استعادة الرأسماليّة في روسيا جـ 3

0
111

 

إرنيست مندل قال في أحد أعماله الأخيرة: “الحكومة تريد استعادة الرأسماليّة، ولكنّنا لا نستطيع الخلط بين الرغبة والواقع”.

أطروحة مندل حاولت إظهار التناقض بين الأمنيات (استعادة الرأسماليّة) والواقع (الاستمراريّة المفترضة لدولة العمّال البيروقراطيّة) وهي ذاتها التي يدافع عنها  عدد كبير من النشطاء التروتسكيين.

ومن أجل كلّ ما ذكرناه سابقاً، فإنّنا لانتّفق مع هذا الطرح الذي يدافع عنه مندل، ولكنّنا نتّفق فقط مع  توصيته المنهجيّة: “لا تخلط بين الأمنيات والواقع”. لذا، لا يمكن أن يقتصر هذا النصّ على دراسة خطط استعادة الرأسماليّة، بل ينبغي أن يتناول أيضاً نتائج تطبيق هذه الخطط. لأسباب تعليميّة بحتة، عرضنا هنا بشكل مباشر تقريبا التدابير المتتالية والخطط الاقتصاديّة لاستعادة الرأسماليّة، ولكن من الضرورة القول إن تطبيقها لم يكن مهمّة سهلة للحكومات الجديدة المؤيّدة لاستعادة الرأسماليّة.

خطّة استعادة الرأسماليّة عانت من مسيرات ومسيرات مضادّة، جعلت من الالتزام بالأهداف المطروحة أمراً صعباً.

صعوبة تحقيق الأهداف المتوقّعة، والأزمة السياسيّة الاجتماعيّة المتواصلة، جعلت من عمليّة استعادة الرأسماليّة فوضى، حيث لم يكن هناك أيّ شيء مؤكّد. مؤلّف هذا النصّ نفسه كان لديه هذا التصوّر الخاطئ لفترة طويلة. مثلا في 1994، شدّدنا على أنّ عمليّة استعادة الرأسماليّة وصلت إلى “طريق مسدود”[1]. بقول هذا فإنّنا نعدّ أن الخصخصة كما استعادة الرأسماليّة اعتراهما الخطأ. رغم هذا، كانت استعادة الرأسماليّة قد بلغت مرحلة متقدّمة جدّاً. نظراً لأنّه لم يعد هنالك احتكار التجارة الخارجيّة، ولا الاقتصاد المركزيّ المخطّط. أمّا فيما يتعلّق بالخصخصة، فعلى الرغم من عدم بلوغ أهدافها المأمولة، فإن جزء جيّدا من الاقتصاد بات خارج ملكيّة الدولة. وعلى المستوى القانوني (الذي لا يمكن أن يكون ثانويّاً على الإطلاق) وجدت سلسلة من الترتيبات لإنهاء سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج.

كما قلنا سابقا، وجدت صعوبات للتقدّم في عمليّة الخصخصة. ومع ذلك، كان من المبالغة تماما، حتّى في العام 1994، القول بأن الخصخصة قد وصلت إلى طريق مسدود، أو أيّ شيء من هذا القبيل. الأرقام لا تبيّن هذا ولا هذا ما بيّنته في ذلك الوقت.

على أيّة حال، إذا كنّا نحاول تحديد إلى أيّة درجة تمّ المضي باستعادة الرأسماليّة، وبشكل أكثر دقّة: تحديد ما إذا كانت الرأسماليّة قد تمّت استعادتها، من الضرورة إجراء دراسة ليس فقط حول عمليّة الخصخصة، بل حول عدّة جوانب تكون الخصخصة مجرّد جزء منها.

الإجراءات والأرقام المتعلّقة بالخصخصة

العواصم العالميّة الكبرى، وحتّى تلك الوطنيّة، لم تبد كثيراً من الاهتمام بشراء عدد مهمّ من شركات الدولة، هذه حقيقة. تمّ استخدام هذا من قبل أولئك الذين كانوا يعتقدون أنّها مازالت دولة عمّال، كأحد الأدلّة على أنّه لم تتمّ استعادة الرأسماليّة في روسيا. مع ذلك، فإن هذا المنطق خاطئ تماماً، كونه لا يأخذ بعين الاعتبار أن هنالك عدّة طرق للخصخصة.

