تاريخ الثورة الروسية: أيام أبريل جـ 3

0
331

وبينما كان التوفيقيون ينصحون من جهة ويحاولون من جهة أخرى أن يطفئوا لهيب الاضطرابات، كان الكاديت يحرضون وينفخون النار. ومع أن كورنيلوف لم يستلم بالأمس الأمر الذي يسمح له باستخدام السلاح ضد المتظاهرين، فإنه لم يكن مستعدًا للتخلي عن خطته. وإنما على العكس، اتخذ في صباح ذلك اليوم التدابير لمقاومة المتظاهرين مستخدمًا الخيالة والمدفعية ضدهم. ودعا الكاديت أنصارهم بمنشور خاص إلى الشارع معتمدين بحزم على إقدام الجنرال وجرأته، وحاولوا بوضوح تصعيد المشكلة إلى مستوى النزاع الحاسم. وتابع ميليوكوف تطوير هجومه مع كورنيلوف بوصفه طليعة الهجوم، ومع دول الحلفاء التي تشكل احتياطه الثقيل رغم أن إنزاله على شواطئ الدردنيل لم ينجح. ولعبت المذكرة التي أرسلت بلا علم السوفييت مع افتتاحية الريتش دور برقية ايمس المشهورة(1). وكانت هذه المذكرة موجهة إلى المستشار الليبرالي لثورة فبراير (شباط). وكانت تقول “يجب على كل الذين يتمسكون بروسيا وحريتها أن يضموا الصفوف حول الحكومة المؤقتة وأن يدعموها”. هكذا كانت مذكرة اللجنة المركزية للكاديت، التي تدعو كل المواطنين الشجعان للنزول إلى الشارع والكفاح ضد أنصار السلم الفوري.

وتحوَّل شارع نييفسكي، الشريان الرئيسي للبرجوازية، إلى اجتماع ضخم لأعضاء حزب الكاديت. وتوجهت مظاهرة ضخمة سار على رأسها أعضاء اللجنة المركزية لحزب الكاديت إلى قصر ماري. وكان المرء يرى في كل مكان لافتات خرجت مجددًا من الورش لتقول “الثقة الكاملة للحكومة المؤقتة”! “فليعيش ميليوكوف”! وطار الوزراء فرحًا؛ فقد وجدوا “شعبهم” الذي ظهر بوضوح أكبر، نظرًا لأن مبعوثي السوفييت كانوا يبذلون كل طاقاتهم لتفريق الاجتماعات الثورية، ويبعدون المتظاهرين من العمال والجنود من وسط المدينة إلى النواحي، ويردعون الثكنات والمصانع عن القيام بأي عمل.

وتحت ستار الدفاع عن الحكومة تمت أول عملية لتجنيد القوى المضادة بصورة صريحة وعلى نطاق واسع. وظهرت في وسط المدينة سيارات النقل محملة بالضباط، واليونكرز والطلاب المسلحين. وخرج أيضًا فرسان القديس جورج. وألَّف أولاد الذوات في النييفسكي محكمة عامة جرَّمت اللينيين و”الجواسيس الألمان”. ووقعت مناوشات وسقط بعض الضحايا. وبدأ أول صدام دموي -حسبما قيل- حينما حاول بعض الضباط أن ينتزعوا عَلَمًا كتبت عليه بعض الأقوال المعارضة للحكومة المؤقتة. وجرت المواجهة باستماتة متزايدة، وبدأ تبادل إطلاق النيران. وأصبح بعد الظهر تبادلاً متواصلاً. ولم يكن أحد يعرف بالضبط من هم الذين كانوا يرمون وما هو هدفهم، أو اتجاه طلقاتهم. وسقط الضحايا من تراشق النيران المتبادل وغير المنظم، وكان حُب الإيذاء هو أحد أسباب هذا التراشق. وكان السبب الآخر هو الذعر. وارتفعت الحرارة إلى حد بعيد.

ولم يكن هذا اليوم يشبه مظاهرة الوحدة الوطنية في شيء، بل كان هناك عالمان، ينتصب أحدهما في مواجهة الآخر. وكانت أرتال المواطنين التي دعاها حزب الكاديت للتظاهر ضد العمال والجنود تتألف فقط من عناصر برجوازية من الشعب، ومن ضباط، وموظفين، ومثقفين. وكان هناك سَيْلان بشريان، ينادي أحدهما باحتلال القسطنطينية، على حين يطالب الآخر بالسِلم، وكان هذان السيلان يتدفقان من أجزاء المدينة المختلفة. وكانا مختلفين بمحتواهما الاجتماعي، مفترقين بطابعهما الخارجي، يؤكدان عداءهما لبعضهما عن طريق الجمل المكتوبة على لافتات، وعندما يصطدمان يضربان بعضهما بالقبضات والعُصي، وبالأسلحة النارية أيضًا.

