تاريخ الثورة الروسية: الهجوم.. جـ 1

0
367

لقد حدث في الجيش كما حدث في البلاد إعادة تجمُّع سياسي دائم للقوى؛ إذ تطورت الشرائح الدنيا نحو اليسار، على حين تطورت القمم نحو اليمين. وفي نفس الوقت الذي أصبحت اللجنة التنفيذية به أداة لدول الحلفاء تعمل لإخضاع الثورة، أصبحت لجان الجيش التي أنشئت لتمثيل الجنود ضد الضباط سندًا للضباط ضد الجنود.

وكان تأليف اللجان من اتجاهات وألوان متعددة. فقد كان بها عدد لا بأس به من العناصر الوطنية التي تمثل الحرب والثورة بإخلاص، وكانت تسير بشجاعة إلى الهجوم الذي فرضته الدوائر العليا، وتقدم حياتها لقضية ليست قضيتها. وإلى جانب هذه العناصر كان هناك أبطال الكلمة، من أنصار كرنسكي وأتباعه في الفرقة والفوج. وأخيرًا كان هناك عدد لا بأس به من صغار الخبثاء والشاطرين الكامنين في اللجان للفرار من الخنادق. إن كل حركة جماهيرية، وخاصة في مرحلتها الأولى، تجلب حتمًا إلى سطحها كل هذه التنوعات البشرية. وكانت مرحلة التوفيقيين وحدها هي الغنية بصورة خاصة بالثرثارين والمتلونين المتقلبين. فإذا كان الناس يشكلون البرنامج، فإن البرنامج يشكل الناس أيضًا. وتصبح مدرسة سياسة الاتصال، في الثورة، مدرسة الدسائس والمؤامرات.

وكان نظام ازدواجية السلطات يستبعد إمكانية خلق قوة عسكرية. وكان الكاديت، الذي ينصب عليهم حقد الجماهير الشعبية، مضطرين في الجيش إلى استخدام الاسم المزيف للاشتراكيين – الثوريين. أما الديمقراطية فلم تكن قادرة على تجديد الجيش لنفس السبب الذي منعها من استلام السلطة، وهذا لا ينفصل عن ذاك. ومع ذلك هناك واقع غريب يلقي أنوارًا ساطعة على الوضع. فقد ذكر سوخانوف أن الحكومة المؤقتة لم تنظم أي عرض عسكري للقطعات في بتروغراد. إن الليبراليين والجنرالات لا يريدون اشتراك السوفييت في العرض، ولكنهم يفهمون جيدًا، أن العرض لا يمكن تحقيقه دون مشاركة السوفييت.

وازداد ارتباط الضباط القادة بالكاديت؛ بانتظار أن ترفع الأحزاب الأكثر رجعية رأسها من جديد. وكان بوسع المثقفين البورجوازيين الصغار أن يزودوا الجيش بأعداد هائلة من الضباط الأعوان، تمامًا كما زودوه بهذه الأعداد في زمن القيصرية. ولكنهم كانوا عاجزين عن إنشاء قيادة تتلاءم مع صورتهم الخاصة، لأنهم هم أنفسهم لا يملكون وجهًا خاصًا بهم. ولقد برهنت المسيرة اللاحقة للثورة أنه لم يكن بالإمكان الاستفادة من القيادة كما جهزتها الطبقة النبيلة والبرجوازية وأعطتها (هكذا فعل البيض). أو تجنيد القيادة وإعدادها على أساس الانتقاء البروليتاري، وهو ما فعله البلاشفة. ولم يكن هذا أو ذاك ميسورًا للديموقراطيين البورجوازيين الصغار؛ فكان عليهم أن يتذرعوا بالإقناع والتوسل وخداع كل الناس، وعندما لا يتوصلون إلى أية نتيجة، كانوا يسلمون السلطة يائسين من قضيتهم إلى الضباط الرجعيين ليلهموا الشعب أفكارًا ثورية صحيحة.