في معظم البلدان الرأسماليّة تمّ بيع الشركات التي تمّت خصخصتها بعد أن كانت مملوكة للدولة لمستثمرين وطنيّين أو أجانب، ومع ذلك كان هذا الإجراء غير مألوف في روسيا ولا في أوروبا الشرقيّة.

التعليق الذي ورد في التقرير الأخير للبنك الدولي (1996) حول هذا مثير للاهتمام. المبيعات لأناس غرباء عن الشركات توافقت مع معيار كبير للآمال المتعلّقة بتحسين أدائها. ومع هذا انتهى المطاف بكونها وسيلة مكلفة وبطيئة، وكان تنفيذها أكثر صعوبة من المتوقّع. فقط هنغاريا واستونيا خصخصت نسبة كبيرة من الشركات عبر البيع المباشر، ولم يقترب أيّ بلد آخر من هذه النتائج.

في الحقيقة كان هنالك عدد قليل من المستثمرين المحتملين الذين دشّنوا أوّل مراحل الخصخصة. منذ تموز 1992 إلى نهاية العام 1994، لتوزيع 148 سند على السكّان، حيث بلغت القيمة الإسميّة لكلّ منها 10000 روبيل. شيئان كان بإمكان الناس عملهما بهذه السندات: بيعها، أو استخدامها كجزء من رساميل الشركات خلال عمليّة الخصخصة. وكان الأمر الأخير هو ما فعله الناس. الإجراء السابق تمّ بالتوازي مع إجراء آخر له أهميّة كبرى: العمّال ومدراء الشركات كان لهم الأولويّة في شراء أسهمها. وفي إحدى الحالات المختلفة التي تمّ تطبيقها حصل العمّال على 25% من رأسمال الشركة مجّاناً. بالإضافة إلى ذلك كان بإمكانهم شراء 10% من الأسهم بخصم بنسبة 30%، في حين أن التوجيهات حقّقت إمكانيّة الحصول على 5% من إجمالي رأس المال.

النوع الآخر من الخصخصة، والذي كان ناجحاً للغاية، منح الشركات إمكانيّة بيع 51% من أسهمها للعمّال بسعر يفوق بـ 1.7 ضعف القيمة الإسميّة لكانون الثاني 1992. كان هذا في الواقع سعراً منخفضاً للغاية نظراً إلى التضخّم المرتفع الذي كان سائداً خلال تلك المرحلة. من جانب آخر كان بإمكانهم تسديد نصف الثمن عبر السندات. أمّا الـ 49% من الأسهم المتبقّية فكان يتمّ بيعها في مزاد علنيّ، وكان بإمكان أولئك المهتمّين الدفع بالروبيل أو بالسندات.

وفيما يتعلّق بآليات البيروقراطيّة الروسيّة المستخدمة في الخصخصة، أدلى أندرس أسلوند (1995) بالتعليق التالي: الاقتراح المتمثّل بمنح الجزء الجوهري من الأصول العقاريّة لعمّال المؤسّسات التي ستتمّ خصخصتها لم تستند إلى أيديولوجيا أو مفهوم العدالة، بل على الرغبة في تسريع الخصخصة. العمّال (وأحيانا حتّى المدراء) تحوّلوا سريعاً إلى مدافعين نشطاء عن الخصخصة. تشوبايس شرح هذا القرار بالعبارة التالية: لن أقبل بهذا، من الصعب أن تدعم المجموعات العمّاليّة الخصخصة. ومع هذا فقد أبدوا الآن فجأة اهتماماً بالقانون وبدأوا بالتسوية مع الإدارة. هذه المناورة خطّط لها حرفيّاً. سينال العمّال حصّتهم فقط بعد أن تصبح المؤسّسات مجتمعاً مجهولاً. لذا سيضغطون من أجل الخصخصة، فالأصول المتعلّقة بالعمل ستكون ملكيّة فرديّة، للقضاء على خطر الملكيّة الجمعيّة.

بهذه السياسة الماكرة للبيروقراطيّة الحاكمة، نمت عمليّة الخصخصة، وتعزّزت استعادة الرأسماليّة.

الأرقام المتّصلة بنتائج هذه العمليّة لا تترك مجالاً للشكّ. في آذار 1992، تمّت خصخصة 1352 شركة. ونمى هذا الرقم تدريجيّاً حتّى قانون الأوّل في ذات السنة، عندما تمّت خصخصة 11865. مجموع الشركات التي تمّت خصخصتها في العام 1992 كان 46815، وبلغ الرقم 106000 في آب 1994، ما يعني تقريباً 50% من الشركات المتواجدة في روسيا[2].

