تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 5

0
174

وكانت المبادرات الثورية للجان المصانع تسبق مبادرات مجالس السوفييتات. وكانت مبادرات الجماهير تسبق مبادرات لجان المصانع. وكان العمال متقدمين على الجنود في مبادرتهم الثورية. وكانت المنطقة متخلفة عن العاصمة إلى حد كبير. تلك كانت الديناميكية الحتمية للتطور الثوري الذي وَلَّد ألوف التناقضات، لكي يتغلب عليها فيما بعد، وهو ماضٍ في مسيرته وليستخف بها وكأن ذلك قد تم بمحض الصدفة ويخلق غيرها حالاً. وكان الحزب متخلفًا عن الديناميكية الثورية، مع أنه تنظيم لا يحق له أن يترك الديناميكية الثورية تسبقه وخاصة في زمن الثورة. ولم ينفصل البلاشفة في المراكز العمالية كايكاتير ينبورغ، وبرم، وطولا، ونيجني نوفوغورود، وسورموفو، وكولومنا، وايوزوفكا، عن المناشفة إلا في نهاية مايو (أيار)، ولم يكن البلاشفة في منتصف يونيو (حزيران) يملكون تنظيمات مستقلة في أوديسا ونيقولاييف، وايليزا فتغراد، وبولتافا وفي أنحاء أخرى من أوكرانيا. ولم ينفصل البلاشفة نهائيًّا عن المناشفة في باكو، وزلاتوست، وبيجتبيسك، وكوستروما إلا في نهاية يونيو (حزيران). وقد تبدو هذه الوقائع مدهشة بالتأكيد، لو أخذنا بعين الاعتبار أن البلاشفة استلموا السلطة بعد أربعة أشهر. فكم كان الحزب خلال الحرب متخلفًا إلى حد كبير عن سياق التطور الجزئي في أوساط الجماهير. وكم كانت قيادة كامنييف – ستالين في مارس (آذار) بعيدة عن المهام التاريخية الكبرى! ومع هذا فقد فوجئ أكثر الأحزاب ثورية، هذا الحزب الذي لم يعرف التاريخ الإنساني حتى يومنا هذا أكثر منه ثورية، وأخذته أحداث الثورة على حين غِرَّة. وكان يتشكل تحت النار، ويضم صفوفه وسط زخم الأحداث. ووجدت الجماهير نفسها، في وقت المنعطف “مائة مرة” إلى يسار حزب أقصى اليسار.

وإذا ما فحصنا التقدم الذي أحرزه نفوذ البلاشفة، والذي تم بقوة تطور تاريخي طبيعي، اكتشفنا تناقضات الحزب وانحرافاته، ومده، وجزره. إن الجماهير كتلة غير متجانسة، ولا تتعلم إضرام نار الثورة إلا عندما تحرق أصابعها فيها، وتتراجع أمامها. وكان بوسع البلاشفة زيادة سرعة سياق وتدريب الجماهير فقط. وكان البلاشفة “يفسرون بصبر” ولم يسء التاريخ في هذه المرة استخدام صبرها.

وبينما كان البلاشفة يستولون على المصانع والمعامل والأفواج بصورة لا يمكن مقاومتها، أعطت الانتخابات لمجالس الدوما الديمقراطية تفوقًا هائلاً ومتزايدًا ظاهريًّا للتوفيقيين. وكان ذلك واحدًا من أشد التناقضات وأكثرها حدة، وأكثرها غموضًا في الثورة. حقًا! كان دوما دائرة فيبورغ، البروليتاري الصِرف، يعتز بأكثريته البلشفية. ولكن كان هذا استثناءً. وقد حصل الاشتراكيون – الثوريون في الانتخابات البلدية بموسكو يونيو (حزيران) على أكثر من 60٪ من الأصوات. وقد أذهلهم هذا الرقم؛ كانوا لا يستطيعون أن يمنعوا أنفسهم من الإحساس بأن نفوذهم يسير بسرعة نحو الانحطاط. وتقدم انتخابات موسكو فائدة غريبة لكي نفهم العلاقات بين التطور الحقيقي للثورة وانعكاساتها في مرايا الديمقراطية. فكانت الشرائح المتقدمة من العمال والجنود تسارع إلى استخلاص أوهام توفيقية لنفسها. وخلال هذا الوقت، كانت الشرائح الواسعة لرجال البؤساء في المدينة تبدأ بالتحرك فقط. وربما كانت الانتخابات الديمقراطية تفتح لهذه الجماهير المبعثرة أول إمكانية، وعلى كل حال، فإنها تتيح لها فرصة من أندر الفرص لإبداء رأيها سياسيًّا.

وبينما كان العامل منشفيًّا بالأمس أو اشتراكيًّا – ثوريًّا أصبح يصوت لحزب البلاشفة، ويقود الجندي خلفه، وكان الحُوذي، والحمَّال، والصبي البواب، والتاجرة، والبائع ومستخدمه، والمدرس، يخرجون من عدمهم السياسي لأول مرة، بعمل يتسم بنفس بطولة إعطاء الصوت للاشتراكيين – الثوريين. وكانت الشرائح البرجوازية الصغيرة تصوت متأخرة لكرنسكي لأنه كان يجسد في نظرهم ثورة فبراير (شباط) التي بدأت تصطدم بهم في هذا اليوم. وكان مجلس دوما موسكو بأكثريته الـ60٪ من الاشتراكيين – الثوريين يشع بآخر ضوء لمشعل يوشك على الانطفاء، وحدث الشيء نفسه لكل أجهزة الإدارة الذاتية للديمقراطية. وما أن ولدت الأجهزة حتى وجدت نفسها مصابة بالعجز بسبب تأخرها. وكان هذا يعني أن سير الثورة يرتبط بالعمال والجنود لا بالغبار البشري الذي أثارته، وأدارته رشاشات الثورة.

هذه هي الجدلية العميقة والبسيطة في الوقت ذاته لليقظة الثورية في أوساط الطبقات المضطهدة. وأن أخطر ضلال لثورة من الثورات هو أن يقوم العداد الآلي للديمقراطية بعملية جمع بسيطة لوقائع الأمس، واليوم، والغد، ويدفع، الديموقراطيين الخالصين إلى التفتيش عن رأس الثورة؛ حيث توجد في الحقيقة مؤخرتها الثقيلة. وكان لينين يعلِّم حزبه على التمييز بين الرأس والمؤخرة.

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 4