تاريخ الثورة الروسية: إعادة تسليح الحزب فكرياً.. جـ 2

0
350

في عام 1921، وعندما لم يكن الحزب قد أخضع بصورة بيروقراطية، لجأ هذا الحزب إلى تحديد ماضيه وإعداد مستقبله بحرية كبيرة. ويتساءل أولمينسكي، البلشفي القديم الذي شارك في إدارة صحافة الحزب في مختلف مراحل تطورها، كيف سار الحزب على سبيل انتهازي في لحظة ثورة فبراير (شباط). وماذا سمح له بعد ذلك أن يندفع بمثل هذه الشدَّة نحو طريق أكتوبر (تشرين الأول)؟ ويرى هذا البلشفي، أن منابع أخطاء مارس (آذار) كامنة في أن الحزب “أطال أكثر مما ينبغي” توجهه نحو الديكتاتورية الديمقراطية. ويقول أولمينسكي: “أن الثورة القائمة لا يمكن أن تكون سوى ثورة برجوازية … لقد كان هذا الحكم إجباريًّا لكل أعضاء الحزب، وكان يمثل الرأي الرسمي للحزب، وشعاره الدائم الذي لا يتبدل حتى ثورة فبراير (شباط) 1917، بل وبعد اندلاعها بفترة أيضًا”.
ولو شاء أولمينسكي تأكيد أقواله، لكان بوسعه أن يذكر بأن البرافدا كتبت في 7 مارس (آذار) -أي قبل التعديلات التي أجراها ستالين وكامنييف عليها، وعندما كانت تخضع لهيئة تحرير “يسارية” تضم أولمينسكي نفسه- القول التالي، وكأنه أمر بديهي: “من المؤكد أن مسألة سقوط سيطرة رأس المال لم تطرح حتى الآن من قبلنا. ويتعلق الأمر بسقوط الحكم الفردي والإقطاع …”، وهكذا أدَّى ضيق الأفق وقصر مداه إلى وقوع الحزب في مارس (آذار) أسيرًا للديمقراطية البرجوازية. ويتساءل أولمينسكي: “فمن أين جاءت ثورة أكتوبر (تشرين الأول)؟ وكيف أجمع الحزب من الزعماء إلى مناضلي القاعدة “فجأة” على التخلي عما اعتبروه حقيقة ثابتة لا تتزعزع خلال حوالي عشرين سنة؟”.
ويطرح سوخانوف السؤال نفسه بأسلوب آخر هو أسلوب الخصم فيقول: “كيف، وبأية الوسائل استطاع لينين الانتصار على البلاشفة؟” والحقيقة أن انتصار لينين داخل الحزب لم يكن كاملاً فحسب، بل تم تحقيقه خلال فترة جد قصيرة. وتحدث الخصوم عن هذا الأمر بكل سخرية، مشيرين إلى النظام الفردي في الحزب البلشفي. ويرد سوخانوف على سؤاله بنفسه وبأسلوب لا يختلف عن الأسلوب الذي بدأ به فيقول: “لقد كان لينين العبقري سلطة تاريخية، وهذا جانب من المسألة. وبالإضافة إلى ذلك فإننا إذا استثنينا لينين، وجدنا أنه ليس في الحزب البلشفي أي شخص أو أي شيء. إن عددًا من القادة الكبار بلا لينين لا يساوون شيئًا، إنهم كالكواكب بلا شمس (ولن أتطرق في حديثي الآن إلى تروتسكي الذي لم يكن آنذاك قد انضم إلى صفوف الحزب)”. وتحاول هذه السطور الغريبة تفسير تأثير لينين وإرجاع هذا التأثير إلى سلطته الشخصية، تمامًا مثلما يفسر تأثير الأفيون وقدرته على التنويم بما يحتويه من خصائص منومة. ولكن مثل هذه التفسيرات لا تذهب إلى مدى بعيد.