وكانت قروح المجتمع الجديد تبرز الواحدة تلو الأخرى لتخريب الجهاز العضوي للجيش. واخترقت مسألة القوميات من كل وجوهها -وروسيا بلد فيه قوميات متعددة- أعماق جماهير الجنود، التي يشكل الروس الكبار أقل من نصفها. وكانت الصراعات القومية تمتزج بالصراعات الطبقية وتتخللها على مستويات مختلفة. وظهرت سياسة الحكومة في الميدان القومي كما في كل الميادين الأخرى مترددة غامضة. وكانت تبدو بالتالي كاذبة بصورة مزدوجة. وكان بعض الجنرالات يدللون التشكيلات القومية من نوع “الفيلق المسلم المنضبط على الطريقة الفرنسية” على الجبهة الرومانية. وكانت القطعات القومية الجديدة تبدو في العادة أكثر عنادًا ومقاومة من قطعات الجيش القديم، لأنها كانت ملتفة حول أفكار جديدة، وتحت راية جديدة. ومع ذلك فإن هذا الالتحام القومي لم يصمد طويلاً؛ فقد انفجر بالتطور اللاحق للصراع الطبقي. وقد وضع تطور التشكيلات المؤلفة من عناصر قومية، هذا التطور الذي كان يهدد بالتوسع ليشمل نصف الجيش؛ الجيش في حالة ميوعة، وفكَّك القطعات القديمة، على حين لم تكن القطعات الجديدة قد تشكلت بعد. وهكذا انبعثت المصائب من كل الجهات.

وقد كتب ميليوكوف في “تاريخه”، أن الجيش ابتلى “بالصراع بين فكرتي الانضباط الثوري والانضباط العسكري الطبيعي، بين “دمقرطة” الجيش والمحافظة على قدرته القتالية”. وهنا ينبغي أن نفهم من الانضباط الطبيعي الانضباط الذي كان سائدًا في زمن القيصرية. وكان بوسع المؤرخ أن يعرف -على ما يبدو- أن كل ثورة كبرى كانت سببًا في خسارة البلاد للجيش القديم؛ نتيجة التصادم لا بين المبادئ المجردة الانضباط، بل بين الطبقات الحية. ولا تقبل الثورة انضباطًا قاسيًا في الجيش فحسب، بل أنها تخلقه. ومع ذلك، فإن هذا الانضباط لا يمكن أن يستتب على يد ممثلي الطبقة التي قلبتها الثورة.

وبتاريخ 26 سبتمبر (أيلول) 1851، كتب حكيم ألماني إلى آخر يقول: “من الطبيعي أن تفتيت الجيوش والتراخي التام للانضباط هما شرط ونتيجة لكل الثورات الظافرة”. وقد وضع كل تاريخ البشرية هذا القانون البسيط، المحتوم. ولكن الاشتراكيين الروس، الذين ساروا خلف الليبراليين، والذين كانوا يملكون وراءهم تجربة عام 1905 لم يفهموا هذا، مع أنهم اعترفوا أكثر من مرة بأنهم تلامذة الألمانيين فريدريك آنجلس وكارل ماركس. وكان المناشفة يعتقدون بجدية أن الجيش الذي قام بالعصيان سيتابع الحرب القديمة تحت قادته القدماء. وهؤلاء يتهمون البلاشفة بأنهم طوباويون.

وقد وصف الجنرال بروسيلوف بوضوح كبير في مطلع مايو (آيار) في مؤتمر انعقد في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، الرأي العام للقيادة قائلاً: لقد اعتاد من 15 إلى 20٪ من أفراد القيادة على النظام الجديد وتلاءموا معه عن قناعة. وبدأ قسم من الضباط بتملق الجنود وتحريضهم ضد القيادة. أما الأكثرية التي تشكل تقريبًا 75٪ فإنها لم تعرف كيف تتلاءم وتتكيَّف، وأصابها الكدر، وتقوقعت بصمت لا تعرف ما تفعل. على أن الأكثرية الساحقة لمراتب الضباط لم تكن تساوي شيئًا مطلقًا من وجهة النظر العسكرية الصرفة.

وعقد كرنسكي وسكوبوليف مؤتمرًا مع الجنرالات وألقوا كل شيء على عاتق الثورة “المستمرة” مع الأسف، والتي ينبغي أخذ استمرارها بعين الاعتبار. وما أن سمع الجنرال غوركو، وهو من منظمة المائة السود، قول الوزيرين حتى رد على ذلك بما يلي: “تقولون إن “الثورة مستمرة”. اسمعونا جيدًا. أوقفوا الثورة واتركونا نحن العسكريين لنؤدي واجبنا حتى النهاية”. وكان كرنسكي يركض لملاقاة الجنرالات بكل كيانة حتى كاد أحدهم وهو كورنيلوف العظيم القدر يخنقه في عناقه.