عندما نعرض هذه الأرقام، فإن أولئك الذين يشكّكون في قولنا بأن الرأسماليّة تمّت استعادتها في روسيا، يوجّهون لنا، كالآخرين، نقداً مركزيّاً: أن أرقامنا تخفي حقيقة أن الشركات التي تمّت خصخصتها هي في أغلبها شركات صغيرة، بينما مازالت الشركات الكبرى مملوكة للدولة.

من الضرورة التأكيد على ثلاثة تساؤلات بهذا الصدد: أوّلاً، معظم الشركات التي تمّت خصخصتها كانت صغيرة، ولكن من الخطأ التقليل من شأن هذه الحقيقة. في 1994، 73% من الشركات الصغيرة تمّت خصخصتها. وكان لهذا أهميّة كبرى للتقدّم نحو استعادة الرأسماليّة، لأن هذه المرحلة الأولى كانت بمثابة بالون اختبار للمضي قدما نحو الشركات الكبرى.

ثانيا، ينبغي أن ننوّه بأنّه رغم بقاء نسبة هامّة من الشركات الكبرى ضمن ملكيّة الدولة، فليس صحيحاً أنه لم يكن هناك تقدّماً هامّاً في عمليّة الخصخصة بهذا القطاع.

في 1992، 20000 شركة كبرى وصغيرة تمّ اختيارها للخصخصة. وبحلول نيسان 80% منها عانت تغيّراً عميقاً من الناحية القانونيّة، فقد تحوّلت إلى شركات عامّة. وكجزء من هذه السياسة تمّت خصخصة 5600 شركة في تلك السنة مع أكثر من 1000 عامل. وفي تمّوز 1994، تمّت خصخصة 1200 شركة كبرى وصغيرة.

من بين هذه الشركات الكبرى، تستحقّ “الغاسبرون” اهتماماً خاصّاً، فهذه الشركة التي خلفت الوزارة السوفياتيّة لصناعة الغاز، هي أكبر شركة في روسيا وإحدى أكبر الشركات في العالم. كان تأثيرها كما قيل وكأنّها “دولة داخل دولة”. واليوم تملك الحكومة فقط 40% من أسهمها.

ثالثاً، ليس من الصواب أن نبالغ بأهميّة الشركات الكبرى. الأهميّة التي تكمن في مجمل الإنتاج في البلاد هي ما يهمّ. وبأخذ هذا المعيار بعين الاعتبار، يمكننا ملاحظة أن الشركات الكبرى المملوكة للدولة بات دورها -تدريجيّاً- ثانويّاً في الاقتصاد الروسي. تأمّل هذه الأرقام: في نهاية 1994، القطاع الاقتصادي غير التابع للدولة بات لديه ما بين 52 و60% من الناتج المحلّي الإجمالي. والإحصاءات الأخيرة تبيّن أن القطاع غير التابع للدولة يتولّى 84.6% من الإنتاج الصناعي، و85% من التجارة. هذه الأرقام كان لها تأثيرها لدرجة أن إحدى الصحف البرجوازيّة الأسبوعيّة الأكثر تأثيراً “الإصلاحات الروسيّة كانت أعمق بكثير ممّا توقّعه معظم الناس في البداية.. القطاع الخاصّ يحتلّ في الاقتصادي الروسي جزء أكبر منه في الإيطالي”. (الإيكونوميست).

النظام البنكي

بمتابعة العمليّة التي شهدها النظام البنكي، فإن فرضيّة دولة العمّال في روسيا تبدو غير مقنعة.

بحلول 1987، بدأ الإصلاح البنكي، هذه المرّة الغوسبانك، بنك الدولة في الاتّحاد السوفياتي السابق، تغيّر اسمه إلى البنك المركزي للاتّحاد السوفياتي، وبدأ بتقديم خدماته المتعلّقة بتنفيذ المعايير الاقتصاديّة الجديدة لمرحلة غورباتشوف.

في 1988، شرّع القانون تأسيس تعاونيّات بنكيّة للالتحاق بالقطاع الخاص حديث النشأة.

في 1990 أتاح قانون بنكيّ جديد افتتاح شركات بنكيّة بشراكة محدودة عبر الأسهم، بقيود محدودة للغاية على أولئك الذين يرغبون بافتتاح مثل هذه الأعمال.