لقد كان تأثير لينين الفعلي داخل الحزب كبيرًا بشكل لا جدال فيه، ولكنه لم يكن بلا حدود. ولم يصل هذا التأثير إلى حدود السلطة التي لا مرد لها حتى فيما بعد، أي حتى بعد أكتوبر (تشرين الأول)، عندما تزايدت سلطة لينين بشكل غير معهود، لأن الحزب عرف قوته وسط خضم الأحداث العالمية. وهذا ما يزيد من خطأ كل تفسير يعتمد على الإشارة إلى سلطة لينين الشخصية في إبريل (نيسان) 1917، عندما كانت قيادات الحزب تقف في موقع معارض لموقفه.
ويقترب أولمينسكي من حل المعضلة أكثر من غيره عندما يؤكد بأن الحزب كان يطرح صيغة الثورة الديمقراطية – البرجوازية، ولكن سياسته المضادة للبرجوازية والديمقراطية كانت تعني أنه استعد فعليًّا ومنذ زمن طويل، لاستلام قيادة البروليتاريا في صراع مباشر من أجل الاستيلاء على السلطة. ويقول أولمينسكي “لقد توجهنا جميعًا (أو عدد كبير منا على الأقل) نحو الثورة البروليتاريا من دون وعي، وكنا نعتقد آنذاك أننا نسير نحو الثورة الديمقراطية – البرجوازية. أي أننا كنا نعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) وكلنا اعتقاد بأننا نعد ثورة فبراير (شباط)”. وهذا تعميم ثمين إلى حد بعيد، كما أنه شهادة لا تقبل النقض!
واشتملت التوعية السياسية للحزب على عنصر من عناصر التناقض، وجد التعبير الصادق عنه في الصيغة المبهمة الغامضة الخاصة “بالديكتاتورية الديمقراطية” للبروليتاريا والفلاحين. ولقد تحدثت إحدى المندوبات في المؤتمر عن تقرير لينين، فعبَّرت عن فكرة أولمينسكي بشكل مبسط عندما قالت: “لقد كان توقع البلاشفة خاطئًا، على حين كان التكتيك صحيحًا”.
وفي “أفكار إبريل” التي بدت غير مألوفة، رفض لينين الصيغة القديمة، معتمدًا على التقليد الحي للحزب والمتمثل في: عدم المصالحة مع الطبقات الحاكمة، ومعاداة كل أنواع المراوغة والخداع، على حين كان “البلاشفة القدامى” يضعون الذكريات -التي ذهبت إلى المصنفات رغم حداثتها- مقابل التطور الملموس للصراع الطبقي. وكان لينين يستند إلى ركيزة متينة أعدها تاريخ الصراع الطويل بين البلاشفة والمناشفة.
وهنا لا بُدَّ أن نذكر بأن البرنامج الرسمي للاشتراكية الديمقراطية بقي حتى تلك الفترة برنامجًا مشتركًا بين البلاشفة والمناشفة. وأن المهمات العملية للثورة الديمقراطية كانت تظهر على الورق متماثلة لدى الحزبين. ولكنها لم تكن متماثلة في التنفيذ العملي؛ إذ أخذ العمال البلاشفة المبادهة بعد الانتفاضة مباشرة، وبدأوا النضال في سبيل يوم العمل المؤلف من 8 ساعات. واعتبر المناشفة أن هذا المطلب سابق لأوانه. وقاد البلاشفة عمليات توقيف الموظفين القيصريين، وعارض المناشفة كل “تطرف”. وخلق البلاشفة المليشيا العمالية بحماس واندفاع، على حين عرقل المناشفة تسليح العمال حتى لا يسيئوا إلى علاقتهم مع البرجوازية. وتصرف البلاشفة، أو حاولوا التصرف على الأقل كثوريين متشددين، رغم تعثر قياداتهم وانحرافاتهم، بينما كان المناشفة يضحون بالبرنامج الديموقراطي في كل خطوة لصالح التحالف مع الليبراليين. ووجد كامنييف وستالين أنهما بدون حلفاء من الديموقراطيين، فأحسوا بأن الأرض تميد تحت أقدامهما.
