تاريخ الثورة الروسية: البلاشفة ولينين جـ 2

0
129

وكان أعضاء اللجنة المركزية المقيمين في الخارج، وأفراد هيئة تحرير الصحيفة المركزية الاشتراكي – الديموقراطي يشكلان مركز الحزب الفكري. وكان لينين يقوم بالعمل القيادي كله ولا يساعده في ذلك سوى زينوفييف. وكانت مهمات أمانة السر ملقاة بكل مسئولياتها الثقيلة على عاتق زوجة لينين كروبسكايا. واعتمدت هذه المجموعة المركزية الصغيرة خلال التنفيذ العملي على مساعدة بضع عشرات من البلاشفة المهاجرين. وغدا البعد عن روسيا خلال الحرب أمرًا لا يُحتمل، وزاد من صعوبته قيام شرطة دول الحلفاء بزيادة الضغوط ووضع العراقيل أمام العمل. وجاء انفجار الثورة التي طال انتظارها كأمر غير متوقع. ورفضت إنكلترا السماح للمهاجرين الأمميين -الذين كانت تراقب حالاتهم وتسجل أسماءهم يوميًّا- بالمرور إلى روسيا. واضطرب لينين وثارت أعصابه من البحث بلا جدوى عن مخرج من قفص زوريخ. وكان من بين المشروعات التي فكَّر بها العبور بواسطة جواز سفر شخص إسكاندينافي أصم وأبكم.

وفي الوقت نفسه، عمل لينين كل ما في وسعه ليُسمع صوته من سويسرا. وفي 6 مارس (آذار) أبرق إلى بتروغراد عن طريق ستوكهولم: “تكتيكنا: الحذر الدائم، وعدم تقديم أي دعم للحكومة الجديدة، إن شكوكي تنصب على كرنسكي بصورة خاصة، تسليح البروليتاريا هو الضمانة الوحيدة، انتخابات مباشرة لدوما بتروغراد، عدم التقارب مع الأحزاب الأخرى”. وإذا دققنا هذه التعليمات الأولى، وجدنا أن الدعوة إلى انتخابات الدوما لا إلى انتخابات السوفييت هي النقطة الوحيدة القابلة للنقاش، والتي لم تلبث أن استبعدت. وترسم النقاط الأخرى المكتوبة بصيغة برقية حاسمة، الاتجاه العامة للسياسة. وبالإضافة إلى ذلك، بدأ لينين يرسل إلى البرافدا مقالاته (رسائل من بعيد) المبنية على بعض المعلومات المستقاة من مصادر أجنبية، والمتضمنة لتحليلات كاملة حول الوضع الثوري. وساعدته الأنباء المذكورة في الصحف الأجنبية بعد ذلك على استنتاج أن الحكومة المؤقتة تخدع العمال بمساعدة كرنسكي وتشخيدزه، وتقنعهم بأن الحرب الإمبريالية هي حرب دفاع وطني. وفي 17 مارس (آذار) بعث لينين عن طريق أصدقائه في ستوكهولم رسالة مليئة بالتوقعات والمخاوف: “سيفقد حزبنا شرفه إلى الأبد، وسينتحر سياسيًّا؛ إذا ما وافق على مثل هذا الدجل… إنني أفضل القطيعة مع أي فرد في حزبنا على الخضوع للاشتراكية – الوطنية” … وبعد هذا التهديد الذي لا يبدو موجهًا إلى شخص معين، مع أنه محسوب ومسدد لبعض الأشخاص، ناشد لينين الرفاق بقوله: “إن على كامنييف أن يعرف بأنه يحمل على عاتقه مسئولية تاريخية ذات أهمية عالمية”. ولقد حدد لينين كامنييف بالذات؛ لأن الأمر يتعلق بمسائل مبدئية أساسية. ولو رأى لينين أن أمامه مهمة عملية قتالية لتذكر ستالين بدلاً من كامنييف. ولكن، في اللحظات التي كان لينين يحاول بها نقل ضغط إرادته إلى بتروغراد عبر أوروبا اللاهبة، كان كامنييف يستدير مع ستالين بعنف نحو الاشتراكية – الوطنية.

