تحلل حزب البلاشفة ودولة العمال.. جـ (12)

0
142

 

 

هذا الواقع المتناقض، كانتصار الثورة في بلد بسمات روسية، تجذر نتيجة سير الأحداث العالمية.

هزيمة الثورة الألمانية في العام 1923 تركت الدولة السوفياتية الفتية معزولة. وبذلك لم يعد بمقدور بروليتاريا العالم الأكثر تقدمية مساندة البروليتاريا الروسية، التي استولت على السلطة في بلد غالبية سكانه من الفلاحين. وكما يقول تروتسكي: أزمة ما بعد الحرب الثورية لم تقد، رغم كل شيء، إلى انتصار الإشتراكية في أوروبا. الاشتراكيون الديمقراطيون أنقذوا البرجوازية. في تلك المرحلة بدا لينين ورفاقه وكأنهم “تعويذة التقاط أنفاس” امتدت عبر كافة عصور التاريخ. البنية الاجتماعية المتناقضة للاتحاد السوفياتي، وطبيعة التغول البيروقراطي لتلك الدولة، هي نتيجة مباشرة لهذا القطع التاريخي الفريد وغير المتوقع. (تروتسكي، 1991، ص 50).

الطبقة العاملة الروسية هزمت الثورة المضادة ببسالة إبان الحرب الأهلية. لقد كان نصرا ولكن بطعم الهزيمة، فخير طلائع العمال قضوا نحبهم في ساحات المعارك، بينما تقلصت الصناعة والطبقة العاملة إلى أدنى تعابيرها.[1]

في الاتحاد السوفياتي، ومنذ 1914 (مع بداية الحرب العالمية الأولى) عاشت البلاد حالة حرمان في ظل الحرب. ثورة أوكتوبر اندلعت بقوة دفاعا عن السلام، ولكن ما لبث أن تم إدراك ضرورة العودة إلى الحرب.

الحرب الأهلية، رغم النصر، كان لها أهمية كبرى فيما يتعلق بالتغيرات التي شهدها الاتحاد السوفياتي، وفي هذا الصدد لا يبالغ “بيار برو” في قوله إن تلك الأشهر الثلاثين للصراع العنيف أحدثت تغييرات عميقة في وضع البلاد. (برو، ن/د).

وبنهاية الحرب الأهلية كان إرهاق الجماهير جليا: “وعوضا عن الازدهار المتوقع للبلاد، هيمنت حالة مشؤومة من الفقر المدقع لفترة طويلة.

وعلاوة على ذلك فإن أبرز ممثلي الطبقة العاملة إما توفوا في الحرب الأهلية، أو ترفعوا بضعة درجات إلى الأعلى وانقطعوا عن الجماهير. لذا، فإن التوتر الذي لا نظير له، الآمال والأوهام، فرض مرحلة طويلة للسأم، والانحدار، والخيبة إثر الثورة.

حالة الجذر “الفخر العامة” فتحت المجال واسعا أمام الجبن والوصولية. الطبقة المسيطرة وصلت إلى مكانها عبر تلك الموجة.. لذا فقد تم دفع الجماهير، من كل النواحي، وبشكل تدريجي، بعيدا عن المشاركة الفعلية في قيادة البلاد”. “البيروقراطية اليافعة التي برزت في البداية كمندوبة عن البروليتاريا، بدأت تشعر بأنها في موقع التحكم بين الطبقات، وبدأت تستغل شهرا تلو الآخر الوضع الدولي، الذي كان يدفع قوى كبرى في ذات الاتجاه، وباتت البيروقراطية السوفياتية أكثر ثقة بذاتها، بل وضربة موجعة للطبقة العاملة العالمية.. قادة البيروقراطية روّجوا لهزيمة البروليتاريا، والهزيمة روّجت لبروز البيروقراطية”. (تروتسكي، 1991، ص 78).

لينين كان أول من أدرك تلك العملية، وأول من واجه التنامي المخيف للبيروقراطية. للأسف لم يستطع خوض هذه المعركة إلى نهايتها، بسبب مرضه في البداية، ومن ثم وفاته المبكرة. موت لينين كان عاملا مساعدا لتشكيل الظروف الموضوعية الملائمة للبيروقراطية، حيث أن الحضور المحض للينين كان من شأنه وقف انحطاط الدولة، فغيابه سرع العملية.

