الدولة التي انبثقت عن ثورة أوكتوبر.. جـ (11)

0
324

 

ماركس تنبأ بأن أول ثورة اشتراكية عالمية ستندلع في الدول التي بلغت فيها الرأسمالية أوج تطورها. بالنسبة لة فإن الثورة ستنتصر بداية في فرنسا، ومن ثم ألمانيا، قبل انتقالها إلى إنجلترا. ولكن تسلسل الأحداث لم يوافق تنبؤاته. الثورة الاشتراكية انتصرت بداية في روسيا، إحدى الدول التي كان تطور الرأسمالية فيها متخلفا، وحيث كان الفلاحون، وليس الطبقة العاملة، هم من يشكل غالبية السكان.

وبعكس ما قد يبدو عليه الأمر للوهلة الأولى، فإن هذا لا يدحض الفرضية الماركسية حول اندلاع الثورة عند نضوج الظروف الموضوعية (الاقتصادية). وكما قال تروتسكي: روسيا شقت طريق الثورة البروليتارية ليس لأن اقتصادها كان الأكثر نضوجا للتغيير الاشتراكي، بل لأنها لم تتمكن من التطور أبعد مما بلغته على أسس الرأسمالية. (تروتسكي، 1991، ص 5).

ورغم أن ما سبق ذكره صحيحا، إلا أن هذا الوضع ولد ظروفا جديدة، غير متوقعة ماركسيا على الإطلاق. هذه النهاية وضعت عقبات جديدة أمام التقدم نحو الاشتراكية، لا سيما بعد أن تركت هزيمة الثورة الألمانية والأوروبية دولة العمال الروسية الفتية معزولة.

هذا صعب نظريا ما كان ينبغي أن يكون الأسهل، وهو تحديد السمة الاشتراكية للدولة التي انبثقت عن ثورة أوكتوبر. لينين كان أول من لاحظ ذلك، في تعريفه لدولته بصيغ مختلفة للغاية.. “دولة عمال”، و”دولة عمال بأغلبية من الفلاحين وبتشوهات بيروقراطية”، و”دولة برجوازية دون برجوازية”. من الواضح أن هذه الصيغ متناقضة (خاصة أول صيغتين مقارنة بالثالثة)، ولكن هذا لا يعني أن لينين غير موقفه.

إن هذا يبين تناقضات الدولة الجديدة، واستنادا إلى الزاوية التي ينطلق منها في تحليله قدم تعاريف مختلفة.

لينين وطبيعة الدولة السوفياتية

الطبقة العاملة الروسية استولت على السلطة عبر السوفييتات التي قادها الحزب البلشفي، ومن ثم قامت بتجريد الرأسمالية من أملاكها. وكما يذكر لينين، وفقا لماركس، فإن الدولة هي ترجمة للهيمنة الطبقية. (لينين، الدولة والثورة). في روسيا، بعد أن استولت الطبقة العاملة على السلطة، وجردت البرجوازية من أملاكها، لم يعد هنالك على الإطلاق دولة رأسمالية، بل دولة عمال. كان هذا هو التعريف اللينيني والبلشفي. ولكن السنوات الأولى للثورة شهدت نقاشات هامة حول السمة الطبقية للدولة السوفياتية.

في 1920 كان هناك جدال عنيف داخل الحزب البلشفي حول قضية مرتبطة بشكل وثيق بتلك المسألة: علاقة الاتحادات والطبقة العاملة بدولة العمال.

وفي هذا الصدد قال لينين بإحدى مداخلاته: الرفيق تروتسكي يتحدث عن دولة عمال. عفوا، ولكن هذا تعبير تجريدي. فعلياً دولتنا ليست دولة عمال، بل هي دولة عمال وفلاحين.. هذه  هي دولتنا الراهنة. حتى أن على البروليتاريا المنظمة الدفاع عن ذاتها، وعلينا توظيف هذه المنظمات العمالية للدفاع عن العمال ضد دولتهم، كما عليهم الدفاع عنها.

وبعد عدة أيام قام بتعديل مداخلته جزئيا، حيث قال: “سبق وأن قلت أن دولتنا فعليا ليست دولة عمال، بل دولة عمال وفلاحين.. بعد الاطلاع على الأوضاع أدركت أنني كنت مخطئا.. كان علي أن أقول إن دولة العمال عبارة تجريدية. فعلا لدينا دولة عمال بهذه الخصائص المميزة: 1) الفلاحون يشكلون الغالبية وليس العمال. 2) هي دولة عمال بتشوهات بيروقراطية”. (ذكر هذا في مقال تروتسكي “من الخدش إلى خطر الغرغرينا، دفاعا عن الماركسية، افتتاحية البروبوستا، البرازيل، ص 143_ 44).

كما يمكنك أن ترى، أراد لينين إيضاح أن روسيا كانت دولة عمال، لكن لديها تناقضاتها الخاصة، حتى أنه قال: إن على العمال تنظيم أنفسهم للدفاع عن دولتهم العمالية، ولكن أيضا للدفاع عن ذاتهم في مواجهة “دولتهم”.

لينين و”الدولة البرجوازية دون برجوازية”

أكثر الصيغ تقدما مما استخدمه لينين في محاولة لشرح طبيعة التناقض لدولة العمال هي تلك التي تعرف الدولة بأنها “دولة برجوازية بدون برجوازية”. من الضرورة احتجاز أنفسنا ضمن هذا التصور نظرا لأهميته، وسنتجاوزه في عدة أجزاء من هذا العمل.