ووصل إلى اللجنة التنفيذية هذا الخبر غير المتوقع الذي يتضمن أن كورنيلوف يقدم مدافعه في ميدان القصر. فهل كان عمله هذا مبادرة مستقلة قام بها قائد الفيلق؟ كلا، إن طبيعة كورنيلوف وخدمته اللاحقة تبرهن على أن الجنرال الشجاع كان يجد دائمًا من يقوده من أرنبة أنفه، وهي وظيفة يقوم بها في هذه المرة زعماء الكاديت الذين دعوا جماهيرهم إلى الشارع معتمدين على تدخل كورنيلوف، ولكي يجعلوا هذا التدخل أمرًا لا محيص عنه. وقد ذكر أحد المؤرخين الشبان -عن حق- أن المحاولة التي قام بها كورنيلوف لجمع طلاب المدارس العسكرية في ميدان القصر لم تتطابق مع ضرورة حقيقة أو خيالية للدفاع عن قصر ماري ضد جموع معادية، بل تطابقت مع أكبر اندفاع لمظاهرة الكاديت.

ومع كل هذا فشلت خطة ميليوكوف – كورنيلوف، بصورة مخجلة. ومهما بلغت السذاجة بزعماء اللجنة التنفيذية فهم لا يستطيعون أن لا يفهموا بأن رءوسهم كانت معرضة للخطر. ومنذ أن وصلت أول معلومات متعلقة بالصدامات الدموية التي وقعت في شارع نييفسكي، أرسلت اللجنة التنفيذية أمرًا برقيًّا إلى كل قوات بتروغراد العسكرية، وضواحيها تطلب منها عدم إرسال أية مفرزة إلى شوارع العاصمة بدون موافقة مجلس السوفييت. والآن وبعد أن انكشفت نوايا كورنيلوف، وضعت اللجنة أيديها على عجلة المقود. برغم كل هذه التصريحات الطنانة ولم تطالب قائد الفيلق بسحب القوات فورًا فحسب، بل كلفت سكوبوليف وفيليبوفسكي بإعادة الجنود إلى ثكناتهم بأمر من السوفييت وأصدرت الأمر التالي إلى الجنود: “لا تخرجوا إلى الشارع وسلاحكم بأيديكم في هذه الأيام المضطربة إلا بدعوة من اللجنة التنفيذية. إن اللجنة التنفيذية وحدها هي التي تملك حق التصرف بكم”. وكل أمر لخروج القطعات بعد الآن، باستثناء الخدمة العادية، ينبغي أن يصدر على وثيقة رسمية من السوفييت. وأن يوقع من عضوين على الأقل مفوضين بالسلطة التي تخولهما تنفيذ هذا الغرض.

وقد فسر السوفييت، بصورة لا لبس فيها أعمال كورنيلوف على أنها محاولة للثورة المضادة هدفها التحريض على الحرب الأهلية. وكان أمر اللجنة التنفيذية يعني تقليل سلطة قيادة الفيلق إلى الصفر. ولكن هذه اللجنة لم تفكر بعزل كورنيلوف، فهل يمكن التآمر على امتيازات السلطة؟ “إن الأيدي ترتعد”. وكان النظام الجديد مغلَّفًا بالأوهام -كالمريض المحاط بالوسادات والمغلف بالكمَّادات. ومما يلفت النظر ويحمل كثيرًا من العبر من وجهة نظر ميزان القوى. إن القطاعات العسكرية رفضت المسير دون موافقة السوفييت، حتى قبل أن تتلقى الأمر من تشخيدزه كما رفضت ذلك المدارس العسكرية أيضًا. وكانت المضايقات غير المتوقعة التي انصبت على أعضاء حزب الكاديت، واحدة بعد الأخرى نتائج حتمية، نظرًا لأن البرجوازية الروسية، في فترة الثورة الوطنية، بدت طبقة مضادة للوطنية، وهو أمر يمكن إخفاؤه خلال فترة قصيرة من الزمن، بازدواجية السلطة، ولكنه أمر لا يمكن إصلاحه.