هذه الحقائق مجتمعة تسبّبت بانفجار أعداد البنوك الروسيّة: 5 في 1989، و1500 في 1992، و2500 في 1995. وعلينا أن نضيف لهذه الأرقام ظهور 1000 شركة تأمين خلال تلك السنوات ذاتها. استعار التضخّم كان أحد المصادر الهامّة للأرباح هذه البنوك الجديدة.

من جهة أخرى، فإن خطّة الخصخصة من خلال الكوبونات وفرّت لها فرصة أخرى لأعمال كبرى. كثير من البنوك استثمرت مباشرة في شراء الشركات أو إقراض الأموال لمستثمرين آخرين.

هذه البنوك الخاصّة اكتسبت مساحة بالمقارنة مع تلك المملوكة من قبل الدولة. الأرقام لا تدع مجالاً للشكّ.  وفقاً للبنك الدولي (في 1996) فإن مشاركة البنوك الجديدة في مجموع أصول النظام المصرفي قد ازدادت بسرعة، وبلغت أكثر من الثلثين في أوائل عام 1996. وما تبقّى كان لبنوك الدولة الثلاث التي كانت لاتزال تعمل. ولم تلبث بعض البنوك الجديدة في أن تصبح البنوك التجاريّة الأساسيّة في البلاد، بأرصدة تتراوح ما بين المليار والثلاثة مليارات دولار. وبسرعة، فتحت البنوك الحديثة خطوطاً جديدة لتجديد الخدمات والمنتجات الماليّة. والعديد منها حاليّاً في مركز التكتّلات الماليّة والصناعيّة.

من الواضح أنّه لم تكن لكلّ البنوك ظروفاً ماليّة جيّدة، الكثير منها شهد أزمات وكان استمراره صعباً. كان من السهل تأسيسها، ولكن الإبقاء عليها فاعلة في تحقيق الأرباح لم يكن كذلك. النزاع في السوق بين البنوك المختلفة هو “حتّى الموت”. هذه الكلمة في الحالة الروسيّة ليست مجرّد استعارة. من جهة أخرى فإن الكيفيّة التي أديرت بها أزمة هذه البنوك دليل على أنّنا نواجه دولة رأسماليّة. وبهذا الصدد، يشير تقرير البنك الدولي (1996)/ الذي سبق ذكره، إلى أن ثلث المصارف الروسيّة أعلنت العجز في 1995، تقريباً فور أن أصبحت الفوائد إيجابيّة.

ورغم أن روسيا شرعت في معالجة مشكلة البنوك المفلسة بالهيمنة على بطاقاتها وتقييد عمليّاتها، إلاّ أن العديد من البنوك كانت لاتزال في وضع صعب. وكان على السلطات حلّ مشكلة هذه البنوك دون تأخير، والتي كانت عادة ما تجري تسوية لإعادة بناء الثقة، وتجنّب أزمة أعمق، وإتاحة تدفّق الموارد إلى مصارف أفضل.

لمواجهة هذه المشكلة، قامت الحكومة الروسيّة بمساعدة البنك الدولي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، بتقديم مشروع دوليّ للأنماط المصرفيّة. بعض أفضل البنوك تمّ اختيارها لتحصل على تمويل من البنك الدولي والبنك الأوروبي، موجّه إلى القطاع الخاص. ومن جانبها، كان على البنوك أن تقدّم تدقيقاً سنويّاً تتولّى إعداده شركات دوليّة، وأن تتقيّد -إلى جانب أمور أخرى- بالمبادئ الحصيفة لكفاءة رأس المال، وتنويع المحفظة، وإدارة الأصول والديون. ووفقاً للتقديرات كان على ما بين 20- 40 بنكاً أن يشارك في هذا الإصلاح المصرفي، وعلى هذه القاعدة.

خصخصة الأراضي

عمليّة الخصخصة حقّقت تقدّماً أقلّ في قطاع الأراضي مّما حقّقته في قطاعيّ الصناعة والتجارة. وتبيّن الإحصاءات أنّه في نهاية 1994، تمّت خصخصة 7% فقط من الأراضي الزراعيّة. في هذه الحالة كان هنالك تناقضاً بين خطط الخصخصة والنتائج المحقّقة.

