كوبا.. الحالة الأكثر إثارة للجدل.. جـ (7)

0
387

 

تبين الحقائق أن كوبا شهدت ذات العملية التي شهدتها الصين وروسيا وأوروبا الشرقية. ولكن هذا موضوع مثير للجدل لدرجة كبيرة.

لا يشك أحد أن فيديل كاسترو يقدم تنازلات للرأسمالية، ولكن الفرق يبدأ من هنا، فالبعض يظن أن هذه التنازلات ضرورية لشق الطريق “نحوالاشتراكية”، شيء كالسياسة الاقتصادية الجديدة التي شهدها زمن لينين وتروتسكي. من جهة أخرى شكك البعض بهذه السياسة، حتى أنهم اعتقدوا بأنها تهدف إلى استعادة الرأسمالية، ولكنهم قالوا أنه بالرغم من نوايا كاسترو، إلاأن كوبا ماتزال دولة عمال. وعدد لا يستهان به، وربما الأغلبية، من أعضاء “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة” يشاركون هذا الموقف.

في حالة الصين بينا عبثية القول بأن البيروقراطية الحاكمة لم تعمد إلى المضي بمخططاتها الداعمة لاستعادة الرأسمالية، بعكس روسيا. وإذا كان هذا ينطبق على الصين، فلماذا لاينطبق على كوبا. ما الذي يفسر أنه في كوبا، بخلاف روسيا، ورغم نوايا فيديل، لايمكن استعادة الرأسمالية؟

الفروقات بين الاقتصادين الكوبي والروسي كبيرة للغاية، لدرجة أن المرء لا يستطيع حتى مقارنتهما. من وجهة نظر موضوعية، فإن استعادة الرأسمالية في كوبا أسهل ألف وألفي مرة منها في روسيا. من جهة أخرى لم يشكك أحد، عن قصد أو دون قصد، بهذه العملية.

للحفاظ على موقفهم، فإن المدافعين عن فكرة أن كوبا مازالت دولة عمال، يقولون إنه بخلاف أوروبا الشرقية والصين، فإنه مازال يحكمها أولئك الذين قادوا الثورة.هذه حقيقة، ولكن بعيدا عن العمل ضد استعادة الرأسمالية، فإن هذا يفقد أهميته.

شاهدنا كيف أن استعادة الرأسمالية تسارعت في روسيا خلال الخطابات حول الاشتراكية. ما فعله غورباتشوف هو ذاته ما يفعله فيديل، ولكن الأخير أكثر مهارة بالخداع. غورباتشوف كان بيروقراطيا نادرا ما يغادر مكتبه، وبعكسه كان فيديل كاسترو هو الشخص الذي قاد حرب العصابات، وهزم باتيستا، وهو ما يعطي لكلامه مصداقية أعلى.

فيديل كاسترو لديه معايير مزدوجة، إلى جانب مهاراته المعروفة. هذه الحقيقة نوهت بها حتى الصحافة البرجوازية. مثلا، قبل أكثر من سنة، أرسلت الصحيفة البرازيلية، “فوليا دي ساو باولو”، مراسلا إلى الجزيرة، وقد بدأ تقريره المتعلق برحلته بالمصطلحات التالية:

“وثيقة وزير المالية والأسعار في كوبا تكشف أن تقدم الاقتصاد في البلاد يتسبب بإعادة توزيع وتركيز الدخل لدى الأقلية من السكان. الوثيقة التي حصلت الـ “فوليا” عليها حصريا، تبين أن الحكومة الشيوعية في كوبا تبنت خطابين مختلفين حول الإصلاحات في البلاد. شعبيا، فإن الدولة التي يقودها فيديل كاسترو تتجنب افتراض إعادة توجيه كوبا نحو الرأسمالية، نريد رأس المال وليس الرأسمالية، يقول فيديل، ولكن داخليا فإن العودة للرأسمالية باتت محسومة. (رودريجيوس، ١٩٩٦)”.

قمة كاسترو بأسرها تبنت هذا الخطاب. مثلا في أيلول عام ١٩٩٥ تم تبني قانون  الاستثمارات الأجنبية، حيث تم طرح الصناعة الكوبية للبيع في الأسواق العالمية، ولكن هذا لم يمنع راؤول كاسترو من القول:”لدينا اشتراكية، وسنحققها”.

أزمة اقتصادية بنيوية

استعادة الرأسمالية في كوبا كان لها ذات الأسباب المتعلقة ببقية دول العمال السابقة، فهي فشل اليوتوبيا الرجعية المتصلة بإمكانية “بناء الاشتراكية في بلد واحد”، والأزمة الاقتصادية المترتبة عن ذلك، هذا من جهة. ومن جهة أخرى البيروقراطية التي لا ترى بديلا لإنهاء هذه الأزمة عن الاستغاثة بالرأسمالية.

 

الأزمة الاقتصادية لدولة العمال الكوبية هي جزء من أزمة كافة دول العمال البيروقراطية، وقد يكمن الفرق في أن للأزمة الاقتصادية الكوبية جذورها البنيوية، وهذا يفسر تسارع عملية استعادة الرأسمالية وحقيقة أن كوبا في طليعة منح البلاد للامبريالية. (في هذه الحالة للأوروبيين).

الأزمة الاقتصادية البنيوية الكوبية تتصل باقتصاد البلاد المستند إلى الأحادية. الاقتصاد الكوبي يتمحور حول زراعة السكر، ما يجعله غير محصن. هذا الوضع يمتد إلى ما قبل انتصار الثورة، ولكنها لم تتجاوزه.

محاولات التصنيع التي قادها تشي جيفارا باءت بالفشل، والانضمام إلى الكوميكون عام ١٩٧٢ عزز الميل إلى الاقتصاد الأحادي. وهكذا بقي الاقتصاد الكوبي تابعا لتجليات سوق السكر الدولي. مثلا، في بداية السبعينيات حققت كوبا نموا ملحوظا فيما يتعلق بسعر هذا المنتج.

رغم هذا في سنة ١٩٧٥ كان الوضع معكوسا إثر الهبوط الحاد لهذه الأسعار.

مساعدة الاتحاد السوفياتي السابق الاقتصادية عالجت هذا الضعف البنيوي للاقتصاد الكوبي. ولكن عندما أوقف الاتحاد السوفياتي المعونات، تعزز هذا الضعف. ما بين ١٩٨٩ و١٩٩٤ انخفض الناتج المحلي الإجمالي لكوبا بنسبة 34,3% كما انخفضت الصادرات من 5,3 مليار دولار إلى 1,53 مليار.

تنازلات طويلة الأمد

هنالك اعتقاد خاطئ بأن كوبا، بخلاف الصين وروسيا، بدأت للتو بالإصلاحات الداعمة للرأسمالية، فعليا إنها بدأت قبل وقت طويل.

