استعادة الرأسمالية في دول العمال السابقة حقيقة.. جـ (8)

0
268

 

قال تروتسكي:

حتى انتهاك احتكار اِلتجارة الخارجية، واستعادة حقوق رأس المال، سيبقى الاتحاد السوفياتي، في نظر البرجوازية بكل أنحاء العالم، ورغم كل ما تحظى به طبقته الحاكمة من خدمات، عدوا لا يقبل المساومة. (تروتسكي، 1991 ص 168).

اليوم حتى بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، أو الدول الأخرى التي صادرت البرجوازية في الماضي، لا تتم معاملتها على أنها “أعداء لا يقبلون المساومة”، بل على العكس. السؤال الذي يفرض نفسه قبل أي شيء: ما هو سر هذا التغير النوعي. عندما نتحدث عن “تغير الموقف” فإننا لا نعني التجليات الديبلوماسية، كتواجد قادة الإمبريالية الأساسيين في الساحة الحمراء عام 1995، أو لقاء فيديل بالبابا، بل نشير إلى معضلات أكثر تحديدا، كتبرعات الدول الإمبريالية إلى دول العمال السابقة، حيث بلغت هذه التبرعات، عام 1990، 641 مليون دولار، وفي 1995 وصلت إلى 4.7 مليار. (البنك الدولي، 1996). كما نشير إلى “منظمة التعاون الاقتصادي والتطوير”، والتي قررت إلغاء القيود المفروضة سابقا فيما يتعلق بالدول التي تعتمد “تجارة الدولة”. حتى اللحظة ستة من تلك الدول باتت في عضوية هذه المنظمة.

المنظمات الإمبريالية نفسها توضح أسباب هذا التغير في الموقف عبر تحليل “التقدم” في تلك الدول. وفقا للبنك الدولي (1996) وعبر تحليل التقدم، لاحظنا أربعة أبعاد، الليبرالية، وحرية الملكية، والملكية الخاصة، والسياسات الاجتماعية والمؤسساتية.

بهذه المعايير قاموا بتحليل الأوضاع في تلك الدول ووصلوا إلى النتيجة التالية: في 1995 العديد من دول  وسط وشرق أوروبا1 والدول المستقلة حديثا  كانت تعتمد جوهريا اقتصاد السوق والانفتاح التجاري، وتمضي باتجاه الحسابات الجارية والسياسات الليبرالية فيما يتعلق بالشركات الجديدة والقطاع الخاص. (البنك الدولي، 1996).

ونتيجة لما سبق، يضيف البنك الدولي ان تسعة من دول وسط وشرق أوروبا، والدول المستقلة حديثا، يهيمن فيها القطاع الخاص اليوم على أكثر من نصف النشاط الاقتصادي. (البنك الدولي، 1996). ولتوضيح هذه التصريحات تم تقديم رسمين بيانيين، رسم عام يبين مستوى الليبرالية الاقتصادية للدولة، والآخر أكثر تحديدا يبين إنتاج القطاع الخاص من الناتج المحلي الإجمالي. (انظر الملحق 2 نهاية الفصل الأول).

عبر الاطلاع على هذه الرسوم البيانية يمكن ملاحظة ثلاث مسائل بوضوح. الأولى أن هناك استعادة للرأسمالية في كل تلك الدول،  والثانية أن هذه العملية اتخذت قفزتها ما بين 1990 _ 1995، والثالثة أنه لا يوجد فرق نوعي في عملية استعادة الرأسمالية بأهم تلك الدول (بولندا، وهنغاريا، والتشيك، وسلوفاكيا، وروسيا، وأوكرانيا، والصين).

رغم هذه الحقائق، وتلك التي استعرضناها عبر هذا النص، يعتقد عدد كبير من القادة الماركسيين الحاليين أنه لم تتم استعادة الرأسمالية في معظم تلك الدول، بل ولا حتى في أي منها، لدرجة أن هنالك نقاش حول ما إذا كانت الرأسمالية قد تمت استعادتها في ألمانيا الشرقية، الدولة التي لم تعد موجودة! بالنسبة لأولئك المدافعين عن هذا الموقف فإن استعادة الرأسمالية تكمن فقط في خطط تتطور باستمرار ولكنها لا تطبق على الإطلاق.