على الأقلّ منذ 1990 كانت هنالك سياسة لخصخصة الريف، حيث تمّ التعبير هن ذلك خلال تصويت في البرلمان، ما أسّس للملكيّة الخاصّة للأراضي. رغم ذلك، فإنّ تطبيق هذه السياسة أدّى إلى مقاومة من البيروقراطيّة الزراعيّة، والتي كانت تتولّى أمر 25000 كولخوز وسوفخوز. هذه المقاومة، وفقاً لبعض الدراسات، كانت بسبب القطاع البيروقراطي، الإجراءات التي أدّت إلى خصخصة الأراضي لم تقترن على الإطلاق بأيّة آليّة قانونيّة.

هذه التناقضات بين الحكومة والبيروقراطيّة الزراعيّة تسبّبت بسلسلة من الأزمات الاقتصاديّة. مثلا، في نيسان 1992، صوّتت أغلبيّة كبيرة من مجلس الشعب ضدّ الملكيّة الخاصّة للأرض. مثال آخر على هذه الأزمة كان حقيقة أن يلتسين عيّن روتسكوي، نائب الرئيس، لتولّي الإصلاح الزراعي، وانتهى به المطاف إلى الدفاع عن موقف بيروقراطيّة هذا القطاع.

على أيّة حال، فإن عمليّة خصخصة الريف تقدّمت أيضاً، وإن كان ببطء.

يبدو أن سياسة الحكومة كانت تركّز على إجراء التغييرات تدريجيّاً. البدايات كانت عبر النظام القانوني، في الكولخوزات والسوفخوزات. ومع نهاية العام 1991، تمّ التصويت على مرسوم ينصّ على إعادة تنظيمها، وقد أدّى هذا إلى تحويل أغلبيّة ساحقة من الكولخوزات والسوفخوزات إلى شركات. وبالتوازي مع هذا تمّ قطع الرابط المباشر بين هذه الأشكال من الملكيّة ووزارة الزراعة.

كانت الحكومة تريد أن تتقدّم بسرعة أكبر، وقد حاولت في محطّات عدّة تمرير قانون يؤسّس للملكيّة الخاصّة للأرض. رغم هذا، رفض مجلس السوفيات الأعلى هذا القانون في أكثر من محطّة. فقط في نهاية 1993، استطاع يلتسين أن يفرض مرسوماً حول تنظيم العلاقات المتعلّقة بالأراضي، وتطوير الإصلاح الزراعي في روسيا. وقد أسّس هذا للملكيّة الخاصّة الراهنة للأراضي. هذا المرسوم مهّد الطريق لتفكيك الكولخوزات.

الجانب الآخر للسياسة الزراعيّة الحكوميّة تمثّل بالاستمرار في منح الحوافز للملكيّات العائليّة. هذه الملكيّات امتلكت 42 هكتاراً بالمتوسّط، وكانت قد بلغت مستوى معيّن من التطوّر. في 1990 كان هنالك فقط 4432 ملكيّة من هذا النوع في كافّة أنحاء روسيا، لكنّ هذا الرقم ازداد إلى 279000 في العام 1994[3].

الخطوة الثالثة باتّجاه خصخصة الأراضي تمثّلت بمنح قطع الأراضي الخاصّة. رقم كبير من العائلات الروسيّة امتلكت قطع أراض خاصّة تسلّمتها من الحكومة، وبحكم العادة مثّلت هذه الأراضي 2% من الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد، ولكنّهم كانوا مسؤولين عن جزء هام من الإنتاج الزراعي (24% في 1990)، وقد تمّ الترويج أكثر لهذا النمط من الاستغلال الزراعي. ما بين 1991- 1993 وصلت منصقة القطع الخاصّة من 2% إلى 5% من الأراضي الصالحة للزراعة.

بالمجمل، هنالك حاليّاً نحو 50 مليون من هذه القطع. معنى هذا أن واحدا من كلّ ثلاثة روس (أكثر من واحد من كلّ عائلة) يمتلك إحدى هذه القطع، وهم مسؤولون عن 36% من الإنتاج الزراعي. من ناحية أخرى، تمّ إنشاء أحكام قانونيّة جديدة، والتي منحت هذه القطع لشخصيّات فرديّة واضحة. وكان هذا الشكل للملكيّة متكاملاً بعمق مع الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للبلاد.

الإسكان

هجمة الخصخصة لم تنل من وسائل الإنتاج فحسب، بل إن حياة البلاد الاقتصاديّة بأسرها باتت خاضعة لقوانين اقتصاد السوق، ما أثّر على الإسكان.