ولم يكن صراع لينين مع قيادة الحزب في إبريل (نيسان) الصدام الوحيد من نوعه. فإذا أخذنا تاريخ البلشفية كله، باستثناء فترات محدودة استثنائية تؤكد القاعدة، وجدنا أن كافة الزعماء وقفوا في لحظات التطور الأساسية على يمين لينين. فهل كان هذا صدفة؟ كلا! لقد غدا لينين زعيم أكبر حزب ثوري في التاريخ العالمي لأن فكره وإرادته كانا على مستوى الإمكانيات الثورية الضخمة للبلاد والعصر. وكان البعض يقلون عنه ببضعة سنتيمترات، أو ضعف ذلك، أو أكثر بكثير.
وكنت معظم قيادات الحزب البلشفي تقريبًا خارج العمل الفعلي خلال الأشهر والسنوات التي سبقت الانتفاضة. ولقد حمل الكثيرون معهم إلى السجون والمنفى الانطباعات الثقيلة للأشهر الأولى من الحرب، وأحسوا بانهيار الأممية وهم منعزلون أو يعيشون داخل مجموعات صغيرة. وكانوا إذا ما عاشوا داخل صفوف الحزب يشعرون بتجاوب كافٍ إزاء الأفكار الثورية -وهذا ما كان يربطهم بالبلشفية- ولكن ما أن يجدوا أنفسهم منعزلين حتى يفقدوا القدرة على مقاومة ضغط الوسط المحيط بهم، ويعجزوا عن إعطاء تقييم ماركسي للأحداث. وبقيت المحركات الرائعة التي تمت داخل الجماهير في سنتين ونصف من الحرب بعيدة عن حقل مراقبتهم. ولم تنتزعهم الانتفاضة من عزلتهم فحسب، بل رفعتهم إلى السلطة وأعلى مراكز الحزب أيضًا. وكانت عقلية هذه العناصر تتجاوب غالبًا مع أنتليجنسيا “زيميرفالد” أكثر من تجاوبها مع العمال الثوريين في المصانع.
ومن المؤكد أن “البلاشفة القدامى” الذين كانوا يشيرون في أبريل (نيسان) 1917 بكل تبجح إلى صفتهم كمناضلين قدماء غدوا معرضين لهزيمة محققة، لأنهم كانوا يدافعون عن عنصر من عناصر تقاليد الحزب لم يعد يصمد أمام تجربة التاريخ. ولقد قال كالينين مثلاً في مؤتمر بتروغراد المنعقد في 14 إبريل (نيسان): “إنني من البلاشفة – اللينينيين القدامى، وأعتقد بأن اللينينية القديمة لم تثبت عجزها حتى هذه اللحظة. واستغرب أن يُعلن لينين بأن البلاشفة القدامى غدوا مزعجين في اللحظة الحاضرة”. ولقد سمع لينين في هذه الأيام كثيرًا من الاتهامات المشابهة. ولكن قطيعة لينين مع صيغة الحزب التقليدية لم تمنعه من أن يكون “لينينيًّا”. لقد ألقى رداء البلشفية المهترئ لينادي نواتها إلى حياة جديدة.
وللصراع ضد البلاشفة القدامى، وجد لينين الدعم في شريحة أخرى داخل الحزب. وكانت شريحة تمرَّست منذ أمد قريب ولكنها أكثر من الطبقة السابقة حيوية وأشد اتصالاً بالجماهير. ونحن نعلم أن العمال البلاشفة لعبوا في انتفاضة فبراير (شباط) دورًا حاسمًا. ورأوا أن من الطبيعي أن تستولي على السلطة الطبقة التي حققت النصر. واحتج هؤلاء العمال بشدة على خط كامنييف – ستالين، وهدد حي فيبورغ بطرد بعض “الزعماء” من الحزب. وظهر الوضع بشكل مشابه في المقاطعات. ووجد في كل مكان بلاشفة يساريون متهمون بالتطرف الذي يصل إلى حدود الفوضوية. ولم يكن ينقص العمال الثوريين سوى الحجج النظرية اللازمة للدفاع عن مواقفهم. ولكنهم كانوا على استعداد للتجاوب مع أول نداء مفهوم.
