الآثار الاقتصادية والاجتماعية لاستعادة الرأسمالية جـ 5

0
390

الاتحاد السوفياتي السابق كان أكثر الدول التي عانت تداعيات الحرب العالمية الثانية ، وتكفي بيانات المقارنة؛ انجلتر او الولايات المتحدة وفرنسا شهدت مجتمعة 1200000 حالة وفاة، بينما شهد الاتحاد السوفياتي 20000000 حالة. ولهذه الأرقام تداعياتها أيضا على الاقتصاد.

 

في سنوات الحرب العالمية الثانية، انخفض الناتج القومي الإجمالي لروسيا بمعدل 17%. ومع هذا فإن هذه البيانات الاقتصادية، الناجمة عن أكثر الحروب دموية، لاتعني شيء عند مقارنتها بالفساد الذي عاث بالاقتصاد الروسي نتيجة استعادة الرأسمالية.

 

بين عامي 1991 و1994، انهارالإنتاج العالمي الروسي إلى مادون ال 40%. والناتج المحلي الإجمالي، من جهة أخرى، انخفض سنة تلو الأخرى: 9% في العام 1991، 18.9% في العام 1992، و12% في العام 1993، و16%  في العام 1994،و4% في الأشهر الستة الأولى للعام 1995.

 

وفيما يتعلق بالاستثمارات، فقد شهدت أيضا انهيارا مستمرا: 15.5% في العام 1991، و45%  سنة 1992، و16% سنة 1993، و28% في الأشهرالعشرة الأولى من العام 1994، و4% في النصف الأول للعام 1995.

 

الأرقام نفسها يعكسها القطاع الصناعي. وفي هذا الصدد كان هناك انهيار بنسبة 8% في العام 1991، و18.7%  في العام 1992، و16.2%  بالمائة في 1993، و12.4%  في الأشهر التسعة الأولى للعام 1994.

 

في هذه الأوقات، يؤكد المحللون وجود نمو في القطاع الصناعي بروسيا، وهذا صحيح، ولكنه نمو ضئيل (3% في الأشهر الستة الأولى للعام 1995)، لذا فهذا أبعد ما يكون عن تعويض الانهيارالرهيب (أكثرمن 50%  منذ سنة 1990).

 

وفي الزراعة، كان هنالك انخفاض مستمر بالإنتاج: 4.5% في العام 1991، 8%  في سنة 1992، 4% في عام 1993، 7%  في الأشهر العشرة الأولى للعام 1994.

 

تفرقة اجتماعية

الأرقام السابقة تكشف استمرار إفقار البلاد، ما يعني أن غالبية الناس يجري إفقارهم على نحو متنامي. ولوج روسيا إلى العالم الرأسمالي يعني الفاقة المتنامية للغالبية العظمى، كمصدر للربح الهائل للأقلية المتنفعة. لذا، فإن ما توازى مع اجترار الرأسمالية هو التفرقة الاجتماعية، كسمة نمطية للنظام.

 

بعض الأرقام تظهر بوضوح هذه الصيرورة، في عام 1980 مثلا، كان 10% من أصحاب أعلى المداخيل من السكان يملكون 19%  من الثروة الوطنية.  ولكن في العام 1992 ، باتوا يملكون 33% من الثروة. وقد ارتفع هذا الرقم إلى 42% خلال سنة واحدة، وتحديدا في العام  1993.

 

وبمقارنة هذا التنامي الهائل للثروة في أيدي الأقلية، فإن إحصاءات العام 1993 تبين أن 70% من الناس يحصلون على مداخيل أقل من المتوسط القومي.

 

وببيان هذا التنامي المتسارع للفقر، فإن نسبة الإنفاق على الطعام من مجمل الدخل تزايدت بين معظم السكان إلى 34%  سنة 1991، إلى 50%  في شهرشباط لسنة 1992، ومن ثم إلى 70%  في نهاية ذلك العام. مؤشرات اقتصادية أخرى تبين أنه في العام 1993، كان الناس ينفقون على الطعام سبعة أضعاف ما كانوا ينفقونه قبل سنة خلت. ومع هذا، كانوا ينفقون ثلث ما اعتادوا إنفاقه على اللحوم، والزبدة، والخضار، ونصف ماكانوا ينفقونه على الألبان.

 

البطالة

 

ذات وقت مضى، عبرت امرأة عاملة في أحد المصانع الرئيسية بموسكو عن المصاعب الأساسية التي واجهتها في محاربة استعادة الرأسمالية، حيث قالت: إن زملائي لا يصدقوني عندما أخبرهم أنه في حال تمت استعادة الرأسمالية ستكون هنالك بطالة. لايستطيعون فهم إمكانية عدم الحصول على عمل. ولهذه المسألة أسسها المادية. فلعدة عقود كان هناك عمل، وكان إلزاميا. من لا يعمل كان يذهب إلى السجن.

 

الواقع الذي شهدته روسيا قابل الاقتصاد بالرأسمالية، وكان هذا تغير نوعي. وكذلك تغيرت آراء الناس. اليوم فإن الرأي السائد حسب الاستطلاعات يفيد بأن البطالة باتت مصدر القلق الثاني بعد الانحراف.