إن سياسة التوفيق والمصالحة في زمن الثورة سياسة تذبذبات حامية بين الطبقات. وكان كرنسكي يمثل التذبذب بعينه. وما أن تسنم قيادة الجيش الذي لا يمكن تصوره محرومًا من نظام واضح ودقيق، حتى أصبح الأداة المباشرة لتفكيكه. وأعطى دينيكين لائحة غريبة بشخصيات القيادة العامة التي عزلت من مناصبها، لأنها لم تعرف كيف تقف مع الخط. والحقيقة أنه لم يكن هناك من يعرف أين يوجد هذا الخط حتى ولا كرنسكي نفسه. وعزل الكسييف، روسكي القائد العام للجبهة، ورادكودميترييف نظرًا لضعفهما وتساهلهما الكبير مع اللجان. وأبعد بروسيلوف لأسباب مماثلة الجبان يودينيتش. وطرد كرنسكي الكسييف وقائدي الجبهتين غوركو ودراغوميروف لأنهما عارضا دمقرطة الجيش. وأبعد بروسيلوف الجنرال كاليدين للسبب ذاته، ثم صُرف هو نفسه من الخدمة فيما بعد لأنه ساير اللجان وعاملها برقة. وتخلى كورنيلوف عن قيادة منطقة بتروغراد العسكرية لعجزه عن التفاهم مع الديمقراطية. غير أن هذا لم يمنعه من أن يُسمَّى قائدًا للجبهة، وقائدًا عامًا، فيما بعد. وعُزل دينيكين من منصب رئيس هيئة أركان الكسييف نظرًا لاتجاهاته الانقيادية الواضحة، ولكنه عُين فورًا قائدًا عامًا للجبهة الغربية. هذه اللعبة في “قفز العنزة” التي تبرهن على أن شخصيات القيادة العليا  لا تعرف ما تريد، كانت تنزل بدرجات إلى الأسفل، إلى أن تصل إلى السرايا وتسارع في تفكك الجيش.

وكان المفوضون ذاتهم لا يثقون بالجنود في الوقت الذي كانوا يطالبونهم فيه بإطاعة الضباط. وعندما كان الهجوم في ذروته، صرح أحد أعضاء السوفييت في جلسة عقدها مجلس السوفييت في موهيليف مقر القيادة العليا للقوات المسلحة بحضور كرنسكي وبروسيلوف، قائلاً ما يلي: “إن 88٪ من ضباط القيادة العامة يخلقون بأعمالهم خطر المظاهرات المضادة للثورة”. ولم يكن هذا سرابًا بالنسبة للجنود. فقد أتيح للجنود الوقت الكافي قبل الانتفاضة لمعرفة ضباطهم.

وفي خلال كل شهر مايو (آيار)، كانت علاقات القيادة من المستويات الدنيا إلى العليا تعبر مع بعض التغيرات عن فكرة وحيدة وواحدة: “إن وجهة النظر حول الهجوم وجهة نظر سلبية بصورة عامة، وخاصة في المشاة”. وغالبًا ما كانوا يضيفون إلى ذلك قائلين: “إن وجهة النظر هذه أحسن بقليل في الخيالة، ومقدامة في المدفعية”.

وفي نهاية مايو (آيار) بينما كانت القطعات تحتل مواقعها من أجل الهجوم أبرق المفوض المرتبط بالجيش السابع لكرنسكي يقول: “في الفرقة 12، سار الفوج 48 بكامله، وسار الفوجان 45 و46 بنصف تعداد سراياهما في الخطوط. رفض الفوج 47 المسير. ومن بين أفواج الفرقة 13 سار الفوج 50 بكامله تقريبًا. ووعد الفوج 51 بالمسير غدًا. ولم يسر الفوج 49 لأنه لم يكن مناوبًا. رفض الفوج 52 المسير واعتقل كل ضباطه”. ونجد اللوحة ذاتها في كل مكان تقريبًا. وردت الحكومة على تقرير المفوض تقول: “تُحل الأفواج 45، 46، 47، 52، ويحال الضباط والجنود المحرضون على عدم الطاعة إلى المحاكم”. كانت اللهجة تنطوي على التهديد ولكنها لم تكن تخيف أحدًا. وكان الجنود الذين لا رغبة لهم بالقتال لا يخشون حل أفواجهم كما لا يخشون من إحالتهم إلى المحكمة. فلنشر الجبهة، كان من الضروري حشد قوات ضد قوات أخرى. وكان القوزاق في غالب الأحيان هم أدوات الردع كما كانوا في أيام القيصر، ولكنهم اليوم مقادون من قبل الاشتراكيين: أليس الهدف في الواقع هو الدفاع عن الثورة؟

وبتاريخ 4 يونيو (حزيران) أي قبل بداية الهجوم بأقل من خمسة عشر يومًا، أرسل رئيس هيئة الأركان في القيادة العليا للقوات المسلحة التقرير التالي إلى الحكومة: “ما زالت الجبهة الشمالية في حالة تخمُّر، ويستمر التآخي مع العدو، وتقف المشاة من الهجوم موقفًا سلبيًّا … والوضع غير محدد على الجبهة الغربية. ويلاحظ في الجبهة الجنوبية الغربية تحسُّن في الحالة الفكرية … ولا يلاحظ على الجبهة الرومانية وجود تحسُّن خاص؛ إذ لا تريد المشاة أن  تسير …”.

