فلسطين و«فرع فلسطين»

0
348

بقلم الياس خوري 

محمد أيوب، 15 سنة، ملقى في العراء، دمه النازف يغسل حجراً قرب رأسه الدامي، عيناه مفتوحتان، وجسده يتلاشى فوق أرض لا ترتوي.
ترتسم فلسطين في عيني هذا الفتى الغزاوي المفتوحتين على الموت خريطةً للألم، ففي الحصار، وأمام جدران العنصرية الإسرائيلية، لم يتبق للفلسطينيات والفلسطينيين من خيار سوى أن يفتحوا عيونهم على… الموت!
وحكاية فلسطين مع الاشتباك اليومي لها عشرات المداخل، فاليوم نشهد مقتلة غزة، مثلما شهدنا بالأمس مقتلة القدس، ومجزرة الخليل وجنين… وغداً سوف نشهد مآسي أخرى في مسلسل نكبتنا المستمرة، ومحاولات الفلسطينيين البقاء كتعبير عن مقاومتهم لهذا المسار النكبوي.
لكن فلسطين امتدت إلى خارج حدودها الجغرافية مع قوافل اللاجئين المطرودين من بلادهم، والذين تاهوا ولا يزالون تائهين في بلادهم وفي المنافي.
أحد أكثر الظواهر استفزازاً هو إصرار الأنظمة العربية على مد يدها إلى ما تبقى من أرض فلسطين وضمها من أجل تكبير أحجام الدويلات والدول، أو من أجل تأكيد النفوذ السياسي الإقليمي.
ومَن لم يضم أرضاً فلسطينية، تمت خسارتها على أي حال في حرب الأيام الستة، قرر أن يصادر القضية ويجعلها في خدمته وخدمة سلطته. هكذا، ومع انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة نشأت منظمات تابعة لبعض الدول العربية، وجرت محاولات لمصادرة قضية فلسطين، لم تنته فصولها.
ولعل التعبير الأبرز عن نزعة المصادرة هذه، هو أحد فروع المخابرات العسكرية السورية، الفرع 253 أو «فرع فلسطين».
فالنظام الاستبدادي السوري، لم يكتف بإنشاء منظمته الفدائية الخاصة، التي اشتهر قائدها زهير محسن بلقب زهير العجمي (نسبة إلى السجاد العجمي)، لأن منظمته كانت رائدة ظاهرة النهب في الحرب اللبنانية، وهي الظاهرة التي ستعم المدن والبلدات السورية تحت اسم التعفيش. لم يكتف النظام بمنظمته، بل لعب دوراً أساسياً في محاولة شق حركة فتح، كما أسهم بشكل فاعل في إسقاط مخيم تل الزعتر، قبل أن يقرر احتضان إيلي حبيقة، الذي عرف بصفته أحد أبطال مذبحة شاتيلا وصبرا.
كل هذا لا يقارن بالإنجاز الكبير الذي إسمه «فرع فلسطين|»، وهو أحد أكثر فروع المخابرات العسكرية ترهيباً، في دهاليزه اختفى مئات الفدائيين الفلسطينيين، وفي أقبيته عاش ألوف السوريين موتهم تعذيباً وقهراً.
ولأن أيديولوجية النظام «القومي» جعلته لا يميز بين السوريين والفلسطينيين، فقد قام بتحويل هذا الفرع إلى نموذج للمساواة بين الشعبين في امتهان الأجساد والأرواح. إنه المعتقل الذي يصير فيه عواء الإنسان هو الوسيلة الوحيدة للتعبير، كما كتب مالك دغستاني في مقاله «عواء الرجل الأوروبي في فرع فلسطين» (الجمهورية 5 أيلول/سبتمبر 2017).
كي نفهم مأساة مخيم اليرموك، التي تشكل الفصل الأخير من مأساة الغوطة، علينا أن نقرأ في كتاب الجريمة الذي صنعه الفرع 253.
يتألف «فرع فلسطين» من ثلاث طبقات، ويقع على طريق المطار مقابل حي القزاز، وهو فرع نشأ أساساً لملاحقة الفلسطينيين، بحجة متابعة أنشطة العدو الإسرائيلي! لكن نشاطاته عرفت توسعاً كبيراً، فصار مختصاً بملاحقة المعارضين السوريين، ولعب دوراً أساسياً في احتفالات التعذيب التي أقامها النظام للناشطين السوريين منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية عام 2011.
المسألة التي تَميّز بها هذا الفرع، الذي تأسس قي عهد حافظ الأسد، هو أنه كان رائد نوع من التعذيب هو التعذيب الجنسي، من دون أن يهمل أشكال التعذيب الأخرى.
وصار مجرد ذكر إسم الفرع يثير الرعب في النفوس.
ما العلاقة بين مأساة اليرموك وأنشطة الفرع 253؟
يأتي اليوم من يقول أن ماساة اليرموك هي جزء من ضريبة الموت والتهجير التي دفعتها المدن السورية ثمناً لثورة الحرية التي اجتمع على قتلها جميع بغاة الأرض، ولم تستطع أن تصنع قيادة وطنية تجنبها السقوط في شراك أنظمة البؤس النفطية العربية.
وهذا صحيح، ومن هنا تأتي العلاقة بالفرع 253.
فكما لم يُميّز الفرع بين سوري وفلسطيني، فإن النظام في تدميره المنهجي للمخيم لم يميز بينه وبين مدن الغوطة وبلداتها.
كل شيء يجب أن يُدمر، كي يتعلم سكان سوريا بلاغة درس العبودية.
لا أريد أن أسأل عن دور فصائل منظمة التحرير، لأن الجواب بديهي، فالمنظمة والفصائل الفلسطينية المختلفة لا تملك في سوريا من أمرها شيئاً، وخصوصاً بعد التخلي شبه الرسمي عن الشتات، ركضاً وراء وهم السلام.
ولن نسأل عن داعش، وكيف استطاعت إختراق المخيم والدوس عليه، ولماذا لا تزال داعش هنا، ومن سمح لها بالدخول، فهو سؤال مرتبط بكل هذه الفقاعة الإسلامية المسلحة التي تناوبت مع النظام على تدمير إرادة الشعب السوري وحلمه بالحرية.
أريد أن أقرأ مأساة اليرموك بصفتها جزءاً من النكبة الفلسطينية المستمرة من جهة، ووجهاً آخر لنكبة المشرق العربي بأنظمة الاستبداد، التي أعادته إلى ما قبل الاستقلال، من جهة ثانية.
فلسطين محتلة، لكن المشرق العربي بأسره بات أيضاً تحت الاحتلال من العراق إلى سوريا، تجول الجيوش الأجنبية في بلادنا وتقتل وتدمر كما تشاء، بينما يجلس الديكتاتور على شرفة قصره كي يتباهى ببطولات «فرع فلسطين».
«فرع فلسطين» افترس فلسطين وسوريا، وسلّم البلاد للمحتلين، ولم يترك خلفه سوى صدفة فارغة اسمها نظام الاستبداد.

الآراء الواردة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”