوتسكي، وشليا بنيكوف، ومولوتوف.

ويقول شليا بنيكوف إن جلسة السوفييت التي انعقدت في اليوم التالي ضمت حوالي 400 مندوب، لم يُصوت منهم ضد انتقال السلطة إلى البرجوازية سوى 19 مندوبًا، علمًا بأن المجموعة البلشفية كانت تضم آنذاك 40 مندوبًا. ومرَّ هذا الانتخاب دون أن يلحظه أحد، وبأسلوب برلماني شكلي، ودون أن يطرح البلاشفة وجهة نظرهم المعاكسة، ودون صراع، ودون أن تثير في الصحافة البلشفية أية ضجة.

وفي 4 مارس (آذار)، أخذ مكتب اللجنة المركزية (البلشفية) قرارًا يقول بأن الحكومة المؤقتة حكومة مضادة للثورة، وأن من الضروري التوجه نحو الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين. ورأت لجنة بتروغراد (البلشفية) أن هذا القرار أكاديمي بحت طالما أنه لم يحدد ما ينبغي القيام به في اليوم نفسه، وهذا ما يجعله يعالج المعضلة من جهة معاكسة. وأعلنت لجنة بتروغراد (البلشفية) ما يلي: أنها “تأخذ بعين الاعتبار القرار الذي أخذه السوفييت حول الحكومة المؤقتة” وتؤكد “بأنها لن تعارض سلطة الحكومة المؤقتة ضمن الحدود التي…”. ولم يكن هذا في الحقيقة سوى موقف المناشفة والاشتراكيين – الثوريين بعد انتقاله إلى الخندق الثاني. وكانت المقررات الانتهازية التي اتخذتها لجنة بتروغراد (البلشفية) لا تعارض موقف اللجنة المركزية (البلشفية) إلا من ناحية الشكل، علمًا بأن هذا الموقف الأكاديمي لا يدل إلا على الإذعان السياسي أمام الأمر الواقع.

ولم يلق موقف الانحناء الضمني أو المتحفظ أمام الحكومة البرجوازية موافقة كاملة داخل الحزب. واصطدام العمال البلاشفة منذ اللحظة الأولى مع الحكومة المؤقتة، وكأنها حصن معادٍ ظهر على طريقهم بصورة مفاجئة. وعقد لجنة فيبورغ اجتماعًا ضم آلاف العمال والجنود الذين أقروا بالإجماع قرارًا يؤكد ضرورة استيلاء السوفييت على السلطة. ويحدثنا دنجيلستيدت الذي شارك في هذا الاجتماع بشكل فعَّال فيقول: “ولم يرفض أي اجتماع عام، أو أي اجتماع عمالي قرارنا بهذا الصدد في كل مرة طرح بها هذا القرار على بساط البحث”. ولم يجرؤ المناشفة والاشتراكيون الثوريون في بداية الأمر على أن يعلنوا أمام العمال والجنود بصراحة كيف يرون الحل الأمثل لمسألة السلطة. وأدَّى تقبل مقررات فيبورغ وشعبيتها وانتشارها إلى طبعها وتعليقها على الجدران. ولكن لجنة بتروغراد (البلشفية) رفضت هذه المقررات بحزم أجبر فيبورغ على الخضوع.

وكان موقف زعماء البلاشفة بالنسبة لمحتوى الثورة الاجتماعي، وآفاق تطور هذه الثورة، مضطربًا غامضًا. ويقول شليا بنيكوف: “لقد كنَّا متفقين مع المناشفة على الفكرة القائلة بأننا نمر في مرحلة تدمير ثوري لعلاقات الإقطاع والقنانة، ليحل محلها كل أنواع “الحريات” التي تميز الأنظمة البرجوازية”. وكتبت (البرافدا) في عددها الأول: “والمهمة الأساسية هي … إقامة نظام جمهوري ديموقراطي”. وأعطت لجنة موسكو (البلشفية) إلى مندوبي العمال تعليمات قالت فيها: “تستهدف البروليتاريا الحصول على الحرية بغية النضال في سبيل الاشتراكية التي تمثل هدفها النهائي”. وتدل الإشارة التقليدية إلى “الهدف النهائي” على أن تحقيق الاشتراكية بحاجة لفترة تاريخية. ولم يتجاوز أحد هذه النقطة؛ إذ كان الخوف من اجتياز الثورة الديمقراطية يفرض سياسة التمهل، والتلاؤم، والتراجع الفعلي أمام التوفيقيين.

