الدول الأخرى عامة والصين على وجه الخصوص.. جـ 6

0
362

حتى الان سلطنا الضوء على روسيا بشكل عام، بيد أننا لا نعتقد أن ما شهدته من صيرورة كان استثنائيا، بل على العكس، فقد كان هذا الوضع سائدا في كافة الدول التي صودرت بها البرجوازية. وإذا ما كنا قد ركزنا على هذه الدولة، فمرد ذلك اعتبارنا أنها نالت الحصة الأكثر أهمية من تلك التحولات وزلزالها الهائل. لقد لمستا كيف ارتبطت التحولات التي شهدتها تلك الدول بالاتجاهات الاقتصادية العالمية بشكل عام، ولكن علينا أيضا إدراك العلاقة بين هذه التحولات. هذه العلاقة أثرت على كوبا بشكل خاص، فنهاية الاتحاد السوفياتي واقتصاده المخطط كانت تعني نهاية الصادرات المدعومة إلى تلك الجزيرة. وقد أدى هذا إلى تسريع انفجار الأزمة الاقتصادية الكوبية، حيث قررت القيادة تبني سياسة مؤيدة لاستعادة الرأسمالية. ومع هذا فإن العلاقة الاقتصادية بين الاتحاد السوفياتي السابق وكوبا لم تكن العلاقة الوحيدة ولا الأكثر أهمية. وتكفي الإشارة إلى الدول التي كانت جزء من الاتحاد السوفياتي. والتي كانت تستفيد من ٤ أخماس هذه الصادرات. مع انهيار الاتحاد السوفياتي تراجعت التجارة بين تلك الدول والكوميكون بنسبة ٧٠%، ما أدى إلى انهيار هذه الاقتصادات “الكوميكون”: (دول مجلس الدعم الاقتصادي المتبادل تأسس في ١٩٨٩ بواسطة ألمانيا الشرقية، وبلغاريا، وكوبا، وهنغاريا، ومنغوليا، وبولندا، ورومانيا، وتشيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفياتي، وفيتنام). ومن جهة أخرى فإن الصادرات الروسية المدعومة تجاوزت كوبا، فمثلا في العام ١٩٩٠ بلغت الصادرات الروسية المدعومة للدول الأخرى ٥٨٠٠٠ مليون دولار، خصصت ٤٠٠٠٠ مليون منها للجمهوريات الأخرى التابعة للاتحاد السوفياتي السابق، و١٨٠٠٠ مليون لبقية دول مجلس الدعم الاقتصادي المتبادل، ومن بينها كوبا. لذا فإن تلك التحولات الجذرية الشرقية (أثر الدومينو) كان لها أسسا سياسية، ولكنها اقتصادية على المستوى العام. في الحقيقة، فإن الانهيار المفاجئ للتبادل التجاري أثر أيضا على الصين، رغم أنها لم تكن جزء من مجلس الدعم الاقتصادي المتبادل، ولكن هذا لم يجعل الصين بمنأى عن عملية استعادة الرأسمالية، بل على العكس، استقلالية هذا البلد عن المعسكر الذي كان يقوده الاتحاد السوفياتي تشرح لماذا بدأت البيروقراطية الصينية بالإصلاحات الداعمة لاستعادة الرأسمالية قبل وقت طويل من البيروقراطية الروسية. إن الجزم بوجود تحولات لاستعادة الرأسمالية لا يعني أن هذه التحولات كانت متجانسة، فقد كانت هنالك فروقا هائلة في الإيقاع والنتائج، وخططا مختلفة لاستعادة الرأسمالية. نتحدث هنا عموما عن نماذج الصين وأوروبا الشرقية، رغم هذا كان هناك تنوع كبيير، ويمكنك القول إن الخطط التي تم تطبيقها لاستعادة الرأسمالية كانت بقدر عدد الدول التي طبقت فيها هذه الخطط.

