تاريخ الثورة الروسية: إعادة تسليح الحزب فكريًّا.. جـ 1

0
80

كيف يمكننا تفسير الانعزال الغريب الذي عرفه لينين في بداية إبريل (نيسان)؟ وكيف أمكن ظهور مثل هذا الوضع؟ وكيف تمت إعادة تسليح كوادر البلشفية فكريًّا؟

لقد قاد الحزب البلشفي الصراع ضد الحكم الفردي الاستبدادي منذ عام 1905، وكان شعاره خلال هذا النضال “الديكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين”، وكان لينين هو الذي طرح هذا الشعار، وقدَّم الحجج والبراهين النظرية المؤيدة له. ولقد عارض لينين المناشفة ومنظِّرهم بليخانوف، وجابه نضالهم الشرس ضد “الفكرة الخاطئة القائلة بإمكانية إنجاز الثورة البرجوازية دون برجوازية”، وكان يرى بأن البرجوازية الروسية غدت عاجزة عن إجراء ثورتها الخاصة. وأن القوة الوحيدة لإنجاز الثورة الديمقراطية ضد الملكية والملاكين الزراعيين هم البروليتاريون والفلاحون المتحدون مع بعضهم بشدة. وكان لينين يؤكد أن انتصار هذا الاتحاد سيؤدي بالضرورة إلى إقامة ديكتاتورية ديمقراطية، لا تشبه ديكتاتورية البروليتاريا بل تتعارض على العكس معها، إذن لن تكون المهمة آنذاك إقامة مجتمع اشتراكي، بل تنظيف إسطبلات أوجياس القرون الوسطى بشكل كامل(1).

وكان هدف الصراع الثوري محددًا بكل دقة بثلاثة شعارات قتالية -جمهورية ديمقراطية، ومصادرة أراضي الملاكين النبلاء، ويوم العمل المؤلف من 8 ساعات- كانت تسمى آنذاك “ركائز” البلشفية الثلاث، وفي ذلك إشارة إلى “الركائز” التي تقول المعتقدات الشعبية أن الكرة الأرضية ترتكز عليها.

وكان حل مسألة إمكانية تحقيق الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين مرتبطًا بمسألة أخرى هي: قدرة الطبقة الفلاحية على إنجاز ثورتها الخاصة، أي إقامة سلطة جديدة مستعدة لتصفية الملكية والأملاك الزراعية للنبلاء. ومن المؤكد أن شعار الديكتاتورية الديمقراطية يفترض أيضًا أن يشترك الممثلون العماليون في الحكومة الثورية. ولكن هذه المشاركة محددة مسبقًا بدور البروليتاريا -كحليف يساري- خلال حل معضلات الثورة الفلاحية.

وهكذا لم تكن الفكرة الشعبية المعترف بها رسميًّا، والخاصة بسيطرة البروليتاريا داخل الثورة الديمقراطية، تعني في هذه الحالة شيئًا، سوى أن على الحزب العمالي مساعدة الفلاحين بأسلحة سياسية من ترسانته، وإرشادهم لأفضل الطرق والأساليب اللازمة لتصفية المجتمع الإقطاعي، وتعليمهم كيفية تطبيق هذه الأساليب. وعلى كل حال، فإن ما قيل عن دور البروليتاريا القيادي في الثورة البرجوازية لم يكن يعني أبدًا أن على البروليتاريا أن تستخدم الانتفاضة الفلاحية، والاستناد إلى الفلاحين بغية طرح مهماتها التاريخية الخاصة المتمثلة في الانتقال مباشرة إلى المجتمع الاشتراكي. وكانت سيطرة البروليتاريا داخل الثورة الديمقراطية تتميز بوضوح عن ديكتاتورية البروليتاريا، وتتعارض معها خلال المناقشات. هذه هي الأفكار التي تثقف الحزب البلشفي على هديها منذ عام 1905.

وتجاوزت مسيرة ثورة فبراير (شباط) الفعلية مخطط البلشفية المعهود. صحيح أن الثورة أنجزت بفضل تحالف العمال والفلاحين. ولم يبدل اشتراك الفلاحين في الثورة برداء الجنود أي شيء من طبيعة الأمر. وكان بوسع الجيش الفلاحي القيصري أن يلعب دورًا هامًا حاسمًا حتى لو أن الثورة اندلعت في زمن السلم. ومن الطبيعي جدًا، أن ظروف الحرب جعلت الجيش الذي يضم عدة ملايين من الرجال يخفي الطبقة الفلاحية في بداية الأمر. وما أن انتصرت الانتفاضة حتى غدا العمال والجنود سادة الموقف. وهذا ما جعل الكثيرون يعتقدون أن بوسعهم القول بأن الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين قد تحققت.