وبهذا الصدد يقول ناويل مورينو (١٩٨٢):

“لقد واجهت الكاستروية، ككافة دول العمال البيروقراطية والشمولية في أوروبا الشرقية وآسيا، أزمة اقتصادية عميقة، وقد تفاوض كاسترو مع الإمبريالية الأمريكية الشمالية على اتفاقية اقتصادية تتيح له التغلب على هذه الأزمة”.

على أية حال فإن هذه المسألة (تنازلات طويلة الأمد للرأسمالية) هي محط جدل أيضا. حقيقة أن قيادة كاسترو، بخلاف الروس، والصينيين، أو الفيتناميين، لم تتقدم بشكل مباشر باتجاه استعادة الرأسمالية، ولكنها غذت هذا بشكل متعرج.

منذ ١٩٧٧ قدمت تنازلات عديدة للرأسمالية في كوبا. ميدانيا ما بين ١٩٧٧ – ١٩٨٣ ارتفع عدد التعاونيات من ٤٤ إلى ١٤٧٢، كما ارتفعت مساحة الأراضي المزروعة من ٦٠٠٠ إلى ٩٣٨٠٠٠ هكتار، وارتفع عدد التعاونيات الزراعية من بضعة مئات إلى ٨٢٦١١. (ميسا، ١٩٩٤).

بلا شك، فإن أكبر التنازلات التي منحت للرأسمالية تمت عام ١٩٨٠، مع ظهور أسواق الفلاحين الحرة. هنا، بات بإمكان صغار الفلاحين، بعد تلبية حصة الدولة، بيع فائضاتهم الزراعية بأسعار يحددها العرض والطلب بحرية.

من جهة أخرى شرعت الحكومة، بل وروجت، في العام ١٩٨١ للعمل المستقل في المدن، ضمن قطاعات معينة، لذا بات العمل الخاص لمصففي الشعر، والخياطين، وعاملي الحدائق، وسائقي سيارات الأجرة، والمصورين، وعاملي الكهرباء، والنجارين، والميكانيكيين.. الخ، عملا مشروعا. وكذلك كان الأمر بالنسبة للمهن الحرة، كالمعماريين، والمهندسين، والأطباء، وأطباء الأسنان.

في بداية الثمانينيات أزالت الدولة أيضا القيود السابقة على بناء الإسكانات الخاصة، ما أدى إلى أن يكون ثلثي المنازل المشيدة ضمن القطاع الخاص ما بين ١٩٨٠ و١٩٨٥.

خلال تلك السنوات جرت أيضا تحولات هامة فيما يتعلق بشركات الدولة، وكذلك فيما يتصل بالتخطيط الاقتصادي برمته.

الأنموذج الاقتصادي الجديد تم تحضيره عبر نظام التوجيه والتخطيط الاقتصادي، والذي بدأ تطبيقه تدريجيا منذ العام ١٩٧٦.

هذا النظام كان نسخة معدلة عن أنموذج الإصلاح الاقتصادي الذي تم طرحه في العام ١٩٦٥ في الاتحاد السوفياتي. بعض المعايير التي يتمحور حولها هذا المخطط: لامركزية شركات الدولة، والتقسيم إلى وحدات صغيرة (من ٣٠٠ إلى ٣٠٠٠)، ونقل المدراء المركزيين، واستبدال تمويل الموازنة بالتمويل الذاتي، واعتماد الفوائد كمؤشر رئيس لنتائج الإدارة، وفرض المزيد من الضرائب وتخفيض الدعم، وتعزيز أعراف العمل وإعادة النظر بمفهوم الحوافز المادية.

خلال تلك السنوات، عمدت الحكومة إلى تخفيض الطلب للاستهلاك وزيادة العرض على السلع، لذا انتهت وعود أواخر الستينيات المتعلقة بإنهاء التأجير. هذا وقد تم تحديد معدلات الخدمات الاجتماعية، والتي كانت مجانية، كالاتصالات والعناية اليومية. ولكن ارتفعت أسعار العديد من السلع، كالسجائر، والبيرة، والرم، والكهرباء، والمياه، والطعام في أماكن العمل، والمواصلات لمسافات بعيدة، والمطاعم.

رغم هذا، فإن هذه المعايير، التي كانت تنازلا واضحا للرأسمالية، لم تقدم إلى التوجه المباشر لاستعادة الرأسمالية. خلال تلك السنوات قدمت الحكومة تنازلاتها، ولكن ضمن هوامش محددة. مثلا الفلاحين الذين أتيح لهم بيع منتجاتهم في السوق الحرة، يستطيعون فعل هذا فقط في أماكن إقامتهم، كما تم حظر الوساطة في ذات الوقت.

في العام ١٩٨٢ اعتقلت الشرطة العديد من الباعة وصادرت منتجاتهم، كاسترو شخصيا تدخل بالأمر، متهما المزارعين بفرض أسعار مرتفعة، ومهددا إياهم بالمزيد من الضرائب. وفي ذات السنة دشن حملة محمومة ضد العمالة المستقلة (العاملين بالأجر) والذين بدأوا يعشقون طريقهم للثراء، وقد تم اعتقال مائتان وخمسين منهم.

الحكومة فرضت هذه القيود على تطور الأنشطة الخاصة، وقامت بقفزة نوعية في العام ١٩٨٦، بالتزامن مع ما يسمى بعملية التصحيح.

أحد أهداف قيادة كاسترو يتمثل بتحديد الملكية الخاصة والسوق بالعلاقات العامة، لذا أجهضوا سوق الفلاحين الحرة، والمصانع الخاصة الصغيرة، وقللوا عدد العمالة المستقلة، وفرضوا القيود على المباني، وعلى مبيعات وإيجارات الإسكان الخاصة.

في العام ١٩٨٨ قادت هذه المعايير القطاع الزراعي غير الخاص إلى احتلال مساحة ٩٢℅  من الأراضي، وما بين ١٩٨٥ و١٩٨٩ هبطت حصة القطاع المستقل من ١,٢℅إلى ٠,٧℅ من مجمل قوى العمل.

عبر تحليل هذه المرحلة للسياسة الكوبية واقتصاد البلاد (عملية التصحيح) قام مختلف المحللين بتسليط الضوء على محاولات كوبا للتصدي لما كان يحصل في الاتحاد السوفياتي السابق، خلال عهد غورباتشوف. على سبيل المثال يقول كارميلو ميسا لاغو (١٩٩٤) في العام ١٩٨٦ إن كاسترو دشن علاقات عامة وضعت كوبا في مواجهة الميول للإصلاحات الموجهة نحو السوق، والتي برزت على المستوى الاجتماعي.

