تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 2

0
238

كانت البروليتاريا القوة المحركة الرئيسية للثورة. وكانت الثورة في الوقت ذاته تشكل البروليتاريا. وهذا ما كانت الثورة بأمس الحاجة إليه.

وقد رأينا الدور الحاسم لعمال بتروغراد في أيام فبراير (شباط). وكان البلاشفة فيه في مقدمة المعركة. وتراجع البلاشفة بعد الانتفاضة فجأة إلى الصف الثاني. واحتلت الأحزاب التوفيقية مقدمة المسرح السياسي. ونقلت السلطة إلى البرجوازية الليبرالية. وتجمعت كل هذه القوى تحت لواء الفكر الوطني. وكان الهجوم الذي شنه التجمع من العنف بحيث اضطرت قيادة الحزب البلشفي، أو على الأقل نصف هذه القيادة، إلى الاستسلام تحت وطأة الهجوم وعنفه. وبعد وصول لينين تبدل مسار الحزب فجأة وازداد نفوذه بسرعة كبيرة في الوقت ذاته. وفي المظاهرة المسلحة التي حدثت في إبريل (نيسان) حاولت طليعة العمال والجنود تحطيم أغلال التوفيقية. ولكنها ما كادت تبذل أي جهد حتى بدأت بالقتال التراجعي. وبقي زمام الأمور بِيَد التوفيقيين.

وقد قيل فيما بعد مرات عديدة بعد انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) أن البلاشفة يدينون بانتصارهم لجيش الفلاحين، الذي أنهكته الحرب وأتعبته. ولكن هذا تفسير مصطنع. والتأكيد المعاكس أقرب إلى الحقيقة: فإذا كان التوفيقيون قد حصلوا في ثورة فبراير (شباط) على وضع متفوِّق، فإن ذلك قد تم قبل كل شيء، بسبب الموقع الاستثنائي الذي كان يحتله جيش الفلاحين في حياة البلاد. ولو أن الثورة انفجرت في زمن السِلم، لكان للدور القيادي للبروليتاريا منذ البدء، طابعًا أكثر تحديدًا ووضوحًا.

ولولا الحرب، لجاء النصر الثوري متأخرًا جدًا، ولكان ثمنه أغلى بكثير، بصرف النظر عن ضحايا الحرب. ولكنه بهذا الشكل لم يكن ليتيح أي مكان لطوفان الآراء التوفيقية والوطنية. ومن المؤكد أن الماركسيين الروس الذين أوحى إليهم حدسهم قبل الأحداث بوقت طويل باستيلاء البروليتاريا على السلطة أثناء الثورة البرجوازية، لم يستندوا إلى الحالة الفكرية الطارئة للجيش الفلاحي، بل استندوا إلى البنية الطبقية للمجتمع الروسي. وتأكدت هذه النبوءة تمامًا. ولكن العلاقات الأساسية بين الطبقات انحرفت عبر الحرب، وبدلت موقعها لفترة من الوقت تحت ضغط الجيش، أي تحت ضغط تنظيم فلاحي مسلح يعيش بعيدًا عن وسطه الطبيعي. هذه هي بالضبط التشكيلة الاجتماعية المصطنعة التي عززت مواقع البرجوازية الصغيرة والتوفيقية إلى حد كبير، وأتاحت لها طيلة ثمانية أشهر إمكانية القيام بالتجارب التي أضعفت البلاد والثورة.

