تاريخ الثورة الروسية: الطبقة الفلاحية.. جـ 2

0
363

وتقول مصنفات الحكومة المؤقتة، أن بعض العلماء والشبان قدروا بأن الحركة الزراعية لن تظهر بقوة إلى حد ما في مارس (آذار) إلا في 34 ناحية، وأنها ستمتد في إبريل (نيسان) إلى 174 ناحية، وفي مايو (آيار) إلى 236 ناحية، وفي يونيو (حزيران) إلى 280، وفي يوليو (تموز) إلى 325. ولم تكن هذه الأرقام تمثل النمو الحقيقي للحركة بصورة تامة، نظرًا لتزايد الطابع الجماهيري الذي أخذه الصراع شهرًا بعد شهر، وتصاعد حدة تصميمه.

وفي هذه الفترة الأولى، من مارس (آذار) إلى يوليو (تموز) كانت الأكثرية الساحقة للفلاحين تمتنع عن ممارسة أي عنف مباشر ضد الملاكين، كما تمتنع عن الاستيلاء على الأراضي بصورة مكشوفة. وقد فسَّر باكوفليف الذي وجه الدراسات المذكورة أعلاه، ومفوض الشعب للزراعة في الاتحاد السوفييتي آنذاك، بأن التكتيك الوديع نسبيًّا الذي طبقه الفلاحون ناجم عن ثقتهم بالبرجوازية. وينبغي الحكم على هذا التفسير بأنه مائع وغير متماسك.

ولم تكن حكومة الأمير لفوف تستطيع الإيحاء للفلاحين بالثقة أبدًا، رغم اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتقليل حذر الموجيك المستمر تجاه المدينة، والسلطة، والمجتمع المتعلم. صحيح أن الفلاحين لم يلجئوا، في الفترة الأولى تقريبًا إلى تدابير العنف الصريحة، إلا أنهم كانوا يسعون إلى إعطاء أعمالهم شكل ضغط شرعي أو نصف شرعي. ويتضح هذا بالحذر الذي اتسموا به إزاء الحكومة، وبعدم إيمانهم الكافي بقواهم الذاتية. وقد تحرك الفلاحون فقط، وجسوا الأرض، وحسبوا مقاومة العدو، وأضافوا قائلين وهم يدفعون الملاك على كل الخط: “إننا لا نريد أن ننهب، نريد أن يتم كل شيء بصورة مناسبة”. فهم لم يدعوا لأنفسهم ملكية المراعي، بل حصدوا أعشابها فقط. واستأجروا الأرض بالإكراه ليزرعوها، وحددوا آجارها بأنفسهم، أو “اشتروا” الأرض بالقسر بأسعار حددوها هم بأنفسهم ولم يمل كل هذه التظاهرات الشرعية التي لا يمكن أن تكون مقنعة جدًا للملاك وللحقوقي الليبرالي، سوى حذر الفلاحين الخفي تجاه الحكومة. فقد كان الموجيك يقول لنفسه: لن أستطيع أخذ هذه الأرض بدون عقبات، ومن الخطر أخذها بالقوة، إذن فلأحاول أخذها بالحيلة. وكان الموجيك يفضل نزع ملكية الملاك بموافقته.

ويضيف ياكوفليف قائلاً بإلحاح: “وقد سادت خلال هذه الأشهر طرق جديدة كل الجدة، مجهولة تاريخيًّا، في صراع “سلمي” ضد الملاكين”. ونجمت هذه الطرق عن ثقة الفلاح بالبرجوازية وحكومة البرجوازية”. ولكن الطرق التي أعلن ياكوفليف أنها مجهولة في التاريخ هي في الحقيقة طرق معروفة، وحتمية، وإلزامية من الناحية التاريخية للمرحلة الأولية من حرب فلاحية تتم في كل بقاع الأرض. وقد ميز الاتجاه لإخفاء الأعمال الأولى للتمرد تحت مظاهر الشرعية الدينية أو المدنية في كل الأزمان صراع كل طبقة ثورية حتى اللحظة التي تجمع فيها هذه الطبقة بعض قوتها وثقتها لقطع حبل السرة الذي يربطها بالمجتمع القديم. وينطبق هذا القول على الطبقة الفلاحية إلى درجة عالية أكثر من أية طبقة أخرى. لأن هذه الطبقة تتقدم، حتى في أفضل فتراتها، في نصف ظلمات، وتنظر إلى أصدقائها في المدينة نظرة شك وريبة. وتملك أسبابًا وجيهة لذلك. فأصدقاء الحركة الزراعية، في خطواتها الأولى، هم عملاء البرجوازية الليبرالية والراديكالية. ومع أن هؤلاء الأصدقاء يتزعمون المطالبة بجزء من مطالب الفلاحين، إلا أن القلق يساورهم مع كل هذا على مصير الملكية البرجوازية، ولهذا فإنهم يحاولون بكل قوتهم إدخال الانتفاضة الفلاحية في سرير الشرعية البرجوازية.