واتجه لينين نحو هذه الشريحة العمالية التي وقفت على قدميها خلال مد فترة 1912 – 1914. وفي بداية الحرب، سددت الحكومة للحزب ضربة قوية، وسحقت المجموعة البلشفية في مجلس الدوما، فتحدث لينين عن العمل الثوري المقبل، ونادى أولئك الذين ثقفهم الحزب “وستظهر كوادر القياديين الجديدة رغم كل الصعوبات من بين آلاف العمال الواعين”، صحيح أن لينين كان مفصولاً عنهم بجبهتين، ولا يقيم معهم أي اتصال تقريبًا، ولكنه لم يكن يبتعد في قرارة نفسه عنهم. “وحتى لو تحطموا بشكل يزيد خمس أو عشر مرات بسبب الحرب، والسجن، وسيبريا، والمنفى! فإن من المتعذر تدمير هذه الشريحة. إنها حية. إنها مشبعة بالروح الثورية والروح المضادة للشوفينية”. وكان لينين يعيش بفكره كافة الأحداث التي يعيشها هؤلاء العمال البلاشفة. ويجد معهم الاستنتاجات الضرورية، ولكنه كان يجدها بشكل أكثر جرأة وأشد اتساعًا. وعندما أراد لينين مجابهة تردد زعماء الحزب ومجموعة ضباطه، اعتمد بكل ثقة على ضباط الصف في الحزب نفسه، لأنهم كانوا يمثلون العامل البلشفي القاعدي بشكل أفضل.
وتعود قوة الاشتراكيين – الوطنيين المؤقتة، والضعف الخفي لجناح البلاشفة الانتهازيين إلى أن الاشتراكيين – الوطنيين كانوا يستندون إلى أحكام الجماهير المسبقة وأوهامها الحالية، على حين كان جناح البلاشفة الانتهازيين يحاول التلاؤم مع هذه الأحكام والأوهام. وتكمن قوة لينين الطاغية بأنه فهم المنطق الداخلي للحركة، ونظم سياستها وفق هذا المنطق. إنه لم يفرض سياسته على الجماهير، ولكنه ساعدها على وضع وتنفيذ خططها الخاصة. ولقد أعاد لينين كل معضلات الثورة إلى مسألة واحدة “الشرح بصبر” وهذا يعني رفع وعي الجماهير إلى مستوى الوضع الذي دُفعت إليه بحكم مسار التطور التاريخي. وكان على العامل أو الجندي الذي أصابته سياسة التوفيقيين بخيبة أمل أن ينتقل إلى موقف لينين دون التوقف في المرحلة الوسطية لكامنييف ستالين.
وما أن ظهرت صيغ لينين، حتى سلطت أمام البلاشفة ضوءًا جديدًا على تجربة الشهر الماضي وتجربة كل يوم جديد. وظهر في وسط جماهير الحزب العريضة اتجاه يقول: إلى اليسار! إلى اليسار! نحو أفكار لينين.
ويقول زاليجسكي: “وأعلنت المناطق الواحدة تلو الأخرى عن تأييدها، وما أن عقد مؤتمر الحزب لعموم روسيا في 24 إبريل (نيسان) حتى أعلن تنظيم بتروغراد بأسره عن وقوفه إلى جانب الأفكار”.
وهكذا ابتدأ الصراع في سبيل إعادة تسليح الحزب في مساء 3 إبريل (نيسان)، لينتهي مع نهاية الشهر(2). واعتبر مؤتمر الحزب المنعقد في بتروغراد خلال الفترة الواقعة بين 24 و29 إبريل (نيسان) أن مارس (آذار) كان شهر الترددات الانتهازية. وأن إبريل (نيسان) هو شهر الأزمة الحادة. وكان عدد الحزب قد تزايد في هذه الحقبة، وارتفع مستواه السياسي بشكل ملحوظ. وكان 149 مندوبًا يمثلون 79 ألف عضو حزبي منهم 15 ألفًا في بتروغراد وحدها. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الحزب كان بالأمس غير شرعي، وغدا اليوم حزبًا مضادًا للفكرة الوطنية الشوفينية، وجدنا أن عدده كبير وهام. ولقد ردد لينين هذه الفكرة أكثر من مرة بلهجة تنم عن الرضا، وتحددت طبيعة المؤتمر السياسية عند انتخاب أعضاء المكتب الخمسة؛ إذ لم ينتخب في هذا المكتب كل من كامنييف وستالين، أكبر صنَّاع أخطاء إبريل (نيسان).