وبتاريخ 11 يونيو (حزيران) 1917 كتب العقيد قائد الفوج 61 ما يلي:

“لم يبقَ أمامي وأمام الضباط إلا الفرار نظرًا لوصول جندي لينيني من السرية الخامسة من بتروغراد … وقد فرَّ عدد كبير من أفضل الجنود والضباط. فظهور لينيني واحد في فوج من الأفواج كافٍ لكي يبدأ الضباط بالفرار. ومن الطبيعي أن الجندي الذي وصل مؤخرًا كان يلعب دور أول بلورة في محلول مشبَّع جاهز للتبلور، وينبغي والحالة هذه أن لا نعتقد بأن الجندي الذي وصل بلشفي بالضرورة. ففي تلك الفترة كانت القيادة تسمى لينينيًّا كل جندي يرفع صوته بالاحتجاج على الهجوم بجرأة أكبر من جرأة الآخرين. وكان الذين يؤمنون من بين هؤلاء “اللينيين” بأن غليوم الثاني هو الذي أرسل لينين إلى روسيا كثيرون. وحاولت قيادة الفوج 61 إرهاب جنودها بتهديدهم بالقمع الحكومي. فرد أحد جنود الفوج بما يلي: “لقد قُلبت الحكومة القديمة، وسندحرج كرنسكي أيضًا”. كانت هذه اللغة جديدة كل الجدة. وكان الجنود يتغذون بتهييج البلاشفة وتحريضهم، ثم يسبقون التحريض بشكل ملحوظ.

ومنذ نهاية إبريل (نيسان)، أرسل وفد خاص مؤلف من 300 شخص من أسطول البحر الأسود بقيادة الطالب العجول باتكين، الذي كان متنكرًا بثياب بحَّار ليجوب كل البلاد، وكان هذا الأسطول بقيادة الاشتراكيين – الثوريين. ويعتبر على عكس أسطول كرونشتادت، معقلاً من معاقل الوطنية. وكان هذا الوفد أشبه بجماعة تنكرت للمشاركة بحفلة تنكرية. ولكن كان يلاحظ في صفوف الوفد حماس مخلص. وكانت هذه الجماعة تنشر في البلاد فكرة الحرب حتى النصر. ولكن من أسبوع إلى أسبوع، أصبح المستمعون من المواطنين أكثر عداءً لأفكارهم. وبينما كان رجال البحر الأسود يخفضون من رنة صوتهم في الدعوة للهجوم، وصل وفد من البلطيق إلى سيباستوبول يدعو إلى السلم. وحقق الشماليون في الجنوب نجاحًا أكبر مما حققه الجنوبيون في الشمال. وقام بحارة سيباستوبول، تحت تأثير بحارة كرونشتادت، بتاريخ 8 يونيو (حزيران) بنزع سلاح القيادة واعتقال الضباط الممقوتين المحتقرين.

وقد سأل تروتسكي في جلسة مؤتمر السوفييتات الذي انعقد بتاريخ 9 يونيو (حزيران)، كيف أمكن “أن يقع مثل هذا الانفجار في لحظة بمثل هذه الخطورة في هذا الأسطول النموذجي التابع للبحر الأسود، الذي بعث إلى كل البلاد وفودًا وطنية، وفي وكر الوطنية المنظم هذا. فما هي الدلالة التي ينطوي عليها هذا العمل؟” لكن تروتسكي لم يتلق أي رد. وكان الافتقار إلى السلطة والذعر في الجيش يسببان حزنًا للجميع جنودًا وضباطًا وأعضاء لجان. وكان الجميع يحسون بالحاجة الماسة لإيجاد مخرج ما. وبدا للموجودين في قمة القيادة أن الهجوم سيقضي على عدم التماسك، ويجلب الصفاء. وكان هذا الرأي صحيحًا إلى حد ما. فلو أن تسيريتلي وتشيرنوف أيدا في بتروغراد القيام بالهجوم، متقيدين بكل أنغام الفصاحة الديمقراطية، لتوجب على أعضاء اللجان في الجبهة من جهة أخرى، بالتنسيق مع الضباط، بدء المعركة ضد النظام الجديد في الجيش، هذا النظام الذي كانت الثورة بدونه أمرًا لا يمكن تصوره، ولكنه نظام يتفق مع الحرب ولا يتطابق معها. وتجلت نتائج التطور بسرعة كبرى. وقد روى ضابط من ضباط البحرية ما يلي: “كان أعضاء اللجان يتوجهون نحو اليمين من يوم إلى يوم، ولكنهم كانوا في الوقت ذاته يفقدون سلطتهم وسط البحارة والجنود”. ولكن من البديهي أن الحاجة ماسة للجنود والبحارة في الحرب.