وكانت أزمة إبريل (نيسان) على وشك الانتهاء بالتعادل بين الطرفين. وكانت اللجنة التنفيذية قد نجحت في احتجاز الجماهير على عتبة السلطة المزدوجة. وفسرت الحكومة المعترفة بالجميل، من جهتها أنه من المناسب أن نقصد “بالضمانات” و”العقوبات” المحاكم الدولية وتحديد التسليح وما إلى ذلك من الأشياء الرائعة الأخرى. وسارعت اللجنة التنفيذية إلى التمسك بهذه التنازلات المصطلحية وصرحت باعتبار الحادث منتهيًا بـ34 صوتًا ضد 19. وصوتت الأكثرية أيضًا على عدد من القرارات لتهدئة قاعدتها القلقة مثل: تعزيز الرقابة على نشاط الحكومة المؤقتة، ومنع إعلان أي عمل سياسي هام دون إنذار مسبق للجنة التنفيذية، وضرورة تعديل تأليف الجهاز الديبلوماسي بصورة جذرية. وهكذا تُرجمت ازدواجية السلطة، القائمة بالفعل في اللغة القانونية للدستور. ولكن ذلك لم يبدل شيئًا من طبيعة الأشياء، ولم يتمكن الجناح اليساري ذاته من إجبار الأكثرية التوفيقية على دفع ميليوكوف إلى الاستقالة. وبقي كل شيء كما كان في الماضي. وكان يرتفع فوق الحكومة المؤقتة إشراف فعال تمارسه دول الحلفاء، ولا تفكر اللجنة التنفيذية بمهاجمته أبدًا.

وفي مساء 21، كان سوفييت بتروغراد يلخص الوضع. وأشار تسيريتلي في تقريره إلى انتصار الزعماء العاقلين، هذا الانتصار الذي وضع حدًا لكل التفسيرات الخاطئة لمذكرة 27 مارس (آذار). واقترح كامنييف باسم البلاشفة تشكيل حكومة سوفييتية صرفة. واقترح كوللونتاي، الثوري الشعبي الذي انضم إلى البلاشفة خلال الحرب، بعد أن كان منتميًا للمناشفة، تنظيم استفتاء في نواحي بتروغراد وضواحيها يُستفتى فيه المواطنون على شكل الحكومة المؤقتة وكيف يفضلون هذا الشكل. ولم يفطن أحد في مجلس السوفييت لهذه المقترحات، وبدت المسألة وكأنها حُسمت. وصُدق القرار المشجع للجنة التنفيذية بأكثرية ساحقة ضد 13 صوتًا. صحيح أن معظم مندوبي البلاشفة كانوا آنذاك في مصانعهم، وفي الشوارع، وفي المظاهرات. ولكن من المؤكد أنه لم يحدث في كتلة السوفييت أي تحول في الرأي لصالح البلاشفة.

وأمر مجلس السوفييت بالامتناع عن التظاهر في الشارع خلال يومين. واتُخذ القرار بالإجماع. ولم يكن هناك لدى أي فرد ظل من الشك في أن الجميع سيخضعون لهذا القرار. والحقيقة: لم يجرؤ أحد من العمال، والجنود، والشبيبة البرجوازية، وحي فيبورغ، وشارع نييفسكي على مخالفة أمر السوفييت. وحدثت التهدئة بدون أي تدبير قسري. وكان كافيًا لمجلس السوفييت أن يحس بأنه سيد الموقف ليصبح سيده فعلاً.

وخلال هذا الوقت، كانت تتدفق عشرات القرارات الصادرة عن المصانع والأفواج إلى مكاتب تحرير الصحف اليسارية. وكانت هذه القرارات، تطالب باستقالة ميليوكوف فورًا، كما تطالب أحيانًا باستقالة كافة أعضاء الحكومة المؤقتة. ولم تكن بتروغراد المدينة الوحيدة التي تحركت؛ إذ تخلَّى العمال في موسكو عن آلاتهم، وخرج الجنود من الثكنات، وملئوا الشوارع بالاحتجاجات العاصفة. وفي الأيام التالية، وصلت إلى اللجنة التنفيذية برقيات من عشرات السوفييتات المحلية تهاجم سياسة ميليو كوف، وتعد بدعم كامل للسوفييت. ووصلت الأصوات ذاتها من الجبهة. ولكن كل شيء بقي كما كان في الماضي.