ولكن ثورة فبراير (شباط) أقامت في الحقيقة حكومة برجوازية، كانت سلطة الطبقات الحاكمة فيها محدودة بسلطة سوفييتات العمال والفلاحين التي لم تأخذ حجمها الصحيح المطلوب. وبدت الصور كلها مشوشة. وبدلاً من الديكتاتورية الثورية، أي من السلطة المركَّزة، ظهر نظام مترهل مزدوج السلطات، تستهلك الأوساط الحاكمة فيه قدرتها الواهنة دون جدوى لتجاوز الصعوبات الداخلية. ولم يكن أحد قد توقَّع مثل هذا النظام. ولكننا لا نستطيع أن نتطلب من التوقُّع أن لا يكتفي بتحديد الميول الأساسية للتطور فحسب، بل أن يحدد أشكال اختلاطها وتوافقها الافتراضية أيضًا. ولقد سأل لينين فيما بعد “من ذا الذي استطاع إنجاز ثورة كبيرة جدًا، وهو يعلم مسبقًا كيف ينجزها حتى النهاية؟ وأين يمكن أن يتلقى المرء مثل هذا العلم؟ إنه غير موجود في بطون الكتب. وليس هناك كتب لهذا الغرض. إن قرارنا لم يولد إلا من تجربة الجماهير”.

ولكن الفكر البشري محافظ بطبعه، ويبدو فكر الثوريين في بعض الحالات أشد محافظة. لذا تابعت الكوادر البلشفية تمسكها بالمخطط القديم. ولم تعتبر ثورة فبراير (شباط) -رغم أنها تضم نظامين عاجزين عن التعايش- إلا كمرحلة أولى من مراحل الثورة البرجوازية. وفي نهاية مارس (آذار) بعث ريكوف من سيبريا إلى البرافدا برقية باسم الاشتراكيين – الديموقراطيين هنأ بها على انتصار “الثورة الوطنية” التي كانت مهمتها “تحقيق الحرية السياسية”. وكان جميع الزعماء البلاشفة بلا استثناء يعتبرون أن الديكتاتورية الديمقراطية أمر مرهون بالمستقبل. وعندما “تستنزف” الحكومة البرجوازية المؤقتة نفسها، ستظهر الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين، كتمهيد لنظام نيابي بورجوازي.

وكان هذا التوقع خاطئًا تمامًا؛ إذ لم يكن النظام المنبثق عن ثورة فبراير (شباط) يعد لديكتاتورية ديمقراطية، بل كان على العكس دليلاً حيًّا كاملاً على استحالة إقامة مثل هذه الديكتاتورية بصورة عامة. ويظن البعض خطأ أن الديمقراطية التوفيقية نقلت السلطة إلى الليبراليين عن طريق الصدفة، أو بسبب حماقة كرنسكي وذكاء تشخيدزه المحدود. ولا أدل على خطأ هذا الظن من قيام الديمقراطية التوفيقية خلال 8 أشهر بصراع عنيف يستهدف تدعيم الحكومة البرجوازية، وسحق العمال والفلاحين والجنود، وانتقالها في 25 أكتوبر (تشرين الأول) إلى مركز حليف البرجوازية ومحاميها. بَيْد أنه كان من الواضح منذ البداية، أن قيام الديمقراطية بالتخلي عن السلطة رغم مهماتها الضخمة، وتمتعها بدعم الجماهير غير المحدود، لم يكن ناجمًا عن مبادئ ومعتقدات وأفكار سياسية مسبقة، بل عن الوضع اليائس الذي تعيشه البرجوازية الصغيرة داخل المجتمع الرأسمالي، وفي زمن الحرب والثورة بصورة خاصة، أي عندما تقرر المسائل الأساسية المتعلقة بوجود البلاد، والشعوب، والطبقات. وعندما سُلم الصولجان لميليوكوف، قالت البرجوازية الصغيرة، كلا، إن هذه المهمات أكبر من قواي.

