تاريخ الثورة الروسية: البلاشفة ولينين. جـ 3

0
81

وكان الاتجاه السائد في هذه السنوات الأخيرة يميل إلى اعتبار أزمة إبريل (نيسان) التي عاشها الحزب عبارة عن أزمة عابرة عارضة. ولكن هذا كله ينهار عند أول اكتشاف لحقائق الأحداث(3).

إن ما ذكرناه حتى الآن عن نشاط الحزب خلال شهر مارس (آذار) كان لكشف التناقض العميق بين لينين وقيادة بتروغراد. وتصاعد هذا التناقض إلى ذروة توتره في لحظة وصول لينين إلى العاصمة. ففي الوقت الذي عُقد فيه مؤتمر عموم روسيا لمندوبي 82 سوفييتًا، وصوَّت فيه كامنييف وستالين على قرار السلطة الذي طرحه المناشفة والاشتراكيون – الثوريون، عُقد في بتروغراد مؤتمر خاص بالحزب، حضره بلاشفة قدموا من مختلف أرجاء روسيا. ويقدم هذا المؤتمر الذي حضر لينين آخر ساعاته فائدة كبيرة لتحديد ميول الحزب وأفكاره، أو بالأحرى ميول شريحته القيادية العليا كما خرجت من الحرب. وتثير قراءة المحاضر التي لم تُنشر حتى الآن دهشة بالغة، وتدفع إلى التساؤل: هل صحيح أن الحزب الذي بعث بمثل هؤلاء المندوبين، هو الحزب الذي استولى على السلطة بيد من حديد بعد سبعة أشهر؟

وكان قد مضى على الانتفاضة شهر كامل، وهذه مدة طويلة بالنسبة للثورة والحرب. ومع هذا، لم تكن الآراء المتعلقة بأهم مسائل الثورة واضحة داخل الحزب. وحضر المؤتمر وطنيون متطرفون مثل فويتنسكي وإيلياف وغيرهما إلى جانب الأمميين. وكانت نسبة الوطنيين المتحمسين أقل بكثير من نسبتهم بين صفوف المناشفة، ولكنها كانت مع ذلك كبيرة. ولم يحل المؤتمر المسألة التالية: الانفصال عن الوطنيين من البلاشفة أو الاتحاد مع وطنيي المناشفة. وخلال فترة الاستراحة بين جلسات المؤتمر البلشفي، عقد بين أعضاء مندوبي السوفييت من البلاشفة والمناشفة اجتماع مشترك لمناقشة مسألة الحرب. وأعلن ليبر أكثر المناشفة عنفًا خلال هذا المؤتمر ما يلي: “ينبغي استبعاد التمييز السابق بين البلاشفة والمناشفة، والتحدث فقط عن موقفنا إزاء الحرب”، ولم يلبث البلشفي فويتنسكي أن أعلن عن استعداده للموافقة على كل ما يقوله ليبر. وكان البلاشفة والمناشفة، بما فيهم من وطنيين وأمميين يبحثون عن صيغة مشتركة تعبر عن موقفهم من الحرب.

ووجدت آراء المؤتمر البلشفي أفضل تعبير لها في التقرير الذي قدمه ستالين عن الموقف إزاء الحكومة المؤقتة. ومن الضروري أن نذكر هنا الفكرة الرئيسية للتقرير الذي لم ينشر كما لم تنشر محاضر المؤتمر حتى الآن في أي مكان. “إن السلطة موزعة بين جهازين لا يملك أي واحد منها السلطة كلها. ويوجد بين هذين الجهازين احتكاكات وصراعات لا بُدَّ من وقوعها. والأدوار موزعة. ولقد أخذ السوفييت المبادهة بإجراء التحولات الثورية، والسوفييت هو القائد الثوري للشعب الثائر، والجهاز الذي يراقب الحكومة المؤقتة. وأخذت الحكومة المؤقتة على عاتقها مهمة تدعيم مكتسبات الشعب الثوري. ويعبئ السوفييت القوى ويمارس المراقبة، على حين تقاوم الحكومة المؤقتة وتتعثر وتأخذ دور مدعم المكتسبات التي حققها الشعب بصورة فعلية. ولهذا الوضع صفات سلبية، ولكن له أيضًا إيجابياته، وليس من مصلحتنا الآن أن نسرِّع مسيرة الأحداث، ونزيد من طرد الشرائح البرجوازية التي ستنفصل فيما بعد بصورة محتومة”.