وأكد ميليوكوف فيما بعد ما يلي: “في يوم 21 إبريل (نيسان) سادت الشوارع حالة فكرية ملائمة للحكومة”. وهو يتحدث بالطبع عن الشوارع التي استطاع مراقبتها من فوق شرفته، عندما عاد معظم العمال والجنود إلى مراكزهم. والحقيقة أن وضع الحكومة غدا بلا حماية. ولم تعد الحكومة تملك أية قوة جدية. وقد سمعنا هذا الكلام من ستانكيفيتش والأمير لفوف نفسه. فماذا تعني إذن ضمانات كورنيلوف التي كانت تؤكد بأنه يملك قوات كافية لسحق المتمردين؟ إنها لا تعني سوى شيء واحد هو الخفة المتناهية للجنرال المحترم. وقد ازدهرت كل خفته في أغسطس (آب)، عندما أمر بتحريك قطعات لم يكن لها وجود ضد بتروغراد. وكان كورنيلوف يتخيل القوات العسكرية حسب تأليف القيادة. وكانت أكثرية الضباط منحازة إلى جانبه بالتأكيد، أي أنها كانت مستعدة لإخضاع السوفييتات بحجة الدفاع عن الحكومة المؤقتة. وكان الجنود منحازين إلى السوفييت، مع التمسك برأي أكثر يسارية من رأي السوفييت، ولكن لما كان السوفييت ذاته يتمسك بالحكومة المؤقتة، فقد كان بوسع كورنيلوف كنتيجة لهذا الوضع أن يحرك جنودًا سوفييت بقيادة ضباط رجعيين. وكان الجميع يلعبون الاستغماية بفضل نظام السلطة المزدوجة. ومع هذا، وما أن أمر زعماء السوفييت القطعات بعدم الخروج من ثكناتها حتى أصبحت قدم كورنيلوف في الهواء ومعه كل الحكومة المؤقتة.

وبالرغم من كل هذا لم تصب الحكومة بانهيار أبدًا. لأن الجماهير التي بدأت بالهجوم لم تكن مستعدة للاستمرار فيه حتى النهاية. وأصبح بوسع الزعماء التوفيقيون فيما بعد أن يرجعوا إلى الوراء تحت نظام فبراير (شباط) ليبلغوا نقطة البداية لهذا النظام. وفي 22 إبريل (نيسان) بدا أن أزفستيا السوفييت نسيت أو رغبت بإجبار الآخرين على نسيان موقف اللجنة التنفيذية التي وجدت نفسها مضطرة لوضع يدها على الجيش بصورة مكشوفة، وضد السلطات “الشرعية” وذلك عندما اشتكت من الموقف بقولها: “إن السوفييتات لا تحاول أبدًا الاستيلاء على السلطة. بينما نجد أن هناك كتابات عديدة مسطرة على كثير من أعلام أنصار السوفييت تطالب بقلب الحكومة ونقل كل السلطة للسوفييت …”، أليس من الفظاعة أن يريد العمال والجنود إغواء التوفيقيين بإعطائهم السلطة، أي أن يعتبروا هؤلاء السادة قادرين على استخدام السلطة استخدامًا ثوريًّا؟

كلا، إن الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة لم يكونوا يريدون السلطة. فالقرار البلشفي الذي طالب بانتقال السلطة إلى السوفييتات حصل في سوفييت بتروغراد، كما رأينا، على عدد تافه من الأصوات. ولم يحصل قرار حجب الثقة عن الحكومة المؤقتة، الذي اقترحه البلاشفة في موسكو بتاريخ 22 إبريل (نيسان)، إلا على 74 صوتًا من أصل مئات من الأصوات. حقًا، إن سوفييت هلسنغفورز، الذي يسيطر فيه الاشتراكيون – الثوريون والمناشفة صوَّت في هذا اليوم على قرار جريء، واستثنائي بالنسبة لذلك الوقت، وكان هذا القرار ينص على وضع قوات مسلحة تحت تصرف سوفييت بتروغراد لمساعدته في القضاء على “الحكومة المؤقتة الإمبريالية”. ولكن هذا القرار الذي صودق عليه تحت الضغط المباشر لبحارة الأسطول الحربي، يشكل استثناءً. وبقي التمثيل السوفييتي للجماهير بأكثريته الساحقة، رغم أنه كان بالأمس مستعدًا للعصيان ضد الحكومة المؤقتة على أرض السلطة المزدوجة. فماذا يعني هذا؟