هل كانت الصين معقلا للاشتراكية؟

في الماركسية الثورية هنالك جدل واسع حول سمات الدول التي صودرت فيها البرجوازية، فهنالك اراء مختلفة، وهذا ما شهدته أيضا الرابطة الأممية للعمال، فلا يمكن لهذا إلا أن يحصل، انطلاقا من الاعتقاد بأن تلك الدول – بما فيها ألمانيا الشرقية – كانت لاتزال دول عمال بيروقراطية، إلى الاعتقاد بأنها كلها دولا رأسمالية.
الفكرة التي فرضت نفسها هي أن الرأسمالية قد تمت استعادتها في أوروبا الشرقية نتيجة الأمر الواقع، ولكن الجدل ظهر مجددا عند تحليل الواقع في دول أخرى، خاصة في الصين وكوبا.
بالنسبة للصين لا نؤمن بأن الأمر كان حتميا، بل على العكس، نؤمن بأن العامل الأهم يتمثل بالصراع الطبقي، كما نؤمن بالخصوصية القومية، لذا كان من الممكن استعادة الرأسمالية في روسيا وأوروبا الشرقية، ولكن ليس في الصين. ومادام الأمر كذلك، فلا يكفي إعلان هذه الحقيقة، بل نحتاج إلى شرحها. من وجهة نظر موضوعية، كانت الظروف للمضي قدما في خطط استعادة الرأسمالية في الصين أفضل من تلك التي كانت سائدة في روسيا.
بداية الصين دولة أكثر تأخرا.
 ثانيا، الامبريالية دعمت عملية استعادة الرأسمالية في الصين بقوة أكبر مما فعلت في روسيا، وهذا ما تبينه الاستثمارات (١٢١٧٠٤ مليون دولار تم استثمارها في الصين، مقابل ٣٩٠٠ فقط في روسيا. (البنك الدولي ١٩٩٦). *هذه الأرقام تتطابق مع التدفق المتراكم للاستثمارات الأجنبية المباشرة، في الفترة الممتدة ما بين ١٩٨٩- ١٩٩٥. (البنك الدولي، ١٩٩٦).
 ثالثا، البروليتاريا الصينية لعبت دورا ضئيلا في الثورة، على عكس نظيرتها الروسية.
رابعا، البروليتاريا الصينية، بعكس الروسية، مضت في الثورة بقيادة طالما كانت تذعن للبرجوازية.
خامسا، البروليتاريا الروسية حاليا أقوى بكثير من الصينية.
سادسا، التعبئة الصينية التي كان من الممكن أن تتطور إلى عائق في مواجهة استعادة الرأسمالية انتهت بحمام دم. وبعكس ذلك فإن الجماهير الروسية لم تهزم، وتمكنت من إسقاط النظام الدكتاتوري، وبهذا تمكنت من الإبقاء على روح المقاومة.
سابعا، وأخيرا، الإصلاحات المؤيدة للرأسمالية بدأت في الصين قبل عقد من بدئها في روسيا. إذا ما تمت استعادة الرأسمالية في روسيا وليس في الصين، فإننا سنحتاج إلى الإجابة على التساؤل التالي: كيف لم تتمكن البيروقراطية الصينية، رغم كافة الظروف الموضوعية التي كانت في صالحها من استعادة الرأسمالية، بعكس نظيرتها الروسية؟ ويمكننا الإجابة على هذا بشكل مترابط بثلاثة سبل: أولا أن نفترض أن أولئك الذين زعموا بأن الرأسمالية لم تتم استعادتها في أي مكان كانوا على حق. ثانيا أن نجزم بأنه تمت استعادة الرأسمالية في أوروبا الشرقية ولكن ليس في الصين، وذلك لأسباب ذاتية وليست موضوعية. وأن القيادة الصينية ليست مؤيدة للرأسمالية كما قد تبدو. مثل هذه الإجابة، رغم ترابطها، ستقود بالنسبة لنا إلى نقد ذاتي، حيث أننا سنكون في هذه الحالة غير مدركين -لسنوات- بأن البيروقراطية الصينية كانت حليفا قويا للنضال ضد استعادة الرأسمالية. أما الإجابة الثالثة فقد تتمثل بأن هنالك عوامل ذاتية وموضوعية، قادت إلى استعادة الرأسمالية في كل من روسيا، وأوروبا الشرقية، والصين، وهذا رأينا.

في محاولة لإثبات أن الصين مازالت دولة عمال، نوه كثيرون بأن الشركات الكبرى مازالت مملوكة من الدولة، وهذا صحيح جزئيا، ولكنه لا يكفي لتحديد السمة الطبقية للدولة، كما أنه يتجاهل حقيقة أخرى أكثر أهمية: وهي أن الصين لم يكن لديها تطور صناعي ملموس، فالعمل الزراعي كان يشكل نشاطها الاقتصادي الأساسي. وبسبب الإصلاحات الاقتصادية فإن هذا القطاع قد تمت خصخصته ١٠٠%. ولم تقتصر تلك الإصلاحات على الحقول، فقد بدأت هناك ولكنها اتسعت لتشمل كافة المجالات الاقتصادية. البيروقراطية الصينية كانت قد تقدمت بالفعل بالبيروسترويكا الخاصة بها عندما كان غورباتشوف لايزال بعيدا عن شغل منصبه الرسمي في الاتحاد السوفياتي. تقرير البنك الدولي (١٩٩٦) يصف ما حدث بشكل أفضل.