وتكفَّل بروسيلوف، بموافقة كرنسكي، في السير على طريق تشكيل كتائب صِدام، مؤلفة من المتطوعين، معترفًا بهذا الشكل وبصراحة بعجز الجيش عن القتال. وانضمت العناصر المختلفة إلى هذا المشروع فورًا، وكان معظم المنضمين في الغالب من المغامرين مثل النقيب مورافييف، الذي انضم بعد انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) إلى الاشتراكيين – الثوريين اليساريين، ليخون فيما بعد السلطة السوفييتية بعد قيامه بعدة أعمال مقدامة رائعة، وليسقط قتيلاً برصاصة، أطلقها عليه البلاشفة أو أطلقها على نفسه. ومن المؤكد أن الضباط المعادين للثورة تسلطوا بشراهة على كتائب الصدام التي كانت تمثل بالنسبة لهم الشكل الشرعي لتجميع قواهم، بَيْد أن هذه الفكرة لم تلاقِ أي صدى لدى جماهير الجنود. وأنشأت الباحثات عن المغامرات كتائب نسائية “خيالة الموت السوداء” وقد تصادف أن إحدى هذه الكتائب كانت آخر قوة مسلحة لكرنسكي في أكتوبر (تشرين الأول) للدفاع عن قصر الشتاء. ولكن كل هذا لم يكن مددًا كبيرًا للقضاء على العسكريتاريا الألمانية. وكانت هي هذه المشكلة المطروحة بالضبط.

وأجِّل الهجوم الذي وعدت القيادة العامة للقوات المسلحة حلفاءها بشنه في مطلع الربيع، وتكرر التأجيل من أسبوع إلى أسبوع. وبدأت دول الحلفاء ترفض بصورة قاطعة الموافقة على التأجيل. وكان الحلفاء لا يترددون في اختيار الوسائل وهم يطالبون روسيا بالقسر والإلزام القيام بهجوم فوري. فإلى جانب المناشدات المثيرة للمشاعر التي كان يستخدمها فاندرفيلد، كان الحلفاء يهددون روسيا بقطع تموينها بالذخائر. وصرَّح القنصل الإيطالي العام في موسكو للصحافة، على الطريقة الروسية، لا على الطريقة الإيطالية، أن الحلفاء سيمنحون اليابان كل حرية للعمل في سيبريا إذا عقدت روسيا صلحًا منفردًا. ونشرت الصحف الليبرالية في موسكو، لا صحف روما، بحماسة وطنية هذه التهديدات الوقحة، وعللتها بسبب تأجيل الهجوم لا بسبب الصلح المنفرد. وكان الحلفاء لا يبالون بالإكرام من زوايا أخرى. فقد أرسلوا مثلاً عتادًا للمدفعية من المخلفات بالطبع: فلم تقاوم 35٪ من مدافع الميدان التي استلمتها روسيا من الخارج رميًا معتدلاً لمدة خمسة عشر يومًا. وكانت إنكلترا تخلق الصعوبات في وجه روسيا من أجل القروض التي تحتاجها. وبالمقابل منحت أمريكا، الدولة المنتدبة الجديدة للحكومة المؤقتة، دون معرفة إنكلترا قرضًا قدره: 75 مليون دولار كسلفة على الهجوم المقبل.

ولم تكن البرجوازية الروسية التي قبلت إنذارات الحلفاء، وقامت بتهييج شرس من أجل الهجوم، تثق بإمكانية نجاح هذا الهجوم، ورفضت أن تقبل المشاركة بقرض الحرية. واستغلت الملكية المقوضة الفرصة لتعود إلى المسرح؛ فقد عبَّرت أسرة رومانوف في بيان موجه إلى الحكومة المؤقتة عن رغبتها بالمشاركة في القرض، ولكنها أضافت “أنها لن تشترك إلا إذا قررت الخزينة تخصيص بعض الأموال لنفقة العائلة الإمبراطورية”. وكان أفراد الجيش يقرأون كل هذا، ويعرفون أن أكثرية الحكومة المؤقتة، ومعظم الضباط القادة، ما زالوا يأملون في عودة الملكية.