وطرحت عدة خطط لسفر لينين -تَنَكّر، شعر مستعار، جواز سفر مزيف أو مستعار- ولكنها استبعدت واحدة تلو الأخرى نظرًا لانعدام القدرة على تنفيذها. وهنا تزايد التأكيد على فكرة المرور عبر ألمانيا. وأخافت هذه الخطة معظم المهاجرين؛ لا المهاجرين الوطنيين فقط. ولم يجرؤ مارتوف وغيره من المناشفة على اتباع خطوة لينين الجسورة، وتابعوا قرع باب دول الحلفاء دون جدوى. ولقد وُجهت الكثير من الاتهامات فيما بعد بالنسبة لمسألة المرور عبر ألمانيا. وجاءت بعض الاتهامات والانتقادات من بين صفوف البلاشفة، نظرًا لما خلقته قصة “العربة المغلقة” من صعوبات، وما وضعته من عراقيل في مجال الدعاية والتحريض. ولم يغلق لينين عينيه منذ البداية عن هذه الصعوبات المتوقعة. ولقد كتبت كروبسكايا قبل الانطلاق من زوريخ بفترة وجيزة ما يلي: “وسيُطلق الوطنيون في روسيا دون شك صرخات الاستنكار، ولكن علينا أن نستعد لكل هذا”. وكانت المسألة مطروحة كما يلي: البقاء في سويسرا أو المرور عبر ألمانيا. ولم يكن هناك أي سبيل آخر. فهل كان بوسع لينين أن يتردد لحظة أخرى؟ وبعد شهر كامل، اضطر مارتوف وأكسلرود وغيرهما إلى اقتفاء آثار لينين.

ولقد أكدت هذه الرحلة الغريبة، عبر بلد معادٍ خلال الحرب، الملامح الأساسية للينين كرجل سياسي وهي: الجرأة في التخطيط والحذر الكامل في التنفيذ. لقد كان في أعماق هذا الثوري الكبير موثق عقود واثق من نفسه، ولكنه يعرف مع ذلك مكانه، ويعمد إلى كتابة العقد في اللحظة التي يمكن أن يساعد هذا الأمر فيها على تدمير كل عقود الموثقين. وكانت شروط المرور عبر ألمانيا موضوعة بكل عناية، وتشكل أساسًا لاتفاقية دولية غريبة بين هيئة تحرير صحفية من صحف المهاجرين وإمبراطورية الهوهنزولرن. ولقد أصرَّ لينين على التمتع بحق الحصانة كاملاً؛ عدم مراقبة وثائق المسافرين، أو جوازات سفرهم، أو أمتعتهم. ومنع أي فرد من الدخول إلى عربة القطار خلال الطريق (ومن هنا جاءت أسطورة “العربة المغلقة”) وتعهدت مجموعة المهاجرين من جهتها بالعمل على تحرير عدد مماثل لعددها من الأسرى المدنيين الألمان والنمساويين – الهنغاريين السجناء في روسيا.

ووضع المهاجرون الروس بالتعاون مع بعض الثوريين الأجانب بيانًا يقول: “إن الأمميين الروس الذين … يعودون الآن إلى روسيا لخدمة الثورة فيها. وسيساعد عملهم هذا البروليتاريين في كافة البلاد، وخاصة ألمانيا والنمسا، على الثورة ضد حكومته، ووقَّع على هذا البيان كل من لوريو وغيلبو عن فرنسا، وبول ليفي عن ألمانيا، وبلاتن عن سويسرا، وعدد من النواب السويديين اليساريين، …إلخ. ووسط هذه الشروط، وبعد اتخاذ كل هذه الاحتياطات انطلق في أواخر مارس (آذار) من سويسرا 30 مهاجرًا روسيًّا وسط عربة معدة لنقل الذخيرة، وكانوا هم أنفسهم عبوات شديدة الانفجار إلى أبعد الحدود.

