تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 1

0
266

كان نظام فبراير (شباط) يختنق بتناقضاته الخاصة في الشهر الرابع من وجوده. وبدأ شهر يونيو (حزيران) بمؤتمر سوفييتات عموم روسيا. وكانت مهمة المؤتمر إعطاء تغطية سياسية للهجوم على الجبهة. وتطابق بدء الهجوم، مع مظاهرة ضخمة قام بها العمال والجنود في بتروغراد، نظمها التوفيقيون ضد البلاشفة، لكنها تحولت إلى مظاهرة بلشفية ضدهم. وأحدث السخط المتزايد للجماهير، بعد خمسة عشر يومًا، مظاهرة جديدة انفجرت بصورة عفوية دون أية دعوة من الأعلى، وأدت إلى صدامات دموية. وسجلت هذه المظاهرة في التاريخ تحت اسم “أيام يوليو (تموز)”. وختمت نِصف انتفاضة يوليو (تموز)، التي حدثت بالضبط بين ثورة فبراير (شباط) وثورة أكتوبر (تشرين الأول) الثورة الأولى، وكانت إلى حد ما تمرينًا عامًا على الثانية. وسننهي هذا الجزء من الكتاب على عتبة “أيام يوليو (تموز)”. ولكن قبل أن نرجع فيه إلى الأحداث التي كانت بتروغراد تشكل مسرحها في يونيو (حزيران) من الضروري أن ننظر عن قريب إلى التطورات التي حدثت في أوساط الجماهير.

لقد رد لينين على أحد الليبراليين الذي كان يؤكد، في بداية مايو (آيار) أنه كلما اتجهت الحكومة إلى اليسار، تتجه البلاد إلى اليمين، رد لينين قائلاً: “أؤكد لك أيها المواطن إن “بلد” العمال والفلاحين الفقراء هو ألف مرة أكثر إلى اليسار من أنصار تشيرنوف وتسيريتلي، ومائة مرة أكثر إلى اليسار منا. ومن يعيش يرَ”. وكان لينين يقدر أن العمال والفلاحين كانوا أكثر تطرفًا إلى اليسار من البلاشفة “بمائة مرة”. وقد يبدو هذا القول ضعيف التعليل على الأقل: لأن العمال والفلاحين ما زالوا يدعمون التوفيقيين. ولأن أكثريتهم كانت تقف إزاء البلاشفة بحذر. ولكن لينين كان يحفر إلى عمق أكبر. فقد كانت المصالح الاجتماعية للجماهير، وحقدها، وآمالها، تفتش عن تعبير لها. وكان التوفيق والمصالحة بالنسبة إليها مرحلة أولى. وكانت الجماهير أكثر يسارية بكثير من أنصار تشيرنوف وتسيريتلي، ولكنها لم تحقق بعد راديكاليتها الخاصة. وكان لينين على حق أيضًا عندما قال بأن الجماهير كانت أكثر يسارية من البلاشفة، لأن الحزب بأكثريته الساحقة، لم يكن قد وعى بعد قوة المشاعر الثورية التي تغلي في أحشاء الشعب الذي هبَّ من رقاده. وتغذى تمرد الجماهير باستطالة الحرب، وبالفوضى الاقتصادية وبعطالة الحكومة المؤذية.

إن السهل الأوروبي – الآسيوي الفسيح لم يصبح بلدًا بمعنى الكلمة إلى بفضل السكك الحديدية. وكانت الحرب توجه ضرباتها إلى هذه السكك بعنف وقسوة. ودبت الفوضى من جراء ذلك بالنقل ووسائله. وبلغ عدد القاطرات الموجودة في حالة سيئة في بعض الخطوط 50٪. وكان المهندسون يقرءون في المقر العام لهيئة أركان القوات المسلحة الروسية تقارير تؤكد احتمال شلل النقل بالسكك الحديدية شللاً تامًا خلال الأشهر الستة القادمة. وكانت هذه الحسابات المقصودة إلى حد ما مخصصة لنشر الذعر والإرجاف. ولكن الفوضى في النقل اتخذت بالفعل أبعادًا خطيرة، وخلقت الازدحام على الخطوط، وسبب اضطراب حركة شحن البضائع، ورفعت الأسعار.