وليس من الصعب أن نتصور التأثير السيئ الذي أصاب الحزب في المقاطعات والمناطق من جراء انعدام شخصية المركز. ولنكتف بشهادة أحد زعماء تنظيم ساراتوف: “إن حزبنا الذي شارك في الانتفاضة بشكل فعَّال قد تخلى بكل وضوح عن سلطته بين الجماهير، وترك هذه السلطة لتسقط بين أيدي المناشفة والاشتراكيين – الثوريين. ولم يكن أحد يعرف ما هي شعارات البلاشفة آنذاك … وكانت الصورة سيئة إلى حد بعيد”.

وبذل يسار البلاشفة، والعمال بصورة خاصة، كل جهودهم لتحطيم الحَجْر المفروض عليهم. بَيْد أنهم كانوا عاجزين عن مجابهة الحجج الخاصة بالطبيعة البرجوازية للثورة، والخطر الذي ينجم عن انعزال البروليتاريا؛ لذا كانوا يخضعون لأوامر الزعماء رغم إرادتهم. ومنذ اليوم الأول ظهرت تيارات عديدة متصادمة داخل البلشفية. ولكن هذه التيارات لم تدفع أفكارها إلى النهاية. وكانت البرافدا تعكس حالة الأفكار المضطربة المتقلبة السائدة في الحزب دون أن تربط بينها بوحدة متينة. وتزايد تعقيد الوضع في منتصف مارس (آذار)، عندما عاد كامنييف وستالين من المنفى، ودفعا سياسة الحزب الرسمية دفعة قوية نحو اليمين.

لقد كان كامنييف بلشفيًّا منذ ولادة البلشفية. ولكنه وقف دائمًا في الجانب الأيمن للحزب. وكان إعداده النظري القوي، وحاسته السياسية، وتجربته الكبيرة في نضال الجماعات الثورية الروسية. وذُخره من الملاحظات السياسية التي اكتسبها في الغرب تجعله من أقدر البلاشفة على فهم أفكار لينين العامة، ليعطيها عند التنفيذ العملي تفسيرًا سليمًا إلى أبعد حد ممكن. ولم يكن يتمتع بالقدرة على اتخاذ القرار بحرية تامة، أو إظهار أية مبادهة خلال التنفيذ. وكان كامنييف رجل دعاية ناجح، وخطيبًا، وصحفيًّا غير بارع ولكنه لا يخلو أحيانًا من التفكير، وهذا ما جعله رجلاً ضروريًّا خلال المباحثات مع الأحزاب الأخرى، وقوة لا تقدر في عمليات سبر غور الأوساط الاجتماعية الأخرى، ولكنه كان يعود من عمليات السبر هذه وقد اكتسب قسطًا من عقلية الأحزاب المختلفة. وكانت ملامح كامنييف هذه ظاهرة جلية بشكل كشف هويته السياسية أمام الجميع بلا استثناء تقريبًا. ويذكر سوخانوف أنه لم يلحظ في كامنييف وجود “زوايا حادة”. وينبغي “جره دائمًا خلف المجموع، فإذا ما قاوم في بعض الأحيان، كانت مقاومته محدودة ضعيفة”. ويتحدث ستانكيفيتش بشكل مشابه فيقول: كانت مواقف كامنييف إزاء الخصوم “ضعيفة لدرجة توحي بأنه كان يخجل من المتطلبات التي يفرضها عليه وضعه، ولم يكن في داخل اللجنة خصمًا، ولكنه كان مجرد معارضة”. ولا يسعنا أن نضيف إلى هذا القول شيئًا.

وكان ستالين يمثل شكلاً آخر عن البلاشفة، سواء على صعيد تكوينه الفكري، أو على صعيد عمله داخل الحزب؛ فلقد كان منظمًا أوليًّا قويًّا للنظرية والسياسة. وإذا كانت قدرة كامنييف الدعائية جعلته يعيش في الخارج عدة سنوات مع لينين، نظرًا لوجود بؤرة العمل النظري للحزب آنذاك خارج البلاد، فإن عمل ستالين التنفيذي، وضيق آفاقه السياسية، وصغر اهتماماته السياسية، وجهله باللغات الأجنبية جعله رجلاً لا ينفصل عن الأرض الروسية أبدًا. ولم يكن مثل هؤلاء المناضلين يظهرون في البلاد الأجنبية إلا خلال رحلات قصيرة تستهدف تلقي التعليمات، والتفاهم على المهمات المطلوبة والعودة إلى روسيا. وكان ستالين يتميز داخل مجموعة المنفذين العمليين بفاعليته، وعناده، ومهارته في المناورات الداخلية. وإذا كان كامنييف يحس “بالحرج” إزاء الاستنتاجات العملية للبلشفية، فقد كان ستالين على العكس ميَّالاً إلى التمسك بالاستنتاجات العملية التي هضمها دون أي تلطيف، وخلط فيها التصميم مع الغلظة.