وكتب لينين لعمال سويسرا رسالة الوداع التي ذكَّرهم فيها بالتصريح الذي نشرته صحيفة البلاشفة المركزية خلال خريف عام 1915 والذي يقول بأنه: إذا ما رفعت الثورة إلى السلطة في روسيا حكومة جمهورية تود متابعة الحرب الإمبريالية، فإن البلاشفة سيقفون ضد الدفاع عن الوطن الجمهوري. وها هي الشروط التي ذكرتها الصحيفة تتحقق. وها هو لينين يقول وهو يستعد لوضع قدمه على أرض الثورة: “شعارنا هو عدم تقديم أي دعم لحكومة غوتشكوف  ميليوكوف”.

ولم يجد أعضاء الحكومة المؤقتة مع ذلك ما يستدعي تخوفهم. ويقول نابوكوف: “وفي أحد اجتماعات الحكومة المؤقتة في شهر مارس (آذار) تابع الوزراء خلال الاستراحة مناقشة مسألة الدعاية البلشفية المتزايدة يومًا بعد يوم. فصرح كرنسكي وهو يضحك ضحكته الهيستيرية المعهودة: انتظروا قليلاً، سيحضر لينين نفسه، عندها سيغدو كل هذا جديًّا…” وكان كرنسكي محقًا؛ فقد كان الجميع ينتظرون أن تغدو الأمور جدية. ومع هذا فإن الوزراء لم يجدوا -كما يقول نابوكوف- ما يستدعي تخوفهم؛ “لأن مجرد قيام لينين بطلب العودة عن طريق ألمانيا سيُضعف سلطته إلى حد بعيد، ويستبعد كل أسباب خوفنا منه”، حقًا لقد كان الوزراء حاذقين أقوياء البصيرة، ولكن على طريقتهم.

وذهب أصدقاء لينين وأنصاره لملاقاته. ويتحدث راسكولنيكوف، الضابط البحار البلشفي الشاب عن اللقاء فيقول: “فما أن دخل فلاديمير أيليتش عربة القطار وجلس على مقعده حتى وقع على كامنييف: ماذا تكتبون في البرافدا؟ لقد رأينا بعض الأعداد وسخطنا عليكم بشدة…”، هكذا كان اللقاء بعد فراق دام عدة سنوات. ولكن هذا لم يمنع اللقاء من أن يكون وديًّا.

واستطاعت لجنة بتروغراد بمساعدة التنظيم العسكري جمع عدة آلاف من العمال والجنود، بغية إعداد استقبال حافل للينين. وأرسلت فرقة العربات المصفحة الموالية للبلاشفة كل آلياتها للاشتراك بالاحتفال. وقررت اللجنة الذهاب إلى المحطة بهذه العربات الحربية؛ فلقد أيقظت الثورة هوًى قويًّا لهذه الآلات الرهيبة، التي تقدم للمرء ميزات كبيرة إذا ما كانت إلى جانبه في شوارع المدن.