وازدادت صعوبات تموين المدن وأصبح هذا التموين يتم بصورة متعبة وشاقة. وكانت الحركة الزراعية قد تمكنت من إنشاء بؤر في 43 منطقة. وتناقصت كميات القمح المشحونة للجيش والمدن بصورة مثيرة للذعر. وكان هناك في أخصب مناطق البلاد عشرات الملايين، بل ومئات الملايين من بود القمح الفائض عن الاحتياج. ولكن عمليات التخزين بالأسعار المحددة كانت تعطي نتائج غير كافية. وبالإضافة إلى ذلك كانت الحبوب المخزونة تصل بصعوبة إلى المراكز بسبب الفوضى السائدة في وسائل النقل. واعتبارًا من خريف عام 1916 كانت الجبهة تتلقى بصورة وسطية نصف التموين المقرر تقريبًا. وكانت الإعاشة الموزعة في بتروغراد وموسكو والمراكز الصناعية الأخرى لا تتجاوز 10٪ مما هو ضروري. ولم يكن هناك احتياطي في المواد تقريبًا. وكان مستوى حياة الجماهير يتذبذب بين التغذية الناقصة والمجاعة. واشتهر مجيء الحكومة الائتلافية إلى الحكم بإغلاق أفران الخبز الأبيض بصورة ديمقراطية. وانهارت صناعة الخبز الأبيض فيما بعد عدة سنوات قبل أن يعود “الخبز الفرنسي” إلى الظهور من جديد في العاصمة. وكانت البلاد تفتقر إلى الزبدة. وفي يونيو (حزيران) حُدد استهلاك السكر بمعايير معينة في كل البلاد.

* * *

ولم تستبدل آلية السوق التي حطمتها الحرب بتنظيم الدولة ورقابتها، هذا التنظيم الذي وجدت الدول الرأسمالية المتقدمة نفسها مضطرة إلى اللجوء إليه؛ والذي سمح لألمانيا بالصمود خلال أربع سنوات من الحرب.

وظهرت أعراض مأساوية من الخراب الاقتصادي في كل خطوة. ونجم نقص إنتاج المصانع عن خلق آلات المصانع، وعدم كفاية المواد الأولية والمواد الإضافية، وعدم استقرار اليد العاملة، والتمويل غير المنظم، والبلبلة العامة بالإضافة إلى فوضى وسائل النقل. وكانت أضخم المؤسسات تتابع العمل من أجل الحرب. وكانت الطلبات موزعة مسبقًا على سنتين أو ثلاث سنوات. بَيْد أن العمال كانوا يرفضون الاعتقاد بأن الحرب ستطول إلى هذا الحد. وكانت الصحف تنشر أرقامًا مذهلة عن أرباح الحرب. وكانت الأسعار ترتفع. وتوقع العمال حدوث تغييرات. وتجمع الموظفون التقنيون والإداريون في المصانع، وشكلوا نقابات قدمت مطالبها. وكان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون يسيطرون في هذا الوسط. وتفتت نظام المصانع وتراخت كافة الروابط.

وكانت آفاق الحرب والاقتصاد العام تسود وتظلم، كما أصبحت حقوق الملكية حقوقًا غير مؤكدة، وهبطت الأرباح، وازدادت المخاطر، وفقد أرباب العمل الرغبة بالإنتاج في ظروف ثورية. وتورطت البرجوازية بمجموعها في طريق الهزيمة الاقتصادية. وكانت تعتبر الخسائر والأضرار التي تعرضت لها مؤقتًا، بسبب الشلل الاقتصادي تكاليف إضافية لازمة للصراع ضد الثورة التي تهدد أسس “الثقافة”. وكانت الصحافة المفكرة في الوقت ذاته تتهم العمال بتخريب الصناعة بصورة ماكرة، وباختلاس المواد، وإحراق المحروقات بصورة تتسم بالطيش لإحداث اختناق اقتصادي. وكان بهتان الاتهامات يتجاوز كل الحدود. ولما رأى العمال أن الصحافة المسئولة عن مثل هذه الاتهامات هي صحافة حزب كان على رأس الحكومة الائتلافية، انصَبَّ حقدهم بالطبع ضد الحكومة المؤقتة.