وبالرغم من حسم المسألة المطروحة على بساط البحث داخل الحزب بمجمله، فقد بقي عدد من الزعماء المرتبطين بموقف الأمس في مواقعهم. ووقفوا في المؤتمر موقف المعارضة أو نصف المعارضة من لينين. وحافظ ستالين على الصمت، وبقي في وضع المراقبة. وتحدث دزيرجينسكي باسم “عدد كبير” من الرفاق الذين “لا يوافقون مبدئيًّا على أفكار صاحب التقرير”، وطالب بسماع رأي “الرفاق الذين عاشوا معنا أحداث الثورة بصورة عملية”. وكان في هذا القول إشارة واضحة إلى أن منبع أفكار لينين كامن في وجوده بعيدًا عن البلاد. وقدم كامنييف إلى المؤتمر تقريرًا يدعو فيه إلى الديكتاتورية الديمقراطية – البرجوازية. وحاول ريكوف، وتومسكي، وكالينين البقاء بشكل أو آخر في المواقف التي أخذوها خلال شهر مارس (آذار). ودافع كالينين عن فكرة الوحدة مع المناشفة بغية الصراع ضد الليبرالية. وألقى سميدوفيتش -وهو أحد المناضلين المشهورين- في موسكو خطابًا ضمنه عددًا من الشكاوي: “حيثما توجهنا رفع الناس ضدنا شبحًا مرعبًا هو أفكار الرفيق لينين”. حقًا لقد كانت الحياة أشد يسرًا عندما كان البلاشفة يصوتون إلى جانب مقررات المناشفة.
لقد كان دزيرجينسكي من أنصار روزا لوكسمبورغ، وهذا ما دفعه إلى الوقوف ضد حق الأمم بتقرير مصيرها، واتهام لينين بحماية الميول الانفصالية التي تضعف البروليتاريا في روسيا. وكان الرد على دزيرجينسكي هو أنه يدعم الشوفينية الروسية – العظمى، وهذا ما دفعه إلى القول: “وبوسعي أن ألومه (لينين) على وقوفه مع وجهة نظر الشوفينيين البولونيين والأوكرانيين وغيرهم”، ولم يكن هذا الحوار السياسي ليخلو من الطرافة؛ أن الروسي العظيم لينين يتهم البولوني دزيرجينسكي بشوفينية روسية – عظمى موجهة ضد البولونيين، على حين يتهمه هذا الأخير بالشوفينية البولونية. وكانت الفكرة الصحيحة في هذا الجدل كله أيضًا إلى جانب لينين. ولقد غدت سياسته الخاصة بالقوميات عنصرًا من أهم عناصر ثورة أكتوبر (تشرين الأول).