وهكذا وضع ستالين نفسه فوق الطبقات، ورسم العلاقات بين البرجوازية والبروليتاريا وكأنها عبارة عن تقسيم عمل. أي أن على العمال والجنود أن ينجزوا الثورة، ثم يأتي غوتشكوف وميليوكوف لتدعيمها. وإننا نلاحظ أن هذه الفكرة مشابهة لمفهوم المناشفة التقليدي، المنقول بصورة سيئة عن أحداث عام 1789. ونحن نعرف أن زعماء المنشفية اتسموا بهذا الموقف المراقب أمام التطور التاريخي، وبهذا الأسلوب في توزيع المهمات على مختلف الطبقات، ونقد تنفيذها بلهجة الأوصياء. ولقد كانت الفكرة القائلة بأن من غير المستحسن تعميق الخلاف بين الثورة والبرجوازية، الدليل الأعلى الدائم لسياسة المناشفة بأسرها. والحقيقة أن كل هذا يعني إضعاف حركة الجماهير وتخفيف حدتها كي لا يخاف الحلفاء الليبراليون. وأخيرًا، فإن استنتاج ستالين حول الحكومة المؤقتة يتطابق كل التطابق مع صيغة التوفيقيين: “ينبغي دعم الحكومة المؤقتة طالما أنها تدعم الثورة، ويصبح دعمها مرفوضًا عندما تعدو هذه الحكومة ثورة مضادة”.

وقدم ستالين تقريره في يوم 29 مارس (آذار)، وفي اليوم التالي قام الاشتراكي – الديموقراطي اللا حزبي ستيكلوف بصفته المتحدث الرسمي باسم المؤتمر السوفييتي بالدعوة إلى المشاركة المشروطة بالحكومة المؤقتة، ورسم وسط الحماس اللاهب لوحة كاملة لنشاط “مدعمي” الثورة: مقاومة الإصلاحات الاجتماعية والأفكار الملكية، والحماية المقدمة لقوى الثورة المضادة، والاتجاهات الرامية إلى الضم والإلحاق. وأثار هذا الأمر انتباه مؤتمر البلاشفة ودفعه إلى التخلي عن صيغة الدعم، وأعلن البلشفي اليميني نوغين ما يلي: “وقدم تقرير ستيكلوف فكرة جديدة: ومن الواضح أن علينا أن لا نتحدث الآن عن الدعم بل عن المعارضة”، واستنتج ستريبنيك أن تقرير ستيكلوف يدل “على أن هناك تبديلاً كبيرًا. إن من المستحيل التحدث عن دعم الحكومة. فهناك مؤامرة تحيكها الحكومة المؤقتة ضد الشعب والثورة”. ورأى ستالين، الذي رسم بالأمس لوحة رائعة مثالية “لتقسيم العمل” بين الحكومة والسوفييت، أن عليه أن يُلغي الفقرة الخاصة بالدعم.

ودارت مناقشات قصيرة سطحية حول مسألة ما إذا كان من الضروري دعم الحكومة المؤقتة “إذا ما …” أو الاكتفاء بدعم التصرفات الثورية التي تقوم بها هذه الحكومة. وأعلن فاسيلييف، أحد مندوبي ساراتوف ما يلي: “إن الموقف إزاء الحكومة المؤقتة متشابه لدى الجميع”، وكان محقًا في هذه الملاحظة. وشرح كريستينسكي الوضع بشكل أشد حيوية عندما قال: “وليس هناك أية خلافات بين ستالين وفويتنسكي حول الخطوات العملية”، ولم يكن كريستينسكي على خطأ رغم أن فويتنسكي انتقل بعد المؤتمر مباشرة إلى معسكر المناشفة: ذلك لأن سحب ستالين لفكرته المؤيدة للدعم لم يُلغِ الدعم نفسه. ولم يحاول طرح هذه المسألة بعد ذلك سوى كراسيكوف، وهو بلشفي قديم، ابتعد عن الحزب خلال عدة سنوات، ثم عاد محملاً بخبرات الحياة، ليحاول الدخول إلى صفوف الحزب من جديد. ولم يكن كراسيكوف يخشى مسك الثور من قرنيه؛ لذا سأل البلاشفة بسخرية: ألا تفكرون بإقامة ديكتاتورية البروليتاريا؟ ولكن المؤتمر تجاهل السخرية، كما تجاهل السؤال نفسه، واعتبره غير ذي بال. وكانت مقررات المؤتمر تتطلب من الديمقراطية الثورية أن تدفع الحكومة المؤقتة “إلى النضال الفعال لتصفية النظام القديم بصورة كاملة”، وهذا يعني اعتبار الحزب البروليتاري سيدة مرافقة للبرجوازية.