ومهما يكن تعارض شخصيتي كامنييف وستالين كبيرًا، فإن لقاءهما في مطلع الثورة، وأخذهما لموقف مشترك، لم يكن وليد الصدفة أبدًا، بل كان ناجمًا عن تكاملهما المتبادل. إن مفهومًا ثوريًّا بلا إرادة ثورية يشابه ساعة مكسورة النابض، ولقد كانت عقارب  ساعة كامنييف السياسية متأخرة دائمًا عن المعضلات الثورية. ولكن فقدان المفهوم السياسي الواسع يحمل أقوى السياسيين إرادة وتصميمًا يقف موقف التردد أمام الأحداث الكبيرة المعقدة. وكان ستالين التجريبي منفتحًا أمام التأثيرات الخارجية على صعيد الفكر لا على صعيد الإرادة. وهكذا اشترك سياسي دعائي بلا إرادة، مع منظِّم بلا أفق، وقادا البلشفية في مارس (آذار) إلى حدود المنشفية. وفي مثل هذه الظروف كان ستالين أقل قدرة من كامنييف على الجدل والنقاش داخل اللجنة التنفيذية التي دخلها كممثل للحزب. وإننا لا نجد في الصحافة أو في محاضر الجلسات أن ستالين قدَّم أي اقتراح أو تصريح أو احتجاج بغية شرح وجهة نظر بلشفية تعارض موقف “الديمقراطية” الانبطاحية الزاحفة أمام الليبرالية.

ويقول سوخانوف في مذكراته: “وظهر بين البلاشفة في هذه الفترة كامنييف وستالين … وترك ستالين خلال وجوده المحدود في اللجنة التنفيذية انطباعًا -لم يقتصر عليَّ فقط- يشبه الانطباع الذي تتركه بقعة رمادية تقفز أحيانًا، ولكنها تبقى كامدة سهلة الاختفاء. والحقيقة أنه ليس لدي ما أضيفه حول هذا الشخص”. صحيح أن سوخانوف يبخس هنا قيمة ستالين بصورة عامة، ولكنه يحدد بدقة انعدام شخصيته السياسية.

ونحن نعرف أن السوفييت أقر بالإجماع بيان 14 مارس (آذار) “إلى شعوب العالم أجمع” الذي يفسر انتصار ثورة فبراير (شباط) بشكل يؤمن مصالح الحلفاء، ويعني انتصار اشتراكية – وطنية جمهورية جديدة من طراز فرنسي. وكان هذا الإجماع انتصارًا لكامنييف – ستالين. ولكنه انتصار جاء من غير صراع. وذكرت البرافدا حول هذا الموضوع أن هناك “حلاً وسطًا ضمنيًّا بين مختلف الاتجاهات الممثلة في السوفييت”. وكان عليها أن تضيف أن هذا “الحل الوسط” يعني قطيعة مع اتجاه لينين الذي لم يكن ممثلاً في السوفييت.

