تاريخ الثورة الروسية: أيام ابريل جـ 2

0
408

وتضايق رئيس مجلس الوزراء الفرنسي ريبو من تردد بتروغراد، فسأل لندن وروما “إذا كانتا لا تريان أن من الضروري دعوة الحكومة المؤقتة لوضع حد لكل هذا الالتباس والغموض”، وأجابت لندن أنها ترى أن من الأفضل “دفع الاشتراكيين الفرنسيين والإنكليز للذهاب إلى روسيا، والتأثير مباشرة على رفاق أفكارهم”.

وجاء إرسال الاشتراكيين الحلفاء إلى روسيا بوحي من جنرالات القيصر القدامى. ولقد كتب ريبو عن (الاشتراكي الفرنسي) البير توماس ما يلي: “إننا نعتمد عليه في دفع الحكومة المؤقتة لتجعل قراراتها أكثر حماسًا”. ولكن ميليوكوف أبدى ضيقه من اتصال توماس الوثيق مع زعماء السوفييت. ورد ريبو على ذلك بأن توماس “يعمل مخلصًا” لدعم وجهة نظر ميليوكوف، وأنه وعد بدفع سفير بلاده إلى تقديم دعم أكثر فاعلية.

ومع هذا فقد خاف الحلفاء من بيان 27 مارس (آذار) الخالي من كل معنى، ورءوا فيه تنازلاً أمام السوفييت. وهددت لندن بأنها ستفقد إيمانها “بقدرة روسيا القتالية”. واشتكى باليولوغ من تردد البيان وغموضه. وكان هذا هو كل ما ينتظره ميليوكوف، الذي اعتمد على دعم الحلفاء، واندفع في لعبة كبيرة كانت أضخم بكثير من إمكاناته. وكانت فكرته الأساسية هي: استخدام الحرب ضد الثورة. وكان هدفه المباشر القريب على هذا السبيل هو تحطيم معنويات الديمقراطية. ولكن التوفيقيين بدأوا منذ أبريل (نيسان) بإظهار بعض العصبية والتردد المتزايد بالنسبة لمسائل السياسة الخارجية، نظرًا لتعرضهم لضغوط كبيرة قادمة من القاعدة. وكانت الحكومة بحاجة لقرض، ولكن الجماهير المشبعة بروح الدفاع الوطني كانت مستعدة لدعم قرض سلم لا قرض حرب. وكان لا بُدَّ من تقديم مظاهر أفق سلمي لهذه الجماهير.

وتابع تسيريتلي استخدام سياسة الأشكال والصيغ العادية المتفق عليها، فاقترح على الحكومة المؤقتة أن تقدم للحلفاء مذكرة مشابهة لبيان 27 مارس (آذار) الداخلي. وأخذت اللجنة التنفيذية على عاتقها بالمقابل دفع السوفييت إلى التصويت على “قرض الحرية”. ووافق ميليوكوف على هذه اللعبة: القرض مقابل المذكرة -ولكنه قرر أن يكسب من هذه المساومة كسبًا مزدوجًا. وكان مظهر المذكرة يدل على الرغبة بشرح البيان ولكن مضمونها كان يستنكر هذا البيان وينقضه. وأكدَّت المذكرة أنه لا ينبغي أن تؤدي الجعجعة اللفظية التي تتحدث بها السلطة الجديدة عن السلم إلى التفكير بأن الثورة المنجزة ستؤدي إلى إضعاف دور روسيا في الصراع المشترك مع الحلفاء، بل على العكس؛ إذ تزايد تصميم الشعب كله على دفع الحرب العالمية حتى النصر النهائي …”.

وتشير المذكرة في مكان آخر إلى أن المنتصرين “سيجدون الوسيلة للحصول على الضمانات وفرض العقوبات التي تضمن في المستقبل منع وقوع أية صراعات دامية”. وهكذا أدرجت كلمتا “ضمانات” و”عقوبات” بناء على إلحاح توماس. ولكن هاتين الكلمتين لا تعنيان في لغة الدبلوماسية المخادعة، والدبلوماسية الفرنسية بصورة خاصة سوى الضم والإلحاق. وفي يوم عيد 1 مايو (آيار)، أبرق ميليوكوف إلى حكومات الحلفاء بالمذكرة المكتوبة بوحي دبلوماسيي الحلفاء. ولما فرغ من ذلك بعث المذكرة إلى اللجنة التنفيذية والصحف بآن واحد. وتجاهلت الحكومة الاتصال باللجنة التنفيذية عبر “لجنة الاتصال”، ووجد زعماء اللجنة التنفيذية أنفسهم يُبلغون بالمذكرة كأي فرد من أفراد الشعب.