بحلول كانون الأوّل عام 1988، تمّ اعتماد مرسوم حول بيع المنازل، لكن لم يكن تأثيره كبيراً في ذلك الوقت. وبدأ بيع بعض عقارات الدولة، بيد أنّه في تموز 1991، اتّخذت تدابير تنطوي على عواقب أكثر خطورة، عبر سنّ قانون الخصخصة المتعلّق بالإسكان في روسيا.

أتاح هذا القانون للناس الراغبين بشراء الشقق التي تملكها الدولة، والتي يعيشون بها، بثمن رمزيّ. ما يعني ضمناً امتلاكهم لكلّ حقوق الملكيّة، بما فيها الحقّ بالبيع أو التأجير أو التوريث عبر وصيّة.

في البداية كانت تعتري الناس شكوك حول إمكانيّة حصولهم على سندات الملكيّة للشقق. لم يكن من السهل استيعاب فائدة امتلاك شقّة في حين أن ثمن الإيجار رمزيّاً. لذا، فإن أغلب من خصخصوا شققهم في البداية كانوا من كبار السنّ الراغبين بضمان التوريث، أو من المهاجرين الراغبين ببيع هذه الممتلكات.

ومع هذا، فإن تقدّم عمليّة استعادة الرأسماليّة جعل عدداً كبيراً من الناس يشعرون بعدم الأمان، واختيار القيام بشراء الشقق التي يعيشون بها، وهكذا اكتملت حلقات خصخصة الإسكان.

في 1989، تمّت خصخصة 10000 شقّة، وفي 1992 قفز الرقم إلى 2800000، وبنهاية العام 1994 وصل عدد الشقق التي تمّت خصخصتها إلى 10975000 شقّة[4].

مسألة الأسعار

الحجّة الكبرى التي يستخدمها أولئك الذين يظنّون أن روسيا كانت لاتزال دولة عمّال، أو على الأقلّ أن اقتصادها ليس رأسماليّاً، مرتبطة بالأسعار. وفقاً لهؤلاء المحلّلين فإن الأسعار في روسيا لم تكن مرتبطة بالسوق العالمي (فهي منخفضة للغاية)، وبالتالي فإن هذا دليل على أن الاقتصاد ليس رأسماليّاً.

أولئك الذين فكّروا على هذا النحو ارتكبوا خطأ كبيراً عبر توقّف تحليلاتهم في العام 1991. حتّى ذلك العام كانت الأسعار الداخليّة مختلفة تماماً عن السوق العالمي، ولكن هذا الواقع تغيّر جذريّاً. في الثاني من كانون الثاني عام 1992، تمّ تحرير معظم الأسعار، مجرّد سلع أساسيّة قليلة بقيت تحت السيطرة، كالوقود، والخبز، والحليب. وهكذا، بحلول 1995، تمّ تحرير 80% من الأسعار. وتلك التي كانت لاتزال تحت سيطرة الدولة (غير المجمّدة) كانت تتعلّق بالطاقة والاتّصالات بشكل عام. أمّا فيما يتعلّق بالغذاء فإن 30% من الأسعار فقط بقيت تحت سيطرة الدولة.

وقد أدّى تحرير الأسعار إلى استعارها في وقت قليل، لدرجة أن روسيا باتت اليوم إحدى أغلى الدول على الكوكب (موسكو هي تاسع أغلى مدينة في العالم). على وجه التحديد، فإن أحد المظاهر الأساسيّة للدراما الاجتماعيّة التي تعيشها الجماهير الروسيّة اليوم، تعود لهذا الارتفاع الهائل للأسعار، الذي لم توازيه زيادة نسبيّة في الأجور الإسميّة. مثلا، إليك هذه البيانات: في 1992، ارتفعت أسعار تجارة الجملة بنسبة 2525.2% مقارنة بالعام الذي سبقه، وفي 1993 بلغ الارتفاع ما نسبته 979%. وبذات الفترة، ارتفعت معدّلات الأجور بنسبة 1987%، و771 على التوالي. ما يعني أنّه ما بين 1992 و1993 تسبّب تحرير الأسعار بفقدان 50% من القوّة الشرائيّة للأجور. (السوند 1995).

