الطبقات والقطاعات الاجتماعية في روسيا الجديدة جـ 4

0
360

 

اشكال الملكية الجديدة في روسيا ولدت طبقات وقطاعات اجتماعية جديدة. في معظم البلدان الرأسمالية من السهل نسبيا اجراء دراسة حول البنية الاجتماعية. في تلك الدول تشكلت الطبقات والقطاعات الاجتماعية عبر عقود وقرون، لذا فإنها مستقرة نسبيا، ولكن الامر مختلف في الدول الرأسمالية الجديدة المنبثقة عن دول العمال السابقة، وتحديدا في روسيا. 22  جمهورية اتحادية بأبعاد قارية.

في دول العمال السابقة ولد الانتقال من الاقتصاد المخطط الى اقتصاد السوق تحولات اجتماعية عميقة. هنالك تحشيد وتقاطعات اجتماعية هائلة لدرجة لم تبلغها بقية البلدان الرأسمالية. من جهة اخرى فان استعادة الرأسمالية تمت في اطار ازمة النظام، ما ادى الى  تشكل طبقات اجتماعية جديدة تتقاطع فيما بينها، وتفرض سمات صيرورة سندعوها، لعدم وجود تعريف اكثر دقة، بـ “التحلل الاجتماعي”.

كافة المحللين يدركون هذا الواقع، ففي ورقة عمل لمؤسسة الدراسات المتقدمة لجامعة ساو باولو، اشاروا الى هذا بالمصطلحات التالية: على الصعيد الاجتماعي، برزت مجموعات جديدة، قطاعات من الجماهير تم تهميشها، كما اتسعت الفجوة الاجتماعية. العلاقات الاقتصادية اتجهت الى الجريمة بشكل متصاعد، وكان تدمير العلاقات الاجتماعية السابقة اسرع من تشكل نظيرتها الجديدة. (زاسلافاسكايا، 1996).

لتوضيح مسالة اتجاه العلاقات الاقتصادية الى الجريمة لا نحتاج الا للتنويه بتنامي الاهمية الاقتصادية لمجموعات المافيا التي فرضت نفسها. في روسيا هنالك نحو ٣٠٠٠ – ٤٠٠٠ من هذه المجموعات التي وظفت اكثر من ٢٥٠٠٠ شخص لتنفيذ معظم انواع المهمات، من قطاع البنوك الى تصفية رجال الاعمال. المافيا جزء – فعليا جزء في غاية الاهمية، حتى نوعيا – من البرجوازية الروسية الجديدة. على الاقل هذا ما تبينه تقارير قسم مناهضة المافيا.

وفقا لهذه التقارير، فانه في العام ١٩٩٣ فقط كان هناك “٤٠ الف استثمار في الجريمة” (البنك الدولي، ١٩٩٦، ص ١٠٥). الجريمة المنظمة كانت تهيمن على ٤٠٪ من الناتج المحلي الاجمالي، و٧٠٪ من البنوك الروسية كانت تعود للمافيا، (استاداو، ٤-٣٠-٩٥).

من جهة اخرى، في اطار استعادة الرأسمالية، ظهرت قطاعات برجوازية مختلفة (مالية، وتجارية، وصناعية، وتصدير… الخ).

البرجوازية القديمة، المتواجدة في الحكومة وعضوية الشركات لعقود، بقيت رغم انها تعاني تحولات هائلة. اليوم بات هذا القطاع جزء من البرجوازية الجديدة. البعض استمر بممارسة دوره بقيادة الشركات التي تمت خصخصتها، وكانوا، كالعادة، من كبار حاملي السندات. وبهذه الطريقة اصبح لديهم وظيفة اجتماعية مزدوجة، بينما استمرت قطاعات اخرى هامة بقيادة الشركات المملوكة من الدولة، ولكن الان بعلاقة مختلفة مع الدولة، حيث لم يعد هنالك تخطيط مركزي.

وفيما يتعلق بمكتسبي الاجور، كانت التحولات بذات العمق. اعادة تأسيس اقتصاد السوق حول الاجور الىسلع، ما ولد المزيد من الفروقات فيما بينها، والمزيد من التنقلات والبطالة.