وكانت بعض العوامل الأخرى تؤثر في الاتجاه ذاته، قبل الثورة بوقت طويل. فقد ظهر من وسط الطبقة النبيلة ذاتها وعاظ أخذوا يدعون ويعظون لإعادة المصالحة والتوفيق. وتغلغل ليون تولستوي في أعماق الموجيك أكثر من أي إنسان آخر. وكانت فلسفته في عدم مقاومة الأذى بالعنف تعميمًا للمراحل الأولى من ثورة فلاحي الموجيك. وكان تولستوي يحلم بأنه من الممكن أن يحدث كل شيء “دون نهب، وبقبول متبادل”. وكان يزلق قاعدة دينية، تحت هذا التكتيك، بشكل نزعة مسيحية مطهرة. ويقوم المهاتما غاندي في الوقت الحاضر في الهند بالمهمة نفسها، ولكن بشكل يتسم بقسط أكبر من العملية. ولو تركنا المرحلة المعاصرة وعدنا إلى الماضي، لاكتشفنا دون صعوبات أن الظواهر التي يدعي البعض بأنها “مجهولة في التاريخ” كانت موجودة تحت أقنعة مختلفة، دينية، وقومية، وفلسفية، وسياسية منذ أزمان التوراة وقبلها.

وتتوضح حدة انتفاضة الفلاحين في عام 1917 في ظهور رجال كعملاء للشرعية البرجوازية، كانوا يدعون بالإضافة إلى ذلك بأنهم اشتراكيون وثوريون. ولكنهم لم يكونوا قادرين على تحديد طابع الحركة الفلاحية وإيقاعها. وكان الفلاحون يتبعون الاشتراكيين – الثوريين ضمن الحد الذي كانوا يستعيرون فيه منهم صيغًا موضوعة للانتقام من الملاكين. وفي الوقت نفسه كان الاشتراكيون – الثوريون يشكلون بالنسبة إليهم ستارًا قانونيًّا. لأن هؤلاء في النهاية هم حزب كرنسكي وزير العدل ووزير الحربية فيما بعد، وحزب تشيرنوف وزير الزراعة، وكان الاشتراكيون الثوريون في النواحي والأقسام يفسرون تأجيل إصدار المراسيم الضرورية بمقاومة الملاكين والليبراليين. ويؤكدون أمام الفلاحين أن “جماعتنا” في الحكومة تعمل كل ما بوسعها. ولم يكن الموجيك بالطبع يستطيع الرد على أقوالهم. ولكنه وجد من الضروري مساعدة “جماعتنا” بضغط من القواعد، لأنه لا يعاني أبدًا من سرعة التصديق وتأييد المزاعم المفرطة. وأخذ الموجيك يعمل على مساعدتهم بصدق وعزم بشكل بدأ فيه “جماعتنا” الموجودون في السلطة بالذعر والقلق من هذه المساعدة.

وكان ضعف البلاشفة في أوساط الطبقة الفلاحية مؤقتًا. ونجم هذا الضعف عن أن البلاشفة لا يؤيدون أوهام المزارعين. ولم تكن البلشفية قادرة على اجتذاب الريف إلا عندما يمارس الريف تجربته ويتعرض لخيبات الأمل. وكانت قوة البلاشفة في المسألة الزراعية، كما في المسائل الأخرى كامنة في البقاء خارج نطاق التناقضات بين القول والفعل.