ومع هذا، فإن جذور مسألة السياسة التوفيقية لا تكمن كلها في الجيش الفلاحي. وعلينا أن نتحرى عن الأسباب الإضافية لتفوق المناشفة والاشتراكيين – الثوريين الطارئ في البروليتاريا ذاتها، وفي تركيبها، ومستواها السياسي. فقد أدَّت الحرب إلى تغييرات هائلة في تركيب الطبقة العمالية وحالتها الفكرية. وكانت السنوات الماضية تتسم بصعود المد الثوري، ولكن الحرب قطعت هذا السياق فجأة. ولم يُصمم التجنيد ويُطبق ضمن معنى عسكري فحسب، بل صُمم وطُبق قبل كل شيء من وجهة نظر بوليسية. وسارعت الحكومة إلى تطهير المناطق الصناعية من أنشط عناصرها وأكثرها شغبًا. وبوسعنا أن نؤكد بصورة نهائية أن النفير في الأشهر الأولى من الحرب، انتزع من الصناعة 40٪ من العمال، معظمهم من الاختصاصيين. وسبَّب غيابهم عن العمل الصناعي احتجاجات الصناعيين، الذين أحسوا بتدني مستوى الإنتاج إلى حد كبير نظرًا لافتقار المصانع إليهم. وكانت احتجاجات الصناعيين تزداد قوة كلما ارتفعت أرباح الصناعات الحربية. ثم توقف تدمير الكوادر العمالية فيما بعد. وبقي العمال الضروريين للصناعة كمجندين في المصانع. وتم سد الثغرات التي فتحها النفير العام بعمال جدد قدموا من الولايات، وببعض العناصر الصغيرة من المدن، وبعمال لا يتمتعون بالكفاءة والاختصاص إلى حد كبير وبعدد كبير، من النساء والفتيان. وارتفعت النسبة المئوية للنساء في المصانع من 32 إلى 40٪.

واتخذ سياق تحول البروليتاريا وتذويبها امتدادًا استثنائيًّا في العاصمة بشكل خاص. وفي سنوات الحرب من عام 1914 إلى عام 1917، تضاعف عدد المؤسسات الضخمة التي تستخدم أكثر من 500 عامل في حكومة بتروغراد. وفي عام 1917 تركز في بتروغراد حوالي 400.000 عامل تقريبًا في المصانع والمعامل بسبب القضاء على المعامل والمصانع في بولونيا، وفي مقاطعات البلطيق بصورة خاصة. وكان 335.000 عامل من هؤلاء العمال مرتبطين بـ140 مصنعًا جبارًا. “ولعبت أكثر العناصر البروليتاريا المكافحة في بتروغراد دورًا لا يُنكر في الجبهة لتكوين العقلية الثورية داخل الجيش. ولكن العمال الذين حلوا محلهم بمجيئهم من الأرياف، وكان جلهم من النساء والفتيان، أو من الفلاحين الميسورين أو من الباعة، الراغبين بالعمل في المصانع للهرب من الخدمة في الجبهة، فقد كانوا أكثر وداعة من العمال المهنيين. وينبغي أن نضيف إلى هذا أن العمال المختصين، الموجودين كمجندين في المصانع -وكان تعدادهم يصل إلى مئات الألوف- كانوا يتصرفون بمنتهى الحذر خوفًا من إرسالهم إلى الجبهة. تلك كانت القاعدة الاجتماعية للعقلية الوطنية التي سيطرت على جزء من العمال منذ أيام القيصر.

ولكن هذه العقلية الوطنية لم تعرف الاستقرار. فقد كان الاضطهاد العسكري الحاقد والبوليسي والاستثمار المضاعف، والهزائم في الجبهة والفوضى الاقتصادية تدفع العمال للكفاح. واتسمت الإضرابات خلال الحرب بطابع اقتصادي أساسًا، واختلفت عن إضرابات ما قبل الحرب باتسامها باعتدال أكبر. وكان ضعف الطبقة يزداد مع ضعف حزبها. وبعد اعتقال مندوبي البلاشفة ونفيهم، قامت السلطات، بمعونة عملاء محرضين منظمين تسلسليًّا بصورة مسبقة، بتدمير عام لكل المنظمات البلشفية، لم يتمكن الحزب من النهوض بعدها إلا عند انتفاضة فبراير (شباط). وقد مرَّت الطبقة العاملة المتفسخة خلال عامي 1915 و1916 بمدرسة أولية للكفاح، حتى فبراير (شباط) 1917؛ حيث تمكنت الإضرابات الاقتصادية الجزائية ومظاهرات النساء الجائعات من دمجها في إضراب عام، وجرت الجيش إلى التمرد.