ونوقش في اليوم التالي اقتراح تسيريتلي حول اندماج البلاشفة مع المناشفة، ونظر ستالين إلى هذه الدعوة بعين الرضى: “إن علينا أن نوافق. ومن الضروري تحديد مقترحاتنا حول خط التوحيد. والتوحيد ممكن بناءً على خط زيميرفالد – كينتال”. وهنا ظهر مولوتوف، الذي أبعده كامنييف وستالين عن تحرير البرافدا؛ نظرًا لأنه أعطى هذه الصحيفة خطًا متشددًا، وقدم اعتراضاته: إن تسيريتلي يرغب بتوحيد عناصر من كل نوع، وهو يقول عن نفسه بأنه زيميرفالدي. إن الاندماج بناء على هذا الخط خطيئة. ولكن ستالين تشبث برأيه وقال: “وليس من المستحسن استباق الأحداث وتوقع الخلافات. ولا يمكن للحياة الحزبية أن تعيش دون خلافات داخلية. وسنعمل على إزالة الخلافات الصغيرة داخل الحزب”.

وبدا الأمر وكأن نضال لينين الطويل خلال سنوات الحرب ضد الاشتراكية – الوطنية، وردائها السليم، قد ذهب هباءً؛ ففي سبتمبر (أيلول) 1916 كتب لينين بإصرار إلى بتروغراد عن طريق شليا بنيكوف ما يلي: “إن روح التوفيقية والتوحيد لمِن أسوأ الأمور بالنسبة للحزب العمالي في روسيا. وليست هذه الروح حماقة فحسب، ولكنها ضياع الحزب كله … ولن نستطيع الاعتماد إلا على من فهموا كل الفهم خدعة فكرة الوحدة وضرورة الانفصال عن هذه الثلة (تشخيدزه وشركاه) في روسيا”. ويبدو أن هذا الإنذار لم يُفهم جيدًا. وطرح ستالين الخلافات الأساسية مع تسيريتلي زعيم الأغلبية في السوفييت، وكأنها خلافات بسيطة يمكن “إزالتها” داخل حزب مشترك. ويقدم هذا المقياس أفضل تقييم لآراء ستالين في تلك الفترة.

وفي 4 إبريل (نيسان) ظهر لينين في مؤتمر الحزب. ومرَّ خطابه الذي شرح به “أفكار إبريل” على أعمال المؤتمر كإسفنجة نديَّة، يمسح بها الأستاذ ما كتبه طالب متعثر على اللوح الأسود.

وسأل لينين: “لِم لمْ يتم الاستيلاء على السلطة؟”. وكان ستيكلوف قد شرح أمام المؤتمر بتعابير غامضة الأسباب التي دفعت إلى عدم الاستيلاء على السلطة، وأكد أن: الثورة البرجوازية هي المرحلة الأولى، بالإضافة إلى وجود الحرب، …إلخ. وأعلن لينين “أن كل هذا هراء؛ إذ تكمن المسألة في أن البروليتاريا لا تتمتع بالوعي الكافي أو التنظيم الكافي. ولا بُدَّ من الاعتراف بذلك. إن القوة المادية بيد البروليتاريا، ولكن البرجوازية ظهرت هنا واعية ومنظمة. إن هذا الأمر شنيع، ولكن من الضروري الاعتراف به بشكل مكشوف صريح، وإعلام الشعب، بأننا لم نستلم السلطة نظرًا لأننا لم نكن منظمين أو واعين”.