ولم يجد التوفيقيون في هذه المذكرة شيئًا لم يسمعوه من ميليوكوف من قبل، ولكنهم اعتبروا أن فيها شيئًا من العداء المبيت ضدهم، فلقد جردتهم من سلاحهم أمام الجماهير، ووضعتهم أمام اختيار محتوم بين البلشفية والليبرالية. أفلم تكن خطة ميليوكوف تستهدف ذلك؟ إن كثيرًا من الأمور تدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا لم يكن هدفه الأوحد، وأن حدود مراميه كانت تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير.

وكان ميليوكوف يسعى منذ مارس (آذار) إلى بعث الخطة المجهضة الخاصة بالاستيلاء على مضائق الدردنيل بإنزال روسي. وهذا ما دفعه إلى إجراء عدد من المباحثات مع الجنرال الكسييف، ليقنعه بإجراء عملية قوية تضع الديمقراطية المعادية “للضم” أمام الأمر الواقع. وكانت مذكرة ميليوكوف في 18 إبريل عبارة عن إنزال سياسي مواز على شاطئ الديمقراطية المجرد من الدفاع. وكان العملان -العسكري والسياسي- متكاملين كل التكامل. وكان بوسع الحكومة تبريرهما في حالة النجاح. ولا يعدم المنتصرون عادة الفرصة لإيجاد المبررات. ولكن النصر لم يكن وقفًا على ميليوكوف. فالإنزال بحاجة لـ200 : 300 ألف رجل. وفشلت العملية لسبب بسيط هو: أن الجنود رفضوا الاشتراك بالهجوم. لقد وافقوا على الدفاع عن الثورة لا على شن الهجمات. وفشلت محاولة ميليوكوف للنزول على شواطئ الدردنيل. وتحطمت كل مخططاته المقبلة مسبقًا. ولكن علينا أن نعترف بأن مخططاته كانت محسوبة بشكل جيد … شريطة أن تنجح.

وفي 17 إبريل (نيسان)، شهدت بتروغراد كابوسًا رهيبًا هو مظاهرة الوطنيين من مشوهي الحرب؛ إذ ترك عدد كبير من الجرحى مستشفيات العاصمة، وسار المشوهون، ممن فقدوا أيديهم أو أرجلهم إلى جوار الجرحى المضمدين، واتجهوا جميعًا نحو قصر توريد. ونقلت سيارات الشحن العاجزين عن السير. وكانت أعلام المتظاهرين تحمل الكتابات التالية: “الحرب حتى النهاية”. وكان هذا كله مظاهرة يأس يشترك بها الحطام البشري الناجم عن الحرب الإمبريالية. ذلك الحطام الذي لا يود أن تعتبر الثورة كل تضحياته سخيفة بلا معنى. ولكن حزب الكاديت كان يقف وراء هذه المظاهرة، كما كان يقف وراءها بصورة خاصة ميليوكوف الذي أخذ يستعد ليسدد في اليوم التالي ضربة قوية.

وفي مساء يوم 19 عقدت اللجنة التنفيذية اجتماعًا استثنائيًّا لمناقشة المذكرة المرسلة بالأمس إلى الحلفاء. ويقول ستانكيفيتش: “وبعد سماع القراءة الأولى، أقر الحاضرون بالإجماع ودون أي اعتراض، أن ما تتحدث عنه المذكرة كان غير متوقع من قبل اللجنة”. ولكن المذكرة ملزمة للحكومة كلها بما في ذلك كرنسكي؛ لذا كان من الضروري إنقاذ الحكومة قبل كل شيء آخر. وعكف تسيريتلي على “حل رموز” المذكرة التي لم تكن “مشفرة”، وبدأ يكتشف فيها ميزات متزايدة. وأخذ سكوبوليف مظهرًا جادًا، وحاول البرهنة على أنه كان من المتعذر بصورة عامة المطالبة “بتوافق كامل” بين نوايا الديموقراطيين ونوايا الحكومة. واستنزف هؤلاء الحكماء الكبار قواهم حتى الفجر، دون أن يجدوا للمسألة حلاً. وتفرقوا في الصباح الباكر على أن يجتمعوا ثانية بعد عدة ساعات. ولا شك في أنهم فكروا بالإفادة من عامل الزمن القادر على شفاء كل الجروح.

