الطبيعة “السلمية” لاستعادة الرأسمالية.. جـ 9

0
182

 

يقول تروتسكي: في كثير من الحالات كان يستحيل الانتقال من دولة العمال (رغم بيروقراطيتها) إلى دولة رأسمالية دون ثورة مضادة دامية.

رأي تروتسكي يجعل من النقاش حول السمة الطبقية للدولة الروسية أكثر وضوحا.

بالنسبة للبعض تبين الوقائع أنه لم يكن هنالك دولة عمال من قبل (خطأ تروتسكي قد يكمن في قول العكس) لأنه كان من السهل نسبيا استعادة الرأسمالية بالنسبة للإمريالية دون الحاجة إلى اللجوء لعنف الثورة المضادة. وبالنسبة لآخرين كان تروتسكي محقا في قوله إنه كان هنالك دولة عمال، وبأنه لا يمكن القضاء عليها إلا عبر ثورة مضادة دموية. يمكن لهذا أن يكون دليلا على بقائها دولة عمال، لأنا لم نشهد ثورة مضادة دامية.

إننا لا نتفق مع أي من هذين الطرحين. نعتقد أن تروتسكي كان محقا عندما قال إنه كان هناك دولة عمال سابقا، وكان محقا أيضا في قولة إنه فقط عبر العنف تمكن استعادة الرأسمالية.. وأبعد من هذا نعتقد أن الحقائق أثبتت كلا الأمرين.

سنتناول السمة المميزة للدولة السابقة بشيء من التفصيل. بالنسبة للعنف الضروري لاستعادة الرأسمالية علينا القول إن فهم تروتسكي مرتبط بأسس المنطق الماركسي: الطبقات الاجتماعية تتحرك وفقا لمصالحها، في الصراع الطبقي لا تقدم على الانتحار. التفكير بالانتقال السلمي من الدولة الرأسمالية إلى دولة العمال، وهو ما يمثل خطاب الإصلاحيين، إنكار للماركسية. والشيء ذاته ينطبق على الانتقال من دولة عمال إلى أخرى رأسمالية. سيكون هذا كما يقول تروتسكي “إصلاح بالاتجاه الآخر”.

كما قلنا سابقا، إننا لا نتفق مع كلا الطرحين اللذين استعرضناهما، نعتقد أن مغالطتهما تكمن في محاولة تكييف الواقع الحالي وفقا لنبوءة تروتسكي، وعند العجز عن ذلك سارع البعض إلى التشكيك بالسمة الطبقية للدولة السابقة، فيما شكك البعض الآخر بالواقع الراهن.

في الواقع استعادة الرأسمالية في روسيا لم تتم عبر انقلاب الثورة المضادة كـ “بيونشيه” في التشيلي، أو “فيديلا” في الأرجنتين، أو “سوهارتو” في اندونيسيا. في هذه الحقيقة تكمن مغالطة التفسيرات التي سبق وأن انتقدناها. ليس هذا فحسب، بل إن تلك التفسيرات الخاطئة تتغذى على مغالطة كبرى لتروتسكي.

تروتسكي تنبأ بأن الأوضاع في الاتحاد السوفياتي ستتحدد خلال بضعة سنوات. لا الثورة ستنتصر في إلغاء البيروقراطية واستعادة تقاليد أوكتوبر، ولا الثورة المضادة ستنتصر في استعادة الرأسمالية. بالنسبة له ستتم تسوية الوضع بسرعة خلال الحرب العالمية الثانية، والتي وفقا لرأي تروتسكي ستدوم لفترة أقل من الأولى.

ضمن إطار هذا المنطق فإن استعادة الرأسمالية ستتم فقط عبر انقلاب ثورة مضادة دموية شعواء. الحقائق تبين أن هذا ما تطرحه الأجندات، كاستعادة الرأسمالية عبر غزو جيش هتلر مثلا.

ما الذي سيحدث في حال استعادة الرأسمالية بعد خمسين سنة مضت على ما تنبأ به تروتسكي؟ ما الذي سيحدث في حال نجحت استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي عندما تتمكن قوى الإنتاج من النمو، وعندما تتمكن الستالينية من محو تقاليد أوكتوبر من ذاكرة الجماهير؟

تروتسكي لم يتنبأ بأن هذا سيكون الأرجح، ولكن هذا ما حصل. لذا فإن منطقه الصائب حول العنف واستعادة الرأسمالية ينبغي وضعه في سياق واقعه وليس في سياق ما تنبأ به.

برأينا أن استعادة الرأسمالية في روسيا لم تكن غير سلمية فحسب، بل كانت إحدى أكثر الأحداث دموية في تاريخ البشرية.