الشكل التدريجي، الذي يلخصه تعبير دينغ زياوبينغ: “عليك أن تشعر بالحجارة لعبور النهر”. كان تحديدا هو السبيل الذي مضت فيه الصين. بعد رحيل ماو تسي تونغ، واستنكار الثورة الثقافية، أطلقت الإصلاحات سنة ١٩٧٨ لتفتح الباب أمام مشاريع مشتركة، وتبدأ بتحرير الأسعار، على نطاق ضيق بداية، ثم بشكل موسع في نهاية الأمر.

معظم الإصلاحات التي أطلقت كانت تركز على الريف. نظام مسؤولية العائلة، الذي أطلق محليا لإنهاء العمل الزراعي الجماعي، تم تطبيقه على مجالات أخرى. الحكومة رفعت دخل الريف عبر رفع أسعار السلع الاقتصادية إلى مستوى الإنتاج. ثم تخلت عن القيود التي كانت مفروضة على الشركات الصناعية “غير التابعة” للدولة (الممتلكات الجماعية وممتلكات الحكومات المحلية)، وسمحت بولوج شركات جديدة إلى قطاعات واسعة من الأنشطة، إلى جانب تحفيز شركات البلديات الريفية الجديدة على العمل وفقا لمبادئ السوق. الجزء الإنتاجي توافق مع الشركات الخاصة والتي نمت بشكل ملحوظ خارج إطار ملكية الدولة. في ١٩٨٤ اتسعت الإصلاحات لتشمل الاقتصاد الحضري. الحكومات المحلية بدأت تحصل على المزيد من الاستقلالية الضريبية. كما تم إصلاح إدارة شركات الدولة، حيث لم يعد مصدر تمويلها من موازنة الحكومة، بل بات مناطا بالنظام البنكي. ومن ثم تم إلغاء القيود عن التجارة والاستثمارات الأجنبية، وبدأت جملة من الإصلاحات المؤسسية، بما في ذلك إنشاء البنك المركزي. وخلال ذلك بدأ دور التخطيط بالتقلص. وقد تسارعت وتيرة الإصلاحات في ١٩٩٤ و١٩٩٥، لاسيما فيما يتعلق بالضرائب، وتشريعات العمل، والتجارة الخارجية. (البنك الدولي، ١٩٩٦).

(البنك الدولي، ١٩٩٦)


كيف”تحمي” الدولة الصينية شركاتها

 

إحدى أكثر المجادلات شيوعا التي يستخدمها أولئك المعتقدين بأن الصين مازالت دولة عمال هي وجود شركات كبرى مملوكة للدولة ومستمرة بالنمو. وهذا يتناقض مع حقيقة عملية استعادة الرأسمالية التي سبق وأن ذكرناها. ولكن هذا تناقض ظاهري. لقد كان هناك نمو في القطاع الصناعي للدولة الصينية، حيث وظفت هذه الشركات عشرين مليون عامل ما بين ١٩٧٨ و١٩٩٤، وفقا لتقرير البنك الدولي، ولكن ما هو دور وديناميكية هذه الشركات؟ دعنا نلقي نظرة على الجواب المنشور في كتيب صدر في الصين. شركات الدولة الصينية، القطاع الأساسي للاقتصاد الاشتراكي الشعبي، تمثل عصب الاقتصاد القومي. (ن/أ، ن/د، إصلاحات شركات الدولة).

بعد ١٥ سنة من الإصلاحات، فإن شركات الدولة، العامود الفقري للاقتصاد، الشركات الجمعية للمقاطعات والمستوطنات، وشركات الاستثمار الأجنبي الخاصة، تطورت إلى حد بعيد، ما أسهم في تحقيق تطور صحي ومستدام للاقتصاد الوطني (ن/أ، ن/د إصلاحات شركات الدولة).

وفي هذا السياق قامت شركات الدولة بإسهامات هامة، حيث وفرت للشركات الأخرى السلع وموارد الكهرباء والخدمات العامة والمعدات التقنية. وقد تحملت شركات الدولة مسؤولية تلبية مستحقات الدخل المالي، والخطط التوجيهية، والمهمات الاجتماعية، كما دعمت الدولة في تطبيق السياسات المثلى فيما يتعلق بالشركات الجمعية والخاصة والأهلية وكذلك شركات الاستثمار الأجنبي. حيث مهدت الظروف لتحقيق تراكم متسارع للمنتجات، ودفعت بعجلة تطور الشركات غير المملوكة للدولة، لاسيما وأن عددا مهما من المدراء والتقنيين المؤهلين لشركات الدولة انتقلوا إلى الشركات الأخرى، ما أدى إلى إرساء ركائز تطورها. (ن/أ، ن/د، إصلاحات شركات الدولة).