وهكذا انتزع لينين المسألة من المجال الموضوعي الكاذب الذي احتمى استسلاميو السياسة وراءه، وطرحها بقوة في المجال الذاتي. إن عدم استيلاء البروليتاريا على السلطة في فبراير (شباط) ناجم عن أن حزب البلاشفة لم يكن على مستوى المهمات الموضوعية. ولم يستطع منع التوفيقيين من تسليم الجماهير الشعبية لقيود البرجوازية.

وكان المحامي كراسيكوف قد طرح بالأمس التحدي التالي: “إذا كنا نرى بأن اللحظة قد أتت لإنشاء ديكتاتورية البروليتاريا، فإن علينا أن نطرح المسألة بهذا الشكل. ونحن نملك دون شك القوة المادية اللازمة لاستلام السلطة”. وهنا سحب رئيس الجلسة الكلام منه، على اعتبار أن البحث يدور حول المهمات العملية، وأن مسألة الديكتاتورية لا تدخل في مجال النقاش. ولكن لينين رأى على العكس أن المهمة العملية الوحيدة هي مسألة إعداد ديكتاتورية البروليتاريا. ويقول لينين في “أفكار إبريل” ما يلي: “إن خصوصية اللحظة الراهنة في روسيا هي تحديد الانتقال من المرحلة الأولى للثورة، تلك المرحلة التي أعطت السلطة إلى البرجوازية؛ نظرًا لعدم كفاية تنظيم البروليتاريا وفكرها الواعي، إلى المرحلة الثانية التي تضع السلطة حتمًا بين أيدي البروليتاريا وأفقر الشرائح الفلاحية”.

لقد سار المؤتمر على خُطَى البرافدا، وحدد مهمات الثورة بالإصلاحات الديمقراطية التي يمكن تنفيذها عن طريق المجلس التأسيسي. وأعلن لينين بالمقابل: “إن الحياة والثورة تلقيان بالمجلس التأسيسي إلى المرتبة الخلفية. إن ديكتاتورية البروليتاريا موجودة، ولكننا لا نعرف كيف نتصرف بها”.

وتبادل المندوبون النظرات. وقالوا فيما بينهم بأن وجود إيليتش في الخارج مدة طويلة منعه من أن يرى الأمور عن كثب، وحرمه من القدرة على التمييز. ولم يلبث تقرير ستالين عن تقسيم العمل بشكل حكيم بين الحكومة والسوفييت أن سقط دفعة واحدة وإلى الأبد في أعماق الماضي السحيق. ولم يتحدث ستالين نفسه. وكان عليه منذ تلك اللحظة أن يصمت طويلاً. ولم يتابع الدفاع سوى كامنييف.

وكان لينين قد هدد برسائله المبعوثة من جنيف، بأنه مستعد لقطع علاقاته مع أي شخص مستعد لتقديم التنازلات في مسائل الحرب، أو للظهور بمظهر شوفيني، أو للمصالحة مع البرجوازية. وها هو الآن يقف وجهًا لوجه مع قيادات الحزب، ويشن الهجوم على طول الخط. بَيْد أنه لم يحدد في بداية الأمر اسم أي بلشفي. وكان إذا اضطر لتقديم مثال حي عن الرياء والخداع، أشار إلى أشخاص لا حزبيين، وإلى ستيكلوف أو تشخيدزه. وهذا هو أسلوب لينين المعهود: إنه لا يدفع أحدًا إلى الثبات في موقعه قبل الأوان، ويترك للحذرين فرصة الانسحاب من المعركة في الوقت الملائم، وبهذا يضعف خصوم المستقبل المتشددين. وكان كامنييف وستالين يعتبران أن اشتراك الجندي والعامل في الحرب بعد فبراير (شباط) يعني دفاعهما عن الثورة. ورأى لينين أن الجندي والعامل يشتركان في الحرب كالسابق، أي كعبدين تابعين لرأس المال. ويقول لينين مقلصًا الحلقة حول خصومه “حتى أن بلشفيينا يثقون بالحكومة ولا يمكن تفسير ذلك إلا بجنون الثورة. إنه السير نحو ضياع الاشتراكية… وإذا كان الأمر كذلك، فإننا لن نسير على الدرب معًا. وإنني لأفضل البقاء في هذه الحالة مع الأقلية” ولم يكن هذا القول مجرد تهديد يطلقه خطيب. ولكنه تصرف موزون ومدروس بوضوح حتى أدق نتائجه.