الجدير بالاهتمام أن هذا النوع من المواقف يدافع عنه من يفترض بأنها “التروتسكية الأرثوذكسية”، دون حتى أخذ آراء تروتسكي حول الموضوع بعين الاعتبار.

عندما انحنى أغلب يسار العالم أمام ستالين ونظامه، كان لدى تروتسكي من الوضوح والشجاعة ما يكفي للقول: إننا نتوقع، وهذه حقيقية، دمار الدولة السوفياتية عوضا عن انحلالها، أو بشكل أكثر دقة إننا لا نفرق كثيرا بين هذين الأمرين. على أية حال، الاحتمالان غير متناقضين. في مرحلة معينة سيؤول الانحلال إلى دمار لا يمكن تجنبه. (تروتسكي، ن/د).

بالنسبة لتروتسكي فإن استمرار النظام البيروقراطي سيقود حتما إلى استعادة الرأسمالية، وفي هذا السياق فإن ما يحدث راهنا في الاتحاد السوفياتي السابق وفي الدول الأخرى تأكيد لنبوءة تروتسكي المركزية، لذا دعا إلى القيام بثورة جديدة ضد البيروقراطية.

رغم هذا لم يحل رأي تروتسكي، وهو أساس برنامج الأممية الرابعة، دون إعلانه أن الاتحاد السوفياتي كان لا يزال دولة عمال، بالرغم من البيروقراطية. وينبغي الدفاع عنه دون قيد أو شرط في مواجهة أي عدوان من الإمبريالية، فالدولة هي من يمتلك وسائل الإنتاج، وتحتكر التجارة الخارجية، وتحافظ على التخطيط الاقتصادي المركزي. تروتسكي لم يقل أبدا أن دولة العمال ستبقى محتفظة بهذه السمة بعد زوال تلك الشروط، وهو ما يحدث الآن.

بالنسبة لما يفترض أنها “التروتسكية الأرثوذكسية” فإن احتمال تحول البيروقراطية إلى تأييد استعادة الرأسمالية أمر مستبعد. وأن مصالحها المادية ستحول دون اتخاذها لهذه الخطوة. بالنسبة لمن يعتقد هذا فإن خطر استعادة الرأسمالية موجود، ولكن فقط باعتباره خطرا خارجيا، كنتيجة لهجمة إمبريالية، وبما أن روسيا والصين وكوبا لم يتعرضوا لهجمة عسكرية خلال السنوات السابقة، فإن استعادة الرأسمالية أمر مستحيل. حول هذا الموضوع يقول مندل (1991): الاعتقاد بأن غورباتشوف أو الجناح “الليبرالي” للبيروقراطية ككل يريد أو سيرغب باستعادة الرأسمالية هو انخداع مطلق بطبيعة البيروقراطية وأسسها واتساع مدى مزاياها وقوتها. 90% منهم سيخسرون أكثر مما يمكن أن يربحونه.

ولكن تروتسكي فكر بشكل مختلف تماما فيما يتعلق بتلك المسألة. في كتابه “الثورة المغدورة”. بعد تحليل وضع الاتحاد السوفياتي، وتناول أكثر الاحتمالين تباينا (استيلاء الحزب الثوري أو البرجوازية على السلطة)، قام بطرح احتمال ثالث:

دعنا نفترض – باتخاذ الاحتمال الثالث بعين الاعتبار- أنه لم يتمكن الثوريون ولا الثورة المضادة على حد سوء من الاستيلاء على السلطة، واستمرت البيروقراطية على رأس الدولة. في ظل هذا الوضع فإن العلاقات الاجتماعية لن تكون مبشرة. لا يمكننا الرهان على نبذ البيروقراطية لذاتها طوعا وسلما لصالح المساواة الاشتراكية. إذا ما كانت في الوقت الراهن، رغم العثرات الواضحة للغاية لأدائها، تعتقد أنه من الممكن القيام ببعض الديكورات، فإنها حتما ستقوم في المراحل المستقبلية بدعم ذاتها فيما يتعلق بعلاقات الملكية. قد يجادل أحدهم بأن رؤوس البيروقراطية يهتمون بالأشكال السائدة للملكية، والتي تضمن الدخل الضروري. هذا الطرح لا يتجاهل عدم استقرار سقف حقوق البيروقراطية فحسب، بل أيضا وضعها المتراجع. الطائفة الجديدة لهذه الطبقة لم تهبط من السماء. للامتيازات نصف قيمتها فقط في حال لا يمكن توريثها. الحق في الوصية لا يمكن فصله عن الحق في الملكية. ولا يكفي أن تكون مديرا يحظى بالثقة، بل يجب أن تكون من أصحاب الأسهم. انتصار البيروقراطية في هذا الميدان الحاسم سيعني تحولها إلى طبقة ملكية جديدة. (تروتسكي، 1991، 215).