في الربع الأول من العام ١٩٩٤ أضاف التصنيع قيمة جديدة للبلاد، حيث أسهمت شركات الدولة وتلك الغير تابعة لها مناصفة بإضافة هذه القيمة، بينما بلغت نسبة الضرائب التي تدفعها شركات الدولة ٦٨٪، في حين لم تتجاوز ضرائب الشركات الأخرى ٣٢٪. (ن/أ، ن/د، إصلاحات شركات الدولة).

لم يكن ممكنا أن تختلف النتيجة، مع كل هذه الحوافز للشركات غير التابعة للدولة، بدء من الدعم التي كانت تتلقاه من شركات الدولة، كان إيقاع تطور الشركات الأخرى مبهرا. وفقا لإحصائيات العام ١٩٩٢ احتلت صناعات القطاع غير التابع للدولة ٥٠٪ من القيمة العالمية. وفي ١٩٩٠ كانت نسبة صناعات القطاعات غير التابعة للدولة ٦٥.٧٪ في محافظة جيانغسو، و٦٨.٧٩٪ في محافظة زيغيانغ، و٥٨.٦٪ في شاندونغ.

وبحلول العام ١٩٩٣ لوحظ تطور متسارع في القطاع غير التابع للدولة. دعنا نأخذ القطاع الصناعي مثالا، من العام ١٩٧٨ إلى ١٩٨٥ ارتفعت القيمة الصناعية من ربع القيمة العالمية إلى الثلث، ومن ١٩٨٥ إلى ١٩٩٢ بلغت النصف. (ن/أ، ن/د إصلاحات شركات الدولة)، في حين كان تطور القطاع الصناعي التابع للدولة بطيئا، مقارنة بتصنيع أشكال الملكية الأخرى. منذ ١٩٧٨ إلى ١٩٩٢ حقق القطاع الصناعي التابع للدولة نموا بنسبة ١١٠٪، بينما بلغت نسبة نمو القطاع الجمعي ٣١٤٪، في حين ارتفعت القطاعات الصناعية الأخرى من الصفر إلى ٣.٣٥٠٪. (ن/أ، ن/د، إصلاحات شركات الدولة).

عدم التكافؤ في تطور القطاع الصناعي الخاص ونظيره التابع للدولة قاد حتما إلى أزمة وإلى تصفية القطاع الأخير، وقد شرح مؤلف الكتاب المذكور الأسباب بوضوح. الدولة باعتبارها ركيزة الضرائب كان عليها التضحية لدفع كلفة الإصلاح والانفتاح، لخلق الشروط المالية والمادية والبشرية لتطوير الاقتصاد غير التابع للدولة.

ولكن رغم هذا، فإنه في سياق تأسيس اقتصاد السوق، كان على قطاعات الملكية المختلفة أن تتنافس بمساواة وفقا لقانون القيمة وقوانين السوق. وقد أجهض أي تدخل مباشر للحكومة في إنتاج الشركات وإدارتها. البقاء للشركات الأقوى، أما تلك العاجزة فسيتم سحقها عبر التنافس في السوق. (ن/أ، ن/د، إصلاحات شركات الدولة).

هذا الصراع غير العادل كانت له أولى نتائجه في الثلث الأول من ذلك العام، حيث أنه وللمرة الأولى تجاوزت خسائر ١٠٨٠٠٠ شركة تابعة للدولة ما عاد عليها من أرباح. (سبيتزكوفسكي، ١٩٩٦).