وكانت الاعتبارات الاجتماعية عاجزة عن التقرير بصورة مسبقة فيما إذا كانت الطبقة الفلاحية في مجموعها قادرة على الوقوف في وجه الملاكين. فقد منع تعزيز الميول الرأسمالية في الاقتصاد الزراعي، في المرحلة الوسيطة بين الثورتين، وانفصال طبقة قوية من المزارعين الذين تركوا المشاعية، والنمو الغريب للتعاون الزراعي الذي قاده فلاحون أغنياء وميسورون، كل هذا منع من القول مسبقًا وبيقين ما هو الاتجاه الذي سينتصر في نهاية المطاف على الآخ، وهل سينتصر الصراع بين طبقة الفلاحين والطبقة النبيلة أم الصراع الطبقي في داخل طبقة الفلاحين ذاتها.

واتخذ لينين عند وصوله موقفًا متحفظًا في هذا المجال. فقد قال بتاريخ 14 أبريل (نيسان): “ليست الحركة الزراعية إلا عملية ضبط، ولكنها ليست أمرًا واقعًا… وعلينا أن نتوقع احتمال رؤية اتحاد طبقة الفلاحين مع البرجوازية”. ولم تكن هذه الفكرة التي طرحها لينين عارضة أو طارئة. بل على العكس، لأن لينين عاد إليها بإلحاح في كثير من الموضوعات. وقد صرح في مؤتمر الحزب بتاريخ 24 أبريل (نيسان)، عندما كان يهاجم “البلاشفة القدامى” الذين اتهموه بالتقليل من أهمية الطبقة الفلاحية، بما يلي: “ليس من المقبول أن يضع الحزب البروليتاري آماله في الوقت الحاضر في وحدة المصالح المشتركة مع طبقة الفلاحين. إننا نناضل كي ينتقل الفلاحون إلى جانبنا، ولكن هذه الطبقة تقف إلى جانب الرأسماليين بوعي إلى حد ما”. ويبرز هذا القول كم كان لينين بعيدًا عن نظرية الانسجام الدائم بين مصالح البروليتاريا ومصالح طبقة الفلاحين التي عزاها إليه ممثلو الجيل الثاني. وكان لينين يستعد في إبريل (نيسان) لأسوأ الاحتمالات وهو مواجهة كتلة قوية مؤلفة من الملاكين النبلاء والبرجوازية، والشرائح الواسعة من طبقة الفلاحين، رغم اعتقاده بأن طبقة الفلاحين تستطيع أن تشكل عاملاً ثوريًّا في المعركة. وكان لينين يقول: “إن الرغبة بكسب الموجيك في هذا الوقت يعني الاستسلام لرحمة ميليوكوف”. ولهذا استنتج لينين ما يلي: “نقل مركز الثقل إلى سوفييتات العمال الزراعيين”.

وكان هذا الاحتمال أفضل خطة بديلة تحققت. وقد انتقلت الحركة الزراعية، من الافتراض والتخمين إلى الواقع، وكشفت للحظة قصيرة أولوية الأربطة الداخلية في طبقة الفلاحين ورجحانها بقوة كبيرة على الصراعات الرأسمالية. ولم تصبح سوفييتات العمال الزراعيين مهمة إلا في بعض الأنحاء، وفي المقاطعات البلطيقية أساسًا. وبالمقابل، أصبحت اللجان الزراعية، أجهزة كل الطبقة الفلاحية. وحولتها هذه الطبقة بضغطها الساحق من غرف للتوفيق والمصالحة إلى أدوات للثورة الزراعية.

إن هذا الواقع الذي حصلت بموجبه الطبقة الفلاحية بمجموعها مرة أخرى على إمكانية العمل كعامل ثوري، لآخر مرة في تاريخها يبرهن في الوقت ذاته على هزال العلاقات الرأسمالية في القرية، وضعف قوتها. فما زال الاقتصاد البورجوازي بعيدًا عن القضاء على العلاقات الزراعية المستندة إلى عبودية القرون الوسطى. ومع ذلك دفع التطور الرأسمالي بعيدًا جدًا لدرجة حوَّل معها أشكال الملكية الزراعية القديمة إلى أشكال لا تقبلها كافة الشرائح الزراعية. كما أن تداخل ممتلكات النبلاء مع ملكيات الفلاحين، المحسوب غالبًا بوعي لتحويل حقوق الملاك النبيل إلى فخ لكل المشاعة الفلاحية. وتبعثر أراضي القرية الذي لا يصدق، والصراع الجديد الذي حدث مؤخرًا بين المشاعة الزراعية والمزارعين الفرديين، كل هذا كان يشكل في مجموعه التباسًا في العلاقات الزراعية، لا يمكن التخلص منه بتدابير تشريعية جزئية. وكان الفلاحون يحسون بهذا بصورة أفضل مما يحس به كل منظري المسألة الزراعية. وكانت تجربة الحياة، التي طرأت عليها تعديلات كثيرة بتعاقب الأجيال، تعيدهم دومًا إلى نفس الاستنتاج الوحيد التالي: ينبغي إلغاء الحقوق الموروثة والمكتسبة المتعلقة بالأرض، وتقويض كل الحدود السابقة للملكيات، وتسليم هذه الأرض متحررة من كل الرواسب التاريخية إلى العاملين فيها.

