تاريخ الثورة الروسية: الهجوم.. جـ 2

1
364

بتاريخ 21 يونيو (حزيران) اتخذ فوج الرشاشات في بتروغراد في جمعية عامة القرار التالي: “لن نرسل بعد الآن قوات إلى الجبهة إلا في الحالات التي يكون فيها للحرب طابع ثوري”… ونظرًا لأن الحكومة كانت تهدد بحل الفوج، فقد رد الفوج على ذلك بأنه لن يتردد عن حل “الحكومة المؤقتة والتنظيمات الأخرى التي تدعمها”. ومن جديد سمعنا هنا لهجات التهديد التي سبقت تحريض البلاشفة بكثير.

وذكرت أخبار الأحداث عن يوم 23 يونيو (حزيران) ما يلي: “استولت عناصر من الجيش الحادي عشر على مجموعة الخنادق الأولى والثانية للخصم”… ونجد إلى جانب هذا الخبر الخبر التالي: “تمت انتخابات جديدة لسوفييت بتروغراد في مصنع بارانوفسكي (6000 عامل). وقد انتخب ثلاثة من البلاشفة بدلاً عن ثلاثة من الاشتراكيين – الثوريين”.

وفي نهاية الشهر، تبدل شكل سوفييت بتروغراد تبدلاً تامًا. وبتاريخ 20 يونيو (حزيران) كان السوفييت قد تبنَّى قرارًا أيَّد فيه الجيش على الهجوم الذي قام به. ولكن ما هي الأكثرية التي اتخذت هذا القرار؟ لقد تم اتخاذ هذا القرار بأكثرية 472 صوتًا مقابل 271 صوتًا وامتناع 39 عن التصويت. وكان هذا التصويت يمثل توازنًا جديدًا للقوى، لم نصادفه في السابق؛ فقد أصبح البلاشفة يشكلون مع الجماعات اليسارية الصغيرة من المناشفة والاشتراكيين – الثوريين خُمْس مجلس السوفييت. وهذا يعني أن خصوم الهجوم يشكلون في المصانع والثكنات أكثريَّة ساحقة.

وتبنى سوفييت دائرة فيبورغ بتاريخ 24 يونيو (حزيران) قرارًا تبدو كل كلمة فيه مغروزة بمطرقة ثقيلة: “نحن… نحتج ضد مغامرة الحكومة المؤقتة التي تقوم بالهجوم من أجل معاهدات سلب قديمة… ونحمِّل الحكومة المؤقتة والأحزاب التي تدعمها، والمناشفة والاشتراكيين – الثوريين كامل مسئولية هذه السياسة الهجومية”. واستعادت جماعة فيبورغ الآن بثقة وأمان مركزها بعد أن فقدته وأبعدت إلى الصف الثاني بعد انتفاضة فبراير (شباط) وكان البلاشفة يسيطرون سيطرة كاملة في سوفييت فيبورغ.

وأصبح كل شيء بعد ذلك مرتبطًا بمصير الهجوم، وبالتالي بالجنود الموجودين في الخنادق فما هي التعديلات التي نتجت عن الهجوم في ضمير أولئك الجنود الذين أوكلوا مهمة تنفيذه؟ لقد كانوا يميلون إلى السلم بصورة لا تقاوم. ولكن هذا الميل هو بالضبط الميل الذي نجح الزعماء إلى حد ما في تحويله إلى إرادة للهجوم، لدى عدد من الجنود على الأقل.

ومنذ أن وقعت الانتفاضة كان الجنود ينتظرون من السلطة الجديدة إبرام السلم بسرعة، وكانوا بانتظار إبرامه مستعدين للصمود في الجبهة. ولكن السلم لم يأت. وتوصَّل الجنود إلى التآخي مع الألمان والنمساويين؛ بتأثير البلاشفة وتحريضهم إلى حد ما، ولكنهم توصلوا إلى ذلك من تلقاء أنفسهم وهم يبحثون بصورة خاصة عن سبيلهم الخاص نحو السلم. ومع ذلك، بدأت عمليات العسف من كل جانب ضد التآخي. واكتشف، بالإضافة إلى هذا أن الجنود الألمان كانوا أبعد ما يكونون عن التخلص من أوامر ضباطهم. وهكذا ضعف التآخي إلى حد كبير بعد أن تبين أنه لم يؤد إلى السلم.

وفي هذه الغضون، سادت الجبهة هدنة واقعية. واستغل الألمان هذه الهدنة لنقل قوات ضخمة إلى جبهتهم الغربية. ورأى الجنود الروس بأم أعينهم كيف تم إخلاء الخنادق المعادية، وكيف رفعت الرشاشات منها، وكيف سحبت منها المدافع. على هذه المرئيات وضعت خطة الإعداد المعنوي للهجوم. وكانت القيادة تحاول باستمرار إقناع الجنود بأن العدو قد ضعف تمامًا، وأنه لا يملك قوات كافية إلا في الغرب، وأن أمريكا تضغط عليه وأنه يكفي من جهتها إعطاء هِزَّة خفيفة لكي تنهار جبهة العدو، ونحصل على السلم بعدها. ولكن الزعماء لم يكونوا مؤمنين بهذا ولو لساعة واحدة. ولكنهم أسقطوا من حسابهم أن الجيش بمجرد أن يزلق يده في عجلة الحرب، لن نستطيع انتزاعها أبدًا.