هذا الاستنتاج يستند إلى حقائق، في حين كان يتم  تطور القطاع الخاص في الاتحاد السوفياتي السابق، في تلك الفترة كان التوجه في كوبا نحو إجهاضه، ولكن هذه المسألة عالية الأهمية لم يتم تحليلها على نحو واف. في العام ١٩٨٢، عندما هاج كاسترو ضد إثراء الفلاحين والعمال المستقلين (العاملين بأجر)، تم تبني المرسوم الجمهوري رقم ٥٠، والذي روج لاستثمار رأس المال الأجنبي بشروط تشجيعية، وعامل هام (لم يلق إليه المحللين بالا أيضا)، أنه في العام ١٩٨٦، عندما دشن كاسترو عمليته التصحيحية، والتي أجهضت عمليا أية مبادرة خاصة على المستوى القومي، تركت مساحة لولوج رأس المال الدولي لمفاتيح الاقتصاد الكوبي، كالسياحة مثلا، هذه الملاحظة هامة بسبب سنلحظه لاحقا، ويتمثل بأن عملية استعادة الرأسمالية في كوبا يدعمها بشكل كبير قانون الاستثمار الأجنبي الذي تم تبنيه في العام ١٩٩٥، والذي تم تطويره وفقا للمرسوم رقم (٥٠) للعام 1982.

 

فشل “الحركة التصحيحية”

عملية التصحيح انتهت بفشل ذريع، فرغم عدم توفر الكثير من البيانات، إلا أن القليل المتوفر منها يبين أنه خلال تلك المرحلة مني الاقتصاد الكوبي بأسوأ أزمة في تاريخه، فمنذ العام 1990 كان تدهور الاقتصاد مرتبطا بشكل أساسي بتداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي، بيد أن أسوأ النتائج الاقتصادية تجلت في العام 1986.

  • معدل الإنتاج السنوي للسكر ما بين 1986 – 1990 كان 7582000 طن، أي أقل مما تم تسجيله ما بين 1981 – 1985 بنحو 195000 طن.

وذات الأمر شهده القطاع الصناعي، حيث انخفض معدل الإنتاج السنوي من 11% خلال 1981 – 1985 إلى 10.8% ما بين 1986 – 1990.

وفيما يتعلق بالأهداف الإنتاجية، فلم يتم تحقيق أي منها، سواء فيما يتصل بإنتاج النفط، أو النيكل، أو الحديد، أو السماد، أو الأحذية، أو السيترك، أو التبغ، أو الغزل والنسيج، أو الحليب، أو السمك، أو البيرة. فقد تراوحت النسبة المتنبأ بها ما بين 20 -64%.

وفيما يتصل بالإسكان أعلن فيديل كاسترو في بداية فشل عملية التصحيح،  أن فرق البناء ستنجز 100000 وحدة سكنية كل سنة، ولكن النتائج كانت أبعد ما يمكن عن هذا الهدف، فما بين 1986 – 1989 لم يتم إنجاز سوى 18315 منزلا.

كما انخفض أيضا معدل الإنتاج الزراعي. في عام 1989 كانت منتجات التبغ والحليب والبيض أدنى من منتجات العام 1985، كما كان إنتاج الأرز سنة 1989 أدنى من إنتاج العام 1984.

كذلك انخفضت قيمة الصادرات الكوبية ما بين 1986 – 1989 بنسبة 10%، وفي ذات الفترة ارتفعت الواردات بنسبة 1%. وعلى هذه الأرضية، فإن الأهداف المطروحة كانت ابعد ما يمكن عن التحقيق: -148% فيما يتعلق بالتصدير، و-80% فيما يتعلق بالاستيراد.

وقد ارتفع العجز التجاري بنسبة 34% ما بين 1986 _ 1989، حيث بلغ 2,7 مليار دولار. نسجل هذا للتاريخ. العجز المتراكم ما بين 1986 _ 1989 يساوي 43% مما تراكم منذ سنة 1959.

كما ارتفع الدين الكوبي بالعملات الأجنبية ما بين 1985 _ 1989 من 3.6 إلى 6,2 مليار دولار. رغم هذا هناك تقديرات تبين أن الدين الخارجي في العام 1990 (سواء بالعملات الخارجية أو غيرها) وصلت فعليا إلى 37,6 مليار دولار، ما يُعَدُّ الدين الأعلى للفرد في أميريكا اللاتينية. (ميسا، 1994).

وقد ازدادت حدة هذا التدهور الاقتصادي في بداية التسعينيات، عندما قطع الاتحاد السوفياتي كافة المساعدات الاقتصادية، بما فيها القروض، والأسعار التفضيلية.

في العام 1990، كان من المتوقع أن يبلغ إنتاج السكر 9.5 مليار طن، ولكنه بلغ 8 مليارات فقط، وانخفض في السنوات اللاحقة: 7,623 في العام 1991، و7,030 في العام 1992، و4,280 في العام 1993. وقد أدى الانخفاض الأخير إلى المزيد من التدهور لأنه أسفر عن الحصاد الأدنى خلال الثلاثين سنة الأخيرة. ولكن العام 1995 كان الأسوأ. (3,3 طنا).

ما بين 1989 _ 1992 انخفضت الواردات من الاتحاد السوفياتي/ CEI

بنسبة 90%، والواردات بنسبة 93% كما بينا سابقا. ما بين 1989 _ 1994 هبط الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 34,3% وانخفضت الصادرات من 5,3 إلى 1,53 تريليون دولار.

استعادة الرأسمالية

في بداية التسعينيات، قبل تعمق الأزمة الاقتصادية، قامت الحكومة الكوبية بإعداد العدة لاستعادة الرأسمالية. وقد تتابعت معايير السوق واحدة تلو الأخرى.

ثلاثة من أعضاء مركز الأبحاث الأميركية، وهم داعمون متحمسون للإصلاحات الاقتصادية، وصفوا العملية على النحو التالي: تعمق الأزمة فرض الحاجة لعملية تحول متنامية في تنظيم الاقتصاد القومي. ولعملية التغيير تلك المسار التالي:

انفتاح واسع على رأس المال الأجنبي

“تمتد جذوره إلى المرسوم رقم 50 للعام 1982، حيث كان من المتصور أن يتم تطبيقه آنذاك استثنائيا. منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، تم تطبيق هذا البديل الاستثماري بشكل موسع ومعمم بسبب الحاجة للحصول على رأس المال، والتكنولوجيا، والأسواق، كمكملات ضرورية لإعادة بناء الإنتاج الاقتصادي للبلاد، والذي تأثر بأزمة الاشتراكية الأوروبية، وتعزيزات كتلة أميركا الشمالية”.

حتى العام 1991 كان الاستثمار الأجنبي يتجه في جوهره نحو السياحة، ومنذ تلك السنة أتيحت إمكانية الاستثمار في كافة القطاعات، باستثناء تلك التي تعتبر استراتيجية، ويمكن تطويرها اعتمادا على مواردها الخاصة. عام 1992، تم فتح المجال في قطاعات تعد استراتيجية، كتسويق المنتجات الدوائية المستندة إلى البيوتكنولوجيا.

سنة 1993 أتيحت إمكانية افتتاح البنوك الأجنبية في كوبا، لتوسيع الخدمات المالية للبنية التحتية من أجل مختلف عمليات الاستثمار الأجنبي في البلاد. وبعد ذلك، في نهاية تشرين الأول 1994، قالت الحكومة الكوبية إنه لم يعد هنالك قطاع إنتاجي في الاقتصاد القومي مغلق أمام الاستثمار الأجنبي، حيث بات بإمكان رأس المال الأجنبي الوصول حتى لقطاع العقارات وأملاك الدولة. مساحات وخدمات معينة للسوق المحلي استبدلت بالاستيراد”.