ومن بين الشركات التي تعد شركات غير تابعة للدولة شركات البلديات الريفية، والتي تعود ملكيتها للحكومات المحلية وملاك أفراد، حيث تنتج للسوق المحلي وللتصدير، وقد وفرت ٩٥ مليون وظيفة جديدة خلال الـ ١٥ سنة الأخيرة. هذه الشركات تم ذكرها في التقرير الذي اقتبسنا منه، باعتبارها جزء من تلك التي لا تعد ضمن ملكية الدولة بالمعنى التقليدي، كما لا يمكن اعتبارها ملكية خاصة بالمفهوم الرأسمالي. (سبيتزكوفيسكي، ١٩٩٦). السمة الغامضة بعض الشيء لهذه الشركات، قد تكون محيرة فيما يتعلق باستعادة الرأسمالية، ولكنها لم تكن محيرة لكتاب تقرير البنك الدولي، فقد اعتبروها أنموذجا ينبغي أن تحتذي به الدول الأخرى. ظاهرة تلك الشركات لها عناصر خاصة للغاية بالنسبة للصين، ولكن التجربة تقدم درسا يمكن أن يكون مفيدا للغاية للاقتصادات الأخرى في سياق التحول: أهمية حرية الوصول، والمنافسة، والقيود على الموازنة، والحوافز الضريبية للحكومات المحلية. (البنك الدولي، ١٩٩٦). هذه التوصية جاءت متماسكة بسبب تلك الشركات، والتي يمكن تسميتها بالمختلطة، والتي حفزها التقرير ذاته للعمل وفقا لمبادئ السوق (البنك الدولي، ١٩٩٦). وقد باتت اليوم جزء هاما منه. وفيما يتعلق بهذا التصور لوجود اقتصاد سوق في الصين، سيكون من اللافت متابعة كيف قام الناطقون باسم الامبريالية بتحليل مسألة الأسعار. الصين بدأت بتحرير الأسعار سنة ١٩٧٨، مع تأسيس نظام أسعار موازي في نهاية ١٩٩٤، وقد أدى هذا النظام المزدوج إلى تحرير ٩٠% من أسعار التجزئة، ومن ٨٠ إلى ٩٠% من أسعار القطاع الزراعي والمنتجات الوسيطة، واليوم السوق هو ما يحدد كل تلك الأسعار.

الصين.. قوة امبريالية جديدة ؟

 

المتحدثون باسم الامبريالية لا يستطيعون إخفاء حقيقة الكارثة التي تسببت بها استعادة الرأسمالية في روسيا. ولكنهم يجزمون العكس بالنسبة للصين. بعد ١٦ سنة من الإصلاحات الداعمة للرأسمالية، باتت الصين تمتلك الاقتصاد الأكثر نموا في العالم.
في الحقيقة، بين عامي ١٩٨٩ – ١٩٩٥حقق الاقتصاد الصيني نموا بمعدل ٩.٤ وبين عامي ١٩٩٤ – ١٩٩٥ قفز الى نسبة ١١٪. وهذا نمو مذهل في المرحلة الرأسمالية الراهنة. لذلك قامت الصين بإنكار التوقعات الماركسية، ولاسيما التروتسكية. استعادة الرأسمالية قد تكون رديفا للتقدمية، وليس للرجعية، حتى أن البعض زعم بأن الصين ستصبح قوة إمبريالية خلال فترة وجيزة. ولكن لدينا فهم مغاير فيما يتصل بتلك الصيرورة.
صحيح أن الاقتصاد الصيني حقق نموا مستداما، ولكن هذا النمو تحقق بطريقة لا تهدد القوى الإمبريالية، حتى أنه لا يشكل تهديدا لأهم دول المنطقة، والتي تدعى ب “نمور آسيا”، وعلاوة على ذلك لم تصبح الصين قوة عظمى، بل شبه مستعمرة للإمبريالية، إن لم تكن مستعمرة بالفعل.

لقد حققت الصين نموا اقتصاديا مستداما من زيادة الإنتاج الزراعي عموما، وكذلك عبر النمو المذهل لصادراتها. في نهاية السبعينيات، عندما بدأت الإصلاحات الاقتصادية، كانت الصادرات الصينية تحقق ٧٤٠٠ مليون دولار، ولكنها تحقق اليوم ١٢١٠٠٠ مليون دولار، ما أدى إلى ارتفاع هائل في احتياطي العملة، والذي كان صفرا في العام ١٩٧٨، قبل أن يبلغ اليوم ٨٥٠٠٠ مليون دولار.

المعلقون الدوليون سلطوا الضوء على هذه الأرقام، ولكن من الضرورة تسليط الضوء أيضا على مسائل اقتصادية أخرى، أولا الصين كدولة زراعية، متأخرة إلى حد بعيد. ثانيا، هنالك تزايد هائل فيما يتعلق بالاستيراد (٧٤٠٠ مليون دولار في العام ١٩٧٨، إلى ١١٦٠٠٠ مليون في ١٩٩٦).ثالثا هناك ارتفاع هائل في الدين الخارجي (ارتفع من ٤٥٠٠ مليون في ١٩٧٨ إلى ٧٠٠٠٠ مليون في ١٩٩٦). رابعا أغلب تجليات هذا النمو الهائل تمثلت عبر الشركات متعددة الجنسية، حيث وصل من ٤٣٠ مليون دولار عام ١٩٩١ إلى ١٦٣٧٢ مليون في النصف الأول للعام ١٩٩٥. (ن/ا ١٩٩٧، فيجا).