وظهرت المذكرة في كافة الصحف الصباحية وفسرتها صحيفة ريتش بشكل مشبع باستثارة مدروسة مسبقًا. وتحدثت الصحف الاشتراكية بتوتر شديد. ولم تكن رابوتشايا غازتيا (الصحيفة العمالية) المنشفية قد أخمدت سخطها الليلي مثل تسيريتلي وسكوبوليف؛ لذا فقد كتبت بأن الحكومة المؤقتة نشرت “وثيقة تضرب بنوايا الديموقراطيين عرض الحائط”، وطالبت السوفييت باتخاذ تدابير صارمة “لدرء النتائج الرهيبة” لهذه المذكرة. ويحس المرء أن آثار ضغط البلاشفة المتزايد واضحة كل الوضوح في هذه الجمل.

وعُقد اجتماع اللجنة التنفيذية من جديد، وافتتحت الجلسة ليقنع أعضاءها مرة أخرى بعجزهم عن التوصل إلى قرار معين. وتقرر استدعاء مجلس السوفييت لعقد جلسة استثنائية قيل إنها “للاستعلام” ولكنها كانت في الحقيقة لسبر غور درجة استياء القاعدة، وبغية ربح الوقت لإيجاد حل للفوضى والارتباك القائمة. وانعقدت في هذه الغضون كل أنواع جلسات الاتصال الخاصة التي أخذت تبحث المسألة وتحولها إلى العدم.

وفجأة اختلط بهذه البلبلة الشعائرية للسلطة المزدوجة قوة ثالثة. وخرجت الجماهير إلى الشارع وسلاحها بأيديها. ووسط حِراب الجنود ظهرت أحرف اللافتات القائلة: “فليسقط ميليوكوف!” وعلى لافتات أخرى، ظهرت جمل تردد هتافات معادية لغوتشكوف. ووسط هذا الطوفان من الكلمات الساخطة، كان من الصعب اكتشاف متظاهري أول مايو (آيار).

ويفسر المؤرخون هذه الحركة بأنها حركة “القوى الأولية” وهذا يعني باللغة التقليدية أن أي حزب من الأحزاب لم يأخذ على عاتقه المبادرة بالتظاهر وأن المظاهرات تمت بصورة عفوية. وقد صدر النداء المباشر الذي يدعو الجماهير للنزول إلى الشارع من أحد الأشخاص، ويدعى لاند الذي كتب اسمه في تاريخ الثورة بهذا الشكل. كان لاند “عالمًا، ورياضيًّا، وفيلسوفًا”. وكان بعيدًا عن الأحزاب. ولكنه كان في الوقت نفسه مؤيدًا للثورة من كل جوارحه، ويرغب صادقًا بتحقيق ما كانت تعد به تلك الثورة من آمال. وقد أثارت ملاحظة ميليوكوف وتعليقات الريتش سخطه. ويحكي كاتب سيرته أنه “بدأ بالعمل فورًا … دون أن يستشير أحدًا … وانتقل إلى فوج فنلندا، واستدعى لجنة الفوج واقترح عليها أن يسير الفوج فورًا إلى قصر ماري …”.

و”تبنَّت اللجنة اقتراح لاند. وفي الساعة الثالثة، تقدم فوج فنلندا بمظاهرة مهيبة في شوارع بتروغراد، تحمل لافتات مثيرة”. وسار خلف مظاهرة الفوج الفنلندي جنود الكتيبة الاحتياطية 180، وجنود أفواج موسكوفسكي وبافلوفسكي وكيكهولمسكي، وبحارة الفرقة الثانية من سدنة أسطول البلطيق. وكان عدد المتظاهرين يتراوح بين 25.000 و30.000 شخص مسلح. وابتدأ الاضطراب في الأحياء العمَّالية، وتوقف العمل، وأخذ العمال ينزلون إلى الشارع بمجموعات انطلقت من عدة مصانع وسارت هذه المجموعات خلف الأفواج.