ولم يذكر لينين اسمي كامنييف وستالين، ولكنه كان مجبرًا على ذكر اسم الصحيفة: “وتطلب البرافدا من الحكومة أن تتخلى عن فكرة الضم. ولكن مطالبة حكومة الرأسمالية بالتخلي عن الضم حماقة واضحة وسخف صارخ”… ويبدو في هذا القول شيء من سخط لينين المكبوت. ولكن الخطيب لم يلبث أن أمسك زمام نفسه من جديد؛ فهو يود أن يقول كل ما هو ضروري، دون أن يزيد على ذلك شيئًا. وأعطى لينين خلال حديثه عددًا من القواعد السياسية الثورية الرائعة: “إنني أصدق الجماهير عندما تعلن بأنها لا تود مكتسبات. ولكن ما أن يعلن غوتشكوف ولفوف بأنهما لا يودان أية مكتسبات، حتى أقول بأنهما كاذبان. وعندما يقول العامل أنه يبغي الدفاع عن البلاد، فإن ما يتحدث في داخله هو صوت الإنسان المسحوق”. ولا شك في أن هذا المقياس بسيط كالحياة نفسها. ولكن الصعوبة كامنة في معرفته وتحديده باسمه في الوقت المناسب.

وتحدث لينين بدقة أكبر وحيوية أشد، عندما تطرق إلى موضوع بيان السوفييت “إلى شعوب العالم أجمع” الذي أعطى صحيفة ريتش الليبرالية حجة كافية للإعلان آنذاك، على أن فكرة السلام تتطور عندنا إلى أيديولوجية مماثلة لأيديولوجية حلفائنا. وقال لينين بهذا الصدد: “ويميز روسيا التحول بخطوات عملاقة من القهر الوحشي إلى أدق أنواع الخداع”.

وكان ستالين قد كتب حول مسألة البيان: “وإذا ما وصل هذا النداء إلى جماهير (الغرب) الواسعة، دفع مئات وآلاف العمال إلى “الشعار المنسي”: “يا عمال العالم اتحدوا”!

ويتحدث لينين عن البيان نفسه فيقول: “وليس في نداء السوفييت كلمة واحدة مشبعة بالوعي الطبقي. وليس فيه سوى جعجعة لفظية” وهكذا ترى بأن الوثيقة التي افتخر بها الزيميرفالديون الذين لم يخرجوا من بلادهم قط، لم تكن بالنسبة للينين أكثر من أداة من أدوات “أدق أنواع الخداع”.

ولم تكن البرافدا تشير إلى يسار الزيميرفالديين قبل قدوم لينين. وكانت تتحدث عن الأممية دون أن تحدد أية أممية تقصد. وهذا ما أطلق عليه لينين اسم “كاوتسكية” البرافدا. ولقد أعلن في مؤتمر الحزب “كان الوسط مسيطرًا في زيميرفالد وكينتال … وأننا لنعلن بأننا شكلنا جناحًا يساريًّا، وقطعنا صلتنا مع الوسط … وهناك تيار زيميرفالدي يساري في كافة بلاد العالم. وعلى الجماهير أن تعرف بأن الاشتراكية مجزأة في العالم أجمع” …

وقبل ثلاثة أيام فقط، أعلن ستالين أمام المؤتمر نفسه عن استعداده لإزالة الخلافات مع تسيريتلي وِفق أسس زيميرفالد – كينتال، أي وفق قواعد الكاوتسكية. وقال لينين: “سمعت بأن في روسيا تيارًا وحدويًّا، إن الوحدة مع أنصار الدفاع الوطني تعني خيانة الاشتراكية. وإنني أرى بأن من الأفضل أن يبقى المرء وحيدًا مثل ليبكنخت. وحيدًا ضد مائة وعشرة”! ولم يكن الاتهام الخاص بخيانة الاشتراكية، والموجه هنا بصورة عامة دون تحديد شخص معين، مجرد كلمة قاسية؛ إنه قول يكشف موقف لينين إزاء البلاشفة الذين يمدون أصبعهم للاشتراكيين – الوطنيين. وفي الوقت الذي كان به ستالين يرى إمكانية الاندماج مع المناشفة، كان لينين يرى أن الحفاظ معهم على اسم الاشتراكية – الديمقراطية غدا أمرًا غير محتمل. ولقد أعلن بهذا المجال ما يلي: “إنني أتحدث باسمي الشخصي”، وأقترح تغيير تسمية الحزب، وأخذ اسم الحزب الشيوعي”. “إنني أتحدث باسمي الشخصي”، وهذا يعني بأنه لم يكن في المؤتمر عضو واحد يوافق على اعتبار هذا التصرف الرمزي قطيعة نهائية مع الأممية الثانية.