ويشكل وصف اللقاء الرسمي الذي تم في القاعة “الإمبراطورية” بمحطة فنلندا صفحة حية في مذكرات سوخانوف الضخمة المؤلفة من عدة أجزاء. “ودخل لينين، أو بالأحرى اندفع إلى القاعة الإمبراطورية وهو يرتدي قبعة رخوة وبيده باقة زهور رائعة. وما أن وصل إلى منتصف القاعة حتى وقف فجأة أمام تشخيدزه، وكأنه صادف حاجزًا غير منتظر. عندها أخذ تشخيدزه يلقي خطاب الترحيب دون أن يتخلى عن مظهره القاتم. وكانت كلمات الخطاب، وروحه، ونغمته تذكر المرء بخطيب يلقي درسًا في الأخلاق: “الرفيق العزيز، باسم سوفييت بتروغراد، وباسم الثورة كلها، نرحب بقدومكم إلى روسيا… وإننا لنعتقد بأن المهمة الأساسية للديمقراطية الثورية تتمثل في هذه الساعة بالدفاع عن ثورتنا ضد كل محاولات العدو الداخلي والخارجي … وإننا لنأمل أن يكون هذا هو الهدف الذي ستسعون إليه معنا”، وصمت تشخيدزه. وأصابتني دهشة بالغة أمام هذا الموقف … ولكن لينين كان يعرف جيدًا كيف يتصرف في مثل هذه الحالات. وكان موقفه خلال الخطاب يبدو وكأن كل ما يدور حوله لا يعنيه؛ إذ كان ينظر حوله يتأمل وجوه الأشخاص، ويرفع عينيه أحيانًا لينظر إلى سقف القاعة الإمبراطورية، ويعدِل وضع الباقة التي يحملها (والتي لم تكن متلائمة أبدًا مع مجمل شخصه). وما أن انتهت كلمة تشخيدزه حتى أدار ظهره تقريبًا لوفد اللجنة التنفيذية و”رد” على الترحيب بقوله: “الرفاق الأعزاء، الجنود والبحارة والعمال! إنني سعيد إذ أحيي فيكم الثورة الروسية الظافرة، وأحييكم بصفتكم طليعة الجيش البروليتاري العالمي … ولن يمضي وقت طويل حتى تستجيب الشعوب لنداء الرفيق كارل ليبكنخت، وتشرع أسلحتها ضد مستغليها الرأسماليين … لقد حددت الثورة الروسية التي أنجزتموها بداية عصر جديد … عاشت الثورة الاشتراكية العالمية!”.

لقد كان سوخانوف محقًا عندما قال بأن الباقة لم تكن متلائمة مع مجمل مظهر لينين، وتعيقه دون شك، وتضايقه وكأنها شيء لم يأخذ مكانه وسط مجمل الأحداث القاسية. ولم يكن لينين بالإضافة إلى ذلك، يحب الزهور المضمومة بباقات. ولا شك أنه تضايق بشكل أكبر من هذا الاستقبال الرسمي، الذي يحمل طابع الدجل الأخلاقي، وسط قاعة المحطة الفخمة. لقد كان تشخيدزه أفضل من خطاب “الترحيب” الذي ألقاه. وكان يخشى لينين قليلاً. ولكن يبدو أن البعض قد دفعه إلى تذكير هذا “المتحزِّب المتعصب” بضرورة الحفاظ على النظام منذ البداية. ولتكملة خطاب تشخيدزه الذي عبر عن مستوى القيادة المنخفض، تحدث ضابط شاب باسم البحارة، فتمنى أن يصبح لينين عضوًا في الحكومة المؤقتة! هكذا استقبلت ثورة فبراير (شباط) المترهلة الثرثارة التي لم تنضج بعد، الرجل الذي حضر وهو مصمم على أن يفرض عليها فكرته وإرادته. وزادت انطباعات لينين الأولية القلق الذي أحس به عند قدومه، وأثارت لديه شعورًا بالاحتجاج والتذمر يصعب إخفاؤه، ولكنه لم يلبث أن شمَّر بسرعة عن ساعديه! وانتقل من الحديث مع تشخيدزه إلى مخاطبة العمال والبحارة والجنود. ومن الدفاع عن الوطن إلى الثورة العالمية، ومن الحكومة المؤقتة إلى ليبكنخت. وهكذا تحدث لينين في المحطة بكل إيجاز عن سياسته المقبلة بأسرها.