 

مسألة شركات الدولة

الغالبية العظمى من أولئك الذين يعتقدون بأن هذه الدول لاتزال دول عمال (أو على الأقل ليست رأسمالية الاقتصاد) لا يشكون بوجود خطط لاستعادة الرأسمالية، ولا حتى ببعض أهم ما تحقق من هذه الخطط، سواء فيما يتعلق بتخلي الدولة عن احتكار التجارة الخارجية، أو تنامي الخصخصة. ولكن قد يكون هناك عامل للاستمرار كون هذه الدول دول عمال: الشركات الهامة في يد الدولة.

هذا المنطق يدعمه واقع أن في هذه البلدان نسبة هامة من الشركات القومية، ولكن من الضرورة الإدلاء بالتصريح الأول في هذا الصدد: هناك ما تتسم به هذه الدول، وهو ليس وجود الشركات الكبرى التي مازالت قومية، رغم أنها كما سبق وأن قلنا مازالت موجودة. السمة العامة تكمن في تنامي عملية خصخصة الشركات. لقد قدمنا بعض الأرقام فيما يتعلق بالدول الثلاث التي تناولنا دراستها بالتفصيل، ولكن من الضرورة أيضا النظر إلى العملية ككل.

ما بين 1980 – 1991 (السنوات التي هيمنت فيها النيوليبرالية، بسياساتها المتعلقة بالخصخصة، على الاقتصاد العالمي) تمت خصخصة سبعة آلاف شركة (كبيرة ومتوسطة) في البلدان الرأسمالية. في دول العمال، وخلال أقل من نصف تلك المدة (خمس سنوات) بلغ الرقم ثلاثين ألفا. (البنك الدولي، 1996).

قمنا بتسليط الضوء على الرقم السابق لأنه أحد أهم العناصر التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند محاولة تحديد السمة الطبقية لهذه الدول. خصخصة وسائل الإنتاج الرئيسية أحد الأهداف الأساسية لاستعادة الرأسمالية، فتحكم الدولة بهذه الوسائل كان أحد المظاهر الأساسية لبناء دول العمال. رغم هذا من الضرورة القول إن عدد شركات الدولة والشركات الخاصة لا يحدد، ولم يسبق له أن حدد، السمة الطبقية للدولة.

في الاتحاد السوفياتي، وفي عهد السياسية الاقتصادية الجديدة، كان هنالك بالتوازي مع الملكية العامة لوسائل الإنتاج عدد معتبر من الشركات الخاصة. في بولندا، رغم مصادرة أملاك البرجوازية، لم تكن الأرض مطلقا ملكا للدولة. وعلى النقيض في إيطاليا “الموسيلينية” تمت مصادرة غالبية الشركات وتحويلها إلى ملكية الدولة. ودون أن نذهب بعيدا، في فنزويلا، البلد الرأسمالي النمطي، أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي يأتي من شركات الدولة.

هذا الواقع (وجود عدد كبير من شركات الدولة في الدول الرأسمالية والشركات الخاصة في دول العمال) أدى إلى الحيرة في وسم ووصف تلك الدول. لذا رحبت شريحة واسعة من الاشتراكيين الديمقراطيين (من ضمنهم كاوتسكي واوتو باوير) بتأسيس الدول حديثة الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي السابق (فكرة تروتسكي وقيادة لينين)، لأنهم أدركوا أنه ستتم استعادة الرأسمالية في ظل ذلك الوضع.

في الجهة المقابلة لصفوف الماركسية الثورية، هنالك العديد من الفاشيين والستالينيين الذين صادروا الملكية وفقا لمبادئ موسيليني. رغم هذا يثبت الواقع أن الاتحاد السوفياتي قبل مرحلة الدول المستقلة حديثا لم يكن رأسماليا، وأن الدولة الموسيلينية لم تكن دولة عمال، تماما كما هو الأمر في فنزويلا.