وقال الخطيب للمندوبين المتضايقين، المشدوهين، الساخطين جزئيًّا: “إنكم تخشون خيانة الذكريات القديمة. أليس كذلك”؟ ولكنه آن الأوان “لتغيير الخط كله، ولا بُدَّ من خلع القميص القذر وارتداء قميص نظيف”. ثم أكد من جديد “لا تتمسكوا أبدًا بكلمة قديمة فسدت بصورة نهائية. وإذا ما شئتم بناء حزب جديد … انضم إليكم جميع المضطهدين”.

ووقف لينين أمام المهمات الضخمة التي لا بُدَّ من تنفيذها. والاضطراب الواقع داخل صفوف حزبه، وفكرة الزمن الثمين الضائع بسخط وسط الاستقبالات، والتهاني، والمقررات المألوفة. وانتزعت منه كل هذه الأمور الشكوى المريرة التالية: “كفانا ما شهدناه من تهاني ومقررات، فقد آن أوان العمل، وحان الوقت للقيام بعمل فعَّال بعد إمعان الفكر”!

واضطر لينين بعد ساعة إلى تكرار خطابه في اجتماع عام محدد مسبقًا، يضم البلاشفة والمناشفة. وبدا خطابه لغالبية المستمعين شيئًا وسطًا بين السخرية والجنون. وهز المتساهلون أكتافهم بلا مبالاة. لقد هبط هذا الرجل ولا شك من القمر: لقد غاب عشر سنين، وما أن اجتاز درجات مدخل محطة فنلندا حتى نادى باستيلاء البروليتاريا على السلطة. وذكر أقل الوطنيين تسامحًا بحكاية عربة القطار المقفلة. ويقول ستانكيفينش إن خطاب لينين أشاع الفرح بين صفوف خصومه: “إن شخصًا يقول مثل هذا الكلام لا يمكن أن يكون خطيرًا. ومن حسن الحظ أنه قدم إلى البلاد. وليس علينا الآن إلا أن ننظر إليه … لأنه سينقض الآن نفسه بنفسه”.

وبالرغم من جرأة الخطيب الثورية، وقراره الحازم بقطع كل علاقة مع أنصار فكرته القدامى، ومع رفاق القتال إذا ما تخلفوا عن السير على خطى الثورة، فقد كانت جميع أجزاء خطابه متوازنة فيما بينها، وكان الخطاب بأسره مشبعًا بواقعية عميقة، وبشعور جماهيري أكيد. وهذا ما جعله يبدو غريبًا أمام الديموقراطيين العائمين على السطح.

إن البلاشفة أقلية في داخل السوفييت، ولينين يفكر بالاستيلاء على السلطة. أفليس في هذا كثير من روح المغامرة؟ كلا؛ إذ ليس في طريقة طرح لينين للموضوع أي أثر للمغامرة. إنه لم يتجاهل لحظة واحدة وجود عقلية دفاع وطني “شريفة” بين صفوف الجماهير العريضة. ولم يكن لينين يود الذوبان في هذه الجماهير، ولكنه كان يرفض العمل من وراء ظهرها. ويرد لينين على الاعتراضات والاحتجاجات المقبلة بقوله: “لسنا مشعوذين. وعلينا أن لا نعتمد إلا على وعي الجماهير. ولا بأس حتى ببقائنا أقلية، وقد يكون من المفيد التخلي عن الوضع القيادي خلال فترة من الزمن، ولا ينبغي أن نخاف من وضعنا كأقلية”، ولا ينبغي الخوف من البقاء كأقلية، ومن البقاء وحيدًا مثل ليبكنخت عند الضرورة، والوقوف ضد مائة وعشرة! هذه هي الفكرة التي سادت الخطاب.