لم يكن التناقض الواضح بين جرأة هجوم الجماهير ومراوغات تمثيلها السياسي أمرًا عارضًا؛ إذ تندفع الجماهير المضطهدة، في مرحلة ثورية إلى العمل المباشر بصورة أسهل وأسرع من قدرتها على إعطاء رغباتها وتطلعاتها تعبيرًا صحيحًا بواسطة تمثيلها الخاص. وكلما كان أسلوب التمثيل مجردًا، كلما تخلف هذا الأسلوب عن إيقاع الأحداث التي تحددها أعمال الجماهير. وللتمثيل السوفييتي الأقل تجريدًا من كل أساليب التمثيل الأخرى، في شروط الثورة، ميزات لا تقارن، ويكفي أن نذكر بأن مجالس الدوما الديمقراطية المنتخبة على أساس النظام الداخلي لتاريخ 17 أبريل (نيسان) التي لم يضايقها أحد أو شيء، وجدت نفسها عاجزة كل العجز عن منافسة السوفييتات. ولكن مع كل مزايا ارتباط السوفييتات العضوي بالمصانع والأفواج، أي مع الجماهير العاملة، فإنها تمثيل انتخابي كبقية الأساليب الأخرى، وليست مستثناة بالتالي من تواطؤ البرلمانية وانحرافاتها.

ويشتمل التناقض، في طريقة التمثيل الانتخابي وحتى في التمثيل السوفييتي أيضًا على ما يلي: “إنه ضروري لعمل الجماهير، ولكنه يصبح بسهولة عائقًا محافظًا أمام هذا العمل. وأن المخرج العملي للتناقض، في كل مناسبة، هو تجديد التمثيل. ولكن هذه العملية التي لا تتسم بالبساطة أو السهولة، تجد نفسها بالثورة بصورة خاصة، كمحصلة للعمل المباشر، ولكنها محصلة متخلفة عن هذا العمل. وعلى كل حال، في اليوم التالي لنِصْف (عصيان إبريل [نيسان])، ولرُبْع العصيان بصورة أدق، لأن نِصْف العصيان حدث في يوليو (تموز). كان المرء يجد في جلسة السوفييت نفس النواب الذين كانوا بالأمس، هؤلاء النواب الموجودين في المجلس في نفس المناخ الاعتيادي، ويصوتون إلى جانب اقتراحات الزعماء العاديين.

ولكن هذا لا يعني أبدًا أن عاصفة إبريل (نيسان) قد مرَّت دون أن تترك آثارًا على السوفييت وعلى نظام فبراير (شباط)، وعلى الجماهير ذاتها. وقد عدَّل التدخل العظيم للعمال والجنود في الأحداث السياسية الوضع السياسي رغم أنه لم يصل إلى نهايته وسارع في التجمعات الحتمية، وأجبر سياسيي المكاتب والكواليس على نسيان خططهم التي أعدوها بالأمس واضطرهم إلى تكييف أعمالهم مع الظروف الجديدة.

وبعد أن قضى التوفيقيون على انفجار الحرب الأهلية، متوهمين بأن كل شيء سيعود بعد ذلك إلى المواقع القديمة، بدأت الأزمة الحكومية. وكان الليبراليون لا يريدون أن يحكموا بدون مشاركة مباشرة للاشتراكيين في السلطة. وطالب الاشتراكيون، الذين قبلوا مضطرين بحكم منطق ازدواجية السلطة بالقضاء البين الواضح على برنامج الدردنيل، فأدَّى هذا العمل بصورة حتمية إلى القضاء على ميليوكوف. وبتاريخ 2 مايو (آيار) اضطر ميليوكوف إلى ترك منصبه الوزاري. وهكذا تحقق شعار مظاهرة 20 إبريل (نيسان) بعد اثني عشر يومًا من التأخير، وضد إرادة زعماء السوفييت.

ولكن العرقلة والمُماطلة أثبتت عجز الحكام. فقد سقط ميليوكوف، الذي كان مستعدًا مع جنراله للقيام بتغيير مفاجئ في ميزان القوى، وخرج من الحكومة بفرقعة كالفرقعة التي تحدث عند نزع سدادة زجاجة. واضطر الجنرال الشجاع إلى تقديم استقالته من منصبه. ولم يكن الجو الذي أحاط بالوزراء متسمًا بالرضا. وتقدمت الحكومة برجاء إلى مجلس السوفييت كي يقبل التحالف. وجاء كل هذا لأن الجماهير ضغطت على الذراع الكبير للرافعة.