تنامي حضور الشركات المساهمة

“المجتمعات المجهولة اختفت تماما، تقريبا، من الاقتصاد الكوبي لصالح منظمات الشراكة، منذ نهاية الثمانينيات، حتى ما بعد العام 1990، وبسبب وجود الاستثمار المشترك مع رأس المال الأجنبي، ازداد حضور هذه المجتمعات في كوبا، وبحلول 1994 كان هناك نحو مائتان منها، معظمها في مناطق الدولة”.

نهاية احتكار التجارة الدولية

“نشاط التجارة الخارجية، والذي كانت تسيطر عليه بشكل كامل سابقا وزارة التجارة الخارجية، وتتولى أمره بشكل عام الشركات التابعة لها، بات خاضعا بشكل مباشر للعديد من الشراكات (شركات تابعة لمنظمات الدولة، والمجتمعات التجارية لرأس المال الكوبي، وممثلي الشركات الأجنبية)”.

التمويل الذاتي بالعملات الأجنبية

“أكثر من 23% من الشركات المتواجدة حظيت بالموافقة على تمويل ذاتها بالعملة الصعبة”.

تغيرات في البنية التنظيمية للدولة

“جزء من البنية التنظيمية والوظيفية للدولة تم تكييفها بما يتلاءم مع الاحتياجات التي فرضتها ديناميكية الاستثمار الأجنبي والعمل المشترك، حيث تم تأسيس مجموعات تفاوضية في الوزارات. وزارة التجارة الخارجية والتعاون الاقتصادي الجديدة تولت العلاقات مع المستثمرين الأجانب كجزء جوهري من دورها في أجهزة الدولة”.

تغيرات في النظام التشريعي

“في هذا السياق تمثلت أهم التغييرات بالإصلاح الدستوري في تموز 1992. على الصعيد الاقتصادي فإن أكثر التعديلات أهمية كانت إعادة تعريف ممتلكات النظام الاشتراكي، والاعتراف بشكل الملكية الجديد، وتعريف الأشكال الأخرى للملكية، واختلافات التخطيط الاقتصادي للنظام”.

إلغاء تجريم حيازة العملات الأجنبية

“المرسوم 140/93 شرع حيازة العملات الأجنبية على أراضي الدولة الكوبية”.

إصلاح أسعار التجزئة ونظام المساءلة

“إصلاح أسعار الجملة جاء لإحداث محاذاة أكبر مع الأسعار العالمية، كما جاء تعديل نظام المسؤولية القومي ليجعله أكثر بساطة ومرونة وتوافقا مع تطبيقات المساءلة الدولية. (كارانزا، 1995)”.

التحولات الراهنة للاقتصاد الكوبي

جوهريا، حتى حلول العام 1993، كانت التغييرات التنظيمية والمعيارية تتصل بالعوامل الخارجية للاقتصاد الكوبي، ولكن منذ النصف الثاني للعام 1993 تم تبني معايير تعكس تغيرا في السياسة الاقتصادية الداخلية، أهمها كان عام 1993 حيث بدأت هذه المعايير التجارية بتجاوز السوق الخارجي (التجارة الخارجية والسياحة والاستثمار الأجنبي)، للاتجاه بشكل أوضح نحو توسيع الأسواق الداخلية. (كارانزا، 1995).

وإلى جانب إلغاء تجريم امتلاك العملات الأجنبية، وتوسيع تداولها، والذي شرحناه سابقا، فقد كان أهم معيارين للسياسة الاقتصادية الداخلية سنة 1993:

أ_ تهيئة أرضية تشريعية جديدة وقوانين عامة لممارسة الأعمال الحرة.

ب. إجراء تغيير تنظيمي في قطاع الزراعة، والذي يمكن اعتباره أهم تحول تنظيمي لعملية الإصلاحات الاقتصادية المستقبلية في كوبا. (كانانزا، 1995).

بعد ذلك في 1994 تم تبني معايير جديدة للسياسة الاقتصادية الداخلية، والتي دفعت بعملية خلق السوق الداخلي، وأسست لظروف أكثر كفاية لتوظيف الاقتصاد عبر إتاحة المزيد من التنوع للعملاء.

هذه المعايير كانت ناجمة عما يدعى بأسواق الأعمال الزراعية، حيث تمت المصادقة على المنتجات الصناعية، وأسواق الأعمال اليدوية، منذ كانون الأول، 1994، وكذلك تم تبني قانونا جديدا للضرائب. (كارانزا، 1995). وكانت السمات العامة آنذاك:

تغير قانوني جديد باتجاه الأعمال الحرة، حيث تم تبنيه في أيلول 1993، إذ تم تشريع ونشر القوانين للمضي قدما في دعم الأعمال الحرة، بيد أن أسعار خدماتها أو منتجاتها كان يحددها مبدأ العرض والطلب، ونوع العملة التي يتم الاتفاق عليها بين شركاء هذه العملية التجارية.

وفي تموز 1994 تم ترخيص 61136 من المهن الحرة. (كارانزا، 1995).

تأسيس وحدات إنتاج تعاونية بسيطة، منذ أيلول 1993، وعند تأسيس سوق الأعمال الزراعية، في تشرين الأول 1994، حيث كانت هذه الوحدات تتحكم بـ76% من إنتاج القهوة، و69% من إنتاج المحاصيل المتنوعة (الطعام والخضروات)، و48% من إنتاج الأرز، و42% من الأبقار.

ونتيجة لتوسع مزارع الأبقار، احتلت هذه الوحدات التعاونية المركز الأول بالنسبة لتربية الماشية، بأكثر من 68000 مزرعة أبقار(بمساحة تفوق 913000 هكتار).
وبحلول تموز 1994، بلغ عدد الوحدات التعاونية لإنتاج السكر 1555 وحدة، حيث غطت كل الأراضي التي كانت مملوكة للدولة، إذ أنها هيمنت على 80% من الأراضي المخصصة لهذا المحصول.

المنتجون المرتبطون بهذه الوحدات التعاونية لا يحصلون على ملكية عدلية للأرض، ولكنهم يمتلكون المنتج، وبالتالي يتقاسمون الأرباح. وفي ايلول 1994، كانوا يبيعون منتجاتهم للدولة. وفي تشرين الأول من ذلك العام بدأت أسواق الأعمال الزراعية بوظيفتها ضمن ديناميكية جديدة، حيث بات بإمكان كل الوكلاء الاقتصاديين الاتفاق على فائض القيمة بحيث يتم تحديد الأسعار وفقا للعرض والطلب. (كارانزا، 1995).