ومع هذا، فقد قبلت الثورة الجلفة الزعيم بين صفوفها منذ اللحظة الأولى. وأصرَّ الجنود على أن يركب لينين عربة مدرعة، ولم يكن أمامه إلا أن يُذعن لطلبهم. وبدأ الليل يرخي سدوله معطيًا للموكب هيبة خاصة. وكانت أنوار العربات المدرعة الأخرى مطفأة، واخترقت أنوار عربة لينين وحدها حجب الظلمات. وكشفت الأنوار مجموعات غفيرة من العمال، والجنود، والبحارة الواقفين في ظلمة الشوارع. وكانت هذه الجموع هي التي نفذت أكبر انتفاضة في العالم، ثم تركت السلطة تنساب من بين أصابعها. وتوقفت الموسيقى العسكرية عن العزف عدة مرات خلال الطريق، حتى يتمكن لينين من إعادة الخطاب الذي ألقاه في المحطة بأشكال مختلفة، وأمام مستمعين جدد. ويقول سوخانوف: “وكان النصر واضحًا، ذا دلالات معينة”.

وبدأت المجاملات وخطابات الترحيب من جديد في قصر كشيسينسكايا، أي في مقر القيادة العليا للبلاشفة القائم في عش راقصة باليه البلاط المغلف بالساتان. كان هذا الترابط يثير سخرية لينين المتوقدة دائمًا. وكان هناك إطالة ومبالغة أكثر مما ينبغي. واستقبل لينين سيل المديح المنهمر، كما ينتظر أحد المارة المتعجلين على عتبة مدخل البناء انتهاء تهاطل المطر. وأحسَّ بأنهم سعداء بقدومه حقًا. ولكن هذا الفرح التظاهري الفخم أثار ضجره. وكانت لهجة التهاني الرسمية تبدو له مقلدة، متصنعة، ومستعارة من الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، الخطابية، العاطفية، المزيفة. ورأى أن الثورة أقامت مراسيمها المتعبة، قبل أن تحدد مهماتها أو ترسم سبيلها، وكان يبتسم بطيبة حانقة، وينظر إلى ساعته ما بين آونة وأخر، ولا يتردد أحيانًا عن التثاؤب. وما أن توقفت آخر كلمات الترحيب حتى ألقى هذا القادم الرائع على مستمعيه سيلاً من الأفكار الحماسية التي كانت تلعلع غالبًا وكأنها ضربات سياط.

ولم يكن فن الاختزال آنذاك معروفًا من قبل البلاشفة. ولم يسجل أحد ملاحظاته عما قيل. وكان الجميع مأخوذين بما يجري حولهم. ولم يسجل الخطاب أبدًا، ولم يبق منه سوى انطباع عام في ذكريات الحاضرين، ولكن هذا الانطباع تعدَّل مع الزمن؛ فلقد تزايد الحماس، وقل الخوف. ومع هذا فقد كان الانطباع الأساسي الذي تركه الخطاب في قلب أقرب المقربين من لينين انطباعًا مشبعًا بالخوف. ذلك لأن جميع الصيغ المعهودة التي ظنها الجميع صلبة لا تتزعزع من فرط ما سمعوها خلال الشهر السابق، أخذت تتحطم واحدة تلو الأخرى أمام الحضور. ولم يكن الخطاب الموجه مباشرة إلى كوادر بتروغراد البلشفية خلال ساعتين سوى تطوير وشرح للكلمة القصيرة التي ألقاها لينين في المحطة على رأس تشخيدزه.

ولقد حضر سوخانوف هذا الاجتماع عن طريق الصدفة؛ نظرًا لأن لطف كامنييف ودماثته دفعاه إلى دعوته -كان لينين يكره مثل هذه التصرفات المتساهلة- وهذا ما أمَّن لنا وجود وصف كامل لأول لقاء بين لينين وبلاشفة بتروغراد، ولكنه وصف قام به مراقب جانبي، يحمل للبلاشفة بعض الحماس إلى جانب شيء من العداء.

“ولن أنسى أبدًا هذا الخطاب المُرعد الذي هزَّ جميع البلاشفة المتشددين وأدهشتهم، وكان أثره عليهم كأثره عليّ، أنا الضال القادم إلى الاجتماع عن طريق الصدفة. وإنني لأؤكد بأنه لم يكن بين الحاضرين مَن ينتظر شيئًا مماثلاً. وبدا وكأن كافة القوى الطبيعية الغامضة قد خرجت من مكامنها، وأن روح التدمير الشامل التي لا تعرف حدودًا أو شكًا أو صعوبات بشرية، أو حسابات بشرية، أخذت تحوم في صالة قصر كشيسينسكايا فوق رءوس الأنصار المسحورين”.

