بحثا عن كلمة ملائمة

0
114

بقلم الياس خوري

بين جودو وزيرة الثقافة والرياضة في إسرائيل «ميري ريغيف» في أبو ظبي، والجمباز الإسرائيلي في الدوحة، جاءت زيارة بنيامين نتنياهو لسلطنة عُمان لتعلن أن الروح الرياضية العربية وصلت إلى ذروتها. ذكّرنا وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي بأريحية، رياضية-سياسية، بأن إسرائيل دولة موجودة علينا الاعتراف بها، مضيفًا: «بالنسبة للقضية الفلسطينية نحن نعتقد، بل نجزم، أن الوسيط الذي ينبغي أن يلعب دورًا جديدًا هو الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب».

روح رياضية مع إسرائيل ومنشار في يد محمد بن سلمان وأقرانه من المستبدين. فالرياضة في الداخل العربي تختلف عن الرياضة مع دولة إسرائيل. هنا تتخذ الرياضة شكل القتل والتقطيع، وهناك تتخذ الرياضة شكلاً «حضاريًا»، يبدأ بعزف «الهاتيكفاه» وينتهي بالارتماء في أحضان ما يسمى بـ «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي»، حسب عادل الجبير. فقد أعلن وزير الخارجية السعودي أن هذا التحالف يضم الولايات المتحدة، وحلفاء خليجيين، ومصر، والأردن، ونسي أو تناسى إسرائيل التي لن يقوم هذا التحالف من دونها.
لا تستطيع السيدة ريغيف أن تخفي المنشار الذي تحمله خلف روح رياضية مزعومة، فالوزيرة التي تفوقت في عنصريتها على أقرانها تحمل في يدها منشار الرقابة والمنع والقمع، وهو منشار يتصف بعنصريته المفرطة ووقاحته وابتذاله واحتقاره للفلسطينيين.
منشار ريغيف يقطر دمًا بطريقة مواربة، لأن الدم يسيل في فلسطين على يد قوة مختصة هي الجيش والموساد. وبالمناسبة، فقد كان رئيس الموساد الإسرائيلي في عداد الوفد الذي رافق نتنياهو إلى عُمان!
لست في وارد المُفاضلة بين المنشارين، فالمنشاران هما منشار واحد، فما كان للمنشار الإسرائيلي أن يستشرس ويتنمّر لولا المنشار العربي، والعكس صحيح، مع فارق كبير هو أن السيادة في لعبة المنشار هي لإسرائيل بشكل كامل.
إنه زمن رياضة المنشار، وهي رياضة يسيل فيها الدم الحقيقي، وليست الشعوب العربية-وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني-سوى عبيد يساقون إلى حلبة الموت الإسرائيلية-الأمريكية، (التي هي تقليد لحلبات الموت الرومانية)، في مواجهة حيوانات مفترسة، من أجل إمتاع المتفرجين من الملوك والأمراء والسلاطين والمستبدين الصغار.

لا أدري من أين أجد الكلمات التي تعبّر عن هذا المشهد، فنحن ضحايا ومتفرجون في آن معًا. كيف تستطيع الضحية أن تشهد موت المتفرج؟