خلق أسواق للمنتجات الصناعية والأعمال اليدوية منذ كانون الأول 1994. وكلاء اقتصاديون مختلفون تنافسوا في هذه الأسواق، بما كان يدعى بالصناعات المحلية المتنوعة، والشركات المرتبطة بالإدارة المركزية للدولة، وتلك التابعة للحكومات المحلية، ومنتجون أفراد سمح لهم بمزاولة الأعمال الحرة. كما بات السوق يسمح بعلاقة مباشرة بين المشتري والبائع، بحث تتحدد الأسعار بالعرض والطلب. (كارانزا 1995).

تبني قانون جديد للضريبة. في منتصف أيلول 1994، تم الإعلان عن القانون ن 73 لنظام الضريبة، حيث تم تبنيه من قبل الجمعية القومية للقوى الشعبية، وأسس للمزيد من الضرائب والإسهامات، بمجرد تعديل ما كان متواجدا أصلا. ورغم أن قانون الضريبة الجديد كان لتمويل الخدمات الصحية، إلا أن أهميته تجاوزت هذا الجانب إلى السياسية الاقتصادية، فقد أسس لنظام ضريبي صمم لتوظيفه في سياق يتيح التنوع للعملاء الاقتصاديين. (كارانزا، 1995).

وبهذا بات التوجه الضريبي يبدو منسجما مع ميول سياسية اقتصادية ترتكز على  التنويع لتوظيف الاقتصاد والسوق. (كارانزا، 1995).

القانون الجديد للاستثمارات الأجنبية: كوبا للبيع

الإصلاحات الاقتصادية التي راجعتها ثلاث دراسات كوبية لديها “مشبكها الذهبي” حول قانون الاستثمارات الأجنبية، تبنتها الجمعية القومية في أيلول 1995. وحول خلفية هذا القانون كتب القانوني الكوبي، جوان فيغا، الملاحظات التالية:

الخبرة المكتسبة من تطبيق المرسوم 50 للعام 1982 بالتزامن مع الأحداث الاقتصادية _ السياسية في العالم خلال تلك الفترة، تطلبت تشريعا يتيح مجالا أوسع للاستثمارات الأجنبية. وخلال تطوير هذا النص القانوني الجديد كان يتم أخذ خبرات والظروف السياسية والاقتصادية والتشريعية للبلدان الأخرى، حول المسألة، بعين الاعتبار.

التشريعات التي تم سنها في البلدان ذات النظم الاجتماعية السياسية المختلفة كان يتم “أخذها بعين الاعتبار”. قانون شركات الاستثمارات الأجنبية لجمهورية الصين الشعبية، والذي نشر عام 1986، تمت دراسته بالتوازي مع كيفية الحكم وفقا لهذا القانون. في الصين قطاعات قليلة جدا شهدت منعا أو وضع سقفا لشركات الاستثمار الأجنبي.

بعض الفقرات في القانون الكوبي الجديد تتحدث حول أهدافها.

المادة رقم 1,1 لهذا القانون تهدف إلى ترويج وتشريع الاستثمار الأجنبي في مناطق جمهورية كوبا للمضي بنشاطات ربحية.

المادة 3. الاستثمارات الأجنبية ضمن المناطق القومية ستحصل على حماية كاملة، وأمن وأمان، ولا تمكن مصادرتها إلا في حال وجود مصلحة عامة أو اجتماعية… ويتم التعويض عبر عملية حرة قابلة للتداول وفق قيمتها بالسوق ضمن اتفاق متبادل. وفي حال عدم الوصول إلى اتفاق يتم تحديد السعر من خلال منظمة تحظى بمكانة دولية مرموقة، فيما يتصل بالمساعدة في الأعمال.

المادة 8. تضمن الدولة للمستثمر الأجنبي التحويل إلى الخارج بحرية، وبعملة قابلة للتحويل، دون أية ضرائب تتعلق بتحويل ( صافي الأرباح أو الأرباح التي تم تحقيقها عبر الاستثمارات… ب) للمواطنين الأجانب الذين قدموا خدماتهم لشركات مختلطة، ولفروع أية صيغ أخرى للجمعيات الاقتصادية الدولية، أو لشركة رأس مالها أجنبي بالكامل، طالما أنهم ليسوا مقيمين دائمين في كوبا، لديهم الحق في تحويل الأصول التي يكتسبونها.

المادة 10. الاستثمارات الأجنبية مسموحة في كافة القطاعات، باستثناء الخدمات الصحية، والتعليم، والمؤسسات العسكرية، إلا ضمن حدود نظام الشركة.

المادة 29. الشركات المختلطة، والمستثمرون المحليون والأجانب، والذين يعدون جزء من جمعية اقتصادية دولية وفق عقد، والشركات ذات رأس المال الأجنبي، لديهم الحق وفقا لهذه الترتيبات، بتصدير منتجاتهم مباشرة وكذلك الاستيراد المباشر لما هو ضروري لتلبية احتياجاتهم.

أي مراقب موضوعي، بعد قراءته لهذا القانون، ينبغي عليه أن لا يشك بسمة البيع الرأسمالية الواضحة للاقتصاد القومي. وفي هذا السياق ينبغي أن يضع نهاية للجدل حول ميول فيديل كاسترو نحو استعادة الرأسمالية، بل حتى لشخصية الدولة الكوبية. على أية حال، لا يبدو أن لدى الرأسماليين شكوك حول حقيقية ما يجري في كوبا. فقد تم استقبال القانون بحماسة من قبل رأس المال العالمي، بل وبنشوة.

أدرك الرأسماليون أنه لم تعد هنالك قيود على رأس المال في كوبا، فالجزيرة كانت للبيع، وهذا ما مضوا فيه.

منذ بضعة أشهر مضت، بات هنالك دليل استثمارات في كثير من مكاتب الشركات، محرر باللغتين الاسبانية والانجليزية، بعنوان: كوبا، فرص استثمارات. وقد نوه هذا الدليل، بتبرئة عاطفية تاريخية، بالطبيعة والحكومات الكوبية، بعد المزايا للمستثمرين. وإحدى تلك الكتيبات سلط الضوء على أن كوبا جنة فيما يتعلق بالضرائب، وأن ضريبة الدخل المطبقة في كوبا لا تنطبق على المستثمرين الأجانب. إنها ضريبة صعبة، لأنها تتطلب استقلالية النتائج الاقتصادية للشركات الخاصة، ولكن الشركات المختلطة وشركاء الأنماط الأخرى للمؤسسات الاقتصادية الدولية، معفيون من دفع هذه الضريبية، التي تستند إلى الدخل الشحصي (وتسمى ضريبة الدخل في الدول الأخرى)، والتي تؤثر على المواطن الكوبي، ولكن الشركاء والقادة وموظفي الشركات المختلطة معفيون منها. (تقارير العالم الجديد المالية والتجارية السنوية، 1996).