ولم يلبث عضو تحرير صحيفة الحزب المركزية في الخارج كامنييف، وعضو اللجنة المركزية ستالين، ونائب الدوما مورانوف الذي عاد من سيبيريا، أن اتفقوا على إبعاد أعضاء هيئة تحرير البرافدا القُدامى نظرًا لأنهم “يساريون” أكثر مما ينبغي. واعتمد هؤلاء الزعماء الثلاثة على حقوقهم المعقدة المتشابكة، ووضعوا يدهم على الصحيفة في 15 مارس (آذار). وأعلن المقال: البرنامج الذي قدمته هيئة التحرير الجديدة أن البلاشفة سيدعمون الحكومة المؤقتة بكل تصميم “إذا ما عمدت هذه الحكومة إلى القتال ضد الرجعية والثورة المضادة”. ولم يتحدث الزعماء الجُدد عن الحرب بشكل أكثر حسمًا، وطالما أن الجيش الألماني يطيع إمبراطوره، فإن على الجندي الروسي “أن يبقى صامدًا في موقعه، وأن يرد على كل رصاصة برصاصة، وعلى كل قذيفة بقذيفة”. “إننا لن نرفع شعار فلتسقط الحرب”! وشعارنا هو الضغط على الحكومة المؤقتة لإجبارها على القيام بمحاولات تستهدف دفع كافة البلاد المتحاربة للبدء بالمفاوضات مباشرة … ولكن حتى يتم ذلك، ينبغي على كل فرد أن يبقى في موقعه القتالي”! ويبدو بوضوح أن هذه الأفكار وصيغها لا تخرج عن عقلية الدفاع الوطني. إن برنامج الضغط على الحكومة الإمبريالية بغية “دفعها” إلى استخدام أساليب عمل سلمية، برنامج قديم طرحه كاوتسكي في ألمانيا، وجان لونغيه في فرنسا، وماكدونالد في إنكلترا، ولكنه لم يكن أبدًا برنامج لينين الذي كان ينادي بقلب سلطة الإمبريالية. ثم ذهبت البرافدا إلى مدًى أبعد عندما بدأت الرد على الصحافة الوطنية، وكتبت تقول “لقد ماتت كل انهزامية أو كل ما كانت الصحافة الخاضعة لرقابة القيصرية تطلق عليه هذا الاسم، منذ أن ظهر أول فوج ثوري في شوارع بتروغراد”. إن هذا القول انفصال واضح عن لينين. فليست “الانهزامية” بدعة اختلقتها الصحافة المعادية الخاضعة للرقابة القيصرية. كلا، إن لينين هو أول من عبَّر عنها بقوله: “إن هزيمة روسيا هي أخف ضررًا”، كما أن ظهور أول فوج ثوري، وقلب الملكية نفسها لم يغيرا من طبيعة الحرب الإمبريالية. ويقول شليا بنيكوف: “وكان يوم ظهور أول عدد من أعداد البرافدا بعد التعديلات التي دخلت عليها في 15 مارس (آذار)، يوم فرح بالنسبة لأنصار الدفاع الوطني. وتناقل الناس في كافة أرجاء قصر توريد، من رجال أعمال لجنة دوما الدولة، إلى قلب الديمقراطية الثورية -اللجنة التنفيذية- نبأً هامًا واحدًا هو: “انتصار البلاشفة المعتدلين العاقلين على البلاشفة المتطرفين. واستقبلتنا اللجنة التنفيذية نفسها بابتسامات صفراء مسمومة … وما أن وصل هذا العدد من صحيفة البرافدا إلى المصانع حتى أصيب البلاشفة ومؤيدوهم بدهشة عميقة، وظهرت الفرحة الساخرة على وجوه خصومنا… وكان التذمر والسخط في الأحياء كبيرين. وعندما علم البروليتاريون أن البرافدا سقطت من جديد بين أيدي ثلاثة من زعمائها القدامى بعد عودتهم من سيبريا، طالبوا بطرد هؤلاء القادة من الحزب فورًا”.

واضطرت البرافدا بعد ذلك إلى نشر احتجاج عنيف قدمه مناضلو فيبورغ قالوا فيه: “إن على الصحيفة إذا أرادت أن لا تخسر ثقة الأحياء العمالية، أن ترفع نور الضمير الثوري، وسترفعه حتمًا مهما كان هذا النور حادًا بالنسبة لبوم البرجوازية”. واضطرت هيئة التحرير تحت ضغط احتجاجات القاعدة إلى الاهتمام بانتقاء التعابير، دون تغيير السياسة نفسها. ولم تستطع أول مقالة قادمة من لينين -المنتظر في الخارج- تحريك وعي هيئة التحرير. وكان الاتجاه ينحرف نحو اليمين على طول الخط. ويقول دنجيلستيدت ممثل الجناح اليساري: “كان علينا خلال التحريض أن نعتمد على مبدأ السلطة المزدوجة … وأن نثبت حتمية هذا السبيل الملتوي أمام جماهير العمال والجنود الذين تعلموا خلال هذين الأسبوعين من الحياة السياسية المكثفة حقيقة مهماتهم”.

وضبطت سياسة الحزب في كافة أرجاء البلاد خطواتها على خطوات صحيفة البرافدا. واتخذت عدة سوفييتات سلسلة من المقررات حول المسائل الأساسية، ووافق الأعضاء عليها بالإجماع. وهذا يعني بكل بساطة أن البلاشفة انحنوا أمام الأكثرية السوفييتية. وفي مؤتمر سوفييتات منطقة موسكو، انحاز البلاشفة إلى قرار الاشتراكيين – الوطنيين حول مسألة الحرب. وفي أواخر مارس (آذار) ومطلع إبريل (نيسان) عقد في بتروغراد مؤتمر عموم روسيا لمندوبي 82 سوفييتيًا، فصوت البلاشفة في هذا المؤتمر على القرار الرسمي الخاص بالسلطة، والذي أيده دان. وكان هذا التقارب السياسي الواضح مع المناشفة أساس الميول الوحدوية التي ظهرت على أوسع نطاق. واتحد البلاشفة والمناشفة في المناطق داخل منظمات مشتركة. وانقلبت مجموعة كامنييف – ستالين بصورة متدرجة إلى جناح يساري لما يسمى بالديمقراطية الثورية، ودخلت في جهاز “الضغط” على البرجوازية عن طريق الكواليس النيابية، على حين كانت البرجوازية تضغط على الديمقراطية على طريق الكواليس نفسها.