ومما لا شك فيه أن جزءًا من الجنود مال إلى الطريق الثالث وهو القيام بصدمة تؤدي إلى انهيار الحرب بعد أن وجدوا أنهم لم يحققوا هدفهم لا بدبلوماسية الحكومة المؤقتة ولا بالتآخي مع العدو. هكذا عبَّر بالضبط أحد مندوبي الجبهة في مؤتمر السوفييتات عن الحالة الفكرية للجنود: “إن أمامنا في الوقت الحاضر جبهة ألمانية أقل كثافة، وليس أمامنا مدافع فإذا تقدمنا ودحرنا العدو، اقتربنا من السلم الذي نرغب فيه”.

وكان الخصم في البدء في منتهى الضعف، وتراجع دون قبول قتال لم يكن المهاجمون يستطيعون خوضه بالفعل. ولكن الخصم كان يعيد تجمعه وحشد قواته بدلاً من أن يتفتت. واكتشف الجنود الروس بعد أن تقدموا عشرين أو ثلاثين كيلو مترًا في العمق لوحة كانوا يعرفونها جيدًا من تجربة السنوات السابقة؛ كان الخصم ينتظرهم على مواقع جديدة محصنة. وهنا أصبح من الواضح أن الجنود الذين قبلوا القيام باندفاعة جديدة من أجل السلم، لم يكونوا يريدون الحرب أبدًا. فتراجعوا مشبعين بسخط أكبر بعد أن انجَرُّوا إلى الأعمال العدوانية بمزيج من العنف والضغط المعنوي، والخداع بشكل خاص.

وقد قال الجنرال زايونكز كوفسكي أحد المؤرخين الروس للحرب العالمية ما يلي: “بعد تمهيد بالمدفعية من الجانب الروسي، لا مثيل له بقوته وعنفه، احتلت القطعات دون خسائر تقريبًا الموقع المعادي ولم ترغب بالتقدم إلى مدًى أبعد. وبدأت عمليات الفرار في كل النقاط، وتخلَّت قطعات بكاملها عن المواقع”.

ويحكي دوروشنكو أحد الرجال السياسيين الأوكرانيين الذي كان مفوضًا سابقًا للحكومة المؤقتة في غاليسيا، أنه بعد الاستيلاء على مدينتي هاليكز وكالوسز “وقع في كالوسز “بوغروم”(1) رهيب ضد الأوكرانيين واليهود بصورة خاصة، ولكنهم لم يمسُّوا البولونيين. ووجهت عملية الإفناء والإبادة بيد مجربة غير معروفة كانت تعين مؤسسات الثقافة والتعليم الأوكرانية المحلية بصورة خاصة”. وساهم في عملية التدمير والإبادة “أفضل القوات وأقلها تأثرًا بالثورة” والمنتقاة بعناية من أجل الهجوم. وقد برزت في هذه العملية وبوضوح كبير، الوجوه الحقيقية لقادة الهجوم وضباط القيصر، المشبعين بتجارب تنظيم “البوغرومات”.

وبتاريخ 9 يوليو (تموز) أبرقت لجان الجيش الحادي عشر ومفوضوه إلى الحكومة تقول: “إن الهجوم الألماني الذي بدأ في 6 يوليو (تموز) على جبهة الجيش الحادي عشر يتحول إلى كارثة لا يمكن تقديرها آثارها… وتأكد حدوث تحول مفاجئ ومأساوي في الحالة الفكرية للقطعات التي تقدمت مؤخرًا بفضل الجهود البطولية للأقلية. وقد تحول زخم الهجوم بسرعة إلى العدم. وأصبحت أكثرية القوات في حالة تفتت متزايد. ولا يمكن التحدث فيها أبدًا عن سلطة وتبعية، وفَقَد التأنيب والإقناع قوتهما، وأخذ الجنود يردون عليهما بالتهديد وبإطلاق النيران أحيانًا”.

وأصدر القائد العام للجبهة الجنوبية الغربية، بموافقة المفوضين واللجان الأمر بإطلاق النار على الفارين.

وبتاريخ 12 يوليو (تموز) كان دينيكين القائد العام للجبهة الغربية يعود إلى مقر هيئة أركانه “والموت في نفسه، وهو واعٍ كل الوعي للانهيار التام لآخر أمل… ولمعجزة ما زالت تبرق”.

لم يكن الجنود يريدون القتال. وعندما توجهت القطعات التي ضعفت بعد إحلال الخنادق المعادية إلى قطعات المؤخرة تطلب منها تبديلها، ردت قطعات المؤخرة بما يلي: “لماذا قمتم بالهجوم؟ مَن الذي أمركم بذلك؟ ينبغي أن ننتهي من الحرب وأن لا نهاجم”. واعلم قائد الفيلق السيبري الأول -الذي يعتبر فيلقه من أفضل الفيالق في الجيش الروسي- أن الجنود ابتعدوا عند هبوط الليل عن الخط الأول الذي لم يهاجم بعد بجماعات، وبسرايا كاملة، وأضاف قائلاً: “فهمت عندئذ أننا نحن القادة عاجزون عن تعديل النفسية الأولية لجماهير الجنود؛ وأجهشت بالبكاء بمرارة، وبمرارة خلال فترة طويلة”.