ولم ينس الصناعيون تجربة ثورة عام 1905، هذه التجربة التي لم يحطم خلالها إغلاق المصانع من قبل أصحابها وبمساعدة فعَّالة من الحكومة كفاح العمال من أجل تحديد يوم العمل بثماني ساعات فحسب، بل قدم أيضًا للملكية خدمة لا تقدر بثمن لسحق الثورة. وبحثت مسألة إغلاق المصانع هذه المرة أيضًا في مجلس مؤتمري الصناعة والتجارة، هذين المجلسين اللذين يحملان هذه التسمية ببراءة مع أنهما جهاز قتال رأس المال الاحتكاري والمنضم إلى النقابات الرأسمالية. وقد فسَّر المهندس أورباخ أحد زعماء الصناعة، في مذكراته فيما بعد لماذا رفضت فكرة إغلاق المصانع قائلاً: “إن المجتمعين وجدوا أنها ستكون كضربة خنجر مسددة إلى ظهر الجيش… وظهرت نتائج مثل هذه الخطوة، قاتمة جدًا للأكثرية نظرًا للافتقار إلى الدعم من جانب الحكومة”. وكان الشر ينبعث من انعدام وجود سلطة “حقيقية”. وكانت الحكومة المؤقتة مشلولة بالسوفييتات، كما كان زعماء السوفييتات المعقولون مشلولين بالجماهير. وكان العمال في المصانع مسلحين. وبالإضافة إلى هذا، كان كل مصنع تقريبًا يجد على مقربة منه فوجًا أو كتيبة على استعداد لدعمه بصورة ودية. وفي هذه الشروط، بدا إغلاق المصانع لهؤلاء السادة الصناعيين “ممجوجًا من وجهة النظر الوطنية”. ولكنهم، دون أن يمتنعوا عن الهجوم، كيَّفوه مع الظروف فقط، وأعطوه طابعًا مستترًا لا يحمل صفة الشمول أو العنف ويذكر أورباخ بشكل دبلوماسي ما يلي: “توصل الصناعيون في النهاية إلى الاستنتاج من كل هذا إلى أن الحياة ذاتها هي التي ستعطي العبرة والدرس بإغلاق المصانع التدرجي والحتمي؛ إذ يغلق كل صِنَاعِي مصنعه بصورة منعزلة عن الآخرين إلى حد ما، وهو ما أمكن ملاحظته في الواقع”. وبعبارات أخرى، رفض مجلس الصناعة الموحد القيام بإغلاق بَيِّن وصريح لأنه يتضمن “مسئولية ضخمة” فدعا أعضاءه إلى إغلاق المؤسسات بصورة فردية، مفتشًا عن حجج مبررة.

وطبقت خطة الإغلاق المستتر بطريقة رائعة. فقد ألقى زعماء رأس المال من أمثال الكاديت كتلر -الوزير السابق في حكومة ويت- محاضرات جليلة عن خراب الصناعة، الذي لم يعزوه لسنوات الحرب الثلاث، بل لثلاثة أشهر من الثورة. وكانت الريتش التي لا تكل ولا تمل تتنبأ بما يلي: “لن يمضي أسبوعان أو ثلاثة حتى تغلق المصانع والمعامل الواحد أثر الآخر”. ويستتر التهديد هنا تحت التنبؤ. وبدأ المهندسون، والأساتذة، والصحفيون حملة في الصحافة التقنية والصحافة العادية كان الهدف منها البرهان على أن قمع العمال هو الشرط الأساسي لإنقاذ البلاد من الخراب الاقتصادي. وصرح كونوفالوف الوزير الصناعي بتاريخ 17 مايو (أيار) قبل خروجه من الحكومة بشكل مشهدي مشوب بالضجة: “إذا لم تعد العقول المضطربة إلى الصواب قريبًا فإننا سنشهد إغلاق عشرات ومئات من المؤسسات”.

وفي منتصف يونيو (حزيران) طلب مؤتمر التجارة والصناعة من الحكومة المؤقتة أن تلجأ إلى “القطيعة الجذرية مع نظام تطور الثورة”. ولقد سمعنا في السابق التصريح ذاته من الجنرالات: “أوقفوا الثورة”. ولكن الصناعيين يتسمون بوضوح أكبر، فقد كان تصريحهم كما يلي: “لا يكمن منبع الشر في البلاشفة فحسب، بل في الأحزاب الاشتراكية أيضًا. ولا يمكن إنقاذ روسيا إلا بقبضة متينة ويد حديدية”.