ويؤكد ميليوكوف النظرية التالية: “لم يكن معظم الجنود يعرفون لماذا جاءوا”، ويدل تأكيده هذا على أنه قد أتيح له الوقت الكافي لاستجواب أولئك الجنود. “وقد اشترك في المظاهرة عمال أحداث صرحوا باستعلاء (!) بأنهم قبضوا من 10 إلى 15 روبلاً بغية المشاركة في هذا الشغب”. وكان مصدر الأموال المدفوعة واضحًا: “فقد طلبت ألمانيا القضاء على الوزيرين (ميليوكوف وغوتشكوف)”. وقد أعطى ميليوكوف هذا التفسير الخارق بعد ثلاث سنوات من أحداث أكتوبر (تشرين الأول) لا في لهيب معركة إبريل (نيسان)، هذه الأحداث التي كانت كافية للبرهان على أن أحدًا لم يكن بحاجة لأن يدفع يوميًّا سعرًا مرتفعًا للحقد الذي تحسه الجماهير الشعبية إزاء ميليوكوف.

ويفسر العنف غير المتوقع لمظاهرة إبريل (نيسان) برد فعل الجماهير الفوري تجاه دجل الحكومة ومكرها. “ما دامت الحكومة لن تحصل على السلم فإن علينا أن ندافع عن أنفسنا”. كان هذا الكلام يقال دون حماسة، ولكن بأسلوب مقنع. وكان الجميع يفترضون أن الحكومة قد قامت بكل ما يلزم لتقريب السلم. بينما كان البلاشفة يؤكدون أن الحكومة تريد متابعة الحرب، بغرض النهب والسرقة. ولكن هل هذا ممكن؟ وماذا يريد كرنسكي؟ “نحن نعرف زعماء السوفييتات منذ فبراير (شباط)، فقد كانوا أول من جاء إلى الثكنات، وهم ينادون بالسلم. وبالإضافة إلى هذا وصل لينين من برلين، وكان تسيريتلي في المنفى. إن علينا أن نتذرع بالصبر …” وفي الوقت ذاته كانت المصانع والأفواج المتقدمة تؤكد بمزيد من التصميم شعارات البلاشفة الداعية إلى سياسة سلمية: نشر الاتفاقات السرية، وقطع العلاقات مع خطط غزو دول الحلفاء، والاقتراح صراحة على عقد اتفاقية سلم منفرد فوري مع كل البلدان المتحاربة.

وفي هذا المناخ المعقد الغامض سقطت مذكرة 18 إبريل (نيسان). فكيف سقطت؟ وماذا تضمنت؟ … لم يكن في هذه المذكرة موقفًا يدعو إلى السلم، بل كان هناك تمسك بأهداف الحرب السابقة؟ إذن فنحن ننتظر ونصبر دون جدوى؟ فليسقط! … ولكن من؟ هل من الممكن أن يكون البلاشفة على حق؟ ليس من الممكن. نعم من الممكن، ولكن وما الموقف من المذكرة؟ هناك من يبيع جلدنا على كل حال لحلفاء القيصر؟ وكانت مجرد مقارنة بسيطة بين صحافة الكاديت وصحافة التوفيقيين تظهر أن ميليوكوف الذي خان الثقة العامة، يستعد لاتباع سياسة الغزو، بالاتفاق مع لويد جورج وريبو. ومع هذا صرح كرنسكي أن فكرة الهجوم على القسطنطينية كانت “رأيًا شخصيًّا” لميليوكوف. وبهذا الشكل انفجرت هذه الحركة.