“والسوفييت هو الحكومة الحقيقية لمندوبي العمال … ويمثل حزبنا الأقلية داخل السوفييت… ولا نستطيع القيام بشيء في هذا المجال! وليس أمامنا إلا أن نشرح بصبر ودأب ومنهجية خطأ تكتيكهم. وسنمارس النقد لإنقاذ الجماهير من الخداع طالما بقينا أقلية. ونحن لا نود أن تصدقنا الجماهير بمجرد سماع أقوالنا. ولسنا مشعوذين. وكلنا رغبة في أن تتخلص الجماهير من أخطائها بفضل تجربتها”. لا ينبغي الخوف من البقاء أقلية! ولكننا لن نبقى هكذا إلى الأبد، بل بصورة مؤقتة. وستأتي ساعة انتصار البلشفية حتمًا. “وسيظهر خطنا صحيحًا … وسيأتي كل مسحوق إلينا، لأن الحرب ستدفعه نحونا. فليس أمامه أي مخرج آخر”.

ويقول سوخانوف “وبدا لينين خلال مؤتمر التوحيد كتجسيد حي للانفصال … وإنني لأذكر بوجدانوف (منشفي) الذي كان جالسًا على بعد خطوتين من منصة الخطابة وصرخ بوعدانوف مقاطعًا لينين: إن كل هذا عبارة عن جنون مطلق. وهو لا يخرج عن كونه جنون رجل معتوه! … ثم التفت نحو المستمعين بوجهه الشاحب من الغضب والاحتقار، وصرخ بأعلى صوته: من العار التصفيق لهذه السفسطات. إنكم تسيئون إلى شرفكم، أيها الماركسيون”!

ووقف غولدنبرغ، أحد أعضاء اللجنة المركزية البلشفية السابقين، والعامل آنذاك خارج الحزب، وقيم أفكار لينين بالتعابير المزدرية التالية:

“لقد بقي مكان باكونين في الثورة الروسية شاغرًا خلال عدة سنوات، وها هو لينين يشغله”.

ثم تحدث الاشتراكي الثوري زينزينوف فيما بعد عن هذا الاجتماع فقال: “وأثار برنامجه آنذاك من السخط مثلما أثاره من السخرية، وبدا للجميع سخيفًا وخياليًّا”.

وفي مساء اليوم نفسه تحدث اثنان من الاشتراكيين – الثوريين مع ميليوكوف، قبيل الذهاب إلى “لجنة الاتصال”، وانتقل الحديث إلى لينين، واعتبره سكوبوليف “رجلاً منتهيًّا، يقف خارج الحركة” ووافق سوخانوف على رأي سكوبوليف، وأضاف بأن لينين “كان مرفوضًا من قٍِبل الجميع لدرجة تجعله لا يمثل في هذه اللحظة أية خطورة بالنسبة لميليو كوف”. وبدا توزيع الأدوار خلال هذا الحديث مشابهًا لما توقعه لينين: إن الاشتراكيين يعملون ما في وسعهم لحماية هدوء الليبرالي من المتاعب التي يمكن أن تسببها له البلشفية.

وترامت إلى السفير الإنكليزي بعض الأقوال التي تؤكد بأن لينين ماركسي سيئ. وهذا ما دفع بوكانان إلى أن يقول: “ويوجد بين الفوضويين القادمين حديثًا شخص يدعى لينين، ولقد حضر من ألمانيا بعربة قطار مقفلة. وظهر في مكان عام لأول مرة في اجتماع الحزب الاشتراكي – الديموقرطي؛ حيث استقبل بشكل سيء”.

ولعل كرنسكي كان في هذه الفترة أكثر من الآخرين تساهلاً مع لينين. ويحدثنا نابوكوف أن كرنسكي صرح لأعضاء الحكومة المؤقتة عن رغبته بزيارة الزعيم البلشفي. ولما جابهته أسئلة زملائه المستغربة أجاب: “ولكنه يعيش حقًا في مناخ معزول، إنه لا يعرف شيئًا، ويرى كل شيء عبر نظارات حماسه، وليس إلى جانبه شخص واحد ليساعده على التوجه وسط كل ما يجري”، ولكن كرنسكي لم يجد لحظة فراغ واحدة كيما يوجه لينين وسط كل ما يجري.