 

الرجعية في الصين

 

غبطة المتحدثين باسم الرأسمالية (وحتى كثير من الماركسيين) بتطور الاقتصاد الصيني ليست محط إجماع، مثلا الاقتصادي الصيني المعروف “فان غانغ” شدد خلال زيارة قام بها إلى البرازيل مؤخرا على أن المرء ينبغي أن يكون أكثر حذرا فيما يتعلق بالتنبؤات بشأن الصين. اقتصاد البلاد ينمو بشكل متصاعد، ولكن نقطة البداية كانت منخفضة للغاية. التحذير في محله، النمو أمر مهم، ولكن المسألة نسبية، فمن الضرورة في هذا الصدد أن نأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي تتم وفقها الأمور. مثلا، الاقتصاد الأعلى نموا في العالم هو اقتصاد بوتسوانا، بلد إفريقي صغير حقق نموه عبر إنتاج الألماس، ولكن سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذا البلد قد يتحول إلى قوة إمبريالية، ليس فقط لقلة عدد سكانه (١٣٠٠٠٠). لا يمكنه التحول إلى قوة إمبريالية عظمى كالولايات المتحدة أو ألمانيا، ولا حتى قوة صغيرة كسويسرا.

الصين دولة متخلفة ذات تطور صناعي ضئيل. هذا لا يبرز فقط عبر المقارنة بين الاقتصاد الصيني ونظيره للقوى الإمبريالية، بل يبرز أيضا عبر المقارنة بالاقتصاد الروسي.مثلا دعنا نقارن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في روسيا والصين عندما بدأت الإصلاحات في كلا البلدين، حيث بلغ في روسيا ثمانية أضعاف ما هو في الصين. وراهنا لم يتغير هذا الأمر نوعيا، فرغم الانهيار الهائل في الاقتصاد الروسي فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يبلغ في روسيا حاليا عشرة أضعاف ما هو في الصين. (البنك الدولي، ١٩٩٦). وكدليل على تخلف الدولة الصينية، ٧٣٪ من السكان يعيشون في الحقول، وهذا هو المعدل ذاته في دول كالهند (٧٣٪)، وباكستان (٦٦٪)، أو نيجيريا (٦٢٪). وهذا أبعد ما يكون عن الواقع في القوى الإمبريالية والتي لديها إنتاج زراعي ضخم، كالولايات المتحدة (٢٤٪)، وفرنسا (٢٧٪)، أو ألمانيا (١٤٪)، بل أبعد حتى من واقع دول “العالم الثالث” الأكثر تقدما، كالبرازيل (٢٣٪). على نحو هذا التخلف ينمو الاقتصاد الصيني.

 

الاستثمارات الأجنبية

 

نمو الاقتصاد الصيني ينبغي أن يشكل تهديدا للقوى الإمبريالية، وخاصة “نمور آسيا”، ولكنه ليس كذلك، فمثلا أعظم الشركات الإمبريالية متعددة الجنسية تحتل السوق المحلي الصيني على نحو خرافي، ومن جهة أخرى عادة ما تسيطر الرساميل الأجنبية على منتجات “صنع في الصين”، والتي تغزو الأسواق العالمية.

ومع خصخصة الاقتصاد الصيني في (في ١٩٧٨ كان هنالك ٣٠٠٠٠٠ شركة خاصة، وصل عددها اليوم إلى ٢٢ مليون) بات هنالك غزو فعلي أو استعمار لهذا البلد الذي تقوده كبرى الشركات متعددة الجنسية. وبهذا الصدد ينوه الكتيب الصيني الذي سبق وأن اقتبسنا منه أن “الاستثمارات تتوافد من أكثر من ١٥٠ بلدا ومنطقة”.

أكثر من ٢٠٠ شركة متعددة الجنسية لديها استثمارات في الصين، جاءت عموما من الدول المتقدمة في أوروبا وأميركا واليابان، وانتشرت في قطاعات صناعية متعددة: صناعة المركبات، وبرامج التحكم، وكابلات وألياف استخراج النفط، والمصاعد، والمنتجات الالكترونية، والكيماويات.. الخ.

هيوليت باكارد، شركة كمبيوتر أميركية، أسست خمسة شركات مختلطة بالصين. شركة الدي اتش إل للتوصيل لديها أيضا عشرة مكاتب وتهدف إلى امتلاك ٢٦ مكتبا بحلول العام ١٩٩٦. سانيو اليابانية أسست ١٧ شركة في الصين برأسمال ياباني حصري. والبيبسي كولا، والتي افتتحت منذ بضعة سنوات في الصين، تريد تأسيس عشرة منشآت أخرى خلال السنوات العشر القادمة.

