مجموعة العشرين: توطيد «جَبْر الطغيان» المالي

0
431

بقلم صبحي حديدي

إنها أقرب إلى محفل منعزل في حصن منيع، منها إلى قمة كونية تأتلف لمناقشة اقتصاد العالم ومستقبل المال والأعمال والاستثمارات (وهذه هي الأجندة الفعلية)؛ أو أمن العمل والغذاء والبنى التحتية والتعاون الدولي (وهي الأجندة المعلنة). ذلك لأنّ الإجراءات الأمنية التي أعلنتها وزارة الداخلية الأرجنتينية، في مناسبة انعقاد قمة «مجموعة العشرين» في العاصمة بيونس آيريس، توحي بمناخ قلعة موصدة الأبواب: عطلة وطنية إجبارية، وإغلاق لعشرات الطرق والجادات، وتعطيل للمواصلات العامة كافة، وتحويل لحركة الطيران، و25 ألف شرطي في الشوارع، فضلاً عن نصيحة من وزيرة الداخلية باتريسيا بولريتش شخصياً: خير لكم أن تذهبوا في إجازة طويلة خارج العاصمة! كلّ هذا عدا عن إجراءات التأمين الخاصة التي فرضتها سلطات الأمن الأمريكية لحماية سيد البيت الأبيض، القادم صحبة عشر طائرات، تحمل عربات أرضية وحوامات مسلحة؛ فضلاً عن بارجة بحرية، وثلاث طائرات استطلاع من طراز E ـ 3 AWACS، وثلاث طائرات للتزويد بالوقود، ونظام متحرك للطوارئ، و«دعم استخباراتي للإنترنت»…
ولعلّ من الخير للمرء، قبل أن يستعرض الأجندات الرسمية لهذا المحفل الحصين، أن يقرأ ما تقوله «قمّة الشعوب» الموازية، التي تُعقد عادة قبيل افتتاح القمة الرسمية، في المكان ذاته، وتهدف إلى توعية الشعوب حول المضامين الحقيقية لاجتماع 19 زعيماً + الاتحاد الأوروبي، ومؤسسات الرأسمال العالمي الكبرى مثل «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» و«بنك التنمية للبلدان الأمريكية»: مقادير الأذى الكوني التي سوف تلحق بالعمل والغذاء والضمان الاجتماعي والبيئة، مقابل مقادير النفع التي سوف تجنيها الشركات العابرة للقارات والمراكز الإمبريالية الكبرى. «لوغاريتم الاستغلال» هو المبدأ الناظم الخلفي الذي تعتمده قمم مجموعة العشرين في تكريس الطغيان المالي والاقتصادي، وتفضيل شركات الاتصال ومشاريع الاستثمار العملاقة على شروط العيش في الحدود الدنيا، وأمن الغذاء والصحة والتعليم. كذلك تساجل منظمات المجتمع المدني العالمية، المشاركة في «قمة الشعوب» الموازية، بأنّ صفة العشرين ليست سوى أكذوبة مفضوحة تخفي حقيقة هيمنة الرباعي، أمريكا وروسيا والصين وألمانيا، على مقدّرات الكون.
دول «مجموعة العشرين» هي الولايات المتحدة، روسيا، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، كندا، أستراليا، البرازيل، الأرجنتين، المكسيك، الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، أندونيسيا، تركيا، السعودية، وجنوب أفريقيا؛ وتمثّل، كما هو معروف، قرابة ثلثَيْ سكان العالم، وما يزيد عن 75٪ من التجارة الدولية، و85٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وأمّا أعلى طموحاتها، كما أعلنته محافل سابقة في هامبورغ (ألمانيا) وهانغتشو (الصين) وأنطاليا (تركيا) وبريسبان (أستراليا) وسانت بطرسبورغ (روسيا)… فإنه بلوغ معدّل نموّ لا يتجاوز 2٪. ومنذ سنة 1999، حين انطلقت الفكرة من اجتماعات لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، للدول ذات «الاقتصادات المتقدمة والناشئة» كما يقول التوصيف؛ عقدت مجموعة العشرين 12 قمة، كانت الأولى فيها بمثابة ردّ فعل، لتوجيه نداء استغاثة ربما، في أعقاب الأزمة العالمية التي عصفت بالأسواق والبورصات والمصارف. أمّا الإنجاز، في المقابل، فإنه لم يكن مخيباً للآمال، حتى المتواضعة المتدنية منها، فحسب؛ بل كان أشبه بمناسبة سنوية لتطوير المزيد من جَبْر الطغيان الاقتصادي والمالي.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد اضُطرت إلى التراجع عن سياسات الحماية المتغطرسة التي سعت إلى فرضها على قمّة مجموعة العشرين في واشنطن، تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، ثمّ قمّة لندن، في نيسان (أبريل) 2009؛ فإنّ الأسباب العديدة تصدرها تناقض المصالح بين النخب الحاكمة في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك تعزّز مواقع الدول ذات الاقتصادات الناشئة في آسيا وأمريكا اللاتينية، والصين بصفة خاصة. وفي هذا، فإنّ بعض أبرز المفارقات تمثلت في أن تكون الصين، ذات النظام السياسي الشيوعي، رسمياً على الأقلّ، والاقتصاد القائم على مركزية حكومية؛ هي الأشدّ حرصاً على انتشال الاقتصاد الأمريكي من مآزقه، لا لشيء إلا لأنّ الدولار هو العملة التي تغطّي صادرات صينية بالمليارات! لكنّ قمة هامبورغ، السنة الماضية، ستعيد أمريكا إلى المربع الأول، جراء سياسات ترامب في الذهاب أبعد نحو الحماية، وفرض الرسوم الجمركية، وانتهاك تعاقدات واشنطن السابقة بموجب اتفاقيات التجارة الدولية.