تبين هذه الحقائق أن تحديد السمة الطبقية للدولة أمر لا يمكن تحقيقه بحسابات بسيطة لعدد الشركات. أشكال مختلفة للملكية تواجدت في كل دول العمال، والأمر نمطي أيضا بالنسبة للدول الرأسمالية، لذا فإن النسبة التي يحتلها شكل ما لملكية وسائل الإنتاج لا تحدد الطبيعة الطبقية للدولة، بل أشكال الملكية وعلاقات الإنتاج بالدولة في سياق مسألة الدفاع والحماية. (تروتسكي، ن/ د).

مثلا، في روسيا حاليا أشكال مختلفة للملكية، ولكن على أرض الواقع لا يوجد فرق نوعي عن ما كان عليه الأمر في عهد تروتسكي ولينين. الفرق النوعي يكمن في “أشكال الملكية وعلاقات الإنتاج” التي دافعت عنها دولة لينين وتروتسكي، مقابل تلك التي تدافع عنها الدولة الروسية الحالية.

الدول المستقلة حديثا تشهد تراجعا وأزمات اقتصادية، ولزيادة الإنتاج كان لا بد من تقديم تنازلات للرأسمالية. وفي سياق تلك السياسة تمت بهذه المرحلة خصخصة 38% من وسائل الإنتاج. وفيما يتعلق بوسائل الإنتاج الزراعي بلغت النسبة 96%. وكما نرى فإن حجم الملكية الخاصة في الدول المستقلة حديثا أعلى بكثير من نظيره في دول العمال السابقة. وبالنسبة للحقول كان أيضا أعلى مما هو عليه الوضع الآن في روسيا. واستنادا إلى هذا الواقع يمكن القول إن عملية استعادة الرأسمالية في روسيا والصين وكوبا تخضع لمجادلة تتكئ على ما فعله لينين في زمانه. ولكن تكفي الملاحظة (والمقارنة) بشيء من الاهتمام صيرورة العملية في الدول حديثة الاستقلال لكشف زيف الادعاءات البيروقراطية.

في عهد الدول حديثة الاستقلال تم تشجيع تطور الملكية الخاصة لزيادة الإنتاج، ولكن زيادة الإنتاج تحققت عبر ملكية الدولة، ففي مرحلة الدول المستقلة حديثا رفعت شركات الدولة منسوب إسهامها في مجمل الإنتاج.

نسبة الإنتاج الإجمالي لصناعات الدولة الاشتراكية بلغت خلال 1923 _ 1924، 76%، وخلال 1925 _ 1926 وصلت إلى 79.3%، وخلال سنة واحدة ستبلغ بيسر 79.7 وفقا للحسابات. وفيما يتعلق بالقطاع الخاص بلغت نسبة إسهامه في الإنتاج ما بين 1923 _ 1924، 23.7%، وما بين 1924 _ 1925، 20.7%، ومن المتوقع أن تهبط إلى 20.3% خلال 1925_1926. (تروتسكي، ن/ د، 2).

هذه النتائج لم تأت بمحض الصدفة، بل نتيجة أداء دولة تحمي وتدافع عن ممتلكاتها، رغم تواجد شكلين متوازيين للملكية، كما قال تروتسكي (الدولة والاشتراكي).

التنازلات التي تم تقديمها للرأسمالية كانت ضمن إطار معين. أوجدت الملكية الخاصة وتم الترويج لها من قبل الدولة تحت سقف محدد. وبالنسبة للتجارة الخارجية، وفقا لتروتسكي (ن/ د، 2)، فقد طبقت الاشتراكية بشكل كامل، واحتكار الدولة لها كان مبدأ لا تمكن المساومة عليه في السياسية الاقتصادية، وكما يذكر كانت المصارف ونظام الائتمان تخضع للاشتراكية 100%.

وهذا نقيض ما تشهده الآن دول العمال السابقة. لم يتم تقديم “تنازلات” آنية للرأسمالية، بل تمت استعادتها. لذا في كافة دول العمال السابقة لم يتم تخفيض سقف التنازلات التي ينبغي تقديمها للرأسمالية، بهدف تشجيع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وإنهاء احتكار الدولة للتجارة الخارجية، لتحرير النشاط المالي. كما بدأ العد التنازلي للتخلي عن التخطيط الاقتصادي المركزي.