وهكذا، دخلت بروليتاريا بتروغراد في ثورة فبراير (شباط) بأعداد غير متجانسة إلى حد كبير، وعاجزة عن الاندماج والالتحام مع بعضها بعضًا، كما أنها اشتركت في الانتفاضة بمستوى سياسي ضعيف حتى بالنسبة لشرائحها المتقدمة. وكان الأمر يسير بصورة أسوأ أيضًا في المناطق. ومن الواضح أن هذه الانتكاسة المتمثلة بجهل البروليتاريا أو نصف جهلها السياسي الناجم عن الحرب، هي التي خلَّفت الشرط الثاني لسيطرة الأحزاب التوفيقية مؤقتًا.

إن الثورة تعلِّم الناس بسرعة. وهنا تكمن قوتها.. وكان كل أسبوع يحمل معه للجماهير شيئًا جديدًا. وقد يصنع شهران عهدًا من العهود. ففي نهاية فبراير (شباط) كانت الانتفاضة. وفي نهاية إبريل (نيسان) وقعت مظاهرة العمال والجنود المسلحين في بتروغراد. وفي بداية يوليو (تموز) وقعت مظاهرات جديدة باتساع أكبر وشعارات أشد تصميمًا. وفي نهاية أغسطس (آب) دمرت الجماهير محاولة كورنيلوف الانقلابية. وفي نهاية أكتوبر (تشرين الأول) استولى البلاشفة على السلطة. وفي هذا الإيقاع لأحداث وقعت بانتظام مدهش كانت تتم تطورات جزئية عميقة ترص العناصر غير المتجانسة للطبقة العمالية في كل سياسي واحد. ولعب الاضطراب هنا أيضًا دورًا حاسمًا.

وذهل الصناعيون، الذين أرهبتهم المصيبة الفجائية للثورة التي أخذت تجردهم من أرباح الحرب الجنونية، فقدموا منذ الأسابيع الأولى، تنازلات للعمال. وقبِل أصحاب مصانع بتروغراد، مع بعض التحفظات والقيود، تحديد يوم العمل بثماني ساعات. ولكن هذا التنازل لم يشع الهدوء؛ نظرًا لأن مستوى شروط الحياة كان ينخفض باستمرار. وفي مايو (أيار) اضطرت اللجنة التنفيذية إلى الاعتراف بأن وضع العمال “منخفض إلى حدود العوز المزمن بالنسبة لعدد كبير من الجماعات نظرًا لزيادة أعباء الحياة”. وفي الأحياء العمالية بدأ الناس يتسمون بالعصبية، وأصبحت أفكارهم متوترة جدًا. وكان الافتقار إلى أبعاد جديدة وآمال جديدة هو الذي يثقل على النفوس بصورة أكبر. وكانت الجماهير قادرة على تحمل أقسى أنواع الحرمان وأشقها عندما تُفُهِّم سبب ذلك الحرمان. ولكن النظام الجديد بدأ ينكشف أمامها ليظهر على حقيقته للعلاقات الاجتماعية القديمة التي انتفضت ضدها في فبراير (شباط). وهي لا تستطيع أن تتسامح في هذا أبدًا.

واتخذت الإضرابات طابعًا عنيفًا في أكثر الشرائح العمالية تخلفًا وتعرضًا للاستغلال. وأضربت الغسالات، وعمال المصابغ، وصُناع البراميل، ومستخدمو التجارة والصناعة، وعمال البناء، وعمال البرونز، والدهانون، وعمال البناء المعاونون، والمصورون، والحذاءون وصُناع الأغطية الكرتونية، والجزارون، والنجارون، أضرب كل هؤلاء بالتتابع، طيلة شهر يونيو (حزيران). وبدأ عمال المصانع، على عكس العمال الأخرين يلعبون دورًا معدلاً. واتضح للعمال المتقدمين أن الإضرابات الاقتصادية الجزئية، في شروط الحرب والفوضى والتضخم، لا يمكن أن تحمل معها تحسينات جدية، وأن من الضروري تعديل الأسس ذاتها بطريقة من الطرق. ولم يفتح إغلاق المصانع أذهان العمال إلى المطالبة بالإشراف على الصناعة فحسب، بل دفعهم إلى فكرة ضرورة وضع المصانع تحت تصرف الدولة. وكان هذا الاستنتاج يبدو طبيعيًّا جدًا؛ نظرًا لأن معظم المصانع الخاصة كانت تعمل من أجل الحرب وأن هناك إلى جانبها مؤسسات حكومية من النموذج ذاته. ومنذ صيف عام 1917، وصلت إلى العاصمة وفود العمال والمستخدمين التي توافدت من الأنحاء المختلفة لروسيا، تطالب بوضع المصانع تحت تصرف الخزينة، نظرًا لأن المساهمين قد توقفوا عن الدفع. وأصمَّت الحكومة أذنيها كيلا تسمع بهذا. وكان من الواجب تبديل الحكومة بالتالي. غير أن التوفيقيين كانوا يعارضون تبديلها. فغيَّر العمال جبهة نضالهم لمواجهة التوفيقيين أنفسهم.