وقد رفضت إحدى السرايا أن تمرر منشورًا يتضمن استيلاء القوات الروسية على هاليكز موجهًا للخصم لأننا لم نجد جنديًّا يتمكن من ترجمة النص الألماني إلى اللغة الروسية.

وتدل هذه الواقعة على حذر كتلة الجنود تجاه الزعماء القدماء والجدد، زعماء فبراير (شباط). وأن قرونا من التحقير والعنف تقوم بثورة بركانية.

وأحس الجنود من جديد بأنهم خدعوا. وكان الهجوم لا يؤدي إلى السلم، بل إلى الحرب. ولا يريد الجنود الحرب أبدًا. وكان الوطنيون الذين يكمنون في المؤخرة يطاردون الجنود ويهينونهم كجبناء. ولكن الجنود كانوا على حق. فقد كانت الغريزة الوطنية الصحيحة هي التي توجههم، هذه الغريزة التي انعكس إشعاعها عبر وجدان الرجال المضطهدين، والمخدوعين، والمعذبين الذين أيقظهم الأمل الثوري وغرقوا من جديد في الورطة الدموية. كان الجنود على حق. فاستمرار الحرب لا يمكن أن يعطي للشعب الروسي سوى مزيد من الضحايا، والعار، والمصائب، ولا شيء آخر سوى تعزيز إذلال الروس داخليًّا وخارجيًّا.

ولم تتعب الصحافة الوطنية في عام 1917 من الإشارة إلى التناقض بين الجنود الروس الفارين والجبناء والكتائب الشجاعة للثورة الفرنسية الكبرى. ولم يكن هذا الموقف موقف صحافة الكاديت فحسب، بل شمل موقف صحافة الاشتراكيين أيضًا. ولا تبرهن هذه المقارنات على عدم فهم لجدلية التطور الثوري فحسب، بل أنها تبرهن أيضًا عن جهل تام بالتاريخ.

فقد بدأ كبار القادة اللامعين للثورة والإمبراطورية الفرنسية كمفتتين لا كمنظمين، وخالفوا الانضباط وخرقوه. وسيقول ميليوكوف إنهم بدءوا: كبلاشفة. فقد فتت الملازم دافو الذي أصبح الماريشال دافو فيما بعد، الانضباط “العادي” في موقع إيسدن خلال أشهر طويلة من عام 1789 – 1790، وطرد القادة. ووقع تفتيت كامل للجيش القديم تم في كل أنحاء فرنسا حتى منتصف عام 1790، وأجبر جنود فوج فانسين ضباطهم على التشاور معهم. وطرد بحارة الأسطول الفرنسي ضباطهم. وارتكب جنود 20 فوجًا أعمال العنف المختلفة الأنواع ضد القيادات. وفي نانسي سجن جنود ثلاثة أفواج ضباطهم. واعتبارًا من عام 1790 لم يتوقف خطباء الثورة الفرنسية الشعبيون عن تكرار ما يلي: “إن السلطة التنفيذية هي المجرمة لأنها لم تعزل الضباط المعادين للثورة”. وذلك دفاعًا عن أعمال التطرف التي وقعت في الجيش. ومن المدهش أن ميرابو وروبسبيير قد أبديا رأيهما في تسريح الضباط القدامى. وكان الأول يفكر في إعادة إقرار انضباط قوي بأسرع ما يمكن. أما الثاني فكان يريد نزع سلاح الثورة المضادة. ولكن كلاهما فَهما أن الجيش القديم لا يمكن أن يبقى.

حقًا أن الثورة الروسية تختلف عن الثورة الفرنسية في أنها وقعت في زمن الحرب. ولكن هذا ليس سببًا لاستثنائها من القانون التاريخي الذي أشار إليه آنجلس. فعلى العكس، ليس بوسع شروط حرب طويلة وتعيسة إلا أن تسارع وتزيد من حدة تطور التفتت الثوري للجيش. وقد قام الهجوم الفاشل الإجرامي للديمقراطية ببقية التفتيت. ومنذ هذا الوقت، كان جميع الجنود يقولون: “كفى إراقة للدماء! ماذا تجدي الحرية والأرض إذا لم نكن موجودين على قيد الحياة؟”، وليس أسخف وأدعى إلى السخرية من إتباع النزعة السلمية للمتعلمين الذين يحاولون إلغاء الحرب بمبررات عقلانية، ولكن عندما تُحرِّك الجماهير المسلحة ذاتها حججًا منطقية ضد الحرب، فهذا يعني أن الحرب تقترب من نهايتها.

الهوامش

  • POGROME كلمة روسية تعني العمليات القيصرية التي كانت تستهدف إبادة اليهود. (المعربان)للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

 

 

 

 

 

تاريخ الثورة الروسية: الهجوم.. جـ 1