وهذا لا يعني مع ذلك بأن الأحزاب التوفيقية أصبحت قريبة من العمال والجنود؛ إذ أن أحداث إبريل (نيسان) التي كشفت الإمكانات غير المتوقعة، والكامنة في الجماهير، دفعت الزعماء الديموقراطيين على العكس إلى ناحية اليمين بصورة أقوى، وأحدثت تقاربًا أوثق مع البرجوازية. واعتبارًا من هذا الوقت، تفوَّق الخط الوطني بصورة نهائية. وأصبحت أكثرية اللجنة التنفيذية أشد تجمعًا وأكثر تركيزًا. واستبعد بعض الراديكاليين المتهافتين من أمثال سوخانوف وستيكلوف وآخرين، ممن كانوا يوحون منذ فترة قصيرة بالسياسة السوفييتية، ويحاولون صيانة بعض التقاليد الاشتراكية. وأنشأ تسيريتلي تيارًا وطنيًا محافظًا إلى حدٍ بعيد وصنع بهذا الشكل تطابقًا لسياسة ميلوكوف مع تمثيل الجماهير الكادحة.

ولم يكن سلوك الحزب البلشفي خلال أيام أبريل (نيسان) متجانسًا؛ إذ فاجأت الأحداث الحزب على غير استعداد. وكانت الأزمة الداخلية قد انتهت، وأخذ الاستعداد لعقد مؤتمر الحزب يتم بنشاط. وكان بعض البلاشفة قد حددوا موقفهم وطالبوا بقلب الحكومة المؤقتة، تحت ضغط التوتر المتطرف في النواحي. وبقيت لجنة بتروغراد مترددة ومحتارة، مع أنها صوتت بتاريخ 5 مارس (آذار) على قرار بالثقة المشروطة لصالح هذه الحكومة. وتقرر تنظيم مظاهرة في يوم 21، ولكن هدفها لم يحدد بوضوح كافٍ. ودعا بعض أعضاء لجنة بتروغراد العمال والجنود للنزول إلى الشارع. ولكن لم تكن نيتهم في قلب الحكومة المؤقتة واضحة. وعملت بعض العناصر اليسارية في الاتجاه ذاته، بدون توجيه من الحزب. ومن المؤكد أن بعض العناصر الفوضوية الفعالة القليلة العدد اختلطت بكل هذه العناصر. وتوجه مختلف الأفراد إلى القطعات يطالبون بصورة عامة بسيارات مدرعة أو بنجدات سواء للقيام باعتقال الحكومة المؤقتة، أو لمحاربة العدو في الشارع. ومع كل هذا صرَّحت قيادة فرقة السيارات المدرعة، الموالية للبلاشفة أنها لن تضع آلياتها تحت تصرف أحد إلا بأمر من اللجنة التنفيذية.

وكان الكاديت يحاولون بكل الوسائل تحميل البلاشفة مسئولية النزاعات الدموية التي حدثت. ولكن لجنة خاصة من مجلس السوفييت قررت بصورة غير قابلة للنقض أن تراشق النيران لم يبدأ من الشارع، ولكنه بدأ من النوافذ ومداخل المنازل. وظهر في الصحف بلاغ صادر عن المدعي العام يقول: “إن إطلاق النيران كان من صنع بعض الأفراد المنتمين إلى الطبقات الدنيا من المجتمع، بغرض إحداث الفوضى والاضطرابات الملائمة للسُوقة”.

على أن عداء الأحزاب السوفييتية الحاكمة للبلاشفة لم يكن قد بلغ العنف الذي بلغه بعد شهرين، وضرب حجابًا من الظلام بعدها على كل عقل وضمير. وانتصب القضاء من جديد، برغم بقائه في إطاراته القديمة، أمام الثورة، مع أنه كان لا يسمح لنفسه في إبريل (نيسان) باستخدام طرق الأوخرانا القيصرية ضد اليسار المتطرف. ودُمر هجوم ميليوكوف، في هذا الخط أيضًا دون صعوبة.

وعنَّفت اللجنة المركزية الجناح اليساري للبلاشفة، وصرحت بتاريخ 21 إبريل (نيسان) أن السوفييت، حسب رأيها، كان على حق في منع المظاهرات، وأن من الواجب الامتثال لهذا المنع دون شرط. ونص قرار اللجنة المركزية على أن الشعار التالي: “فلتسقط الحكومة المؤقتة!” ليس شعارًا صحيحًا في الوقت الحاضر؛ لأنه في حالة الافتقار إلى أكثرية شعبية متينة (أي واعية ومنظمة) تدافع عن البروليتاريا الثورية، فإن هذا الشعار إما أن يكون مجرد جملة من الجمل، أو يعتبر نوعًا من المحاولات المغامرة”. وحدد قرار اللجنة المهام الحالية بالنقد، والدعاية وكسب الأكثرية في السوفييتات كمقدمات للاستيلاء على السلطة.

واعتبر هذا التصريح، في أعين الخصوم، كتراجع للزعماء المذعورين أو كمناورة غامضة. ولكننا نعرف الموقف الأساسي للينين تجاه مسألة السلطة. أما الآن، فإن لينين يعلم الحزب تطبيق “أفكار إبريل (نيسان)” حسب تجربة الأحداث.