واختفت المعارضة بشكل واضح. ولم تجمع ضد الأفكار المطروحة أكثر من 7 أصوات. وشهد المؤتمر حدثًا استثنائيًّا غريبًا يستحق الاهتمام، ويتعلق بعلاقات الحزب الأممية. ففي نهاية أعمال المؤتمر، وخلال اجتماع مساء 29 إبريل (نيسان)، قدم زينوفييف باسم اللجنة مشروع قرار يقول: “سيتم الاشتراك في مؤتمر الزيميرفالديين العالمي المحدد بتاريخ 18 مايو (آيار)” (في ستوكهولم). وتقول محاضر جلسات المؤتمر: “وتمت الموافقة على ذلك بالإجماع باستثناء صوت واحد”. وكان هذا الصوت الوحيد المعارض هو صوت لينين. فلقد طالب بقطع العلاقات مع الزيميرفالدين نظرًا لوقوف غالبيتهم نهائيًّا إلى جانب المستقلين الألمان، والمسالمين المحايدين من أمثال السويسري غريم. ولكن كوادر الحزب الروسية كانت تعتبر خلال الحرب أن فكرة زيميرفالد متطابقة مع البلشفية. ولم يكن المندوبون قد وافقوا بعد على التخلي عن تسمية الاشتراكية – الديمقراطية، كما لم يقرروا القطيعة مع زيميرفالد التي بقيت بالنسبة لهم رباطًا يصلهم بجماهير الأممية الثانية. وحاول لينين تحديد المشاركة في المؤتمر المقبل على الأقل بأهداف استعلامية. ووقف زينوفييف ضده. ولم تتم الموافقة على اقتراح لينين. عندها صوت وحده ضد مجموع القرار. ولم يدعمه أحد. وكان هذا آخر دفعة لمشاعر مارس (آذار)، وتمسك البعض بمواقف الأمس، وخشوا أن يجدوا أنفسهم “معزولين” ولم يعقد مؤتمر ستوكهولم المذكور نظرًا لخلافات زيميرفالد الداخلية التي دفعت لينين إلى القطيعة معها. وهكذا حقق الواقع العملي سياسة الامتناع عن الحضور التي رُفضت بالإجماع، باستثناء صوت واحد.
وكانت حدة الانعطاف الذي شهدته سياسة الحزب واضحة للجميع. وتحدث العامل البلشفي شميدت -الذي غدا فيما بعد مفوض الشعب للعمل- أمام مؤتمر إبريل (نيسان) فقال: “لقد أعطى لينين اتجاهًا جديدًا لطبيعة نشاط الحزب”. وكتب راسكولينكوف بعد عدة سنوات، أن عمل لينين في إبريل (نيسان) 1917 “حقق ثورة أكتوبر في وعي قادة الحزب … أن تكتيك حزبنا لا يرسم خطًا مستقيمًا، ولقد سجل هذا التكتيك بعد قدوم لينين انعطافًا حادًا نحو اليسار”. وتحدثت البلشفية القديمة لودميلاستا عن هذا الانعطاف بشكل مباشر أشد دقة عندما قالت في 14 إبريل (نيسان) أمام مؤتمر بتروغراد: “كان جميع الرفاق قبل قدوم لينين تائهين وسط الظلمات. ولم يكن أمامهم سوى صيغ عام 1905. وعجزنا عن إعطاء الدروس للشعب عندما وجدناه يخلق الثورة بعفوية … واضطر الرفاق إلى الاكتفاء بالإعداد للمجلس التأسيسي وفق أسلوب برلماني، ولم يفكروا لحظة واحدة بالاندفاع إلى أمام. والموافقة على أفكار لينين تعني أننا سنتصرف وفق متطلبات الحياة نفسها … وليس علينا أن نخشى الكومونة، لأننا حققنا الحكومة العمالية. ولم تكن كومونة باريس عمَّالية صِرفة، بل كانت برجوازية صغيرة أيضًا”.
ويمكننا أن نتفق مع سوخانوف على أن إعادة تسليح الحزب “كانت أكبر وأهم انتصار حققه لينين في أول أيام مايو (آيار)”. والحقيقة أن سوخانوف كان يرى بأن لينين استبدل سلاح الماركسية خلال هذه العملية بسلاح الفوضوية.
ويبقى أمامنا سؤال هام، ولكن طرحه أسهل من الإجابة عليه: ترى كيف سيجري تطور الثورة لو لم يستطع لينين الوصول إلى روسيا في إبريل (نيسان) 1917؟ وإذا كان حديثنا السابق كله يؤكد أو يكشف شيئًا، فإننا نأمل أن يكون هذا الشيء هو أن لينين لم يكن خالق التطور الثوري ولكنه انتظم في سلسلة القوى الإيجابية، فكان حلقة كبيرة في هذه السلسلة. وجاءت ديكتاتورية البروليتاريا من الوضع كله، ولكنه كان من الضروري توجيهها. وكانت إقامتها متعذرة دون وجود حزب. ولم يكن الحزب قادرًا على تنفيذ مهمته دون فهمها. ولهذا، فقد كان لينين في تلك الفترة ضروريًّا لا غنى عنه. ولم يستطع أي زعيم بلشفي قبل حضوره إجراء تشخيص سليم للثورة. ودُفعت قيادة كامنييف – ستالين تحت ضغط الأحداث نحو اليمين، أي نحو الاشتراكيين الوطنيين. ولم تترك الثورة بين لينين والمنشفية أي مكان لمواقف وسطية. وكان الصراع الداخلي في قلب الحزب البلشفي أمرًا لا يمكن تلافيه.