ولم تثر “أفكار إبريل” سخط ودهشة الأعداء والخصوم فحسب، بل إنها دفعت عددًا من البلاشفة القدامى إلى معسكر المنشفية أو إلى المجموعة الوسطية التي تجمعت حول صحيفة غوركي. ولم يكن لهذا الهروب نتيجة سياسية جادة. وكان أهم من ذلك بكثير، الانطباع الذي تركه موقف لينين لدى كافة الشريحة القيادية للحزب. ويكتب سوخانوف في هذا الصدد: “وكان انعزاله الكامل وسط كافة رفاق الحزب الواعين واضحًا ولا شك فيه، خلال الأيام الأولى التي تلت قدومه”.

ويؤكد الاشتراكي – الثوري زينزينوف “حتى أن رفاق الحزب من البلاشفة المشدوهين ابتعدوا عندئذ عنه” وكان مُطلِقو هذه الأحكام يلتقون كل يوم مع الزعماء البلاشفة في اللجنة التنفيذية ويتلقون التعليمات من مصادرها الأساسية.

ولا تنقصنا الشهادات الأصلية القادمة من صفوف البلاشفة أنفسهم. وها هو تسيخون يكتب فيما بعد عن هذه الحقبة -بعد مسح الألوان إلى حد بعيد كمعظم البلاشفة القدامى الذين تعثروا بثورة فبراير (شباط)- فيقول: “وعندما ظهرت أفكار لينين (أفكار إبريل) أحسسنا في حزبنا ببعض الهزات، وأشار عدد كبير من الرفاق إلى أن لينين قد تعرض لانحراف نقابي، وأنه انفصل عن روسيا، ولا يأخذ الوضع الراهن بعين الاعتبار …إلخ”. وكتب ليبيدييف الزعيم البلشفي المحترم في المقاطعات ما يلي: “وبعد وصول لينين إلى روسيا، لم يفهم البلاشفة في بداية الأمر تحريضه الذي بدا طوباويًّا، وناجمًا عن طول مدة بُعده عن الحياة في روسيا. ولكننا لم نلبث أن بدأنا فهم هذا التحريض الذي تغلغلت أفكاره إلى أعماق لحمنا ودمنا”. ويلجأ زاليجسكي، عضو لجنة بتروغراد، وأحد منظمي الاستقبال، إلى الحديث بوضوح أكبر فيقول: “وكان تأثير أفكار لينين كتأثير انفجار قنبلة”، ويؤكد زاليجسكي انعزال لينين الكامل بعد الاستقبال الحار الحافل الذي لاقاه، “ولم يجد الرفيق لينين في هذا اليوم (4 أبريل) أنصارًا متحمسين حتى بين صفوفنا”.

ولعل أهم الشهادات في هذا الصدد ما كتبته البرافدا في يوم 8 إبريل (نيسان)(4) أي بعد طرح “الأفكار” بأربعة أيام. وكان بوسع زعماء الحزب آنذاك التناقش والتفاهم فيما بينهم، ولكن هيئة تحرير البرافدا لم تنتظر ذلك، بل كتبت: “أما فيما يتعلق بالمخطط العام للرفيق لينين، فهو يبدو لنا غير مقبول؛ نظرًا لأنه يعتبر الثورة الديمقراطية البرجوازية منتهية، ويطالب بتحول هذه الثورة فورًا إلى ثورة اشتراكية، وهكذا أعلنت صحيفة الحزب المركزية، بشكل علني، أمام الطبقة العمالية وأعدائها، عن اختلافها مع زعيم الحزب حول مسألة أساسية من مسائل الثورة التي استعدت لها الكوادر البلشفية خلال سنوات طوال. ويكفي هذا الاختلاف لتحديد عمق أزمة الحزب في إبريل (نيسان)، والناجمة عن وجود خطين لا لقاء بينهما. ولو لم يتم التغلب على هذه الأزمة، لما استطاعت الثورة أن تسير خطوة واحدة إلى أمام.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: البلاشفة ولينين جـ 2