وكان كامنييف قد صرح قبل ثلاثة أسابيع بأنه “سعيد” في التصويت مع المناشفة والاشتراكيين- الثوريين على نفس القرار المتعلق بالحكومة المؤقتة. وكان ستالين يطور نظرية تقسيم العمل بين الكاديت والبلاشفة. وما أبعد هذه الأيام وهذه النظريات الآن! وقد تبنى ستالين، أخيرًا للمرة الأولى، بعد درس أيام إبريل (نيسان) موقفًا مضادًا لنظرية “الإشراف” الدقيق على الحكومة المؤقتة، وتخلَّى بحذر عن رأيه الخاص بالأمس، ولكن هذه المناورات مرت دون أن يحس بها أحد.

وتساءل لينين في المؤتمر الذي انعقد فورًا بعد أيام الرعب عن مضمون روح المغامرة في سياسة بعض عناصر الحزب؟ وكانت هذه الروح واضحة في محاولات العمل العنيف؛ حيث لم يكن هناك مكان بعد للعنف الثوري. قال لينين في ذلك المؤتمر: “فبوسعنا قلب من يعرفه الشعب بأنه ينفذ سياسة الاضطهاد. ولكن لا يوجد في الوقت الحاضر مضطهدون، فالمدافع والبنادق في أيدي الجنود لا في أيدي الرأسماليين. ولا يتفوق الرأسماليون ولا ينتصرون في الوقت الحاضر بواسطة العنف، بل بالمكر، ولا يمكن أن ندعو إلى العنف في الوقت الحاضر؛ إن من السخف أن نوجه مثل هذه الدعوة … ولقد أطلقنا شعار المظاهرات السلمية. ونريد القيام باستطلاع سلمي فقط، لمعرفة قوى الخصم ولكننا لا نريد الدخول في معركة. بَيْد أن لجنة بتروغراد تطرفت بعض الشيء … فمن شعار “تحيا السوفييتات” الصحيح وُلد شعار آخر غير صحيح هو: “فلتسقط الحكومة المؤقتة!”، إن “التطرف إلى اليسار” خلال العمل غير ملائم. وإننا نعتبر هذا التطرف جريمة خطيرة جدًا، كجريمة التفتيت”.

ونتساءل الآن: ما هو سند الأحداث المأسوية للثورة؟ إنه التغيرات في موازين القوى. وما الذي سببها؟ لقد حدثت أساسًا بتذبذبات الطبقات الوسيطة، والطبقة الفلاحية، والبرجوازية الصغيرة، والجيش. وكان التفاوت هائلاً جدًا بين البلشفية وإمبريالية الكاديت. وحدثت هذه التذبذبات في اتجاهين متضادين في آن واحد. كان التمثيل السياسي للبرجوازية الصغيرة، وقممها والزعماء التوفيقيون ميالين إلى اليمين، إلى جانب البرجوازية. وكان للجماهير المضطهدة على العكس اندفاع دائم إلى اليسار. وكان هذا الاندفاع محددًا ومتسمًا بمزيد من التصميم. وقد وضع لينين تحفظًا واحدًا، عندما هاجم العقلية المغامرة التي أظهرها زعماء تنظيم بتروغراد بقوله: إذا انحازت الطبقات الوسطى إلى جانبنا بصورة جدية، وبعمق، وبإرادة لا تلين، فإننا لن نتردد عندئذ لحظة واحدة عن طرد حكومة قصر ماري. ولكننا لم نصل بعد إلى هذا الوضع؛ فأزمة إبريل (نيسان) التي ظهرت في الشارع “ليست أول تغير في كتلة البرجوازية الصغيرة، ونصف – البروليتارية، ولا آخر تغير”. وما زالت مهمتنا في الوقت الحاضر أن “نفسر بصبر”، وأن نعد حركة الجماهير التالية، الأكثر عمقًا والأكثر وعيًا، لتكون إلى جانبنا.