 

في مطلع كانون الثاني عام 1994 حددت الأرقام الرسمية عدد العاطلين عن العمل بـ 835000 (1.1% من السكان النشطين اقتصاديا).

 

وبعد سنة، تحديدا في 1 كانون الثاني عام 1995، ارتفعت الأرقام الرسمية المتعلقة بالبطالة إلى 1.600.000 (2.1% من السكان النشطين اقتصاديا). ومع هذا هنالك رأي سائد بين المحللين يفيد بأن هذه الأرقام غير حقيقية. مثلا فيودور بروكوبوف، مسؤول فدرالية شؤون البطالة، يقدر أنه في بداية العام 1995  كان هنالك 5.300.3000 عاطل عن العمل (7% من السكان الفاعلين).

 

مشاكل أخرى ينبغي أخذها بعين الاعتبار، فحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية، فإن ثلث العاملين في القطاع الصناعي بروسيا هم فعليا عاطلون عن العمل.

 

وفقا للتقارير الرسمية، فإن الوظائف المؤقتة والإجازات الجبرية لعدة أشهر كانت تتنامى باستمرار. إلى جانب ذلك فإن نسبة كبيرة من العمال يمضون ثلاثة وأربعة بل وحتى ىستة أشهر دون الحصول على أجورهم. ومن جهة أخرى تفاقمت البطالة بطريقة غير متوازنة، يصعب قياسها بدقة. حتى البيانات الرسمية تبين أن المناطق الشمالية والوسطى والجنوبية تعكس معدلات أعلى من الفدرالية بأسرها، حيث ترتفع إلى 260 و320% (تايبو).

 

الصحة

 

كما أشرنا في جزء سابق في هذا النص، فإن البيروقراطية الحاكمة، خلال الفترة السابقة، فجرت أزمة الدولة الاقتصادية بين الجماهير العمالية، من خلال انخفاض موازنات الصحة والتعليم والإسكان، على سبيل المثال. ومع هذا فإن هذه الحالة لاتذكر بالمقارنة مع الوضع الراهن، حيث التفكيك الحقيقي للخدمات العامة، خاصة تلك المتعلقة بالقطاع الصحي، والتي بدأت تشهد تداعيات كارثية. في 1990 أثر الخناق على 0.8 شخص من كل 100.000 من السكان، وبحلول العام 1993 كان 4.6 شخص من كل 100.000 مصابين. وهنالك أرقام مماثلة لأمراض أخرى: الحصبة، 12.4 في 1990 مقابل 30 في 1993. والسل، 34.2 مقابل 45.3،والزهري 4.5 مقابل 21.5، وحتى السرطان 164.5 مقابل 269.2.

 

في الفترة القصيرة ما بين 1990 و1993 كانت معدلات التفسخ مرعبة وتعكس كارثة اجتماعية مماثلة لتلك التي سادت خلال الحرب العالمية الثانية. هذا التصريح قد يبدو مبالغة. ومع هذا فإن قراءة تقرير البنك الدولي 1996) تؤكد ذلك، حيث ينوه بتساؤل: هل كان للتحول آثار قاتلة؟ إليكم البيانات التالية:

 

خلال التحول ارتفع معدل الوفيات في روسيا ما بين 1990 و1994، وتقلصات معدل الأعمارمن 64 إلى 58 عاما للرجال، ومن 74 إلى 71  للنساء.  وقد سجل أعلى معدل لوفيات الرجال ما بين 25 و55 عاما.  وبالنسبة للرجال الأكبر عمرا في هذه المجموعة كان ارتفاع معدل الوفيات ناجم عن أمراض القلب والأوعية الدموية. أما بالنسبة للأقل عمرا فكانت الأسباب تتمثل عموما بالحوادث وحالات الانتحار والمخدرات وجرائم القتل.

 

وفيات البالغين في روسيا الآن أعلى بنسبة  10%  من نظيرتها في الهند. عاملان قد يكونان وراء هذا الوضع، الأول هو الكحول والاستهلاك غير القانوني للمخدرات والعقاقير، أما العامل الثاني، وهو أقل توثيقا ولكنه ملاحظ بشكل واسع، فهو انحدار نوعية الخدمات الطبية خلال السنوات الخمس الأخيرة، ما أدى إلى ارتفاع معدل الوفيات بين ضحايا الإصابات الخطيرة، وأمراض القلب والأوعية الدموية. (البنك الدولي، 1996).

 

وذات الوضع الذي شهده القطاع الصحي هيمن على قطاع التعليم. وتكفي الإشارة إلى أنه في السبعينيات كان 11%  من الموازنة مكرسا لهذا القطاع، أما في الثمانينيات، خلال عهد غورباتشوف، تقلصت هذه المخصصات إلى 8%، وهي لا تتجاوز راهناً الـ 5%.

 

بعض الاستنتاجات حول استعادة الرأسمالية في روسيا

 

استعادة الرأسمالية في دول العمال السابقة، ولاسيما في روسيا، دفعت منظري البرجوازية إلى القول بأن الرأسمالية أثبتت تفوقها، وبهذا تكون الاشتراكية حاليا مجرد يوتوبيا.