وكانت الصعوبات والحسابات البشرية تعني بالنسبة لسوخانوف تردد هيئة التحرير الصغيرة لمجلة نوفايا جيزن (الحياة الجديدة) خلال تناول الشاي عند مكسيم غوركي. ولكن حسابات لينين أعمق من ذلك بكثير. ولم يكن ما يحوم في الصالة فوق الرءوس قِوًى طبيعية غامضة، بل فكرة بشرية لا تخاف هذه القوى، وتحاول فهمها بغية السيطرة عليها. ولكن هذا لا يبدل من الأمر شيئًا؛ فلقد تشكل الانطباع بكل قوة.

ويذكر سوخانوف أن لينين قال: “عندما وصلت ورفاقي إلى هنا، ظننت أننا سنُقاد مباشرة من المحطة إلى قلعة بطرس وبولص. ولكننا وجدنا أنفسنا بعيدين جدًا عن هذه القلعة. وسنعمل كل ما في وسعنا للخلاص من هذه القلعة وتحاشي الوصول إليها”. وفي اللحظة التي رأى البعض فيها أن تطور الثورة يعني تدعيم الديمقراطية، كانت توقعات لينين المباشرة تتحدث عن الذهاب إلى قلعة بطرس وبولص. ولعل البعض قال بأن هذا القول مزحة مشئومة. ولكن لينين كان عازفًا عن المزاح، كما كانت الثورة عازفة أيضًا.

ويشتكي سوخانوف بقوله: “لقد رفض (لينين) الإصلاح الزراعي بالطُرق القانونية، كما رفض سياسة السوفييت كلها. وطالب باستيلاء الفلاحين المنظم على الأرض دون انتظار… مهما كانت سلطة الدولة”.

“لسنا بحاجة لجمهورية نيابية، ولسنا بحاجة لديمقراطية برجوازية. ولسنا بحاجة لأي حكومة تأتي من خارج سوفييتات مندوبي العمال، والجنود، والعمال الزراعيين!”.

وهكذا ابتعد لينين عن الغالبية السوفييتية، وألقى بها في معسكر الأعداء “ولم يكن المستمعون آنذاك بحاجة لأكثر من هذا كيما يصابوا بالدوار”.

ويشرح سوخانوف أفكار لينين بسخط فيقول وهذا يعني: “أن يسار الزيميرفالديين فقط كان يقود الدفاع عن المصالح البروليتارية والثورة العالمية. أما الآخرون فهم انتهازيون، يطلقون الأحاديث الخلابة، ولكنهم يخونون في الحقيقة قضية الاشتراكية والجماهير العمالية”.

ويضيف راسكولنيكوف إلى أقوال سوخانوف: “وانقض بإصرار على التكتيك الذي طبقته مجموعات الحزب القيادية وثلة من الرفاق قبل قدومه”. “هنا كان يجلس أكثر مناضلي الحزب تحملاً للمسئولية. وكان خطاب إيليتش حتى بالنسبة لهم كشفًا جديدًا. فلقد رسم لينين حاجزَ “روبيكون”(1) بين تكتيك الأمس وتكتيك اليوم ولكننا سنرى أن هذا الحاجز لم يُرسم دفعة واحدة.

ولم تحصل أية مناقشات حول التقرير؛ إذ كان الجميع مذهولين، وكان كل واحد يود أن يجمع بعض شتات أفكاره. ويتابع سوخانوف حديثه فيقول: “وخرجت إلى الشارع، وكنت أشعر وكأنني تلقيت في هذه الليلة سلسلة من ضربات المطرقة على رأسي. وظهر أمامي شيء واحد واضح كل الوضوح: كلا، إنني “متوحش”، ولن أمشي مع لينين!”. وإننا لنوافقه على ما يقول!