ومن الإنصاف أن نلاحظ أن كل الناس في معسكر الحلفاء كانوا غير متفقين مع أنصار فاندرفيلد، وتوماس، وكاشين الذين كانوا يدفعون الجيش الروسي إلى الهاوية. وكانت الإنذارات عن وضع الجيش الروسي تُسمع في كل مكان. وكان الجنرال بيتان يقول: “إن الجيش الروسي ليس إلا واجهة، وسينهار إذا تحرك”. وكانت البعثة الأمريكية تتبنى الرأي ذاته، وعبَّرت عنه بنفس الشكل. ولكن الاعتبارات الأخرى هي التي سادت وتحكمت بهذا الموضوع. وكان من الواجب انتزاع روح الثورة ذاتها. وقد فسَّر بانلوفيه هذا الموقف فيما بعد قائلاً: “كان التآخي الجرماني – الروسي يحدث من الأضرار والخسائر في الجيش الروسي ما يجعلنا نعتقد بأن ترك الجيش بدون حركة سيعرضه للتفتت المحتوم”.

وقاد كرنسكي وتسيريتلي إعداد الهجوم على المستوى السياسي، وكانا يختفيان ويتواريان في البدء عن أقرب أنصارهما. وفي حين استمر الزعماء الذين لا يملكون سوى نصف المعلومات عن الوضع بالوعظ للدفاع عن الثورة، كان تسيريتلي يزداد في الإلحاح بتصميم على ضرورة استعداد الجيش للهجوم. وقاوم تشيرنوف هذه الفكرة مدة أطول، وأكثر من الجميع، أي أنه تدلل وتغنَّج أكثر من غيره. وفي جلسة الحكومة المؤقتة التي انعقدت بتاريخ 17 مايو (آيار)، انهالت الأسئلة على “وزير الفلاحين” كما يسمي نفسه. وسئل عن صحة تأييده لمبدأ هجوم الجيش في أحد الاجتماعات دون أن يكون له الحق بذلك. وكان تشيرنوف قد قال ما يلي: “إن الهجوم لا يعنيه كرجل سياسي؛ فالهجوم عمل من أعمال الإستراتيجيين في الجبهة”. وكان هؤلاء الرجال كما نرى يلعبون مع الحرب لعبة “الاستغماية” كما أنهم كانوا يلعبونها مع الثورة. ودام هذا فترة من الزمن فقط.

ورافق إعداد الهجوم بالطبع تعزيز الكفاح ضد البلاشفة. وكان المسئولون في الحكومة لا يزيدون من وحدة الهجوم عليهم واتهامهم بالميل إلى عقد صلح منفرد. وكانت إمكانية عقد صلح منفرد كامنة في الموقف ذاته. وكانت المخرج الوحيد من الأزمة. وكان سبب ميل البلاشفة إلى الصلح المنفرد هو ضعف روسيا والنزيف الذي تعرضت له بالمقارنة مع بقية الدول المتحاربة الأخرى. ولكن لم يكن هناك أحد بعد قد قاس قُوى العامل الجديد وهو الثورة. وكان البلاشفة يقدرون أنه من غير الممكن التهرب من احتمالات سلم منفرد إلا بشرط مواجهة الحرب بجرأة وحتى النهاية بقوة الثورة وسلطتها. ولهذا كان من الواجب قبل كل شيء خرق التحالف مع برجوازية البلاد ذاتها. وفي 9 يونيو (حزيران) صرح لينين في مؤتمر السوفييتات قائلاً ما يلي: “عندما يقال إننا نميل إلى عقد صلح منفرد، فإن هذا القول ليس صحيحًا. ونحن نقول: لن نعقد أي صلح منفرد مع أي من الرأسماليين، ومع أي من الرأسماليين الروس قبل كل شيء. إن الحكومة المؤقتة في حالة صلح منفرد مع الرأسماليين الروس. فليسقط هذا الصلح المنفرد”! ويسجل محضر الجلسة “عاصفة من التصفيق”. وكان هذا تصفيق الأقلية الصغيرة في المؤتمر، ولكنه كان تصفيقًا حادًا جدًا.

