نصر أم هزيمة؟.. جـ 10

0
216

 

أحد أبرز الجدالات حول أوروبا الشرقية هي ما إذا كنا أمام انتصار أم هزيمة.

بروز هذا النقاش أمر منطقي، لأن الحقائق متناقضة على أرض الواقع، فمن جهة منيت الأجهزة الستالينية بهزيمة كبرى، ولكن من جهة أخرى تمت استعادة الرأسمالية. ورغم أن هذا المسار العالمي أثر على كافة الدول، إلا أنه من الضرورة إبراز الفروقات.

إحداها في الصين، حيث انتهت التعبئة ضد البيروقراطية بحمام دم، والأخرى في روسيا، إذ أن التعبئة أدت إلى إسقاط النظام. وبالنظر إلى تلك الدولة، هنالك مسألة لا بد من أخذها بعين الاعتبار، فخسارة دولة العمال، على بيروقراطيتها، تعني خسارة إنجاز تاريخي لعمال العالم، ولكن من الخطأ تماما القول بأن سبب ذالك هو معاناة العمال إثر هزيمة تاريخية، أو حتى استنتاج أن الهزيمة كانت هي العنصر المهيمن على المسار الذي شهده الاتحاد السوفياتي السابق.

ومن الخطأ أيضا ربط انتصارات أو هزائم طبقة ما بخسارة أو تحقيق الإنجازات فحسب. حول هذه القضية أو غيرها لا يوجد في الماركسية ما هو أهم من الصراع الطبقي. وبتحليل الصراع الطبقي في الاتحاد السوفياتي السابق نعتقد أنه لم تكن هنالك هزيمة للعمال الروس، رغم خسارتهم لدولة العمال، على تحللها المستمر وغرابتها.

تحليل الصراع الطبقي يبين أن العمال الروس عانوا هزيمة تاريخية في العشرينيات (تبلورت في الثلاثينيات، ولم يتعافوا منها بعد)، هذه الهزيمة تتمثل في فرض البيروقراطية على دولة العمال وحزب البلاشفة.

وهذه الهزيمة هي ما مهد لاستعادة الرأسمالية في السنوات الأخيرة.

الطبقة العاملة في الاتحاد السوفياتي السابق لم تتوقف عن النضال أو المطالبة بحقوقها، بفاعلية أحيانا، وأحيانا عبر مقاومة غير فاعلة، لكنها لم تتمكن من وقف عملية التحلل المتسارعة، بما فيها المسار الموضوعي الداعم لاستعادة الرأسمالية في تلك الدول.

في السنوات الأخيرة كانت لهذه النضالات قفزة نوعية، حيث بدأ حراك العمال الروس. كانت هناك نضالات من أجل قضايا اقتصادية، مرتبطة بمطالب وطنية ديمقراطية، أدت إلى إسقاط أجهزة الدولة، والقضاء على نظام الحزب الواحد.

الطبقة العاملة الروسية تحركت بذاتها، ولهذه الحقيقة أبعادها التاريخية، بل إنها هزمت الأجهزة الستالينية، ولكن تلك التعبئة البطولية لم تقد إلى كبح جماح مخططات الحزب الشيوعي الداعمة لاستعادة الرأسمالية.

غير أن أهم ما في هذه العملية، مرة أخرى، هو حراك الطبقة العاملة، وهو ما أتاح لها التقدم حتى وإن كان ببطء. تحليل الصراع الطبقي يبين لنا على نحو متناقض أن الطبقة العاملة تعيش، رغم خسارة إنجازاتها، مرحلة تراكم قوتها سواء في تعبئتها ووعيها، أو على مستوى أقل، بوحدتها وتنظيمها السياسي.

عمال الاتحاد السوفياتي السابق، خاصة في روسيا وغالبية الدول الشرقية، لم يهزموا، بل حققوا انتصارا مذهلا، فقد هزموا أكثر الأنظمة الدموية الدكتاتورية في القرن العشرين بعد النازية. العقبة الرئيسية أمام العمال تمثلت في الحاجة لبناء القيادة الثورية والمضي عالميا في الثورة الاشتراكية.

النقاش حول انتصار أو هزيمة الطبقة العاملة مسألة حاسمة، ليس فقط لفهم الماضي، بل للتنبؤ بالمستقبل. إذا كانت الطبقة العاملة قد عانت هزيمة تاريخية، فلن يكون هنالك أي احتمال لمواجهة كبرى في المرحلة القادمة. وعلى العكس، إذا انتصرت الطبقة العاملة في نضالها، فستكون هناك عدة احتمالات، على المدى القصير أو المتوسط، لأن نشهد مواجهة كبرى. وهذا ليس مجرد أمر متوقع فحسب، بل هو ما يحدث الآن، كالانتصار العسكري للشعب الشيشاني، والانتفاضة الأخيرة في ألبانيا.. تلك حقائق لم تكن متوقعة قبل بضعة سنوات.

يمكن مراجعة الجزء التاسع من خلال الرابط التالي:

الطبيعة “السلمية” لاستعادة الرأسمالية.. جـ 9