نتائج هذه “التنازلات” تجلت في حقيقة أن إسهام القطاع الخاص في مجمل الإنتاج لم يتسن له التنامي، بينما حدث العكس بالنسبة لشركات الدولة. هذا أيضا لم يكن نتيجة الصدفة، بل يعود لطبيعة الدولة التي تضم شكلين للملكية، ولكنها حمت ودافعت عن الملكية الرأسمالية وعلاقات إنتاجها.

قد يجادل أحدهم حول “حماية” الدولة لشكل معين للملكية وعلاقات الإنتاج، نحن هنا لشرح خطط استعادة الرأسمالية التي تمت ترجمتها بشكل كامل، وليس للخوض في ذلك الجدال.

عندما نتحدث عن “الدولة التي تحمي” فإننا لا نقصد الإشارة إلى خطط استعادة الرأسمالية، أو إلى مكاتب الحكومات، بل نعني كافة مؤسسات الدولة، بما فيها شركاتها، حيث نحتاج لدراستها ضمن أطرها، ولكن ليس باعتبارها الخندق الأخير لدولة العمال.

في الاقتصاد الحالي لدول العمال السابقة تلعب شركات الدولة دورا يختلف نوعيا عن ما كان عليه الوضع في الماضي. أولا، رغم أن هذه الشركات لاتزال مملوكة للدولة، إلا أنها تخضع لقوانين اقتصاد السوق. ثانيا، تقوم هذه الشركات -بشكل مباشر أو غير مباشر- بإسهام حاسم في تطوير الشركات الخاصة، كما رأينا في حالة الصين، وكما يمكننا أن نرى على نحو مختلف بعض الشيء في كل من الدول الأخرى. بعبارة أخرى ما حدث لهذه الشركات هو ذاته ما يحدث في بقية البلدان الرأسمالية، ولكن في حالة دول العمال السابقة المسألة أكثر وضوحا.

وبسبب الدور الذي تلعبه هذه الشركات، اعتبرت الامبريالية أن الخصخصة مسألة هامة ولكن غير ملحة. وقد ثبت هذا في تقرير البنك الدولي (1996) الذي اقتبسنا منه، حيث يتساءل التقرير عما إذا كانت الخصخصة ضرورية، وعن أهمية الملكية العامة أو الخاصة أو المختلطة. التقرير ذاته يجيب بأن أول ما تنبغي معرفته هو ما إذا كانت الخصخصة ستحسن الأداء أم لا. النتائج الأولية حظيت بالترحيب في عديد من الحالات، ولكن ليس في حالات أخرى. الملكية مسألة هامة، بيد أن الحاجة إلى الخصخصة ليست ملحة في كافة الظروف.

رأسمالية غريبة

التقدم في عملية استعادة الرأسمالية يدهش كل من يزور بولندا، أو هنغاريا، أو روسيا، أو كوبا، ولكن المدهش أكثر هو الفروق المتنوعة بين الدول الرأسمالية. هذا الواقع قاد الكثيرين إلى استخلاص نتيجة مفادها أن بعض الدول ليست رأسمالية، رغم أنه لا يمكن اعتبارها كذلك. إننا أمام نمطين مختلفين للدولة الرأسمالية، ولكنها تبقى رأسمالية. غرابة هذه الدول تكمن في تشكيلاتها، فنحن لا نواجه دولا برزت إثر تطور المجتمع الإقطاعي، بل دولا برزت خلال عملية التراجع الناجمة عن تفسخ دول العمال، ما يميزها عن بقية الدول الرأسمالية.

بعض هذه الفروقات جلية في روسيا مثلا. نظرا لماضيها مازالت هذه الدولة تشكل قوة عسكرية (احدى الدول التي بإمكانها تدمير العالم)، ولكنها ليست إحدى القوى الاقتصادية العظمى. روسيا بالنسبة للقوى الإمبريالية دولة متخلفة (من وجهة نظر اقتصادية وتكنولوجية)، لكن سكانها بلغوا مستوى ثقافيا لا تمكن مقارنته إلا بأكثر دول “العالم الأول” تقدما. سواء في روسيا أو في كوبا أو في غالبية الدول الشرقية يتم استغلال العمال، ووصل الأمر إلى تأخير تسديد مستحقاتهم لعدة أشهر، ولكن فيما يتعلق بالتوظيف والإسكان والصحة والتعليم فإن المستوى خلال السنوات الماضية، رغم التدهور الهائل، كان مساويا أو حتى أعلى من نظيره في أكثر الدول تطورا. أما بالنسبة لقطاع الإنتاج فمازالت روسيا أبعد ما تكون عن كونها دولة متطورة، ولكن في ذات الوقت لا تقارن بالدول المتخلفة.