ويسلط هذا الدليل الضوء أيضا على تكلفة قوى العمل في كوبا ضمن مستوايات تنافسية للغاية على المستوى الدولي. القوى العاملة هي مصدر البلاد الرئيسي. منظمات الدولة الكوبية ضمنت التعليم المجاني والخدمات الطبية وإسكان مجاني تقريبا، لأن الغالبية العظمى يملكون المنازل التي يسكنونها. تجربة الشركات المختلطة والأشكال الأخرى للمؤسسات الاقتصادية الدولية في كوبا، عكست رضى الشركاء الأجانب حول الإمكانيات المتوفرة قبل مباشرة العمل، في يتعلق بقوى العمل الكوبية. (تقارير أوقات العالم الجديد المالية والتجارية السنوية، 1996).

مع ملاذ ضريبي كهذا وقوى عمل رخيصة للغاية (استدامتها الدولة عبر التراكمات السابقة) باتت كوبا “واحة أعمال”، لذا من الطبيعي أن تتجه كثير من الشركات إلى الجزيرة خلال فترة وجيزة.

وبالنسبة لهذه المسألة، فإن الدليل المذكور يوفر المعلومات التالية: أكثر من 1000 شركة تجارية دولية شاركوا في معرض هافانا الدولي الثالث عشر، وقد كان هذا ثالث أكبر معرض في أميركا اللاتينية بالنسبة لعدد المشاركين. وبحلول تشرين الثاني 1995، التقت شركات من 60 دولة في كوبا. كثير من رجال الأعمال ذهبوا إلى هذا المعرض للمرة الأولى، أو كانوا قد بدأوا أعمالهم التجارية مع كوبا منذ أقل من ثلاث سنوات. ومن الواضح أن اتفاقهم على الالتقاء في كوبا كان نتيجة سبب واحد: لا يريدون التأخر. (تقارير العالم الجديد الاقتصادية والتجارية السنوية، 1996).

الامتيازات والضمانات التي جذبت الاستثمار الأجنبي، جاءت نتيجة سن قانون الاستثمار الأجنبي الجديد، والتقدم اللاحق المتمثل بلا بيروقراطية قرار الاستثمار، ما حول كوبا إلى إحدى أكثر الدول مواءمة ومرونة لاستيعاب مخاطرة رأس المال في بيئتها. (المصدر السابق).

مجمل رأس المال الأجنبي بلغ حتى 1995، 2.1 مليار دولار. ومنذ 1996 بلغت قيمة الاستثمارات المعلنة 5 مليارات دولار. (المصدر السابق).

أشكال جديدة للانفتاح على الاستثمار الأجنبي في قطاع السكر تمت دراستها على نحو مستمر، ما إذا كانت الشركات الأجنبية متعاونة بخصوص مسألة إعادة التمويل، وكانت الشركات الكوبية ترغب بالتفاوض حول الإمكانيات على الأرضية الإنتاجية. حاليا أكثر من 100 شركة كندية لديها ارتباطات مع هافانا. مجموعات كندية كان لديها اهتمام بالغ بالتنقيب، والسياحة، والمجالات النشطة، فكان العمل في القطاع الزراعي يستوجب التفكير، خاصة في صناعة السكر.

 

الاستثمار الأجنبي الأول في كوبا، إلى جانب استثمارات كندا، نظرا لحجم الأعمال والحضور في قطاع السياحة، يأتي من دولة اسبانيا، تتبعها بشكل منافس فرنسا، ومن ثم المكسيك، وألمانيا، وهولندا، وبريطانيا، وإيطاليا، واليابان، والسويد. رجال الأعمال الأميركيين كثفوا جهودهم للتدخل بعمق في كوبا قبل حظر هذا التدفق على المدى المتوسط. معضلة الأزمة تولدت بسبب أميركان – كوبيين متطرفين، الذين تسببوا بأزمة إسقاط الطائرات، ومن ثم سياسة قانون “هيلمز”، الذي يعد حالة خاصة لكل الأحوال الظرفية، حيث صدر بهدف كسر حاجز الخوف من استثمار طرف ثالث في البلاد. (تقارير أوقات العالم الجديد الاقتصادية والتجارية السنوية، 1996).

الصولات التي استمر بها أهم رجال الأعمال الأميركيين مؤخرا على الجزيرة. رغم القيود المتعلقة بنقل مواطني أميركا الشمالية إلى كوبا، ثبت أن رجال أعمال أميركا الشمالية لا يثقون بهذه المواقف السياسية التي شهدتها الحملة الانتخابية في أميركا. العديد من شركات النفط في الولايات المتحدة، بما فيها شركة تيكساكو، طورت خططا تفصيلية لولوج السوق الكوبي فور انتهاء الحظر الذي كان ساريا لمدة 32 سنة. واليوم تحافظ كوبا على علاقات تجارية مع 4000 شركة في أكثر من 100 دولة. (انظر الملحق الأول في نهاية الجزء الأول). هنالك أكثر من 600 مكتبا على الجزيرة لتمثيل شركات أجنبية. (المصدر السابق).

الشركات البريطانية الهولندية طورت منظفات ومستلزمات الحمامات للأسواق الكوبية. بينيتون الإيطالية لديها اليوم خمسة متاجر للتجزئة على الجزيرة ومن المتوقع أن تفتتح ثلاثة متاجر أخرى. شركات السيارات اليابانية، ميتشوبيشي، ونيسان، وسوزوكي فيتارا، المشيدة في كندا، تضاعف مبيعاتها سنة تلو الأخرى في هافانا. (المصدر السابق).

ناهيك عن الاستثمارات الأخيرة في مجالات مختلفة للاقتصاد الكوبي، بما فيه قطاع البنوك، كمؤسسة أرجينتاريا التي مولت مشروع سوق التجارة. بيناميكس، أكبر مؤسسات التمويل في المكسيك، دخلت في “مضاربة مشتركة” مع شركات كوبية. في كوبا تمارس البنوك العالمية أعمالها، بنوك التجارة الداخلية والدولية وكذلك بنوك التوفير. بنك آي إن جي الهولندي شريك بالنصف. لاسيميكس، وهي شركة مسجلة في ليتشتتينستين تحت اسم الكاريبيين الكنديين. بيتا الدولية للتمويل، ومقرها لندن، أعلنت عن تمويل استثماري بقيمة 50 مليون دولار. بانكوايكستيريورالأسبانية، التابعة لمجموعة أرجينتاريا، لديها مكاتب في هافانا. (المصدر السابق).

بانكو الكندية، وبنك فرانسا اللبناني، وبانكو بيلباو فيسكايا حصلوا على التراخيص لافتتاح مكاتبهم. الشركة المكسيكية، غروبودوموس، قامت بشراء 49% من حصة شركة الاتصالات الكوبية، بحجم استثمار بلغ حتى الآن 750 مليون دولار، بالاشتراك مع المجموعة الإيطالية للاتصالات، وذلك بامتيازات لمدة 55 سنة. وسوف يرتفع حجم الاستثمار إلى 2 مليار دولار، حيث تحقق الشركتان فوائد مذهلة. (المصدر السابق).

تيمسا المكسيكية تمارس أيضا عملها مستحوذة على سوق الهواتف النقالة. ب.ا.ت البريطانية وقعت على اتفاقية لإنتاج أنماط متعددة من التبغ لتصديرها. كما تمثل شركة كندية الكترونيات شارب. (المصدر السابق).