في الحقيقة فإن روسيا، كما هو حال كافّة دول العمّال السابقة، فإنّه ينبغي أخذ الأجر الاجتماعي، إلى جانب الأجر الإسمي، بعين الاعتبار، لأن أهميّته حاسمة في تلك الدول. وسوف نشير لهذا الجانب بالتفصيل لاحقاً. على أيّة حال، من الضرورة أن نوضّح هنا أنّه باستعادة الرأسماليّة كانت خسارة الأجر الاجتماعي كبيراً للغاية، بما يفوق بوضوح خسارة الأجور الإسميّة.

 

 

 

[1] هذا المفهوم اعتمد في وثائق (الميل لإعادة بناء الدولية الرابعة)، وهو تجمّع داخليّ للرابطة الأمميّة للعمّال، تشكّل في المؤتمر الأمميّ الخامس. وكان مؤلف هذا الكتاب جزءا من هذا التيار

[2] فوينت: ألسند، أندروز، كيف تحولت روسيا الى اقتصاد السوق، مؤسّسة البروكينز، واشنطن، ص 250
عدد الشركات المخصخصة

1992     آذار      نيسان      أيار      حزيران     تموز      آب      أيلول      تشرين الأول      تشرين الثاني      كانون الأول
—————————————————————————————————-
في الشهر  1,352  1,643  2,860   3,078  3,082   5,215   5,342    6,663       5,697         11,865
—————————————————————————————————-
التراكم    1,352   2,995   5,855  8,933  12,015  17,320  22,572   22,235    34,932   46,815
=======================================================

1993   كانون الثاني        شباط        آذار        نيسان        أيار        حزيران
———————————————————————–
في الشهر   7,428        3,746     1,506    6,505    2,000    4,000
———————————————————————–
التراكم    54,243      57,989   59,495   66,000   68,000   72,000

1993       تموز             آب        أيلول       تشرين1      تشرين2       كانون الأول
————————————————————————
في الشهر         6,000      3,000     1,000     1,000      3,000        3,000
————————————————————————
التراكم          78,000    81,000    82,000   83,000    86,000      89.000
========================================

1994         كانون الثاني       شباط       آذار         نيسان         أيار           حزيران       تموز                آب
————————————————————————————————
في الشهر          2,000     2,000    2,000      3,000     1,000      3,000     2,000           2,000
————————————————————————————————
التراكم           91,000   93,000   95,000   98,000   99,000   102,000    104,000       106,000
—————————————————————————————————

[3] السوند اندريس، كيف تحولت روسيا الى اقتصاد السوق، مؤسسة بروكينغز، واشنطن، ص 262

التوسع في المزارع الخاصة

السنة               العقارات الجديدة المخصخصة            المجموع
——————————————————–
1990                       4,430                     4,430
1991                      44,581                    49,011
1992                      133,774                182,787
1993                      87,213                  270,000
1994                        9,000                  279,000
================================
================================

[4] السون اندريس، كيف تحوّلت روسيا إلى اقتصاد السوق، مؤسّسة البروكينغز، واشنطن، ص 262

خصخصة الإسكان

السنة / الشهر                  الخصخصة                            المجموع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1989                        10,000                          10,000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1990                       43,000                          53,000
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1991                      122,000                        175,000
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1992                      2,613,000                      2,788,000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1993

كانون 2                     555,000                        3,343,000
شباط                         630,000                        3,973,000
آذار                          729,000                        4,702,000
نيسان                        640,000                         5,342,000
أيار                          519,000                          5,861,000
حزيران                       490,000                         6,351,000
تموز                         408,000                         6,759,000
آب                           357,000                         7,116,000
أيلول                         356,000                         7,472,000
تشرين 1                     308,000                         7,780,000
تشرين 2                     319,000                         8,099,000
كانون 1                      493,000                         8,592,000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1994

كانون 2                         307,000                         8,899,000
شباط                            339,000                          9,238,000
آذار                             184,000                          9,422,000
نيسان                           200,000                           9,622,000
أيار                             201,000                           9,823,000
حزيران                          190,000                           10,013,000
تموز                             151,000                          10,164,000
آب                               135,000                          10,299,000
أيلول                            152,000                          10,451,000
تشرين 1                         140,000                          10,591,000
تشرين 2                         143,000                          10,734,000
كانون 1                         241,000                           10,975,000

يمكن مراجعة الجزء الثاني من خلال الرابط التالي:

من الثورة الإشتراكية إلى استعادة الرأسمالية في روسيا والصين وكوبا جـ 2