ولكنها لم تكن متجانسة. فقد بالغت العناصر المختلفة الهائجة من الأوساط الثورية في تقدير سعة ونضوج الحركة سياسيًّا، وخاصة لأنها قامت بقوة وعنف. وبذل البلاشفة نشاطًا قويًّا جدًا وسط القطعات وفي المصانع. ولم يكتفوا بالمطلب القائل “اطردوا ميليوكوف!” الذي كان نوعًا من المنهاج الذي يشكل الحد الأدنى للحركة، بل أضافوا إليه نداءات علقوها على الجدران ضد الحكومة المؤقتة كلها. وكانت العناصر المختلفة تفهم هذه النداءات بمختلف الطرق؛ فقد فهمها البعض كشعار دعائي، وفهمها الآخرون على أنها مهمة اليوم ذاته. وأدخل شعار “فلتسقط الحكومة المؤقتة” في المظاهرة تيارًا ثوريًّا عندما أطلقه الجنود والبحارة المسلحون في الشارع. وكانت مجموعات هائلة من الجنود والعمال مستعدة للإطاحة بالحكومة المؤقتة. وقامت هذه المجموعات بمحاولات لدخول قصر ماري، واحتلال منافذه، واعتقال الوزراء المعتصمين به. وأُرسل سكوبوليف لإنقاذهم فقام بمهمته بنجاح ذلك لأن قصر ماري كان خاليًا.

وقد عقدت الحكومة جلستها في شقة غوتشكوف الخاصة لأنه كان مريضًا. ولكن لم يكن هذا الظرف العارض هو الذي أنقذ الوزراء من الاعتقال فلم يكونوا مهددين في القصر بصورة جدية. فجيش مؤلف من 25.000 إلى 30.000 رجل، ينزل إلى الشارع ليقاتل أولئك الذين كانوا يطيلون الحرب، إن مثل هذا الجيش كان كافيًا تمامًا لقلب حكومة أقوى من حكومة يرأسها الأمير لفوف. ولكن المظاهرات لم تستهدف تحقيق هذا الغرض. كان المتظاهرون لا يريدون إلا التهديد من تحت النافذة، كيما يكف هؤلاء السادة من الوزراء عن التهديد باحتلال القسطنطينية، وليهتموا بمسألة السلم اهتمامًا كافيًا. وبهذه الطريقة كان الجنود ينوون مساعدة كرنسكي وتسيريتلي ضد ميليوكوف.

وحضر الجنرال كورنيلوف إلى الجلسة الحكومية وأعطى أخبارًا عن مظاهرات مسلحة كانت قائمة في تلك اللحظة، وصرح بأنه يملك بصفته قائدًا لقطعات منطقة بتروغراد العسكرية قوات كافية لسحق التمرد بالقوة المسلحة: ولم يكن محتاجًا إلا لأمر كي يتحرك. وقد حكي كولتشاك فيما بعد، وخلال المحاكمة التي سبقت إعدامه أنه حضر هذه الجلسة بالصدفة، واعترف بأن كرنسكي والأمير لفوف عارضا محاولة قمع المتظاهرين بالقوة العسكرية. ولم يعبر ميليوكوف عن رأيه بوضوح، ولكنه لخص الوضع بأنه كان بوسع الوزراء بالطبع أن يحاكموا الأمور كما يشاءون، الأمر الذي لا يمنعهم من الذهاب إلى السجن. ومما لا ريب فيه أن كورنيلوف كان يعمل بالتواطؤ مع قيادة الكاديت.

ونجح الزعماء التوفيقيون دون جهد في إقناع الجنود المتظاهرين بمغادرة موقع قصر ماري، والعودة إلى الثكنات أيضًا. غير أن التوتر الذي ساد المدينة لم يعد أبدًا إلى حالته السابقة. فقد كانت الجموع تحتشد، واستمرت الاجتماعات، وأخذ الناس يتجمعون في مفترقات الشوارع، وفي حافلات الترام ويتناقشون، وكانوا ينقسمون إلى أنصار لميليوكوف وخصوم له وكان الخطباء البورجوازيون يهيجون الجماهير في شارع نييفسكي والشوارع المجاورة ضد لينين الذي أرسلته ألمانيا لقلب الوطني الكبير ميليوكوف. وبذل البلاشفة جهدهم لكي ينشروا السخط ضد المذكرة وكاتبها، وتحميل الحكومة كلها مسئولية رد الفعل الذي حدث ضد تلك المذكرة في الضواحي والأحياء العمالية.

