تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 4

0
228

وقرر الزعماء الكبار الإفادة من الفرصة السانحة لإعطاء رجال كرونشتادت درسًا، وإجبارهم في الوقت ذاته على التكفير عن الأخطاء التي ارتكبوها سابقًا. وكان تسيريتلي هو المدعي العام بالطبع. وجُرِّم جنود كرونشتادت لأنهم حبسوا في أبراج القلعة ثمانين ضابطًا بعد أن أشار بعبارات مثيرة للمشاعر والعواطف إلى سجون كرونشتادت. ودعمته كل الصحافة المفكرة. ومع ذلك اضطرت الصحف التوفيقية، أي الصحف الوزارية إلى الاعتراف بأن الموقوفين “لصوص حقيقيون اعتدوا على أموال الخزينة، وأنهم “أناس مارسوا حق العنف إلى درجة مخيفة”… وتقول صحيفة الأزفستيا، وصحيفة تسيريتلي غير الرسمية: “أدلى الشهود بإفاداتهم حول موضوع سحق انتفاضة عام 1906 (الذي قام به الضباط المعتقلون الآن)، كما أدلوا بإفاداتهم حول موضوع إطلاق النيران بالجملة، والمراكب المملوءة بجثث المعرضين للتعذيب، تلك الجثث التي كانت تُلقى في البحر، وعن كثير من الأعمال الشنيعة الأخرى… وكان الشهود يرون كل هذا ببساطة تامة وكأنها أمور عادية”.

وكان رجال كرونشتادت يرفضون بإصرار تسليم الموقوفين لديهم إلى الحكومة التي كان الجلادون، ووكلاء الخزينة من الطبقة النبيلة الذين سرقوا أموال الدولة أقرب إليها بكثير من البحارة الذين نفذ فيهم حكم الإعدام في عام 1906 وفي عدة مناسبات أخرى. ولم يكن من قبيل المصادفات أن وزير العدل بيريفير سيف، الذي قال عنه سوخانوف بتسامح “إنه واحد من الشخصيات الجبانة في حكومة الائتلاف”. وقد عمد إلى إطلاق سراح أسفل ممثلي الدرك القيصري من قلعة بطرس وبولص. وكان حديثو النعمة بالديمقراطية يسعون قبل كل شيء للبرهان على شهامتهم أمام البيروقراطية الرجعية.

ورد رجال كرونشتادت في منشورهم على اتهامات تسيريتلي بما يلي: “إن الضباط، ورجال الدرك، والشرطة الذين اعتقلناهم خلال الأيام الثورية صرحوا بأنفسهم لممثلي الحكومة بأنهم لا يشتكون من معاملة مراقبي السجون. حقًا أن أبنية سجن كرونشتادت مخيفة وفظيعة. ولكن هذه الأبنية التي بنتها القيصرية لتحبسنا فيها. ونحن لا نملك أبنية أخرى. وإذا تحفظنا فيها على أعداء الشعب، فإن ذلك لا يتم بدافع الثأر وإنما بدافع حماية الثورة”.

وبتاريخ 27 مايو (آيار) حوكم جنود كرونشتادت من قبل سوفييت بتروغراد. وأنذَر تروتسكي الذي تولى الدفاع عنهم، تسيريتلي قائلاً له إنه في حالة الخطر، أي: “إذا حاول جنرال مضاد للثورة وضع الحبل على عنق الثورة، فإن أعضاء حزب الكاديت سيغسلون هذا الحبل بالصابون، وعندئذ سيأتي رجال كرونشتادت ليكافحوا وليموتوا معنا”. وقد تأكد هذا الإنذار بعد ثلاثة أشهر بدقة غير متوقعة؛ فعندما قام الجنرال كورنيلوف بالفتنة وقاد القطعات إلى العاصمة، دعا كرنسكي، وتسيريتلي وسكوبوليف بحارة كرونشتادت للدفاع  عن قصر الشتاء. ولكن ما هذا؟ في يونيو (حزيران) كان حضرات الديموقراطيين يحمون النظام ضد الفوضى، ولم يكن لأي تَسوِيغ أو تنبؤ أثر عليهم. وجعل تسيريتلي مجلس سوفييت بتروغراد يتبنى قرارًا بإعلان سقوط كرونشتادت “الفوضوية” من قائمة الديمقراطية الثورية بأكثرية 580 صوتًا مقابل 162 صوتًا وامتناع 74 عضوًا عن التصويت.

وعندما علم قصر ماري -الذي كان ينتظر على أحر من الجمر- أن مرسوم الحِرْم قد تم التصويت عليه، قطعت الحكومة فورًا الاتصالات الهاتفية الخاصة بين العاصمة والقلعة لمنع قيادة البلاشفة من التأثير على رجال كرونشتادت، وأمرت بإبعاد كل “المراكب – المدارس” من مياه القلعة بصورة فورية. وطالبت مجلس السوفييت “باستسلام غير مشروط”. وهدد مؤتمر مندوبي الفلاحين الذي كان منعقدًا في هذه الأيام “برفض إعطاء كل المواد الاستهلاكية لجنود كرونشتادت”. وكانت الرجعية الواقفة خلف ظهر التوفيقيين تفتش عن خاتمة نهائية، ودموية إذا أمكن.