وكان بعض أعضاء اللجنة التنفيذية يفتقر إلى التصميم، كما كان الآخرون يريدون أن يضعوا أنفسهم تحت غطاء جهاز يتمتع بسلطة أكبر. وتقرر في اللحظة الأخيرة إعلام كرنسكي بأن إعطاء أمر بالهجوم لن يكون مرغوبًا به قبل اتخاذ مؤتمر السوفييتات قرارًا بشنه. وكان التصريح الذي أدلت به مفرزة البلاشفة في أول جلسة للمؤتمر يقول: “على المؤتمر أن يبدي مقاومة فورية للاندفاعة المضادة للثورة أو يأخذ على عاتقه مسئولية هذه السياسة، بصورة كاملة وصريحة”.

ولم يكن قرار مؤتمر السوفييتات لصالح الهجوم إلا تدبيرًا ديموقراطيًّا شكليًّا، فقد كان كل شيء جاهزًا. وكان المدفعيون جاهزون منذ وقت طويل لفتح النار على المواقع المعادية. وبتاريخ 16 يونيو (حزيران) استخدم كرنسكي وظيفته كقائد أعلى للقوات المسلحة، ولعب دور “القائد المكلل بهالات النصر” وأصدر أوامره بضرورة توجيه “ضربة فورية حاسمة” وأنهى أمره على الشكل التالي: إني آمركم بالهجوم، إلى الأمام”!

وعلَّق تروتسكي على بيان المفرزة البلشفية في مؤتمر السوفييتات، بمقال صاغه في أمسية الهجوم قال فيه: “إن سياسة الحكومة تخرّب إمكانات نجاح عمل عسكري بصورة جذرية… فالدلالات المادية للهجوم غير ملائمة إلى حد كبير. ويعكس تنظيم التموين في الجيش الفوضى الاقتصادية العامة، التي لا تستطيع الحكومة، بتشكيلها الحالي، اتخاذ أي تدبير جذري لمعالجتها. كما أن لدلائل المعنوية للهجوم غير ملائمة أيضًا. وقد كشفت الحكومة للجيش عجزها عن تحديد سياسة روسيا بصورة مستقلة عن إرادة الحلفاء الإمبرياليين. ولا يمكن أن تكون النتيجة سوى التفكك المتدرج للجيش … ولم تعد عمليات الفرار التي تتم بالجملة معتبرة كنتيجة لإرادة فردية سيئة، في الظروف الحاضرة، بل أصبحت تعبيرًا عن عجز الحكومة الكامل عن دمج الجيش الثوري في وحدة وثيقة وتامة في الآراء والأفكار …” ثم أشار فيما بعد إلى أن الحكومة لم تقرر “الإلغاء الفوري لأملاك الإقطاعيين من النبلاء، أي أنها لم تقرر اتخاذ التدبير الوحيد الذي يثبت لأكثر الفلاحين تخلفًا أن هذه الثورة هي ثورتهم”. واختتم تروتسكي مقاله على الشكل التالي: “وسيتخذ الهجوم، في مثل هذه الظروف المادية والمعنوية، ولا شك صفة المغامرة”.

وكانت القيادة بكامل هيئتها تقريبًا تقدر بأن الهجوم الذي لا أمل منه من الناحية العسكرية مقررًا أساسًا وبصورة خاصة بحساب سياسي. وقد اعترف دينيكين لبروسيلوف بعد أن تفقَّد جبهته قائلاً ما يلي: “إنني لا أؤمن بنجاح الهجوم”. وينبغي علينا أن نضيف إلى عناصر الشك هذه عدم كفاءة القيادة ذاتها. ويشهد ستانكيفيتش، كضابط وكوطني أن الإعداد التِقني للهجوم يستبعد الحصول على انتصار، بصرف النظر عن الحالة المعنوية للقطعات؛ “لقد نُظِّم الهجوم بشكل يجعله أدنى من كل نقد”. وتشكَّل وفد من الضباط على رأسهم نوفوسيتسيف رئيس اتحاد الضباط الكاديت، وزار هذا الوفد زعماء حزب الكاديت، وأنذرهم بأن الهجوم لن يؤدي إلا إلى الإخفاق وإبادة أفضل القطعات. وتملَّصت السلطات العليا إزاء هذه التحذيرات بجمل عامة. وقال الجنرال الرجعي لوكومسكي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية: “ما زال هناك أمل ضعيف: فربما تعدل بداية سعيدة للمعارك نفسية جماهير الجنود، وتنفتح للقادة إمكانية التقاط الزمام الذي أفلت من أيديهم”. إن التقاط الزمام هو الهدف الأساسي إذن.