في تيانجن، منطقة التطور التكنولوجي الاقتصادية، وإحدى البقاع الأكثر ديناميكية للنمو الاقتصادي شمال الصين. ٥٥ شركة مشهورة من الشركات متعددة الجنسية أسست مكاتب أو فروع. ومنها على سبيل المثال: موتورولا، اي اس تي للكمبيوتر، كارف جينيرال الكترونك الأميركية، بايار وفولكس فاجن اليابانية، ونستلة السويسرية، ونوفو نورديسك بيوتكنولوجي الدنماركية، وبي او سي الإنجليزية، وايتوشو وياماها اليابانية، وسامسونغ وهيونداي الكورية الجنوبية، ويونيفيرسال السنغافورية، وتشيا تاي التايلاندية.

من أعلى مئة شركة متعددة الجنسية في العالم، ٥٣ شركة لديها مكاتب في الصين. ومن أعلى ٥٠ شركة اميركية متعددة الجنسية، ٢٨ لديها مكاتب في ذات المدينة. (لي يونونغ، ن/د).

وبهذا الصدد فإن علاقة الصين “بنمور آسيا” جديرة بالذكر. وفقا لتقرير البنك الدولي (١٩٩٦) فإن انفتاح الصين غير الأفضلية التنافسية للنمور في التجارة الدولية، حيث انتهزوا الفرصة عوضا عن المناكفة. حولوا موارد وخطوط الإنتاج للصناعات البسيطة الأكثر تطورا، مستخدمين اختصاصاتهم لتوسيع الإنتاج في الصين. ويصدر الصينيون مواد بسيطة لتلك النمور الأربعة، ما أدى إلى انهيار الإسهام التشاركي بينهم في تصديرالملابس، والدمى، واللوازم الرياضية إلى الأسواق العالمية. وقد حصل هذا نتيجة الاستثمار المباشر للنمور، حيث قامت شركات تلك الدول ببساطة بنقل خطوط الإنتاج إلى الصين. مثلا، في منطقة دلتا نهر بيرلا في غواندونغ قام نحو ٢٥ ألف مصنع بتوظيف ثلاثة إلى أربعة ملايين عامل، بشكل مباشر أو غير مباشر، كالتعاقد الضمني مع الشركات المتواجدة في هونغ كونغ.

في هذه الأثناء تقدم النمور على سلم التطور، عبر تصنيع المنتجات بقدرة أكبر، سواء بالنسبة لرأس المال أو الاختصاص. (البنك الدولي، ١٩٩٦).
حقيقة أخرى من الضرورة تحليلها فيما يتعلق بالاستثمارات. هنالك برجوازية صينية قوية خارج البلاد. وتأثير هذه البرجوازية كبير للغاية. يقدر أنها تتحكم بنحو ٢.٥ ترليون دولار. (نصف الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة). (صحيفة فوليا دي ساو باولو). في اندونيسيا مثلا يمتلكون ١٧ من مجموعات الأعمال ال ٢٤ الأهم بالبلاد. وفي الفلبين يتحكمون ب ٧٥٪ من الأعمال الدولية. هذه البرجوازية القوية قامت بمعظم الاستثمارات الصينية من هونغ كونغ (٦٧.٣ بليون دولار) وتايوان (٩.٨ بليون). (صحيفة فوليا دي ساو باولو).

 

إعادة دمج هونغ كونغ بالدولة الصينية واقع سياسي اقتصادي

بيد أن البعدين ليسا متوازيين، فقد كان هنالك دمج من وجهة نظر سياسية وجغرافية، ولكن ليس من وجهة نظر اقتصادية، وهذا يفسر حركة رؤوس الأموال.

 

بعض الاستنتاجات حول استعادة الرأسمالية ونمو الاقتصاد الصيني

 

النمو الاقتصادي الذي استند إلى تصدير المنتجات الصناعية يتناقض بشكل كبير مع كون الصين دولة زراعية. لقد كان الأمر ممكنا بسبب ترابط عاملين:عمالة غير متخصصة ورخيصة للغاية، واستثمارات أجنبية هائلة. من جهة أخرى فإن هذا “النمو” هش ومزيف إلى حد بعيد. وهو مماثل “لمعجزات” أخرى معروفة عهدتها الإمبريالية خلال أوقات مختلفة.