أما الطبقة الفلاحية التي رفعت الديمقراطية التوفيقية، فإنها تحتوي بشكل بدائي على كافة طبقات المجتمع البورجوازي. وشكَّل الفلاحون مع البرجوازية الحضرية الصغيرة التي لم تلعب في روسيا أي دور جدي، المادة التي تمايزت فيها الطبقات الجديدة في الماضي، ولا تزال تتمايز في الوقت الحاضر. ومن المعروف أن للطبقة الفلاحية وجهين: تدير أحدهما للبروليتاريا، وتتجه بالآخر نحو البرجوازية. ولكن الموقف الوسطي، المتردد، التوفيقي الذي تقفه الأحزاب الفلاحية، من نوع الحزب الاشتراكي – الثوري، عاجز عن الصمود إلا في ظروف الخمول السياسي. وما أن تأتي الحقبة الثورية حتى تجد البرجوازية الصغيرة نفسها مضطرة إلى الاختيار. ولقد حدد المناشفة والاشتراكيون – الثوريون موقفهم منذ الساعة الأولى. وقتلوا “الديكتاتورية الديمقراطية” وهي في حالتها الجنينية؛ بغية منعها من أن تكون نقطة انطلاق نحو ديكتاتورية البروليتاريا. ولكن عملهم هذا فتح طريقًا آخر أمام هذه الديكتاتورية، ولم يكن هذا الطريق يمر من خلالهم، بل ضدهم.

وما كان بوسع الثورة المقبلة أن تنطلق اعتمادًا على المخططات القديمة بل على الأحداث والأوضاع الجديدة. وسارت الجماهير تحت قيادة ممثليها، بنصف وعي، وبنصف رغبة، نحو آلية ازدواجية السلطة. وكان عليها أن تمر عبر هذا السبيل حتى تلاحظ بالتجربة أن هذه الآلية عاجزة عن إعطائها السلام أو الأرض. عندها أصبح رفض نظام السلطة المزدوجة يعني بالنسبة للجماهير قطع علاقتاتها مع المناشفة والاشتراكيين – الثوريين. ولكن من المؤكد أن تحول العمال والجنود سياسيًّا نحو البلاشفة، وقلب بناء السلطة المزدوجة كله، لم يعد يعني سوى إقامة ديكتاتورية البروليتاريا المبنية على تحالف العمال والفلاحين. وكانت هزيمة الجماهير الشعبية تعني قيام ديكتاتورية رأس المال العسكرية على أنقاض الحزب البلشفي. وكانت “الديكتاتورية الديمقراطية” مستبعدة في كلتا الحالتين. وكان التفات البلاشفة بأنظارهم إليها يعني الاتجاه نحو شبح من أشباح الماضي. هكذا وجد لينين البلاشفة عندما جاء حاملاً فكرته التي لا تتزعزع عن ضرورة دفع الحزب للسير على سبيل جديد.

والحقيقة أن لينين نفسه لم يستبدل صيغة الديكتاتورية الديمقراطية بصيغة أخرى، ولو بصورة شرطية أو افتراضية، حتى بداية ثورة فبراير (شباط). فهل كان هذا صحيحًا؟ إننا نرى بأن ذلك غير صحيح. ولقد أدَّت الأحداث التي جرت في الحزب بعد الانتفاضة إلى كشف تأخر خطير في إعادة التسليح الفكري، الذي لم يكن أحد غير لينين قادرًا على القيام به في تلك الظروف. واستعد لينين لهذا الأمر. وحمَّى فولاذه حتى الاحمرار وغمره في نار الحرب. وتبدل في نظره الأفق العام للتطور التاريخي. وقربت هزات الحرب بشدة احتمالات اندلاع الثورة الاشتراكية في الغرب. ورأى لينين أن الثورة الروسية لا تزال ديمقراطية، وأن عليها أن تعطي دفعة للثورة الاشتراكية في أوروبا، التي لن تلبث أن تأخذ روسيا المتخلفة في دوامتها العنيفة. هكذا كان مفهوم لينين العام عندما ترك زوريخ. وتقول رسالة الوداع التي وجهها إلى العمال السويسريين ما يلي: “إن روسيا بلد فلاحي، وهي من أكثر بلاد أوربا تخلفًا. ولا تستطيع الاشتراكية الانتصار فيها مباشرة أو دفعة واحدة. ولكن طبيعة البلاد الريفية، ووجود مساحات واسعة من الأراضي بين أيدي الملاكين النبلاء قادران على الإفادة من تجربة عام 1905، وإعطاء الثورة الديمقراطية – البرجوازية الروسية دفعة رائعة. وجعل ثورتنا الروسية مقدمة ثورة اشتراكية عالمية، ودرجة للوصول إلى هذه الثورة”. وبهذا يكون لينين قد كتب لأول مرة بأن من المحتمل أن تبدأ البروليتاريا الروسية الثورة الاشتراكية.