هذا الواقع يعطي الكثير من الخصائص المميزة لتلك الدول، ومن الضرورة دراستها وكشفها كشرط لا غنى عنه لتطوير برنامج لتحولها الثوري.

“خصائص” استعادة الرأسمالية في كوبا

اختلاف الخصائص الذي أشرنا إليه لا يتجلى فقط عند المقارنة بالدول الرأسمالية القديمة، بل يمكن لمسه أيضا عند المقارنة بين تلك الدول الحديثة. لذا كان من الشائع أن تسمع أحدهم يقول إنه تمت استعادة الرأسمالية في أوروبا الشرقية (أو تكاد أن تتم استعادتها) ولكن الوضع مختلف في كوبا. هنالك فرقان في غاية الأهمية بين كوبا وغالبية دول أوروبا الشرقية، ويؤثران بشكل مباشر على عملية استعادة الرأسمالية، أولهما الاقتصاد الكوبي، فهو مختلف بالمقارنة مع روسيا وغالبية دول أوروبا الشرقية. وفي هذا السياق تم اختلاق أساطير، لا علاقة لها بالواقع، حول كوبا.

كوبا كانت بالفعل إحدى الدول التي تمت فيها مصادرة أملاك البرجوازية، والتي كانت أقل تقدما من وجهة نظر اقتصادية. وكما سبق أن قلنا فإن الاقتصاد الكوبي بأسره يعتمد على ريعية السكر.

تقدم كوبا بالطب والصيدلة.. الخ، يتم ذكره باستمرار. كوبا حققت تقدما مذهلا في تلك المجالات، ولكنها مجالات هامشية بالنسبة لمجمل الاقتصاد الكوبي. الاقتصاديون الكوبيون الذين اقتبسنا منهم يعلنون هذا. الإنتاج التكنولوجي المذهل (الطبابة والمعدات الطبية وبراءات الاختراع) تبدو أنها تحافظ على معدل نمو مستدام، ولكن إسهامها في الاقتصاد القومي تقلص، حيث أسهمت عام 1993 بـ 5% فقط من الصادرات، ولا يبدو أن هذه المنتجات ستصبح جوهرية ومصادر دخل مستقرة للاقتصاد القومي. (كارانزا، 1995).

الفرق الثاني بين كوبا ومعظم دول أوروبا الشرقية إنه لم تكن هناك عملية ثورية في الجزيرة لم تنته بنظام حزب فريد. وفي هذا السياق كانت عملية استعادة الرأسمالية في كوبا مشابهة إلى حد بعيد لنظيرتها في الصين، وهو ما تحقق بقيادة كاسترو.

هذه الفروقات أثرت على عملية استعادة الرأسمالية في كوبا بشكل مباشر، ما يجعل الوضع مختلف للغاية عن أوروبا الشرقية، وخاصة روسيا.

استعادة الرأسمالية والاستعمار

من الواضح أن الإمبريالية تهدف من استعادة الرأسمالية في دول العمال إلى خلق مساحة نفوذ أكبر في السوق العالمي. الهدف هو خلق مستعمرات أو شبه مستعمرات جديدة. ولكن استعادة الرأسمالية والاستعمار ليسا الشيء ذاته، فعندما تتم استعادة الرأسمالية عبر الدولة ذاتها، وليس من خلال غزو إمبريالي يكون للعملية إيقاع مختلف. في روسيا مثلا تمت استعادة الرأسمالية، ولكن لم يكن هنالك استعمار، رغم أن خطوات هامة تم اتخاذها، حيث تصرفت البيروقراطية والحكومة والبرجوازية الروسية الجديدة في إطار الشراكة الإمبريالية، ولكنهم قاوموا الإمبريالية دفاعا عن مساحتهم، ولم يتخلوا عن فكرة أن يشكلون إحدى أعظم القوى الاقتصادية، وهذا ما يثبته انضمام الدول الشرقية إلى حلف الناتو.