وأخذ تحول البروليتاريا إلى جانب البلاشفة، في خلال شهر إبريل (نيسان) طابعًا واضحًا كل الوضوح. كان العمال يقدمون أنفسهم للجان الحزب. ويسألون عن كيفية انتقالهم من الحزب المنشفي إلى الحزب البلشفي. وبدأوا يسألون مندوبيهم في المصانع عن السياسة الخارجية والحرب، والسلطة المزدوجة، والتموين. ونتيجة لهذه الاختبارات كان البلاشفة يحلون محل المندوبين من الحزب الاشتراكي – الثوري أو المنشفي، ليصبحوا هم مندوبي العمال. وبدأ المنعطف الحاسم بسوفييتات الأحياء، باعتبارها أقرب إلى المصانع. ووجد البلاشفة أنفسهم في نهاية إبريل (نيسان) دفعة واحدة كأكثرية في سوفييتات حي فيبورغ، وفاسيليفسكي – أوستروف، ودائرة نارفا. وكان لهذه الأكثرية معنًى عظيم، ولكن زعماء اللجنة التنفيذية، المشغولين بالسياسة العليا نظروا بعجرفة إلى التشويش الذي يحدثه البلاشفة في الأحياء العمالية.

ومع ذلك، بدأت النواحي تمارس ضغطًا على المركز وأصبح الأمر محسوسًا بشكل واضح. وشنت في المصانع، وبصرف النظر عن لجنة بتروغراد، حملة قوية ومثمرة لتجديد تمثيل مندوبي عمال العاصمة في السوفييت، ويقدر سوخانوف بأن البلاشفة كانوا يملكون في بداية مايو (آيار) ثلث بروليتاريا بتروغراد. وعلى كل حال لم يكن البلاشفة يملكون أقل من الثلث، وكان هذا الثلث هو الفعال والنشيط. وكانت الخطوط الباهتة لإله الحرب مارس تمحى وتزول، على حين ترتسم الاتجاهات السياسية، وتتجسد نظريات لينين “المبتكرة” في إحياء بتروغراد.

وكانت كل خطوة تخطوها الثورة إلى أمام تتم بتحريض وتدخل الجماهير المباشر، هذا التدخل الذي كان غير متوقع في معظم الحالات من قبل الأحزاب السوفييتية. وبعد انتفاضة فبراير (شباط)، عندما قلب العمال والجنود الملكية دون أن يطلبوا شيئًا من أحد، وجد زعماء اللجنة التنفيذية أن دور الجماهير قد أنجز بصورة نهائية. ولكنهم ارتكبوا في هذا المجال خطأ مميتًا؛ إذ لم تكن الجماهير مستعدة أبدًا لترك المسرح. ومن قبل، في مطلع شهر مارس (آذار)، وفي الوقت الذي تمت فيه الحملة من أجل تحديد يوم العمل بثماني ساعات، انتزع العمال تنازلاً من رأس المال، مع أنهم كانوا تحت ثقل وطأة المناشفة والاشتراكيين – الثوريين. واضطر مجلس السوفييت إلى تسجيل انتصار تحقق بدونه وضده. وجلبت مظاهرة إبريل (نيسان) إصلاحًا ثانيًا من النوع ذاته. وكانت كل مظاهرة من مظاهرات الجماهير، تحذيرًا للقيادة، بصرف النظر عن هدفها المباشر. وكان التحذير معتدلاً في بادئ الأمر، ثم تزايدت جرأته فيما بعد. وفي يوليو (تموز) أصبح تهديدًا. وكانت الخاتمة في أكتوبر (تشرين الأول).

إن الجماهير تتدخل في كل اللحظات الحرجة “كقوى أولية” وتخضع، بعبارات أخرى، لاستنتاجاتها الخاصة من التجربة السياسية ولزعمائها غير المعترف بهم حتى الآن من الناحية الرسمية. وتترجم الجماهير بصورة عفوية استنتاجاتها إلى لغة عمل، بعد أن تهضم هذه العناصر أو تلك من عناصر الفتنة. وكان البلاشفة كحزب، لا يريدون حتى الآن قيام الحملة من أجل تحديد يوم العمل بثماني ساعات. ولم يدع البلاشفة الجماهير أبدًا إلى مظاهرة أبريل (نيسان). كما أن البلاشفة لم يدعوا فيما بعد الجماهير المسلحة للنزول إلى الشارع في مطلع يوليو (تموز). وفي أكتوبر (تشرين الأول) فقط توصل الحزب بصورة نهائية إلى التقدم على رأس الجماهير، لا من أجل القيام بمظاهرة، بل من أجل تحقيق الانتفاضة.

الهوامش

  • إيمس: بتاريخ 13 يوليو (تموز) 1870 كتبت برقية موجهة إلى بسمارك حول ترسيخ أسرة الهوهنزولرن لعرش إسبانيا، وهي البرقية التي اقتضب منها بسمارك بعض الفقرات ووجهها إلى الصحف فنشرت فيها وقررت نشوب الحرب.للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: أيام ابريل جـ 2