هذه هي نقطة الاتصال بين موقف البلشفية القديم الذي يقتصر على إعطاء الثورة أهدافًا ديمقراطية، وموقف لينين الجديد الذي طرح أمام الحزب ولأول مرة في 4 إبريل (نيسان). وبدا احتمال الانتقال المباشر إلى ديكتاتورية البروليتاريا أمرًا مفاجئًا غير منتظر، يخالف التقاليد المعهودة. ولا يستطيع الدخول إلى الأدمغة. وهنا لا بُدَّ لنا من أن نذكر بأن ما سُمي بالتروتسكية حتى اندلاع ثورة فبراير (شباط) وفي الأيام الأولى التي تلتها، لم يكن يتعلق بالفكرة القائلة بأن بناء الاشتراكية داخل الحدود الروسية الوطنية أمر غير ممكن (إذ لم تطرح “إمكانية” مثل هذا البناء من قبل أي شخص حتى عام 1924، وليس من المحتمل أن تكون قد خطرت قبل هذا التاريخ على بال أي إنسان)، وكانت التروتسكية آنذاك تعني الفكرة القائلة بأن بوسع البروليتاريا الروسية الوصول إلى السلطة قبل البروليتاريا الغربية، ويتعذر عليها في مثل هذه الحالة البقاء داخل إطار الديكتاتورية الديمقراطية، ولا بُدَّ لها من البدء بأخذ التدابير الاشتراكية. وليس من الغريب في هذه الحالة أن ترفض أفكار إبريل، على اعتبارها أفكار قريبة من التروتسكية.

وتطورت اعتراضات “البلاشفة القدامى” على عدة خطوط. ودار الجدل الأساسي لمعرفة ما إذا كانت الثورة الديمقراطية البرجوازية قد أنجزت تمامًا أم لا. ولكن عدم انتهاء الثورة الزراعية جعل خصوم لينين قادرين على الادعاء بأن الثورة الديمقراطية لم تصل بعد إلى نهايتها. وكانوا يستنتجون من ذلك، بأنه لم يحن الأوان بعد لإقامة ديكتاتورية البروليتاريا، حتى لو أن الشروط الاجتماعية في روسيا تسمح بإقامة هذه الديكتاتورية في وقت قريب نسبيًّا. هكذا طرحت البرافدا المسألة في مقال أتينا على ذكره من قبل. ثم كرر كامنييف في مؤتمر إبريل (نيسان) ما يلي: “يخطئ لينين عندما يقول بأن الثورة الديمقراطية – البرجوازية قد أنجزت … ولم يُصف حتى الآن وجود الإقطاعية التقليدية، أي ملكية النبلاء الزراعية … ولم تتحول الدولة إلى مجتمع ديموقراطي … ولم يحن الوقت بعد للقول بأن الديمقراطية البرجوازية قد استنزفت كل إمكاناتها”.

ورد تومسكي على لينين بقوله: “إن الديكتاتورية الديمقراطية قاعدتنا … وعلينا أن ننظم سلطة البروليتاريا والفلاحين. وأن نميز هذه السلطة عن الكومونة التي كانت السلطة فيها للبروليتاريا”.

وأضاف ريكوف: إن أمامنا مهام ثورية واسعة. ولكن تنفيذ هذه المهام لا ينقلنا إلى ما بعد إطار النظام البورجوازي”.