وبرز قطاع جديد، العاملون بالأجر في انماط مختلفة من الشركات غير التابعة للدولة، والذين توجد بينهم ايضا فروقات كبيرة. هذا القطاع كان الاكثر تطورا، فعلى سبيل المثال، في العام ١٩٩٠ كان من بين ٧٥.٣ مليون عامل ٦٢.٢ مليون يعملون في شركات مملوكة للدولة او البلديات، و٩.٤ مليون في القطاع الخاص. بعد ثلاث سنوات فقط، في ١٩٩٣، تغيرت هذه الارقام بشكل هائل. ال ٦٢.٢ مليون عامل في الشركات المملوكة للدولة تقلصوا الى ٤١.٥ مليون. وفي المقابل تزايد عدد ال ٩.٤ مليون من العاملين في القطاع الخاص الى ١٦.٦ مليون.

البطالة، التي لم تكن معروفة في الاتحاد السوفياتي من قبل، باتت المصدر الثاني لقلق الجماهير، بعد الجريمة، ارتفاع معدل البطالة ادى الى بروز ظاهرة نمطية للرأسمالية: “الجيش الاحتياطي”، وكمنتج فرعي لذلك: البروليتاريا الرثة.

دراسة تشكل الطبقات والقطاعات الاجتماعية مهمة للغاية لإدراك الاتجاهات على ارض الواقع، والمصالح المختلفة في النضال، وتعبيراتها السياسية. لذا سنستعرض هذا بالتفصيل في الجزء الرابع من هذه الدراسة. على اية حال، هذا الجزء معد لتحليل عملية استعادة الرأسمالية. نعتقد انه من المهم للغاية محاولة  تقديم اجابة للسؤال التالي: اين وكيف برزت البرجوازية الروسية الحديثة؟ او على الاقل ما يبدو اكثر قطاعاتها ديناميكية: البرجوازية المالية – الصناعية.

البرجوازية الروسية الحديثة

تسريع عملية استعادة الرأسمالية، والتي بيناه من قبل، لا يمكن تفسيره فقط من خلال ضغط الامبريالية، او استسلام البيروقراطية المطلق، او توقعات السكان من اقتصادالسوق، بل يمكن تفسيره من خلال تطور البرجوازية الروسية الجديدة، والتي هي نتيجة، وفي ذات الوقت عامل ايجابي لعملية استعادة الرأسمالية.

بين معظم المحللين، كان من الشائع التقليل من تأثير البرجوازية الروسية، وبهذا لامسوا شيء من الحقيقة، وفي حال المقارنة، مثلا، ببرجوازيات اميركا الشمالية، او المانيا، او اليابان، فان البرجوازية الروسية غير موجودة عمليا. ولكن لا يمكن اجراء المقارنة على هذا النحو.لإدراك نمو البرجوازية الروسية من الضرورة اجراء مقارنة مع الوضع السابق لروسيا نفسها. فقط على سبيل المثال، لإجراء هذا لا بد من اخذ البيانات التي قدمناها بعين الاعتبار. في دولة لم تكن فيها برجوازية حتى بضعة سنوات سابقة، في السنوات الاربعة الاخيرة تم تأسيس ٢٥٠٠ بنك خاص، معظمها برساميل وطنية. هذه الحقيقة تحملنا على تتبع اصل هذه الرساميل، ورؤوس الاموال الروسية،لأنها برزت في دولة ليس لديها اقتصاد رأسمالي، وفي ظل البيروقراطية الحاكمة.

ومن الجدير بالاهتمام الالتفات الى مقاربة احد الشهود على هذه الحقائق. نشير هنا الى الماركسي الروسي ف. فازين، والذي سلط الضوء في عمل صغير على الاقتصاد وعلاقات الانتاج في الاتحاد السوفياتي وروسيا في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد حلل كيف برزت هذه الطبقة الجديدة من الصفوف العليا للبيروقراطية بشكل عام. المؤلف بدا تحليله من نهاية السياسة الاقتصادية الجديدة، ونوه بانه تم الاحتفاظ ببقايا الاستغلال الرأسمالي غير المباشر، حيث تحقق هذا عبر مدخرات السكان في بنوك التوفير، والتي يحصلون مقابلها على ٢ و٣٪ سنويا. ولكن كانت هناك مدخرات تدر معدلات سنوية مرتفعة، تتجاوز الى حد كبير الاجر السنوي لمعظم العمال. في النصف الثاني من القرن العشرين، وفق محفوظات البيروقراطية العالية للإنتاج، تمت اضافة مبالغ طائلة من الاموال