وفي محاولة لتشجيع الاستثمارات الجديدة، ينبئ هذا الدليل رجال الأعمال الدوليين بأهم التغيرات التي تشهدها البنية الاقتصادية للدولة، ما يضمن استثماراتهم.

تواجه البلاد حاليا أصعب تحدياتها: تقليص بعض الصناعات التي تنتجها الدولة، والتي باتت أقل أهمية، قبل التغييرات التي سيشهدها السوق، وتفاقم تحرير العمالة وورش العمل، حيث يشكل هذا العامود الفقري للتوظيف حتى الآن. حيث تمضي الأمور من ضمانة الدولة للتوظيف وحرية العمل نحو اتجاه آخر يعتمد على الفاعلية، بتداعيات ناجمة عن البطالة. ومقابل 160000 شخص (من تعداد سكاني يبلغ 11 مليونا) يمارسون الأعمال الحرة، هنالك 400000 في سن العمل عليهم الحصول على وظائف في القطاع الخاص أو إعادة تدوير أنفسهم. (المصدر السابق).

مجلس التخطيط المركزي القديم، الذي قاد اقتصاد الدولة، انتهى. في 1994 خفضت الحكومة عجز الموازنة بنسبة 72%، وقلصت تضخم ورش عملها، وتخلت عن تقديم العشرات من سبل المعونة، وفرضت رفعا لأسعار المنتجات والخدمات، كالتبغ، والكحول، والكهرباء. التغيرات البنيوية سواء فيما يتعلق بالاستيراد أو التصدير، فتح المجال لسلسلة من الإمكانيات التجارية.

ووفقا للتعديلات الدستورية، لم تعد الدولة تحتكر التجارة الخارجية. الجمع بين الشركات الكوبية والأجنبية، كمجتمعات تجارية خاصة، أتيح عبر القانون الذي مكنها من تولي التجارة الخارجية مباشرة. (المصدر السابق).

قانون “هيلمز -بيرتون”

استمرار حظر أميركا الشمالية وقانون هيلمز _ بيرتون يعدان بالنسبة للكثيرين الدليل الأكثر أهمية على أن الوضع في كوبا يختلف تماما عن ما هو عليه في بقية دول العمال السابقة. على عكس ما فعلته الامبريالية مع روسيا أو الصين، قررت مواجهة نظام فيديل كاسترو حتى النهاية. ويثبت هذا أن كوبا مازالت دولة عمال.

رغم هذا فإن كل ما أشرنا إليه سابقا يبين أن كوبا في الطليعة بالنسبة لبيع البلاد لرأس المال الأجنبي، وتحملنا هذه الحقيقة على دراسة قانون “هيلمز _ بيرتون” من زاوية مختلفة.

وجود قانون “هيلمز – بيرتون” ليس دليلا على أنه لم تتم استعادة الرأسمالية في كوبا، بل على العكس. يحاول هذا القانون معالجة مشكلة كانت موجودة، وفرضت، عبر كافة عمليات استعادة الرأسمالية في أوروبا الشرقية. نشير هنا إلى مسألة التعويضات.

استعادة الرأسمالية في الشرق أسعدت النظام الرأسمالي في شتى أصقاع العالم. رغم هذا لم تتم استعادة الأملاك القديمة التي صادرتها الثورة أو الجيش الأحمر. لم يكن كافيا بالنسبه لهم إعادة تأسيس اقتصاد السوق. كانوا يريدون استعادة ممتلكاتهم القديمة.

في معظم الدول الشرقية، وضعت معايير لدفع تعويضات بل وحتى إعادة الأملاك للمالكين القدامى. وكانت أكثر الدول تقدما في تسديد التعويضات ألمانيا الشرقية، وبلغاريا، وتشيكوسلوفاكيا السابقة. ولكن هذا ما شهدته أيضا كافة البلدان. في رومانيا مثلا تم تعويض الأراضي ليصبح هناك نحو مليونين ونصف ملكية جديدة.

على أية حال. لم تتسم العملية بالسهولة. وقد برزت تناقضات لاتحصى. في رومانيا مثلا لم تتم إعادة كثير من الأراضي إلى أصحابها لأنها لم تعد معدة للزراعة. وللتغلب على هذا الوضع، تم منحهم أراض أخرى، ما أدى إلى كل أنواع الادعاءات. حتى اللحظة هنالك أكثر من 300000 شكوى لدى المحاكم.

وقد قادت كل هذه المشاكل المراكز الامبريالية إلى توخي الحذر الشديد فيما يتعلق بالتعويضات. على سبيل المثال يقول تقرير البنك الدولي (1996) في تحليله “تأييدا ورفضا للتعويضات”: ينبغي اتخاذ الحذر لأنها قد تكون معقدة وفي بعض الأحيان اعتباطية وتقود إلى لايقين قد يضر طرق الخصخصة الأخرى.

ذات النمط من المشاكل فرض نفسه في كوبا، وكان لقانون “هيلمز _ بيرتون” علاقة مباشرة بتلك المسألة.

بعد التراجع عن إعادة الأملاك التي تم تأميمها عبر الثورة، طالب الملاك السابقون بالتعويضات. بالنسبة للبرجوازية الكوبية القوية، والمنفية في الولايات المتحدة، لم تكن استعادة الرأسمالية في كوبا أمرا كافيا. يريدون، تماما كالشرق، استعادة أملاكهم السابقة. هذه المطالب وضعت الحكومة الكوبية أمام مفترق طرق، حيث كان يقدر أن عليها دفع 100 مليار دولار كتعويضات. وفي المقابل إذا ما قامت الحكومة، عوضا عن تعويض المنفيين، بإعادة مصانعهم، وأراضيهم، ومبانيهم فإن هذا يعني فعليا إعادة السلطة لهم، وبالتأكيد ان بيروقراطية نظام كاسترو لا ترغب بالانتحار.

 

 

وفي هذا الإطار تقوم الامبريالية الأوروبية، وكندا، وكبرى شركات أميركا اللاتينية، خاصة المكسيكية، بالاستثمار في كوبا، وبهذا يستولون على الممتلكات التي كانت سابقا تحت وصاية شركات أميركا الشمالية، أو رجال الأعمال الكوبيين المنفيين، وهذا ما قاد إليه قانون هيلمز _ بيرتون.

البرجوازية الكوبية المتواجدة في ولاية فلوريدا الأميركية، تمارس الضغط والابتزاز على حكومة الولايات المتحدة، وتمكنت من حمل مجلس الشيوخ على التصويت لصالح ذلك القانون الذي يمكن مواطني أميركا الشمالية (ومن ضمنهم المنحدرين من أصول كوبية)  من مقاضاة أولئك الذين يستخدمون “ممتلكاتهم” في كوبا. كما أن هذا القانون يمهد بشكل فاضح لدعم حكومة انتقالية في كوبا، وهي الوسيلة الوحيدة أمام كوبيين المنفى لاستعادة ممتلكاتهم.