الوصول إلى كلمات معادلة للمشاعر هي المهمة الأصعب، فالمشاعر تفيض عن الكلمات وتحتاج إلى التشابيه والاستعارات التي يتحايل بها الناس كي يصلوا إلى القدرة على وصف مشاعرهم.
لكنني، والحق يُقال، أجد نفسي عاجزًا عن وصف مشاعري في زمن المنشار العربي-الإسرائيلي، لأن كلمات كالغضب والاشمئزاز والاحتقار والألم والهوان والذلّ والغثيان والتعهّر والضِعة يحجبها ستار اللامعنى أمام هذا السيل الجارف من الأكاذيب والبلطجة المنتشرة، التي جعلت من دونالد ترامب، الذي يعلن كل يوم أن القدس إسرائيلية وأن لا وجود للاجئين، هو حامي العرب. وكرّست سفاحي دولة الاحتلال الإسرائيلي وسطاء بين عرب النفط والخوف وبين الولايات المتحدة التي يحكمها عنصري أبيض.
هذه الكلمات أضاعت دلالاتها، انتهى العجب الذي كان سيف صلاح جاهين في رباعياته، لم نعد نتعجب من شيء بعدما غطانا الدم.
نحن في مواجهة مجرم يرى جريمته بطولة، وتافه يعتبر تفاهته فِطنة، ولص يجاهر بسرقاته. فكيف تصف؟ ومن أين تأتي بالاستعارات والتشابيه الملائمة؟
في مرحلة ماضية كان الصراع يدور حول القيم، كان يكفي أن يوصف شخص بالعنصرية كي يلجأ إلى كل الحجج من أجل أن ينفي التهمة عن نفسه، لكننا اليوم في زمن تقوده عنصرية الرجل الأبيض الأمريكي التي تتباهى بعنصريتها، وفي لحظة عربية ينتقم فيها المستبدون والسفهاء من قيم الحرية والعدالة، فكيف نحكي؟
لم يعد مجديًا اتهام الخونة بالخيانة، والطائفيين بالطائفية، فهم يعلنون وبافتخار وعنجهية مواقفهم، وهم قادرون على ذلك، لأنهم يدوسون على دماء شعوبهم ويلعبون بجثث ضحاياهم علنًا.
لا، ليست فلسطين هي القضية إلا لأنها تلخص قضية الإنسان العربي الذي صار مواطنًا بلا وطن. وما هذا التهافت أمام الصلف الإسرائيلي إلا لتأكيد هذا الواقع ودعمه بمستلزمات البقاء. في الماضي كان مبرر ادعاء العداء لإسرائيل وسيلة لاكتساب شرعية داخلية بهدف إبقاء السلطة في أيدي المتسلطين، أما اليوم فلقد تغيّرت الأحوال. انتهت الشرعية الداخلية، وصارت شرعية كل أنظمة المشرق العربي مستمدة من الخارج. فهذا المشرق محتلّ، لقد عاد الاستعمار بأشكال متعددة، وعلى رأسها الاحتلال العسكري، من الخليج إلى سورية، مرورًا بالعراق، وصار الحكام مجرد دمى. لذا يتخذ هذا الانبطاح الرياضي والسياسي أمام إسرائيل وأمريكا هذا الشكل الفاقع.

غير أن المشكلة ليست لغوية، صحيح أن الكلمات التي اقترحتها، والتي قد يضُاف إليها قاموس كامل، لم تعد تعبّر، ولكن سبب ذلك ليس خللاً تعاني منه اللغة العربية، بل يجب أن نبحث عن ذلك الخلل في مكان آخر.
لعل مصدر الخلل الأكبر هو نجاح الدم في طمس الكلمات، لقد انتصر الدم على الحبر في حواضر المشرق العربي، في بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد. لقد طمس الطغاة الكبار في القاهرة ودمشق وبغداد الحبر بالدم، كما طمس الطغاة الصغار من زعماء الطوائف هذا الحبر في بيروت، ومع الاحتلالات انتقل ثقل المشرق العربي إلى الخليج، هناك حيث يحاول مزيج الدم والنفط محو الكلمات.
ممحاة هائلة أوصلتنا إلى زمن المنشار الذي يمسك الإسرائيلي والأمريكي بمقبضه الأول ويمسك المستبد العربي بمقبضه الثاني.
منشار هائل هدفه تحويل بلادنا إلى ركام.
إنهم يعتقدون أنهم قادرون على تمزيق الكلمات كما يمزقون أشلاء ضحاياهم، لكنهم ينسون ويريدوننا أن ننسى أن الكلمات تستطيع أن تنهض من ركامها وتستعيد معانيها، وأن الدم الذي يريدون به محو الكلمات مؤهل لأن يصنع كلمات جديدة قد تنام الآن تحت وطأة الخوف، لكنها لا تموت.

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”