وانتقل الصناعيون من القول إلى العمل بعد أن أعدوا الوضع السياسي ومهدوا له. وفي خلال مارس وإبريل (آذار ونيسان) أغلقت 129 مؤسسة، تضم 9000 عاملاً أبوابها. وفي خلال شهر مايو (آيار) توقفت 108 مؤسسات تضم نفس العدد من العمال عن العمل. وفي يونيو (حزيران) توقفت 125 مؤسسة يعمل فيها 38.000 عامل. وفي يوليو (تموز) ألقت 206 مؤسسات 48000 عاملاً في الشوارع. وتصاعد الإغلاق في متوالية هندسية. ولكن إغلاق كل المؤسسات لم يكن سوى بداية لعمل كبير. وتحرك مصنع موسكو للنسيج بعد بتروغراد، وتحركت المناطق بعد موسكو. وتعلل أصحاب العمل بنقص المحروقات، والمواد الأولية، والمواد الثانوية، والقروض. وتدخلت لجان المصانع، وأومأت في كثير من الحالات، وبصورة لا تحتمل الأخذ والرد مطلقًا، إلى تخريب غادر للإنتاج، يستهدف الضغط على العمال أو الحصول على دعم من الحكومة. وكان الرأسماليون الأجانب الذين يعملون بواسطة سفاراتهم، في منتهى الوقاحة. وكان التخريب في بعض الحالات، واضحًا جدًا، واضطر الصناعيون إلى إعادة فتح مؤسساتهم بعد نتيجة التحقيقات التي قامت بها لجان المصانع. وهكذا وجدت الثورة نفسها بعد تعرية التناقضات الاجتماعية واحدًا أثر آخر في مواجهة التناقض الرئيسي من بين هذه التناقضات، وهو التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. وكان رب العمل الراغب بالانتصار على العمال يغلق المصنع وكأنه علبة تبغه لا مؤسسة ضرورية لحياة كل الأمة.

واتخذت المصارف التي قاطعت بنجاح قرض الحرية، موقفًا عدائيًّا إزاء تصرفات خزينة الدولة الموجهة ضد رأس المال الضخم. و”تنبأ” أصحاب المصارف في رسالة موجهة إلى وزير المالية، بهرب رءوس الأموال إلى الخارج بمجرد إجراء أية إصلاحات مالية جذرية، وادخار العملات وحفظها في الصناديق المعدنية. وبعبارات أخرى، كان وطنيو المصارف يهددون بإغلاق مالي يتمم الإغلاق الصناعي. وسارعت الحكومة إلى الاستسلام والخضوع؛ ألم يكن منظمو التخريب رجالاً أقوياء، غامروا برءوس أموالهم بسبب الحرب والثورة، أليسوا من طينة تختلف عن طينة بحارة كرونشتادت الذين لا يغامرون بشيء آخر غير حياتهم الخاصة؟

إن اللجنة التنفيذية لا تستطيع أن تجد مبررًا تعلل به عدم فهمها بأن مسئولية المصير الاقتصادي للبلاد في نظر الجماهير، وخاصة بعد انضمام الاشتراكيين للسلطة بصورة صريحة، يقع على عاتق الأكثرية السوفييتية الحاكمة. وقد وضع القسم الاقتصادي في اللجنة التنفيذية منهاجًا واسعًا لتنظيم الحياة الاقتصادية وتوجيهها من قبل الدولة. وكانت اقتراحات الاقتصاديين المعتدلين جدًا تحت ضغط الوضع التهديدي، أكثر جذرية من واضعي هذه الاقتراحات. فقد قال المنهاج: “في كثير من الميادين الصناعية، الوضع ناضج جدًا لاحتكار الدولة للتجارة: (الخبز، واللحم، والملح، والجلود). وفي ميادين أخرى نجد أن الظروف قد أصبحت ملائمة جدًا لإنشاء احتكارات تنظمها الدولة وتشرف عليها: (الفحم، والبترول، والمعادن، والسكر، والورق). وأخيرًا فإن الشروط الحالية لكل فروع الصناعة تقريبًا تتطلب مشاركة الدولة من الناحية التنظيمية لتوزيع المواد الأولية، وصنع المواد، وتحديد الأسعار… ومن المناسب في الوقت ذاته وضع رقابة على مؤسسات “الإقراض”.