والأرجح، في هذا المقام، أنّ المصادفة لم تكن وراء قرار البيت الأبيض اختيار مدينة بتسبورغ، عاصمة صناعة الفولاذ الأمريكية، لاحتضان قمّة مجموعة العشرين، سنة 2009؛ بل توفرت قيمة رمزية مفادها تذكير الضيوف المشاركين بأنّ اليد العليا ما تزال منعقدة للصناعات الأمريكية، الثقيلة الكونية، والعملاقة العابرة للقارّات والأمم. وفي المقابل، لم تكن مفارقة جديدة تماماً أنّ السحر انقلب على الساحر نفسه في ذلك الترميز، حين اتضح سريعاً أنّ اضمحلال موقع بتسبورغ ضمن خريطة الاستثمارات الداخلية ليس سوى التعبير الجلي عن صورة أخرى أعرض واخطر؛ هي اضمحلال الصناعات الأمريكية ذاتها في الخريطة الدولية! تتمة المفارقة أنّ «إطار» العمل، الذي تبنّاه قادة مجموعة العشرين في اجتماع بتسبورغ ذاك، نصّ على إدخال إصلاحات دراماتيكية، اعتبرها البعض «تاريخية»، تخصّ الحياة الداخلية لصندوق النقد الدولي، وليس تعديل سياساته الكونية والوظائف التي قام لأدائها في خدمة التنمية ومساعدة الاقتصادات النامية.
ومنذ 43 سنة، حين دعا الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان إلى أوّل قمّة تجمع الدول المصنّعة الأغنى، كان الهدف أقلّ طموحاً بكثير من سلسلة البنود المتشعبة التي باتت تُوضع على جدول أعمال زعماء العالم المصنّع؛ الآن وقد أراحوا أنفسهم من نخبوية قمم الثماني، فوسّعوا نطاقها العددي والجغرافي إلى العشرين. وفي واقع الأمر بات التشعّب ذاته هو الذي يحوّل هذه القمم إلى جعجعة بلا طحن، وإلى حوار بلا طائل داخل قلاع محصّنة، حيث الآذان صمّاء تماماً عمّا يدور في الشارع من صخب وعنف وتظاهرات واحتجاجات. أخلاقيات هذه القمم لم تتغيّر جوهرياً، أو هي لم تتغيّر إلا بما يناسب واقع الحال في الدول الصناعية ذاتها، وبين بعضها البعض؛ وليس بما يناسب مستجدات العالم الشاسع الواسع، الفقير والمدين والمتخلّف والمريض والجائع.
ولعلّ الجديد الوحيد الجدير بالتخفيف من صفة الرتابة على قمة بيونس آيريس، هو إصرار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على الحضور، معتمداً من جهة أولى على دعم سيده، الرئيس الأمريكي ترامب؛ ومتأكداً، من جهة ثانية، أنّ الإجراءات الأمنية التي اعتمدتها السلطات الأرجنتينية سوف تجنّبه الكثير من عواقب الاحتكاك مع جماهير غاضبة على القمة أصلاً، فكيف بمشارك فيها متهم بإصدار الأوامر لاغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في اسطنبول. لا حظوظ، بالطبع، للدعوى القضائية التي رفعتها منظمة «هيومان رايتس وتش» أمام القضاء الأرجنتيني، لمحاكمة بن سلمان كمجرم حرب في اليمن (500 ألف قتيل، بينهم 58 ألفاً من الأطفال)؛ فثمة الحصانة الدبلوماسية، كما يقول المسؤولون الأرجنتينيون، وثمة ما هو أهمّ منها بالطبع: حصانة المليارات التي يغدقها وليّ العهد ذات اليمين وذات الشمال!
الخلاصة، إذن، وكما يجزم نطاسيو تشخيص المراحل الراهنة من اعتلال النظام الرأسمالي قبل سواهم؛ تنعقد قمم الاقتصادات الكبرى تحت راية إدارة أزمات العالم الاقتصادية وإيجاد حلول تجميلية لها، أو إنقاذية، ولكنها لا تدير سوى بعض أزمات هذه الاقتصادات ذاتها، وبين بعضهم البعض. أو لعلها، أيضاً، تشرع الأبواب أمام اندلاع المزيد من الأزمات، على هذه الجبهة أو تلك، أو على كلّ الجبهات دفعة واحدة؛ بحيث يبدو العالم، في ناظر أولئك العمالقة أوّلاً، بحاجة ماسة إلى مزيد من… توطيد «جَبْر الطغيان»!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”