وقد كتب أيوغوف أحد المؤرخين الشبان ما يلي: “سيكون لعمل سوفييت كرونشتادت الطائش آثار غير مرغوبة. وكان من الواجب إيجاد وسيلة ملائمة للخروج من الوضع الناشئ. ولهذا الهدف بالضبط ذهب تروتسكي إلى كرونشتادت. وتكلم في مجلس السوفييت، وكتب بيانًا تبناه السوفييت، ثم صدق بالإجماع فيما بعد بجهود تروتسكي في اجتماع تم في ساحة المرساة” واحتفظ رجال كرونشتادت بموقفهم المبدئي، إلا أنهم قدموا تنازلات عملية.

وأثارت تسوية النزاع بصورة ودية سخط الصحافة البرجوازية إلى حد كبير، وأخذت تكتب ما يلي: الفوضى تسود في القلعة، ويقومون فيها بطبع عملات ورقية خاصة، ونُشرت للعملات الورقية صور وهمية طبق الأصل في الصحف، كما أنهم ينهبون أموال الدولة، وأصبحت النساء مشاعًا، ويقوم البحارة بقطع الطرق والانهماك في السكر. وكان البحارة المعتزون بتوطيد نظام قاس في ربوعهم، يشدون على قبضات بعضهم بعضًا عند قراءة الصحف التي كانت تنشر أخبارًا ملفقة عنهم في كل أنحاء روسيا، وتوزع منها ملايين النسخ.

وبعد أن حصلت سلطات بيرفيرسيف القضائية على تسليم ضباط كرونشتادت أخذت تطلق سراحهم الواحد بعد الآخر. وكان من المفيد إلى حد كبير لو استطعنا أن نسجل عدد الذين شاركوا في الحرب الأهلية ممن أطلق سراحهم، وكم أعدم من البحارة والجنود والعمال والفلاحين رميًا بالرصاص أو شنقًا بأيديهم. ولكننا لا نملك لسوء الحظ، إمكانية إجراء هذه الحسابات المليئة بالتعليم والدروس.

وقد تم إنقاذ سلطة الحكومة. ولكن البحارة حصلوا أيضًا على ترضية للإهانات التي تعرضوا إليها. وبدأت تصل من كل أنحاء البلاد قرارات تهنئ كرونشتادت الحمراء، وكانت تصدر عن مختلف السوفييتات اليسارية المتطرفة، ومن المصانع، والأفواج، والمؤتمرات. وعبَّر فوج الرشاشات الأول بكامله، عن تقديره واحترامه لرجال كرونشتادت بالمسير في شوارع بتروغراد، وحيَّا “موقفهم الحازم الحذر تجاه الحكومة المؤقتة”.

وكانت كرونشتادت تستعد مع ذلك لثأر أكثر دلالة. وجعلت إهانات الصحافة البرجوازية من قلعة كرونشتادت عاملاً ذا أهمية سياسية عامة. وقد كتب ميليوكوف ما يلي: “بعد أن تخندقت البلشفية في كرونشتادت، ألقت على روسيا شبكة دعائية واسعة، بواسطة محرضين مؤهلين بصورة مناسبة. وأرسل مبعوثو كرونشتادت إلى الجبهة؛ حيث قاموا بتخريب الانضباط، كما أرسلوا إلى المؤخرة وإلى الأرياف؛ حيث كانوا يحرضون على نهب الملكيات. وكان سوفييت كرونشتادت يزود المبعوثين بشهادات خاصة تنص على ما يلي: “إن … مرسل إلى منطقة … لكي يجتمع بلجان الناحية والقسم والقرية، وله حق التصويت، وحق الكلام في الاجتماعات. ويتمتع بحق عقد الاجتماعات، حسب رأيه، في أي مكان”، مع “حق حمل السلاح، والانتقال الحر والمجاني على كل خطوط السكك الحديدية والمراكب”. وبالإضافة إلى هذا، “إن حرمة شخص المُحَرَّض المُعَيَّن مُصانة من قبل سوفييت مدينة كرونشتادت”.

وقد نسي ميليوكوف، بشكواه من العمل التشتيتي لبحارة البلطيق أن يفسر كيف ولماذا؟!، برغم وجود السلطات، والمؤسسات، ووجود صحف تتمتع بقدر كبير من الحكمة، يقوم بحارة منعزلون مسلحون بصك سوفييت كرونشتادت الغريب، بزيارة كل البلاد والتجوال فيها دون أن يصادفوا حواجز أو عقبات. وكان هؤلاء البحارة يجدون في كل مكان المأوى والغطاء، ويقبلون في كل المجالس الشعبية. ويستمع إليهم المواطنون في كل مكان بانتباه، ويضعون بصمات أيديهم الخشنة على الأحداث التاريخية. إن المؤرخ الذي يعمل في خدمة السياسة الليبرالية لا يطرح على نفسه هذا السؤال البسيط. غير أن معجزة كرونشتادت كانت قابلة للتصور لأن البحارة كانوا يعبرون عن مطالب التطور التاريخي بعمق أكبر من عمق الأساتذة الأذكياء. وكان الصك المليء بالأخطاء الإملائية، إذا استخدمنا لغة هيجل، حقيقيًّا لأنه عقلاني، في حين بدت أذكى الخطط الذاتية وأكثرها عبقرية خططًا وهمية، لأنها لم تكن تتضمن منطقًا تاريخيًّا.

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 3