وبدا مصنع بوتيلوف، الذي يضم 40.000 عامل وكأنه قلعة الاشتراكيين – الثوريين في الأشهر الأولى للثورة. ولكن عناصر هذا المصنع لم تقاوم البلاشفة فترة طويلة. وكان بوسعنا أن نرى على رأس المهاجمين في غالب الأحيان فولودارسكي وهو خياط يهودي، عاش سنوات في أمريكا، ويتكلم اللغة الإنكليزية بطلاقة. وكان فولودارسكي خطيبًا جماهيريًّا من الطراز الأول، منطقيًّا، ومبدعًا وجريئًا. وكانت اللهجة الأمريكية تعطي لصوته الجهوري تعبيرًا خاصًا. وكان هذا الصوت يدوي بوضوح في اجتماعات تضم الألوف من الرجال. وقد حكي العامل مينيتشيف: “منذ اللحظة التي ظهر فيها فولودارسكي في دائرة نارفا، في مصنع بوتيلوف، بدأت الأرض تهتز تحت أقدام السادة من الاشتراكيين – الثوريين، وفي خلال شهرين، تبع عمال بوتيلوف البلاشفة”.

وازدادت حدة الإضرابات، كما ازدادت حدة الصراع الطبقي بسبب نفوذ البلاشفة بصورة شبه آلية. وكلما كان الموقف متعلقًا بمصالح العمال الحيوية، كان العمال يفهمون أن البلاشفة لا يملكون فكرة مسبقة يتسترون عليها، وأنهم واضحون لا يخفون شيئًا من أهدافهم. وإن بالإمكان الاعتماد عليهم. وفي ساعات النزاع، كان العمال المستقلون والاشتراكيون – الثوريون، والمناشفة يتجهون نحو البلاشفة. وهذا يفسر واقعة انتقال لجان المصانع والمعامل إلى البلاشفة، هذه اللجان التي كانت تقود الكفاح من أجل بقاء مؤسساتها ضد تخريب الإدارة والملاكين قبل انتقال مجلس السوفييت إلى البلاشفة بوقت كبير. وفي مؤتمر لجان المصانع والمعامل في بتروغراد وضاحيتها الذي انعقد في يونيو (حزيران) أيَّد 335 صوتًا من أصل 421 صوتًا قرار البلاشفة. وقد مرَّ هذا الحادث دون أن تتعرض له الصحافة الكبرى بكلمة واحدة. ومع ذلك كان هذا الحادث يعني أن بروليتاريا بتروغراد، التي لم يُتح لها الوقت الكافي من قبل لكي تقطع صلتها بالتوفيقيين، قد انحازت بصورة فعلية إلى جانب البلاشفة في المسائل الأساسية التي تمس الحياة الاقتصادية.

وفي مؤتمر النقابات الذي انعقد في يونيو (حزيران) وجد في بتروغراد أكثر من خمسين نقابة، لا يقل عدد أعضائها عن 250.000 عضوًا. وكانت نقابة عمال المعادن تضم حوالي 100.000 عامل. وتضاعف عدد أعضائها خلال شهر مايو (أيار) وحده. وكان نفوذ البلاشفة في النقابات يزداد بسرعة أكبر أيضًا.