وقد أدى هذا القانون إلى تناقضات حادة بين غالبية البرجوازية العالمية وبين حكومة الولايات المتحدة، نتيجة لتلك القطاعات التي باتت متاحة للاستثمار بعد استعادة الرأسمالية في كوبا، والتي لا ترغب كوبا بتركها فريسة لمصالح البرجوازية المنفية في ميامي. وقد رفضت قمة الأميركيين الليبراليين هذا القانون، خلال عقدها في تشرين الثاني 1996 في تشيلي، بينما قرر وزير العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي أنه من غير القانوني لتكتل تلك القارة تطبيق قانون هيلمز _ بيرتون. وحاليا فإن غالبية حكومات العالم عبرت عن مناهضتها لهذا القانون. وبهذا لا يكون القانون مجرد انتهاك للسيادة الكوبية فحسب، بل هو دليل على وجود تناقضات البرجوازية الداخلية، وكذلك داخل الامبريالية.

قبل هذا كانت إدارة كلينتون تواجه مسألتين، فمن جهة هنالك ضغوط غالبية الدول حول العالم، إلى جانب ضغوط الكنيسة الكاثوليكية، والتي تطالب بتجميد هذا القانون، ومن جهة أخرى تواجه ضغوط البرجوازية الكوبية التي لديها تأثير اقتصادي وانتخابي كبيرين. ونتيجة لأسباب تتعلق بالانتخابات، إلى جانب عوامل أخرى، استسلمت إدارة كلينتون للضغوط، حيث قامت بتهدئة الأوضاع عبر تعليق تطبيق القانون لستة أشهر.

وبعد الانتخابات التي أعادت انتخاب كلينتون، اعتقد كافة المعلقين أن الرجل سيجد طريقة لإنهاء هذا القانون، وكان هذا الأرجح، ليس فقط نتيجة لما حدث من مشكلات، خاصة مع الاتحاد الأوروبي وكندا، بل أيضا لأن هنالك قطاع واسع من البرجوازية الأميركية التي لا تريد خسارة فرصة الاستثمار في كوبا، والتي نظمت أمورها عبر “المجلس التجاري الاقتصادي الاميركي الكوبي”.

العلاقات مع الكنيسة

أحد أهم المعايير لقياس مدى تقدم عملية استعادة الرأسمالية في كوبا قد يتمثل بمستوى العلاقات بين الحكومة والكنيسة. في 1992 تم تعديل الدستور، بهدف الاعتراف بأشكال أخرى للملكية (الشركات المختلطة والجمعيات الاجتماعية والاقتصادية) وكذلك للسماح ببيع شركات الدولة. كان هذا بلا شك أهم ما حدث من تغيرات ناقشتها الصحافة العالمية. ولكن كان هنالك تغير آخر لم يحظ بتعليقات كافية، ويعد تكملة هامة للتغيرات الأخرى. في المرحلة الجديدة لم تعد كوبا دولة “ملحدة “بل بات علمانية”.

عوده كوبا إلى العالم الرأسمالي يتطلب صياغة علاقات مع مؤسساته، وفي هذا السياق كان من المنطقي أن يتجه فيديل إلى أحدى أكثر هذه المؤسسات رجعية، وهي الكنيسة الكاثوليكية. وكان هذا للدور الذي لعبته الكنيسة خلال عملية استعادة الرأسمالية. تماما كما حدث في بولندا وروسيا، عندما عقد غورباتشوف لقاء جمعه بالبابا سنة 1989

من جهة أخرى فإن استعادة الرأسمالية، بتداعياتها الكارثية، وضعت ضمن أجندتها احتمالية الانفجار الاجتماعي، فكان لا بد من تهدئة الجماهير وتخديرهم. في روسيا قامت البيروقراطية الحالية، مستندة إلى العادات والتقاليد المحلية، بالترويج لاستهلاك الفودكا. وفي كوبا، أيضا بالاستناد إلى التقاليد المحلية، روج فيديل ل “الأفيون”. بعد ثلاثين عاما مضت على الثورة، لجأ كاسترو إلى الدين، أفيون الشعوب (على حد تعبير لينين)، لتخدير وعي الجماهير.

العلاقة الوثيقة ما بين استعادة الرأسمالية والارتباط بالكنيسة تتضح عبر تاريخها، حيث استعيدت علاقة الكنيسة بنظام كاسترو سنة 1989 وتمتنت منذ 1990

وفي عدة مناسبات قام كاردينالات من أعلى المستويات بزيارة فيديل كاسترو وقادة الكنيسة الكوبية. من بين هذه الزيارات تم تسليط الضوء على زيارة روجر اتشيغاراي، المبعوث الديبلوماسي الرئيسي للبابا. وبسبب سياسة فيديل وهذه الزيارات عادت الكنيسة إلى كوبا أكثر قوة.

جون باول الثاني عين جيم أورتيغا كأول كاردينال كوبي منذ ثورة 1959. وقام فيديل بتمويل رحلة إلى الفاتيكان جمعت 200 كوبيا كاثوليكيا للمشاركة بالمراسم. بعد ذلك سمح للكنيسة بافتتاح مكتب للكاريتاس في كوبا، كما سمح لايتشيغاراي بافتتاح فرع للبعثة البابوية للعدالة والسلام من أجل الترويج “لحقوق الإنسان”.

بعد انتصار الثورة، تم تأميم 350 مدرسة دينية، كما تم نفي أكثر من مائة قسيسا من البلاد. اليوم، وبالتوازي مع استعادة الرأسمالية، سمحت الحكومة، للمرة الأولى منذ 1959، للرهبان والراهبات الأجانب بدخول البلاد للتدريس في المدارس الابرشية.

تضخم الكنيسة في كوبا بلغ حتى الحزب الشيوعي الكوبي، حيث ألغى الحظر الذي كان يمنع أعضائه من تطبيق الدين والمشاركة في نشاطات الكنيسة.

وكان لهذه السياسة نتائجها: في السنوات الماضية ارتفع عدد المعمدين خمسة أضعاف، كما طلب 70% من العائلات الكوبية شعائر جنائزية دينية. ووفقا لاستطلاع لمؤسسة “غالاب”، فإن 60% من الكوبيين باتوا يحضرون شعائر القداس، على الأقل لمرة واحدة خلال الثلاثة أشهر التي سبقت الاستطلاع. (صحيفة فولا ساو باولو، 24_11_1996).

من جهة أخرى خرق اورتيغا، البابا في كنيسة أميركا الشمالية، حظر الولايات المتحدة علنا، وقام بجمع الطعام وإرساله إلى كوبا عبر القنوات الكوبية.

المقابلة التي ستجمع البابا بفيديل، خلال زيارة الأول إلى كوبا، والمقررة هذه السنة، تعني “مباركة” الكنيسة الكاثوليكية لنظام كاسترو.

يمكن مراجعة الجزء السادس من خلال الرابط التالي:

الدول الأخرى عامة والصين على وجه الخصوص.. جـ 6