لا يمكن النظر إلى استعادة الرأسمالية من خلال الوضع العالمي الراهن فقط، بل كجزء من عملية نضال تاريخية بدأت في اليوم الذي استولت فيه الطبقة العاملة على السلطة. لفهم ما سبق لابد من الإشارة إلى أن استعادة الرأسمالية لا يمكن تصورها كما حدثت في حال وجود حزب البلاشفة. لذا فإن نهاية حزب البلاشفة شرط مسبق لاستعادة الرأسمالية. هذه المهمة لم تتم بطريقة “سلمية”.

جيوش البرجوازية الروسية والإمبريالية بدأت بتدمير حزب الثورة عندما بدأت الحرب الأهلية.

لم يتمكنوا من إنهاء الثورة وحزبها، ولكنهم خلفوا ندوبا عميقة في كليهما.

لا يمكن فهم انتصار الستالينية في الاستيلاء على الدولة دون أن يكون هذا نتيجة للحرب الأهلية.

تقريبا كل الكوادر والقيادات التي بقيت تمت تصفيتها جسديا من قبل ستالين، والقلة التي نجت تم إقصاؤها في ظل تقويض الطبقة العاملة.

عندما فرغ ستالين من المهمة التي بدأتها البرجوازية العالمية، بات هنالك إمكانية لاستعادة الرأسمالية بطريقة أكثر سلمية.

وفي هذا الصدد يقول نويل مورينو (1982) في مدرسة الكادر، على عكس ما قاله الرفيق حول عدم إمكانية عودة البيروقراطية إلى الرأسمالية، أعتقد أن ستالين بإمكانه تحقيق هذا لأنه سحق الطبقة العاملة. لو كان هنالك تعددية لواجه ستالين بالتأكيد مقاومة شديدة من العمال (كاسبي الأجر) وسيكون بأمس الحاجة إلى قمع دموي جديد لاستعادة الرأسمالية. قبل هذه الفرضية لم نكن لنواجه “إصلاح بالاتجاه الآخر” لأن الثورة الدموية المضادة ستكون قد انتصرت مسبقا، ولن تكون هنالك حاجة إلى أخرى.

الأحداث الراهنة (استعادة الرأسمالية في روسيا) هي من ناحية اقتصادية تتويج لعملية دموية على أرضية سياسية. هذا العنف الذي استخدمه ستالين للبقاء في منصبه (دون هذا لا يمكن فهم الاستعادة الحالية للرأسمالية) تمت ممارسته لعقود، ليس فقط في الاتحاد السوفياتي، بل أيضا في دول العمال الجديدة التي هيمنت عليها البيروقراطية. ذات العنف تجلى في حرب البوسنة التي اندلعت في منتصف عملية استعادة الرأسمالية كجزء منها.

ولكن إذا كان تروتسكي محقا، كيف يمكن تفسير أن يتوج كل هذا بسلمية؟

قد يبدو الأمر غريبا، ولكن هذا الوضع تكرر عدة مرات عبر التاريخ. ثورة أوكتوبر كانت “سلمية” للغاية لأن الاستيلاء على السلطة تحقق بقليل من سفك الدماء، لدرجة أن البلاشفة أطلقوا سراح كافة وزراء الحكومة السابقة خلال ساعات قليلة.

وكما قلنا سابقا الطبقات لا تقدم على الانتحار، لكن يحدث عادة بسبب الأزمات والارتباك والعجز.. الخ أن لا تناضل جسديا للدفاع عن مصالحها (عندما يتم سلبها) أو أنها تناضل بضعف شديد.

في روسيا 1917 كانت مقاومة البرجوازية ضئيلة للغاية.

البرجوازية الروسية كانت في البداية مرتبكة وشبه مشلولة. ثم مضت في صراعها دفاعا عن مصالحها، ولكن لا بد من القول إن هذا الصراع بدأ بعد أن كانت الطبقة العاملة قد استولت على السلطة.

في روسيا الراهنة جماهير الطبقة العاملة مرتبكة، ولكنها معبأة، فلم تواجه أعداءها بل هللت لهم. هل هذا ما يؤول إليه الوضع عند استتباب تداعيات إنهاء الاقتصاد الوطني المخطط، بكل ما يمكن من قوة على رأس عمال وجماهير الاتحاد السوفياتي السابق والدول الأخرى؟ ألن تكون الجماهير والطبقة العاملة قادرة على النضال بعنف دفاعا عن مصالحها؟ أليست هذه هي الديناميكية الراهنة للصراع الطبقي في روسيا؟ ألا يحدث هذا حاليا في ألبانيا؟.

إذا كان هذا ما يحدث، بصرف النظر عن نتائج هذه النضالات، هل سيكون بإمكاننا الحديث عن استعادة سلمية للرأسمالية؟ لتسليط الضوء على هذه الفرضية سيبدو الأمر بالنسبة لنا أشبه ما يكون بترك حقل الماركسية إلى حقل الانهزامية.

يمكن مراجعة الجزء الثامن من خلال الرابط التالي:

استعادة الرأسمالية في دول العمال السابقة حقيقة.. جـ (8)