حول هذا يقول تروتسكي: الأحداث الذاتية التي تفصل ما بين هاتين المرحلتين التاريخيتين، لم تكن بالطبع دون تأثير، لذا فإن مرض لينين وموته عجل العملية بلا شك. لو عاش لينين لفترة أطول لكان ضغط القوى البيروقراطية سيتصعد بشكل أبطأ، على الأقل خلال السنوات الأولى. ولكن مبكرا في العام 1926 قال كرابسكايا في حلقة المعارضة اليسارية: “لو كان إليتش حيا لكان مسجونا على الأرجح”. (تروتسكي، 1991، ص 81).

المسار الذي تم تبنية بالمعركة التي استمرت بعد رحيل لينين، أكدت تحليل تروتسكي، وتكفي الإشارة إلى المعارضة الموحدة في العام 1926) والتي جمعت كل قيادات البلاشفة باستثناء ستالين وبوخارين، ولكن تمت هزيمتها. وكما توقع كرابسكايا لما كان يمكن أن يحدث لشريكه لينين، زج بهم جميعا في السجن (وتم إعدام أغلبهم بعد ذلك).

هزيمة البلشفية الحقيقية على يد البيروقراطية بقيادة ستالين، كانت ممكنة فقط بسبب قوة العوامل الموضوعية. وما يؤكد ذلك أن عشرات آلاف المقاتلين الثوريين اجتمعوا على شعار اللينينية البلشفية. العمال التقدميون تعاطفوا بلا شك مع المعارضة، ولكن التعاطف لم يكن فاعلا. الجماهير افتقرت إلى الإيمان بإمكانية تغيير الوضع جديا عبر نضال جديد. في تلك الأثناء فرضت البيروقراطية ذاتها.. “من أجل ثورة عالمية تريد المعارضة جرّنا إلى حرب ثورية. لا لمزيد من خلخلة الأوضاع! لقد اكتسبنا الحق بأن نستريح. سنبني المجتمع الاشتراكي في الوطن. اعتمدوا علينا، على قادتكم”.

عقيدة الاسترخاء تلك وطدت بشدة الموالاة والقوات المسلحة وكبار رجال الدولة، وكان لها بلا شك صداها في أوساط العمال المرهقين، وصداها الأكبر بين جماهير الفلاحين.. وتم عزل المعارضة. (تروتسكي، 1991، ص 80).

البيروقراطية الاستالينية هزمت الحزب البلشفي، واقترفت مجزرة ضد أفضل ممثليه، وانتهى الأمر بتعززها في مناصبها بالثلاثينيات.

هذا الواقع أدى إلى نمط جديد لدولة العمال، بنظام جديد ونمط حزبي جديد كان قد برز. الدولة السوفياتية لم تعد في خدمة الثورة العالمية. النظرية الماركسية التي لا ترى الاشتراكية إلا من زاوية عالمية، حلت مكانها النظرية الستالينية: “الاشتراكية في بلد واحد”.

الأممية الثالثة وأحزابها القومية، الأداة الأكثر أصالة، والتي برزت بسبب الثورة الروسية من أجل النهوض بالثورة الأممية، هيمنت عليها البيروقراطية أولا، ثم تحولت إلى ملحق بسيط لستالين، وتفسخت في العام 1943.

التحول كان كبيرا للغاية في الثلاثينيات. الحزب والدولة السوفياتية بقيادة الدكتاتور ستالين كانا شبيهين بعض الشيء بالسنوات الأولى للثورة. ويمكننا المضي في صفحات وصفحات حول كيفية حدوث عملية التحول. سواء على مستوى الدولة أو الحزب. ولكننا سنتقدم قليلا فقط عن ما شرحه وحلله تروتسكي في كتابه الثورة المغدورة، الذي نلفت عناية قرائنا إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]في انهيار العام 1920 تقلص عدد سكان أربعين محافظة بنسبة 33% منذ العام 1917. وخلال ثلاث سنوات خسرت بيتروغراد 57.5%، فيما خسرت موسكو 44.5% من سكانها. وبعد أربعة سنوات على اندلاع الثورة باتت روسيا تمثل مفارقة دولة العمال، استنادا إلى الثورة البروليتارية، حيث يمكنك أن ترى، كما يقول بوخارين، “تفسخا حقيقيا للبروليتاريا”، فبينما كان هنالك في  العام 1919 ثلاثة ملايين مصنع للعمال، بات العدد في العام 1920 أقل من 1.5 مليون، وفي 1921 أقل من 1.25 مليون. إلى جانب ذلك لم يكن معظم تلك المصانع فاعلا. الغياب “المنتظم” للشركات بلغ نسبة 50%، والأجور التي كان يستلمها العمال تعد فعليا معونات. (برووي، ن/د).

يمكن مراجعة الجزء الحادي عشر من خلال الرابط التالي:

الدولة التي انبثقت عن ثورة أوكتوبر.. جـ (11)