وكان المسئولون عن الهجوم يعتمدون على توجيه ضربة كبرى، استنادًا إلى خطة موضوعة منذ وقت طويل، بقوات الجبهة الجنوبية – الغربية في اتجاه لفوف (لامبرغ). على أن تقوم الجبهتان الشمالية والغربية بمهام الدعم. والمفروض أن يبدأ الهجوم على كل الجبهات بآن واحد. وأصبح واضحًا بعد ذلك أن تحقيق هذه الخطة وتنفيذها يتجاوز الإمكانات التي تملكها قوات القيادة بكثير. وتقرر عندئذ أن تتقدم الجبهات جبهة بعد أخرى، بدءًا من أقلها أهمية. ولكن هذا لم يكن ممكنًا أيضًا. وقد قال دينيكين: “قررت القيادة العليا بعد ذلك الامتناع عن تطبيق أية إستراتيجية منهجية، واضطرت إلى ترك مبادرة العملية للجبهات التي تجد نفسها مستعدة للهجوم”. وكانوا يعتمدون في كل شيء على رحمة العناية الإلهية. ولم تكن الخطة تفتقر إلا إلى أيقونات زوجة القيصر. ولكنهم حاولوا استبدالها بأيقونات الديمقراطية. وكان كرنسكي يتفقد الجبهات، ويقوم بالجولات فيها ليحرض وينصح ويبارك. وبدأ الهجوم في 16 يونيو (حزيران) على الجبهة الجنوبية الغربية، وفي 7 يوليو (تموز) بدأ على الجبهة الغربية. وفي 8 بدأ في الشمال. وفي 9 بدأ في الجبهة الرومانية. وتطابق تقدم الجبهات الثلاث الأخيرة، الوهمية في مجموعها، مع بدء سحق الجبهة الرئيسية وهي جبهة الجنوب الغربي.

وقد أبلغ كرنسكي الحكومة المؤقتة بما يلي: “حققنا اليوم انتصارًا كبيرًا للثورة. فبتاريخ 18 يونيو (حزيران) قام الجيش الثوري الروسي بالهجوم بحماسة منقطعة النظير”. وكتبت صحيفة ريتش التابعة للكاديت: “تحقق الحدث الذي لطالما انتظرناه، هذا الحدث الذي عاد بالثورة الروسية دفعة واحدة إلى أفضل أيامها”. وبتاريخ 19 يونيو (حزيران) خطب بليخانوف المسن في مظاهرة وطنية قائلا:ً “أيها المواطنون! إذا سألتكم في أي يوم نحن الآن، فإنكم ستردون علي أنه يوم الاثنين. ولكن هذا خطأ؛ إن اليوم هو الأحد. وهو يوم البعث لبلادنا وللديمقراطية في العالم أجمع. لقد قررت روسيا بعد أن تخلصت من نير القيصرية، التخلص من نير العدو”. وقال تسيريتلي في اليوم ذاته في مؤتمر السوفييتات: “لقد فتحت صفحة جديدة في تاريخ الثورة الروسية الكبرى… وينبغي أن لا تحيي الديمقراطية الروسية نجاحات جيشنا الثوري فحسب، بل ينبغي أيضًا… أن يحيي جيشنا كل الذين يحاولون بالفعل محاربة الإمبريالية” لقد فتحت الديمقراطية الوطنية كل سدودها.

ونشرت الصحف خلال هذا الوقت خبرًا مفرحًا: “تحتفل بورصة باريس بالهجوم الروسي برفع أسعار كل الأسهم والسندات الروسية”. وحاول الاشتراكيون تحديد متانة الثورة حسب لائحة الأسعار. ولكن التاريخ يعلمنا أن البورصة تصبح في وضع أفضل كلما كان وضع الثورة سيئًا.

إلا أن العمال وجنود حامية العاصمة لم ينجَرُّوا دقيقة واحدة في موجة الوطنية التي تؤجج بصورة مصطنعة، وبقيت أرض العمال وجنود الحامية في شارع نييفسكي. ويروي الجندي تشينينوف في مذكراته قائلاً ما يلي: “خرجنا إلى النييفسكي، وحاولنا إثارة الاضطراب ضد الهجوم. فهاجمنا البورجوازيون فورًا وأخذوا يضربوننا بالشمسيات… فاعتقلنا البورجوازيون وأخذناهم إلى الثكنات… وقلنا لهم بأنهم سيشحنون إلى الجبهة في اليوم التالي”: كانت هذه الأعمال أعراض انفجار الحرب الأهلية الوشيكة الوقوع، وكانت أيام يوليو (تموز) تقترب.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الإئتلاف الأول.. جـ 3