كثير من المؤلفين فهموا أن لينين كان يشير بهذا التعريف إلى حالة خاصة لتخلف روسيا، ولكن فعليا لم يكن الأمر كذلك. التصور كان أكثر شمولا. بالنسبة للينين كانت كافة دول العمال في بداياتها، وليس فقط روسيا، “دولا برجوازية دون برجوازية”. حول هذا يقتبس تروتسكي كلمات لينين قائلا: قانون البرجوازية فيما يتعلق بتوزيع مواد الاستهلاك يفترض بالطبع دولة لا يمكنها إلا أن تكون برجوازية. بالنسبة للقانون لا شيء دون أجهزة يمكنه فرض رقابة على أعرافه القانونية.

وتبع هذا أنه في ظل الشيوعية لم يبق قانون البرجوازية لوقت محدد فحسب، بل حتى الدولة بقيت “دولة برجوازية دون برجوازية”. (تروتسكي، 1991، ص 46).

الدولة التي يشير إليها لينين انبثقت عن التناقض الكامن في عدم مقدرة الثورة الاشتراكية على التقدم في البلد الذي قد تنتصر فيه، وأن تكون ثورية كما قد تكون القيادة. التناقض يكمن في عدم مقدرة الدولة، قبل أي شيء، على توفير كل ما يحتاجه الناس، وبكلمات ماركس: “لكل حسب حاجته”. وبعبارة أخرى أن الاحتياجات تتم تلبيتها جزئيا فقط، ما يعني ضمنيا بقاء اللامساواة وبعض الامتيازات. وكذلك الأمر عند القول بإن دولة العمال، على ثوريتها، لم تتوقف عن حماية هذه اللامساواة. وبهذا الصدد يقول تروتسكي: بقدر ما تكون الدولة، التي يفترض بها تولي مهمة التحول الاشتراكي للمجتمع، مرغمة على حماية اللامساواة، المتمثلة بالامتيازات المادية للأقلية، بوسائل قسرية، بقدر ما ستبقى دولة برجوازية، حتى وإن لم تكن هنالك برجوازية. هذه الكلمات لا تتضمن مدحا ولا ذما، إنها مجرد تسمية للأشياء بمسمياتها الحقيقية. (تروتسكي، 1991، ص 46).

الطريقة التي أرغمت عبرها دولة العمال على حماية “اللامساواة” و”امتيازات الأقلية” هي أكثر الطرق المتأصلة في البرجوازية: الأجور. دعنا نطلع مرة أخرى على ما قاله تروتسكي حول هذه المسألة.. في خطواتها الأولى، لم تكن دولة العمال قد تمكنت بعد من إتاحة العمل “لكل حسب طاقته” -أي على قدر إمكانيته ورغبته- ولا أن تكافئ “كلا حسب حاجته”، بصرف النظر عن العمل الذي يقوم به. من أجل زيادة قوى الإنتاج لا بد من اللجوء إلى القواعد التقليدية فيما يتعلق بدفع الأجور. (تروتسكي، 1991، ص 39).

الدولة الاشتراكية حتى وإن كانت في أميركا، على أسس الرأسمالية الأكثر تطورا، لا تستطيع أن تقدم لكل شخص بقدر حاجته، وستكون أيضا مجبرة على دفع كل شخص للإنتاج على قدر المستطاع. ومن الطبيعي أن تتولى الدولة هذا في تلك الظروف، حيث ستكون بدورها مرغمة على اللجوء إلى تغييرات وتسكينات متعددة في أساليب دفع الأجور للعمال. (تروتسكي، 1991، ص 45_46). ورغم أننا سنركز على تلك المسألة في نهاية هذا العمل، إلا أنه لا بد أن نتذكر من الآن الجدل الواسع الذي شهده الماركسيون تاريخيا مع الأناركيين، حول سمة التناقض التي تحتاجها الدولة بالضرورة بعد انتصار الثورة الاشتراكية.

الأناركيون تصرفوا كمن يريد عبور النهر سباحة دون أن يناله البلل، و”تجاوزوا” في رؤوسهم ونصوصهم التناقض الذي لا يمكن تجاوزه على أرض الواقع. بالنسبة لهم بات التناقض بين العمال والطبيعة البرجوازية للدولة يعد هوية، لذا رفضوا أي نمط من أنماط الدولة حتى وإن كانت دولة عمال.

وبعكسهم، واجه الماركسيون الثوريون هذا التناقض، قابلين بالتحدي الصعب لبناء دولة بطبيعة مزدوجة.. “اشتراكية بقدر حمايتها للملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج، وبرجوازية بقدر ما يكون توزيع متطلبات الحياة يتم بمقاييس رأسمالية للقيمة، وكل ما يترتب عن هذا من تداعيات. (تروتسكي، 1991، ص 46).

التعامل مع هذا التناقض لا يعني أن نكون أسرى له، بل على العكس، الماركسيون الثوريون أدركوا أن “الملامح النهائية لدولة العمال تتحدد بتغيير العلاقة بين برجوازيتها وتوجهاتها الاشتراكية”. (تروتسكي، 1991، ص 46). وفي هذا السياق تدخلوا لصالح تطوير الميل الثاني في مواجهة الأول.

يمكن مراجعة الجزء العاشر من خلال الرابط التالي:

 

نصر أم هزيمة؟.. جـ 10