وانعقدت هيئة السوفييت بكاملها في الساعة السابعة مساء. وكان الزعماء لا يعرفون ماذا يقولون للمستمعين الذين كانوا يرتعدون من شدة الانفعال. وقد أخبر تشخيدزه شفويًّا أن هناك مقابلة ستتم مع الحكومة المؤقتة بعد الجلسة. وكان تشيرنوف يثير الفزع من الحرب الأهلية الوشيكة الوقوع. ورد عليه فيدوروف وهو من عمال المعادن وعضو في اللجنة المركزية للبلاشفة أن الحرب الأهلية قائمة فعلاً، وأنه لم يبق أمام السوفييت إلا الاعتماد على الحرب الأهلية واستلام السلطة. وكتب سوخانوف ما يلي: “كانت هذه الأقوال جديدة ومرعبة في ذلك الوقت. ووقعت هذه الأقوال وسط الرأي العام السائد تمامًا، ووجدت في هذه المرة صدًى لم يعرفه البلاشفة من قبل أو من بعد، في مجلس السوفييت”.

ومع ذلك كان أهم ما يسترعي الانتباه في الجلسة، ويثير دهشة كل الأعضاء هو خطاب الاشتراكي – الليبرالي ستانكيفيتش الصديق الحميم لكرنسكي، إذ قال ستانكيفيتش: “ماذا يجدي ذهابنا “للتظاهر” أيها الرفاق؟ وضد من نستخدم القوة؟ لأن كل القوة في النهاية أنتم والجماهير الواقفة خلفكم. انتبهوا، انظروا، أن الساعة الآن تشير إلى السابعة إلا خمس دقائق (ومد ستانكيفيتش ذراعه إلى الساعة) والتفت كل الحضور في القاعة إلى الجهة التي يشير إليها الذراع. وأخيرًا قرر المجتمعون أن لا تستمر الحكومة المؤقتة في عملها، وأن تقدم استقالتها. سنطلب من الحكومة الاستقالة بواسطة الهاتف. وفي خلال خمس دقائق، تكون الحكومة قد تنازلت عن سلطاتها. ماذا تُجدي أعمال العنف، والمظاهرات، والحرب الأهلية”؟

واجتاحت القاعة عاصفة من التصفيق، والهتافات الحماسية. كان الخطيب يريد إرهاب السوفييت وهو يستخلص من الوضع أخطر استنتاج وأكثره تطرفًا، ولكنه خاف هو نفسه من الأثر الذي أحدثه خطابه. لأن الحقيقة التي اعترف بها عن قوة السوفييت رفعت المجلس فوق الدسائس التافهة للزعماء الذين كانوا يهتمون قبل كل شيء يمنع السوفييت من اتخاذ أي قرار. ورد أحد الخطباء على التصفيق قائلاً: “من يحل محل الحكومة؟ هل نحل محلها نحن؟ ولكن أيدينا ترتعد …” كان هذا الرد خاصة مميزة لا مثيل لها يتصف بها التوفيقيون، والزعماء المتشدقون ذوو الأيدي المرتعدة.

وأدلى لفوف رئيس الوزراء في اليوم التالي، تصريحًا تمم به أقوال ستانكيفيتش، وجاء فيه ما يلي: “كانت الحكومة المؤقتة تجد حتى الآن دعمًا مؤكدًا من جانب الجهاز القيادي للسوفييت. ومنذ خمسة عشر يومًا … تجد الحكومة نفسها مشتبهًا بها. وفي هذه الشروط… من الأفضل ذهاب الحكومة”. وهنا نجد أيضًا كيف كان التكوين الحقيقي لروسيا فبراير (شباط).