الطريقة التي “ينمو” وفقها الاقتصاد الصيني جعلته أبعد ما يكون عن دفع البلاد إلى مكانة القوة الجديدة، حيث جعلها دولة نامية تابعة اقتصاديا للإمبريالية. وباقتصاد تابع للإمبريالية فإن الصين لن تغزو الأسواق. وفقا للتقسيم العالمي للعمل، فإن الصين تعد دولة متخلفة. العلاقات الاقتصادية الجيدة التي تحتفظ بها الصين مع “نمور آسيا” هي مثال على ذلك، فهم ينازعون الآخرين السوق بمنتجات راقية، بينما ينحصر دور الصين بالمنتجات التي تحتاج إلى قوى عاملة رخيصة، والتي يتم إنتاجها في كثير من الحالات برساميل “النمور” في المناطق التابعة الصين.

كأي نمو اقتصادي مزيف فإنه غير مستقر على الإطلاق، ولكن تدعمه خمسة شروط أساسية ذات طبيعة ظرفية نادرة. هذه الشروط الخمس تتمثل بانفتاح معظم الأسواق العالمية على المنتجات الصينية الرخيصة، ووجود دكتاتورية جعلت العنف قبل الاستغلال ، ومنحت الشركات الخاصة امتيازات مقابل التضحية بشركات الدولة، ومعدلات أجور منخفضة للغاية حتى عند مقارنتها لأكثر دول العالم تخلفا، بالإضافة إلى الاستثمار الأجنبي الكبير.

هذا النمو هش للغاية، لدرجة أنه في حال تغير أحد هذه العوامل، سيتغير الأمر بالنسبة للعوامل الأخرى، وقد يتحول النمو إلى ركود. وقد بدأ هذا الوضع بملامسة الواقع.

عملية استعادة الرأسمالية المقترنة بالاستعمار تكثف التناقضات على المستوى الاقتصادي، وهذا حتما سيقود إلى الانفجار.
“المعجزات” لا تدوم طويلا. الفوائد الهائلة الشركات الخاصة لن تدوم إلى الأبد. وبدونها فإن تدفق الاستثمارات سينحسر ومنتجات “صنع في الصين” سيتم انتزاعها لتنافس في الأسواق العالمية.

مثلا “القوى العاملة الرخيصة” تم ضمانها بالدكتاتورية، والأجور الممنوحة من الدولة وشركاتها. والشيء ذاته يحصل بالنسبة للفوائد التي تنالها الشركات الخاصة، وهي ليست هبة ربانية، بل نتيجة التضحية بالشركات التي تملكها الدولة، بل وبالدولة برمتها. الشركات المملوكة من الدولة بعكس نظيرتها في القطاع الخاص عليها أن تدفع ضرائب عالية: أجور المتقاعدين، (والتي تكون في كثير من الأحيان أعلى من أجور العمالة النشطة)، والكم الهائل من الخدمات الخيرية، وبعد كل هذا عليها أن تنافس الشركات الخاصة والشركات متعددة الجنسية وفقا لقوانين السوق. النتيجة الوحيدة لهذا هي هزيمة الشركات التابعة للدولة، بل وإضعاف الدولة.

لهذا الواقع ديناميكية جهنمية. “المعجزة” الصينية هي في الحقيقة تطفل على الدولة، التي يقود إضعافها إلى التساؤل حول حقيقة النمو الاقتصادي، وحقيقة الديكتاتورية التي ترعى هذا الواقع.

النمو الصيني تمكن من التطفل على الدولة نتيجة أربعة عقود من الاقتصاد المخطط وتجريد البرجوازية من أملاكها. إننا نشهد تدميرا وحشيا للقوى الإنتاجية في الصين خلف أقنعة كالاستثمارات الإمبريالية. ولا يختلف الأمر في الصين عن الوضع في باقي دول العمال السابقة.

وخلافا لمعظم المحللين فإننا لا نعتقد أن الصين تمضي قدما نحو سنوات طويلة من الازدهار  أو الاستقرار عبر استعادة الرأسمالية. العكس هو الصحيح.

وهذا ليس خلال المستقبل البعيد. الأزمة وعدم الاستقرار سيقودان إلى حالة غليان شعبي يمكن توقعها من خلال تغذية التناقضات التي تمت مراكمتها خلال تلك السنوات.

هنالك مسألتان لا بد من تسليط الضوء عليهما: أولا هناك بروليتاريا صينية جديدة (١٥ مليون عامل منهم يعملون بأقساط رأس المال الأجنبي).

ثانيا خصخصة الحقول خلقت جماهير عاطلة عن العمل وصل عددهم إلى ١٠٠ مليون شخص يعجزاقتصاد الخصخصة عن استيعابهم. حتى الآن الدولة هي ما يضمن بقاءهم.
كان ميدان “تيانانمين” مجرد بروفة.

يمكن مراجعة الجزء الخامس من خلال الرابط التالي:

الآثار الاقتصادية والاجتماعية لاستعادة الرأسمالية جـ 5