 

هذه الفكرة انتشرت بشكل واسع بين مثقفي البرجوازية الصغيرة. وقد عاثت ومازالت تعيث فسادا في صفوف وأروقة الماركسية، لأن كثيرين في ذلك التيار خلصوا إلى افتراض هذا، حتى حين يلمعون موقفهم بوجه “يساري”. البرجوازية قد تكون محقة كون الرأسمالية قد تمت استعادتها فعليا، رغم هذا تكفي البيانات التي قدمناها سابقا للوصول إلى الاستنتاج المضاد.

 

منذ لحظة امتلاك الطبقة العاملة للسلطة في روسيا، كان خطر استعادة الرأسمالية قد فرض بشكل دائم. وعندما استولت البيروقراطية الستالينية على السلطة تفاقم هذا الخطر بشكل نوعي. الثوريون الأكثر تميزا أشاروا إلى هذا مرات لا تحصى، ومع ذلك لم يسبق لهم القول بأن الأمر يحصل فعلا. قد يبدو أن الرأسمالية أثبتت تفوقها، بيد أن العكس هو الصحيح.

 

تروتسكي، في أعماله الأكثر تقدما حول انحطاط البيروقراطية في الاتحاد السوفياتي “الثورة المغدورة” يقول:

 

لم يعد لدينا ما نتصارع عليه مع الاقتصاديين البرجوازيين، الاشتراكية انتزعت حقها في النصر، ليس على صفحات “رأس المال”، ولكن في الميدان الاقتصادي الذي يحتضن سدس وجه الأرض، وليس بلغة الدياليكتيك، بل بلغة الحديد والاسمنت والكهرباء. حتى إذا ما كان الاتحاد السوفياتي، نتيجة المصاعب داخلية، و….خارجية، وخطأ قيادته، على شفا الانهيار –وهو ما نأمل بشدة عدم حصوله- ستبقى هذه الحقيقة ماثلة بشكل غير منقوص للمستقبل، والفضل فقط للثورة البروليتارية. دولة متأخرة حققت في أقل من عشرين سنة نجاحا لم يشهده التاريخ من قبل. (تروتسكي، 1991، ص 7-8).

هل كان تروتسكي يبالغ بهذا التصريح؟ الحقائق تبين العكس، وعلى الإمبريالية إدراك هذه الحقائق بطريقتها. السابقة التاريخية بينت أن ما نوه به تروتسكي كان عظيما لدرجة أن كتاب تقرير البنك الدولي (1996) لم يتمكنوا إلا من التصريح بأن الاقتصاد المخطط كانت له نتائج مبهرة: زيادة الإنتاج، والتصنيع، والتعليم الأساسي، والصحة، والإسكان، وتوفير وظائف لكافة السكان. في نظام التخطيط المركزي، كانت دول منظمة التعاون الاقتصادي، والاتحاد السوفياتي، مجتمعات تصنيعية إلى درجة جيدة، حيث سجلت، بالمعدلات الأولية والثانوية العالمية، مستوى عاليا لمحو الأمية، مقارنة بالدول الأخرى ذات الدخل المماثل (وأحيانا بدول ذات دخل أعلى بكثير)، كما سجلت مستويات استثنائية للمعرفة بالرياضيات والهندسة. في الصين كانت مستويات الاستثمار التعليمي، ومازالت، استثنائية، مقارنة بالدول المتطورة. في دول منظمة التعاون الاقتصادي والاتحاد السوفياتي كان للشركات حوافز لتوظيف أعلى عدد ممكن من الناس. لذا كان الشائع أن تجد تقلصا للقوى العاملة أكثر من البطالة. في نهاية الحقبة السوفياتية كانت العائلات تخصص للإسكان (إيجاراوخدمات) 2.4%  فقط من الدخل. أي أقل ما ينفقونه على المشروبات الكحولية والسجائر.

 

على أية حال، تروتسكي أشار إلى نجاح دول العمال، وإلى مستقبل هذه الدول في حال تمت استعادة الرأسمالية. “سقوط الديكتاتورية البيروقراطية الحالية، إذا لم يتم ملء فراغه بقوى اشتراكية جديدة، فإن هذا يعني العودة إلى استعادة الرأسمالية، مع تراجع كارثي للاقتصاد والثقافة”، (تروتسكي، 1991، ص 213).

 

من تنبؤ تروتسكي يأتي برنامج عملي ابتدأ بدفاع غير مشروط عن هذه الدولة، في مواجهة هجمات الرأسمالية.  وقد تأكدت هذه النبوءة تراجيديا. “التراجع الكارثي للاقتصاد والثقافة” لا يمكن إنكاره.

 

ضمن هذا الإطار فإن إعلان تفوق الرأسمالية، كونها تمكنت من استعادة ذاتها، ليس له ما يدعمه على أرض الواقع.

يمكن مراجعة الجزء الرابع من خلال الرابط التالي:

الطبقات والقطاعات الاجتماعية في روسيا الجديدة جـ 4