وفي اليوم التالي، قدَّم لينين إلى الحزب تقريرًا مكتوبًا عن أفكاره، غدَا فيما بعد وثيقة من أهم وثائق الثورة، وعرف باسم “أفكار 4 إبريل (نيسان)”(2). وكانت الأفكار تطرح مجموعة من القضايا البسيطة، بأسلوب مبسط يفهمه الجميع: ليست الجمهورية المنبثقة عن ثورة فبراير (شباط) جمهوريتنا، وليست الحرب التي تمارسها حربنا. ومهمة البلاشفة قلب الحكومة الإمبريالية. ولكن هذه الحكومة قائمة بفضل دعم المناشفة والاشتراكيين – الثوريين، المستندين إلى ثقة الجماهير الشعبية. إننا نمثل الأقلية. وهذا ما يجعلنا نستبعد فكرة البدء بالمجابهة المباشرة. ولكن علينا أن نعلم الجماهير أن لا تقع في حِبال التوفيقيين وأنصار الدفاع الوطني. “ينبغي تقديم التفسيرات بكل صبر”. إن نجاح مثل هذه السياسة التي تفرضها طبيعة الظروف نجاح مؤكد، وسيقودنا هذا النجاح إلى ديكتاتورية البروليتاريا، أي أنه سينقلنا إلى ما بعد النظام البورجوازي. إننا نود قطع كل صلاتنا مع رأس المال، ونشر كل معاهداته واتفاقاته السرية، ودعوة عمال العالم أجمع كيما يقطعوا علاقاتهم مع البرجوازية. لقد بدأنا الثورة العالمية، ونجاح هذه الثورة هو الضمانة الوحيدة لتدعيم ثورتنا، والانتقال إلى النظام الاشتراكي.

ونُشرت أفكار لينين باسمه الشخصي، وباسمه الشخصي فقط. واستقبلتها مؤسسات الحزب المركزي ببعض العِداء الذي لم يخفف من غلوائه سوى الدهشة السائدة في هذه المؤسسات. ولم يضع أي تنظيم أو أية مجموعة أو أي مناضل توقيعه على هذه الوثيقة إلى جانب لينين. حتى زينوفييف الذي عاد من الخارج مع لينين، حاملاً الأفكار التي لقنه إياها الزعيم البلشفي بصورة يومية خلال عشر سنوات، فقد انسحب بكل هدوء. ولم يكن هذا الانسحاب مفاجأة للقائد الذي كان يعرف مساعده المباشر كل المعرفة. وإذا كان كامنييف دعائيًّا شعبيًّا فقد كان زينوفييف محرضًا ناجحًا، ويؤكد لينين أنه لم يكن أكثر من ذلك. وكان شعوره بالمسئولية ناقصًا لدرجة تمنعه من الوصول إلى مرتبة الزعامة. ولكن لم تكن هذه نقطة الضعف الوحيدة لديه. فهو محروم من الانضباط الداخلي، كما أن تفكيره عاجز كل العجز عن العمل النظري، ويتحول بسرعة إلى مفهوم غامض من مفاهيم المحرضين. وكانت حاسته الأريبة بصورة خاصة، تساعده على أن يلتقط بسرعة كافة التعابير التي يحتاج إليها. أي تلك التي تساعده في التأثير على الجماهير. وكان خلال نشاطه الصحفي والخطابي لا يخرج عن كونه محرضًا، مع فارق بسيط، هو أن مقالاته كانت تكشف نقاط ضعفه، على حين كانت خطاباته تظهر نقاط قوته. وكان زينوفييف أجرأ من أي بلشفي آخر في مجال التحريض الجماهيري، ولكنه كان أقل من كامنييف قدرة على أخذ المبادهات الثورية؛ فهو متردد مثل كل الديماغوجيين. ولقد انفصل زينوفييف بصورة لا إرادية عن معلمه عندما ترك حقل صراعات الجماعات، وانتقل إلى مجال الصراعات الجماهيرية المباشرة.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: البلاشفة ولينين جـ 1