هذا هو معنى حكم الموجيك، وأقوالهم المأثورة: “ليست الأرض ملكًا لأحد”.. “الأرض ملك لله”، وكانت الطبقة الفلاحية تفسر برنامج الاشتراكيين – الثوريين عن اشتراكية الأرض بهذا المعنى. وبرغم النظريات الشعبية، لم يكن في هذا البرنامج أية ذرة من الاشتراكية. فأجرأ ثورة زراعية لم تكن تتعدى في ذلك الوقت، أطر النظام البورجوازي وتمثل اشتراكية الأرض التي كان الاشتراكيون – الثوريون يزعمون أن من واجبها تأمين “الحق بالأرض” لكل عامل -لقد بقيت علاقات السوق دون تحديد- نوعًا من الطوباوية الأكيدة. وكانت المنشفية تنتقد هذه الطوباوية من وجهة نظر ليبرالية – برجوازية. وكان البلاشفة -على العكس- يضعون هذا الاتجاه الديموقراطي التقدمي، الذي وجد تعبيره الطوباوي في نظرية الاشتراكيين – الثوريين، على جدول أعمالهم. وكان كشف المعنى التاريخي الحقيقي للمسألة الزراعية في روسيا ميزة من أكبر مزايا لينين.

وقد كتب ميليوكوف: أنه يرى “كعالم اجتماعي ومحلل للتطور التاريخي في روسيا” أي كرجل يتأمل ما يجري من القمم العالية “أن لينين وتروتسكي يجسدان حركة أقرب بكثير إلى حركة بوغاتشيف ورازين وبولوتنيكوف -القرنين السابع عشر والثامن عشر من تاريخنا- من الآراء الأخيرة للحركة الفوضوية – النقابية الأوروبية“. فإذا استبعدنا جانبًا تعبير “الفوضوية – النقابية” الذي ورد هنا لسبب نجهله، وجدنا أن ذروة الحقيقة الموجودة في تأكيد عالم الاجتماع الليبرالي لا تمس البلاشفة من قريب أو بعيد، بل تمس البرجوازية الروسية، ومجيئها المتأخر، وسياستها التافهة. ولا يمكن أن نحمِّل البلاشفة جريرة أن حركات الفلاحين العظيمة التي تمت في القرون السابقة لم تؤد إلى طبع العلاقات الاجتماعية في روسيا بالطابع الديموقراطي، وكان من المستحيل تحقيق هذا على كل حال! نظرًا لعدم توفر قيادة نابعة من المدن. كما لا يمكن توجيه التهم إلى البلاشفة لأن تحرر الفلاحين المزعوم في عام 1861 تم بواسطة اغتصاب أراضي المشاعيات، وبإخضاع الفلاحين للدولة، وبالمحافظة على النظام الاجتماعي محافظة كاملة. ولكن هناك شيئًا صحيحًا: لقد أكمل البلاشفة، في الربع الأول من القرن العشرين ما لم ينته، أو ما لم يُعمل أبدًا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. واضطر البلاشفة، قبل أن يستطيعوا البدء بالمهمة الكبرى الخاصة بهم، إلى تطهير الأرض من الزبل التاريخي الذي خلفته وراءها الطبقات الحاكمة القديمة والقرون السابقة، وقام البلاشفة بهذه المهمة، بالإضافة إلى مهامهم، بوعي ووجدان. ولا يجرؤ ميليوكوف نفسه الآن على إنكار هذه الحقيقة أبدًا!

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الطبقة الفلاحية جـ 1