كانوا يحصلون عليها كتزويد من اجل معدات الانتاج، او المبادرات التقنية للمرؤوسين، ما بدا وكأنه تأليف مشترك. (فانزين، ١٩٩٦)

في السنوات الأولى للبيروسترويكا تم السماح بإنشاء تعاونيات إنتاجية صغيرة لإعادة تصميم المنازل، كما تم السماح بتصنيع الملابس والأحذية. وما لبثت أن أصبحت هذه التعاونيات شركات رأسمالية صغيرة، حيث يتقاضى معظم أعضاء التعاونية رواتب فقط، بينما يتقاضى جزء ضئيل للغاية رواتب بالإضافة إلى الأرباح.

وهكذا بدأ تأسيس هذه التعاونيات الإنتاجية داخل الشركات التي تعود ملكيتها للدولة. الصفوف الأعلى للبيروقراطية، أو الأشخاص المقربون منهم، كانوا يقودون هذه التعاونيات.  وعلى نحو متصاعد بات نشاط هذه التعاونيات مقتصرا على الاستفادة من الحصول على الأجزاء والمواد التي تنالها الشركات بسعر الجملة،  وبيعها بسعر السوق. (فانزين، ١٩٩٦).

مبالغ ضخمة من الأموال تراكمت لدى الصفوف العليا لبيروقراطية الإنتاج. تم تأسيس تعاونيات كبرى وظفت العشرات والمئات من الموظفين والعمال. وبدأ حجم الإنتاج ينمو في التعاونيات الرأسمالية، وينخفض في الشركات التابعة للدولة.  )فانزين، ١٩٩٦).

تغير نوعي في عملية مراكمة رأس المال التقليدي بدأ مع خصخصة الشركات عبر “الإيصالات” ، والتي كانت عبارة عن شيكات خصخصة. أصحاب الشركات الأساسيون كانوا يبيعون “إيصالاتهم” أو يحصلون مقابلها على حفنة من سندات الشركات التي يعملون بها. البيروقراطية العليا للإنتاج في الشركات كانت تحصل على ما يصل إلى ١٠٪ او ١٢٪ من السندات، بالإضافة إلى حق التصويت الحاسم. (فانزين، ١٩٩٦).

أكثر من نصف السندات كانت تباع عبر “مكاتب” تمويل الخصخصة. وكان جزء كبير من هذه السندات ينتهي به المطاف في أيدي متبوئي أعلى السلم الهرمي في الشركات، وليس بالضرورة في أيدي السلطات التي تديرها. (فانزين، ١٩٩٦).

الموارد التي سبق وأن تراكمت، استخدمت لشراء وإعادة بيع “الإيصالات” في البورصة، ادت إلى مراكمة رأس المال نقدا. وتم تأسيس بنوك تجارية خاصة، حيث أصبحت هذه الرساميل النقدية تستخدم لبيع وشراء سندات الشركات، ومنتجات الشركات التابعة للدولة، والحصول على الفائدة من العمليات التجارية.

من البنوك الكبرى التابعة للدولة، تأسس نظام لبضعة عشرات من البنوك التجارية ذات القوة الكاملة. وباتت ميزانية الدولة تمر عبر هذهالبنوك “المفوضة”، والتي تستخدم أموال الموازنة لشراء سندات كبرى للشركات التابعة للدولة، والتي قد تتم خصخصتها. وبهذه الطريقة، فإن الأموال التي تحصل عليها الدولة مقابل بيع الشركات تذهب مجددا لهذه البنوك المفوضة. أصحاب البنوك، عبر قيامهم بتأسيس نظام قانوني مستقل (خوفا من التحيز في مواجهة احتمال إفلاس البنوك) بحيث يتم البيع وفقا لهذا النظام، بعبارة أخرى يتم بيع الشركات التي تم شراؤها بميزانية الدولة لهم أنفسهم، في حين أنهم لم ينفقوا على هذه الشركات حتى ولو جزءاً بسيطا من قيمتها الحقيقية. (فازين، ١٩٩٦).