وتم لقاء اللجنة التنفيذية بالحكومة المؤقتة في قصر ماري. واشتكى الأمير لفوف في خطاب تمهيدي من الحملة التي شنتها الدوائر الاشتراكية ضد الحكومة، وتحدث عن الاستقالة بلهجة نصف جريحة ونصف تهديدية. وتكلم الوزراء كل بدوره، ووصفوا الصعوبات التي يعانونها والتي ساهموا في تراكمها بكل قواهم. وأدار ميليوكوف ظهره لهذه المناقشات المملة، وخطب من شرفة المجلس أمام المتظاهرين من أعضاء حزب الكاديت، وقال: “عندما أنظر إلى هذه اللافتات التي يمكن أن نقرأ فيها: “فليسقط ميليوكوف”! … فإنني لا أخشى على ميليوكوف. ولكني أخاف على روسيا”! بهذا الشكل روى ميليوكوف المؤرخ، الأقوال المتواضعة التي قالها ميليوكوف الوزير أمام الجمع المحتشد في الساحة.

وطالب تسيريتلي الحكومة بوضع مذكرة جديدة. ووجد تشيرنوف مخرجًا عبقريًّا عندما اقترح على ميليوكوف الانتقال إلى وزارة التعليم العام؛ إذ كان القيام بدراسات جغرافية حول القسطنطينية أقل خطرًا على كل حال من دراستها كهدف دبلوماسي. ورفض ميليوكوف مع ذلك بصورة صريحة العودة إلى مهنة العلوم، كما رفض كتابة مذكرة جديدة. ولم يمانع زعماء السوفييتات مدة طويلة وقبلوا “تفسيرًا” للمذكرة القديمة. وبقي على هؤلاء الساسة إيجاد بضع جمل وتمويه التزييف الكامن فيها على الطريقة الديمقراطية، ويمكن عندئذ اعتبار الوضع وقد أنقذ، مع إنقاذ الحقيبة الوزارية لميليوكوف أيضًا.

ولكن الطبقة الثالثة القلقة لا تريد أن تهدأ. وجاء يوم 21 إبريل (نيسان) ومعه موجة جديدة من الحركة الثورية، أقوى من حركة الأمس. وفي هذا اليوم حرضت لجنة بلاشفة بتروغراد على التظاهر. وبالرغم من مقاومة المناشفة والاشتراكيين الثوريين توجهت جماهير ضخمة من العمال إلى مركز المدينة، قادمة من أحياء فيبورغ ومن النواحي الأخرى. وأرسلت اللجنة التنفيذية رجالاً مزوَّدين بالصلاحيات على رأسهم تشخيدزه إلى المتظاهرين لتهدئتهم، ولكن العمال قالوا كلمتهم بحزم، فقد كان لديهم الكثير مما يقولونه. وقد وصف صحفي ليبرالي معروف في الريتش مظاهرة العمال في شارع نييفسكي قائلاً ما يلي: “كان هناك حوالي مائة رجل مسلح. ومن خلفهم احتشدت صفوف منظمة من الرجال والنساء غير المسلحين، وألوف من الأشخاص. مجموعات حية على الجناحين وأناشيد. وقد دهشت من تعبير الوجوه. لم يكن لهؤلاء الألوف من الأفراد إلا شكل واحد منذهل، والوجه الرهباني لقرون المسيحية الأولى، وجه لا يقهر، وجاهز بعناد للاغتيالات، وللتعسف والموت”. وقد نظر الصحفي الليبرالي للثورة العمالية في العيون وأحس فور تلك بتصميمها المركَّز. فكم كان الشبه بعيدًا بين هؤلاء العمال والفتيان الذين تحدث عنهم ميليوكوف قائلاً إن لودندورف استأجر كل واحد منهم مقابل 15 روبلاً في اليوم.

وكان هذا اليوم كالأمس؛ حيث لم يقلب المتظاهرون الحكومة مع أن أكثريتهم بالتأكيد قد فكرت بصورة جدية في هذه المسألة. وكان جزء من بينهم جاهزًا من هذا اليوم لدفع المظاهرة إلى ما بعد الحدود التي رسمتها الحالة الفكرية للأكثرية. واقترح تشخيدزه على المتظاهرين العودة إلى بيوتهم وأحيائهم. ولكن الزعماء ردوا بقوة قائلين: إن العمال يعرفون بأنفسهم ما يجب أن يفعلوه. وكانت هذه الملاحظة جديدة، ثم اعتاد عليها تشخيدزه فيما بعد، خلال الأسابيع المقبلة.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: أيام أبريل جـ 1