في كوبا، نظرا للفروقات التي سبق وأن أشرنا إليها، فإن الوضع مختلف تماما. بسبب ضعف الاقتصاد الكوبي، تمحورت عملية استعادة الرأسمالية حول التوجه لمنح وسائل الإنتاج لرأس المال الأجنبي. ومن جهة أخرى فإن حقيقة عدم وجود ثورة شجعت رأس المال على التغلغل في غالبية الدول المتخلفة. وفي هذا الصدد يقول القانوني الكوبي جوان فيغا فيغا (1996) إن هناك مقدمات سياسية اجتماعية متعددة جعلت بلدانا معينة جاذبة على نحو خاص لتكون وجهة محتملة للاستثمارات الأجنبية. وكوبا ترجمت كل تلك المقدمات على أرض الواقع، وأولها الاستقرار السياسي الاجتماعي، فكوبا بلد آمن يحمل شعبه ثقافة الوحدة، ويدافع عن هذه القيمة لأنه اعتمد تاريخيا على الاستقرار في النظام السياسي الذي يضمنها. لا توجد فضائح أو ثورات أو أزمات في البلاد.

الضعف الهيكلي للاقتصاد الكوبي، والسياسيات الرأسمالية الدولية جعلت من بناء برجوازية وطنية أقل أهمية في كوبا. في روسيا مثلا، تم منذ تبني قانون التعاونيات التشجيع على بناء شركات وطنية خاصة، قامت بتوظيف العشرات بل حتى المئات، وعلى عكس ذلك كان هناك 200000 شخص في كوبا يمارسون الأعمال الحرة. هناك أنشطة رأسمالية نمطية، ولكن وضعت كل أنواع العقبات أمام تطورها. الحرفيون مثلا كان عليهم دفع نسبة مرتفعة للحكومة لقاء ما يقومون ببيعه، كما أن أصحاب المطاعم الصغيرة (1200 مطعم ظهر في هافانا خلال الأشهر الأربعة الأخيرة للعام 1995) لم يكن بإمكانهم امتلاك أكثر من ثلاث طاولات و12 كرسيا، ولا يحق لهم الحصول على موظفين.

وكجزء مما سبق قوله، فإن ما يميز عملية استعادة الرأسمالية في كوبا هو أنه لم يتم بيع شركات الدولة لقادتها وموظفيها، ولا لسكان ذلك البلد، بخلاف غالبية الدول الأخرى، ما شكل عقبة حالت دون تشكيل برجوازية كوبية، وقابل ذلك تنازلات تم تقديمها لرأس المال الأجنبي. هذه التنازلات حولت كوبا إلى ما يشبه “جنة ضرائب”، والأمر كذلك في الصين، ولكن في الصين تتواجد “جنة الضرائب” في بعض المناطق فقط، أما في كوبا فهي في كل أرجاء البلاد.

اليساريون الذين زاروا كوبا، ومن ضمنهم الأكثر انتقادا لنظام فيديل، قالوا أنهم صدموا هناك بما لم يكن متوقعا، وهو العنصرية وتفرقة الكوبيين من قبل السلطات. ولهذا الوضع الذي ولد سخطا تفسير اقتصادي وليس أيديولوجي، فقد كان نتيجة لأن كوبا لم تعد دولة عمال، وباتت دولة تابعة للإمبريالية.

لذا عند الحديث عن “الفروقات” وعن ما “يميز” كوبا، لا بد من الإشارة إلى هذه الخصائص. لا يوجد فرق عن ما حدث في روسيا بالنسبة لاستعادة الرأسمالية. الرأسمالية تمت استعادتها في روسيا ولكن هذا حدث أيضا في كوبا. وإذا لم يكن الأمر كذلك كيف يمكنك تفسير أنه في بلد ريعي يعتمد على السكر، يناط الإنتاج 100% بالقطاع الخاص.

الفرق الحقيقي بين كوبا وروسيا لا يكمن هنا. الفرق الحقيق هو أنه في كوبا، بخلاف روسيا، مضت عملية الاستعمار جنبا إلى جنب مع استعادة الرأسمالية.

يمكن مراجعة الجزء السابع من خلال الرابط التالي:

كوبا.. الحالة الأكثر إثارة للجدل.. جـ (7)