أولئك الذين يحكمون روسيا

حتى الآن قمنا بالإشارة بشكل جوهري إلى ظاهرة كانت موجودة في بنية المجتمع الروسي. ومن المهم بالنسبة لنا مقاربة مشكلة البناء الفوقي السياسي، وتحديدا الحكومة، حيث أن هنالك تداخل دائم بين البناء التحتي والبناء الفوقي.

وفيما يتعلق بهذا التداخل، فإن سياسة غورباتشوف تم إثباتها (وتعمقت عبر يلتسين) في عملية التحولات الاقتصادية. على أية حال، فإن هذه التحولات لعبت دورها في التغيرات التي شهدها البناء السياسي الفوقي، وتحديدا في الحكومة المركزية.

هذه التغيرات الأخيرة تم تثبيتها في عهد حكومتي يلتسين، وهذا واضح تماما في حال مقارنة عهد حكومة غورباتشوف، في الاتحاد السوفياتي السابق، بالحكومة الروسية الراهنة.

كلتا الحكومتين تدعمان استعادة الرأسمالية على المستوى السياسي، ومع هذا فإنهما مختلفتين من وجهة النظر الاجتماعية، حكومة غورباتشوف كانت حكومة البيروقراطية، بينما الحكومة الحالية، حكومة يلتسين، ليست حكومة البيروقراطية. والفرق تم تسليط الضوء عليه في نص فازين الذي سبق وأن اقتبسنا منه. بعد أن أشار المؤلف إلى كيفية تشكل البرجوازية المالية- الصناعية، ختم بقوله: ممثلو رؤوس الأموال المتراكمة دخلوا الحكومة الروسية عبر هذه الطريقة، الرأسمالية الصناعية المالية وبيروقراطية الإنتاج، رغم كل التناقضات الطبقية، اتحدوا في الحكومة ضد أولئك الذين يرغبون هم باستغلالهم، ولكن بأشكال مختلفة. (فازين، ١٩٩٦).

 

أكبر تمثيل ل”بيروقراطية الإنتاج” في الحكومة كان في عهد رئيس الوزراء تشيرنومايردن، ارتباطا بأهم شركات الوقود “غازبروم”. ولكن البرجوازية كان لديها ممثليها أيضا، ومن أهمهم كان تشوبايس، رئيس الديوان، الذي كان مسؤولا عن برنامج الخصخصة. ومن الصف الثاني من الضرورة الإشارة إلى سكرتير مجلس الأمن التابع للكريملين، بيريزوفيسكي، مالك أحد البنوك،  وتاجر السيارات، ومالك لمحطات تلفاز.

بيريزوفسكي لم يكن أول رجل أعمال ولج إلى الحكومة الروسية. قبله كان هناك فلاديمير بوتانين، الرئيس السابق للبنك الرئيسي في روسيا، بنك الأونيكسم، والذي شغل منصب أول نائب رئيس للاقتصاد.

كلا رجلي الأعمال، مع خمسة آخرين، شكلوا مجموعة عمدت إلى الاجتماع أسبوعيا، وأثرت إلى درجة كبيرة على أعلى المستويات الحكومية. بيوترآفن، وميخائيل فريدمان، من بنك ألفا كانا جزء من هذه المجموعة. بالإضافة إلى فلاديمير غيسينسكي، رئيس مجموعة “ذا موست”، والذي يعمل في مجال البنوك والاتصالات، وميخائيل خودورسكوفسكي، رئيس مجموعة “ميناتيب”، والذي لديه أعمال في قطاع النفط والقطاع المالي، والكساندر سمولينسكي، من بنك “ستوليتشني” ، وفقا لبيريزوفسكي فإن هذه المجموعة من رجال الأعمال تتحكم ب ٥٠٪ من الاقتصاد الروسي.

يمكن مراجعة الجزء الثالث من خلال الرابط التالي:

استعادة الرأسماليّة في روسيا جـ 3