وانتصر البلاشفة في كل الانتخابات الجزئية التي تمت في مجالس السوفييتات. وفي الأول من يونيو (حزيران) كان عدد البلاشفة في سوفييت موسكو 206 عضوًا مقابل 172 عضوًا منشفيًّا و110 عضوًا اشتراكيًّا – ثوريًّا. وحدثت التحولات ذاتها في المناطق، مع أنها تمت بصورة أبطأ. وكان عدد أعضاء الحزب يزيد بصورة مستمرة. وفي نهاية أبريل (نيسان) كان التنظيم البلشفي في بتروغراد يضم حوالي 15.000 عضوًا. وفي نهاية يونيو (حزيران) أصبح هذا العدد أكثر من 32.000.

وكان البلاشفة يملكون في هذا الوقت أكثرية في الفرع العمالي لسوفييت بتروغراد. ولكنهم كانوا يضيعون في الجلسات التي يجتمع فيها الفرعان (العمال والجنود) ويُسحقون تحت وطأة مندوبي الجنود. وكانت صحيفة البرافدا تطالب بإلحاح متزايد بإجراء انتخابات جديدة: “وإن 500.000 عامل في بتروغراد ممثلون في مجلس السوفييت بعدد من المندوبين يقل بأربع مرات عن عدد مندوبي رجال الحامية الذين لا يتجاوز عددهم 15.000 رجل”.

وطالب لينين في مؤتمر السوفييتات الذي انعقد في يونيو (حزيران) باتخاذ تدابير لمقاومة عمليات إغلاق المصانع، والنهب، وتقويض الحياة الاقتصادية، هذه العمليات التي ينظمها الصناعيون وأصحاب المصارف. وقال لينين في هذا المؤتمر: “اكشفوا أرباح هؤلاء الأسياد الرأسماليين، واعتقلوا خمسين أو مائة من أكبر أصحاب الملايين. ويكفي سجنهم خلال عدة أسابيع، وطبقوا عليهم إذا اقتضى الأمر نظامًا يتسم بالرأفة كالنظام المطبق على نيقولا رومانوف، بهدف إكراههم على كشف محاولات الاحتيال، والمكائد، والسفالات والعقلية التجارية الجشعة التي تكلف بلادنا الملايين. حتى في ظل الحكومة الجديدة”. وكان زعماء السوفييت يعتبرون اقتراح لينين شنيعًا إلى أبعد الحدود. وكانوا يعلقون عليه بما يلي: “هل من الممكن تعديل قوانين الحياة الاقتصادية، بممارسة أعمال العنف ضد هؤلاء أو أولئك من الرأسماليين”؟ وكان إملاء القوانين من قبل الصناعيين ولحسابهم مع التآمر على الأمة مقبولاً وكأنه من طبيعة الأمور. وصب كرنسكي جام غضبه على لينين. ثم لم يتردد بعد شهر واحد عن اعتقال عدة ألوف من العمال غير المتفقين مع الصناعيين حول اتجاه “قوانين الحياة الاقتصادية”.

وانكشفت العلاقة بين رجال السياسة ورجال الاقتصاد. وأخذت الدولة التي اعتادت العمل بصوفية تحاول التصرف بأسلوب آخر، يعتمد في غالب الأحيان على أكثر الأشكال بدائية، أي على قوة المفارز المسلحة. وأخذ العمال في أنحاء متفرقة من البلاد يسوقون بالقوة إلى مجلس السوفييت أو يحبسون لديه رب العمل الذي كان يرفض إجراء تنازلات أو الدخول بمفاوضات معهم. وليس من المدهش أن تصبح الميليشيا العمالية هدف نفور خاص من جانب الطبقات المالكة.

ولم ينفذ قرار اللجنة التنفيذية، الذي نصَّ بصورة أولية على تسليح 10٪ من العمال. ولكن العمال نجحوا جزئيًّا في الحصول على السلاح، ودخلت العناصر النشيطة منهم في صفوف المليشيا. وتركزت قيادة المليشيا العمالية بين يدي لجان المصنع، وأخذت قيادة لجان المصنع تنتقل إلى أيدي البلاشفة. وقد روى أحد عمال مصنع بوستافشتشيك في موسكو ما يلي: “في الأول من يونيو (حزيران) عندما انتخبت لجنة المصنع الجديدة، المؤلفة بأكثريتها من البلاشفة، شكلت مفرزة مؤلفة من 80 عاملاً، قامت بالتمارين بالعصي تحت قيادة جندي قديم هو الرفيق ليفاكوف، نظرًا لافتقارنا إلى السلاح”.