ومما لا شك فيه أن لينين كان يرى كمعارضيه أن الثورة الديمقراطية لم تنجز بعد. أو أنها بدأت ثم أخذت تتراجع إلى الخلف. ومن هنا انبثقت الفكرة القائلة بأن إنجازها حتى النهاية لا يتم إلا تحت سيطرة طبقة جديدة، وأن الوصول إلى هذا الغرض متعذر قبل انتزاع الجماهير من سيطرة المناشفة والاشتراكيين – الثوريين، أي من السيطرة غير المباشرة للبرجوازية الليبرالية. ويرتبط هذان الحزبان مع العمال. ومع الجنود بصورة خاصة، برباط ينبع من فكرة الدفاع: “الدفاع عن البلاد” أو “الدفاع عن الثورة”؛ لذا طالب لينين بسياسة حاسمة ضد كل مظاهر الاشتراكية – الوطنية على مختلف درجاتها. وانتزاع الحزب من الجماهير المتخلفة، بغية العمل بعد ذلك على تخليص هذه الجماهير من تخلفها. وكرر لينين: “لا بُدَّ من التخلي عن البلشفية القديمة. ومن الضروري فصل خط البرجوازية الصغيرة عن خط البروليتاريا العاملة بالأجر”.

وإذا نظرنا إلى الأمور نظرة سطحية اعتقدنا بأن الخصوم القدماء تبادلوا أسلحتهم؛ إذ أصبح المناشفة والاشتراكيون – الثوريون يمثلون غالبية العمال والجنود، وكأنهم نفَّذوا حقًا تحالف البروليتاريا السياسي مع الفلاحين. ذلك التحالف الذي تبناه البلاشفة دائمًا ضد المناشفة. وها هو لينين يطالب بانتزاع الطبقة البروليتارية من هذا التحالف. والحقيقة أن كل حزب من الحزبين بقي مخلصًا لنفسه؛ إذ كان المناشفة يرون على عادتهم بأن مهمتهم هي دعم البرجوازية الليبرالية. وكان تحالفهم مع الاشتراكيين – الثوريين وسيلة لتوسيع هذا الدعم وتقويته. على حين كانت قطيعة الطليعة البروليتارية مع الكتلة البرجوازية الصغيرة، تعني إعداد تحالف العمال والفلاحين تحت قيادة الحزب البلشفي، أي ديكتاتورية البروليتاريا.

وظهرت اعتراضات أخرى مبنية على حالة التخلف السائدة في روسيا. وكانت اعتراضات ريكوف في مؤتمر إبريل (نيسان) مبنية على ما يلي: “إن سلطة الطبقة العمالية تعني الانتقال حتمًا إلى الاشتراكية. ولكن اقتصاد روسيا وثقافتها غير ناضجين أو مؤهلين لهذا الانتقال. ومن الضروري دفع الثورة الديمقراطية إلى أبعد مدًى. واندلاع الثورة الاشتراكية في الغرب، شرط أساسي لإقامة ديكتاتورية البروليتاريا في بلادنا. ومن المؤكد أن لينين لم يكن ينكر ذلك. وكان يعتبر عدم كفاية الظروف الثقافية والاقتصادية لبناء المجتمع الاشتراكي في روسيا أمرًا محسومًا و”ألف باء” سياسته. ولكن المجتمع لا يسير بهذا الشكل الجامد، ولا تأتي اللحظة المناسبة لديكتاتورية البروليتاريا تمامًا في لحظة وصول الظروف الاقتصادية والثقافية إلى النضج اللازم للاشتراكية. ولو كان تطور الإنسانية يتم بمثل هذا الانتظام لما كان هناك ضرورة للديكتاتورية أو للثورة بصورة عامة. وكل ما في الأمر أن المجتمع التاريخي الحي مجتمع غير منسجم، ويزداد وضوح هذه الظاهرة كلما جاء تطوره متأخرًا. ويظهر عدم الانسجام هذا في أن البرجوازية في بلد متخلص كروسيا وصلت إلى التحلل قبل انتصار النظام البورجوازي بشكل كامل، وفي أن البروليتاريا هي البديل الوحيد الذي لا بُدَّ أن يحل محلها في قيادة الأمة. إن الحالة الاقتصادية المتخلفة في روسيا لا تعفي الطبقة العمالية من واجب القيام بالمهمة الملقاة على عاتقها، ولكنها تضع أمام هذا التنفيذ صعوبات جسيمة. لقد أكد ريكوف أكثر من مرة على أن الاشتراكية ستأتي من البلاد المتقدمة صناعيًّا، ورد عليه لينين ردًا بسيطًا وكافيًا، “لا يمكن القول من ذا الذي سيبدأ، ومن سيُنجز”.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: البلاشفة ولينين. جـ 3