ولقد عجَّل قدوم لينين بتطور الأمور. وساعد تأثيره الشخصي على تقصير مدة الأزمة. فهل يمكننا أن نقول بكل تأكيد أنه كان بوسع الحزب أن يجد سبيله بلا لينين؟ إننا لا نستطيع تقديم مثل هذا التأكيد أبدًا. والوقت هنا عامل حاسم، ويتعذر النظر إلى ساعة التاريخ بعد وقوع الأحداث. وليس بين المادية الجدلية والقدرية أي تشابه أو تقارب. ولو لم يكن لينين موجودًا لأخذت الأزمة الناجمة عن تصرفات القيادة الانتهازية شكلاً أكثر حدة وأشد طولاً. بَيْد أن ظروف الحرب والثورة كانت تضغط على الحزب، ولا تترك له فترة طويلة ينفذ فيها مهمته. ولذا فقد كان من المحتمل أن يُضيع الحزب التائه المنقسم الوضع الثوري، ويفقد الفرصة الملائمة خلال عدة سنوات. وهنا يبدو لنا دور العامل الشخصي بحجم ضخم إلى حد بعيد. ولكن علينا أن نفهم حقيقة هذا الدور، وذلك باعتبار العامل الشخصي كحلقة واحدة في السلسلة التاريخية.
وأدَّى قدوم لينين “المفاجئ”، وعودته من الخارج بعد غياب طويل، والاتهامات المتعددة التي أثارتها الصحافة حوله، وصراعه مع كافة زعماء حزبه، وانتصاره السريع عليهم، وكافة المظاهر الخارجية للأحداث، إلى تقييم يضع الفرد، البطل، العبقري في مجابهة الظروف الموضوعية، والجماهير، والحزب. والحقيقة أن هذه النقيضة لا تمثل سوى جانب واحد من الأمور.
ولم يكن لينين عنصرًا صُدفيًّا في التطور التاريخي، ولكنه كان نتاج مجمل التاريخ الروسي السابق. وكان يمد بجذوره إلى أعماق هذا التاريخ. فقد كان على اتصال بالعمال المتقدمين. وشاركهم نضالهم خلال ربع القرن الذي سبق الثورة. ولم يكن “تأثير الصدفة” قادرًا على التدخل بالأحداث، بل كان قصَّافة القش التي حاول لويد جورج أن يسد بها طريق الثورة، ولم يكن لينين يعارض الحزب من الخارج، بل كان أفضل تعبير عن هذا الحزب. وكان خلافه مع القيادات البلشفية يعني صراع ماضي الحزب مع مستقبله. ولو لم يبتعد لينين بصورة إجبارية عن الحزب بسبب شروط اللجوء والحرب، لما كانت الآلية الخارجية للأزمة درامية بالشكل الذي جرت به، ولما أخفت إلى هذا الحد استمرارية التطور الداخلي للحزب. ولا يمكننا أن نستنتج من الأهمية الخارقة الذي أخذها مَقْدم لينين سوى أن الزعماء لا يأتون صدفة، وأن اختيارهم وإعدادهم يتطلب عشرات السنين، وأن من المتعذر استبدالهم بشكل اعتباطي، وأن إبعادهم الآلي عن الصراع يصيب الحزب بجرح دامٍ، قد يصيب هذا الحزب في بعض الحالات بشلل طويل الأمد.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: إعادة تسليح الحزب فكريًّا.. جـ 1