وكانت الصحافة تتهم المليشيا بارتكاب أعمال العنف، والمصادرات والاعتقالات التعسفية. ومما لا شك فيه أن المليشيا كانت تستخدم العنف؛ فلقد خلقت من أجل هذا. وكانت جريمتها تتمثل باستخدام العنف مع ممثلي الطبقة التي لم تعتد على معاناته ولا تريد أن تعتاد عليه.

وبتاريخ 23 يونيو “حزيران” عقد مؤتمر عمالي في مصنع بوتيلوف القائم بدور قيادي في الكفاح من أجل رفع الأجور، وشارك في المؤتمر ممثلو السوفييت المركزي لنقابات المعامل والمصانع، والمكتب المركزي للنقابات و73 مصنعًا. وأقر المؤتمر بتأثير من البلاشفة أن إضراب المصنع في الشروط الحالية قد يؤدي إلى “معركة سياسية غير منظمة لعمال بتروغراد”.. وبناء على هذا اقترح عمال بوتيلوف “كظم سخطهم الشرعي” وإعداد قواهم للقيام بعمل عام.

وفي أمسية انعقاد هذا المؤتمر الهام، قدمت مفرزة البلاشفة إلى اللجنة التنفيذية الإنذار التالي: “إن بوسع كتلة مؤلفة من 40.000 شخص… من يوم إلى آخر، أن تقوم بالإضراب، وأن تنزل إلى الشارع. وربما تكون قد تحركت إذا لم يكن حزبنا قد منعها، ولكن لا شيء يضمن نجاحنا أيضًا في منعها. إلا أنَّ تحرك عمال بوتيلوف -وليس هناك أدنى شك في هذه النقطة- سيثير تدخل أكثرية العمال والجنود حتمًا”.

وكان زعماء اللجنة التنفيذية يرون في مثل هذه الإنذارات نوعًا من الديماغوجية، أو يكتفون بإغلاق آذانهم، والمحافظة على هدوئهم، وقد انقطعوا هم أنفسهم عن ارتياد المصانع والثكنات، بعد أن أصبحوا شخصيات ممقوتة من العمال والجنود. وكان البلاشفة وحدهم يتمتعون بسلطة تسمح لهم بالحيلولة دون قيام العمال والجنود بعمل مشتت. ولكن نفاد صبر الجماهير أخذ ينقلب في بعض الأحيان ضد البلاشفة أيضًا.

وظهر الفوضويون في المصانع والأسطول. وأظهروا عدم تماسكهم العضوي كما يحدث دائمًا إبان الأحداث الكبرى، وبوجود الجماهير الكبيرة. وكان إنكارهم لسلطة الدولة ورفضهم لها يزداد بمقدار ما يقل فهمهم لأهمية مجلس السوفييت كجهاز للدولة الجديدة. ولكنهم كانوا يلزمون الهدوء عند التعرض لمسألة الدولة لأن الثورة قد أذهلتهم. وكانوا يظهرون استقلالهم الذاتي في ميدان الانقلابية الوضيع أساسًا. وخلق الاختناق الاقتصادي والسخط المتزايد لعمال بتروغراد بعض مواقع استناد للفوضويين. ونظرًا لأنهم عاجزون عن حساب ميزان القوى على كل المستوى الوطني بصورة جدية، ولأنهم مستعدون لاعتبار كل زخم من الأدنى كضربة خلاص أخيرة، نظرًا لكل هذا كان الفوضويون يتهمون البلاشفة أحيانًا بالجبن وبالنزعة إلى التوفيق والمصالحة أيضًا. وكانوا يكتفون عادة بالتذمر. وكان رد فعل الجماهير تجاه مظاهرات الفوضويين تسمح للبلاشفة أحيانًا بقياس درجة ضغط البخار الثوري.

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 1