وبتاريخ 16 مايو (أيار) تبنَّت اللجنة التنفيذية، بعد أن فقد الزعماء السياسيون عقلهم، اقتراحات الرجال الاقتصاديين التابعين لها دون مناقشات، وعززتها بإنذار طريف وجهته إلى الحكومة: على الحكومة أن تأخذ على عاتقها “مهمة التنظيم العقلاني للاقتصاد العام، وللعمل”، وأن تتذكر بأن “النظام القديم قد سقط” لأنه لم يقم بهذه المهمة، وأنه “كان على الحكومة المؤقتة أن تتحول”. وكان التوفيقيون يخيفون بعضهم بعضًا كيما يتبادلوا الدعم والتشجيع.

وقد كتب لينين معلقًا على المنهاج: “منهاج رائع ورقابة، واحتكارات حكومية، وحرب ضد المضاربة، وخدمة إلزامية للعمل.. إننا نجد المنهاج “المخيف” للبلاشفة في هذه الكلمات لأنه لا يمكن أن يكون هناك منهاج آخر، ولا مخرج آخر من الإفلاس المخيف الذي يهدد البلاد بالفعل…”، ومع ذلك تكمن المسألة كلها في معرفة من سيحقق هذا المنهاج الرائع. هل هو الائتلاف؟ وأتى الرد على هذا السؤال فورًا. فبعد أن تبنت اللجنة التنفيذية المنهاج الاقتصادي بيوم واحد، قدم كونوفالوف وزير التجارة والصناعة استقالته وخرج من الحكم وهو يغلق الأبواب وراءه بعنف وغضب. وحل محله مؤقتًا المهندس بالتشينسكي، الذي لا يقل عنه إخلاصًا لرأس المال الكبير، ولكنه يمثل رأس المال هذا بقوة ونشاط أكبر ولم يجرؤ الوزراء الاشتراكيون حتى على اقتراح منهاج اللجنة التنفيذية على زملائهم الليبراليين بصورة جدية. لأن تشيرنوف كان قد حاول مؤخرًا حمل الحكومة على قبول منع بيع الأراضي، وذهبت محاولته أدراج الرياح.

وقدمت الحكومة من ناحيتها، ردًا على الصعوبات المتزايدة مشروعًا لنقل المصانع والمرافق العامة من بتروغراد، أي نقل المصانع والمعامل الموجودة فيها إلى داخل البلاد. وكان المشروع معللاً باعتبارات عسكرية: خطر استيلاء الألمان على العاصمة، وباعتبارات اقتصادية أيضًا: بتروغراد بعيدة جدًا عن مصادر المحروقات والمواد الأولية. وكان معنى هذا المشروع القضاء على صناعة العاصمة لأشهر وسنين. وكان الهدف الرئيسي تشتيت طليعة الطبقة العمالية وبعثرتها في طول البلاد وعرضها. وكانت السلطات العسكرية، بالتوازي مع الحكومة، تجد المبررات، مبررًا أثر آخر لإبعاد القطعات المتسمة بالروح الثورية عن بتروغراد.

وبذل بالتشينسكي كل جهوده لإقناع القسم العمالي في مجلس السوفييت بمزايا إخلاء العاصمة. وكان من المستحيل إجراء عملية الإخلاء ضد إرادة العمال، وكان العمال يرفضون ذلك بصورة قاطعة. وكان نقل المصانع والمرافق الحيوية من العاصمة يتقدم ببطء لتنظيم الصناعة. وازدادت حدة الفوضى، وارتفعت الأسعار، وامتد إغلاق المصانع المستتر، كما انتشرت البطالة في الوقت ذاته. وكانت الحكومة تراوح في مكانها. وقد كتب ميليوكوف فيما بعد ما يلي: “كانت الوزارة تستسلم للمسير مع التيار، والتيار يصب في سرير البلشفية”. نعم، إن التيار يقود إلى البلشفية!

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الطبقة الفلاحية.. جـ 2