تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر السوفييتات ومُظاهرة يونيو (حزيران).. جـ 1

0
170

بتاريخ 3 يونيو (حزيران) انعقد في بتروغراد، بمبنى مدرسة الطلاب الضباط أول مؤتمر للسوفييتات. وقدَّم هذا المؤتمر لكرنسكي موافقته على الهجوم. وكان مجموع المندوبين الذين يتمتعون بحق التصويت في المؤتمر 820 مندوبًا، في حين كان 268 مندوبًا آخرين يتمتعون بأصوات استشارية. وكان هؤلاء المندوبين يمثلون 305 سوفييتًا محليًّا و53 سوفييتًا من سوفييتات المناطق والأقاليم، وتنظيمات الجبهة، والمؤسسات العسكرية في المؤخرة وبعض التنظيمات الفلاحية. وكانت السوفييتات التي تضم 25.000 عضوًا على الأقل تملك حق التصويت. أما مجالس السوفييتات التي كانت تضم من 10.000 إلى 25.000 عضو فكانت أصوات أعضائها استشارية. وطبقًا لهذه المعايير التي لم تكن مُراعاة بدقة، يمكن أن نفترض أن المؤتمر كان يمثل أكثر من 20 مليون شخص. ومن أصل 777 عضوًا أعلنوا انتماءهم الحزبي، كان هناك 285 اشتراكي – ثوري و248 منشفي و105 بلشفي. وتأتي بعدهم مجموعات أقل أهمية. وكان الجناح اليساري للمؤتمر المؤلف من البلاشفة الأمميين الذين كانوا يرتبطون بهم بصورة وثيقة يشكل أقل من خُمس المندوبين. وكانت أكثرية المؤتمر تتألف من أشخاص سجلوا أنفسهم في مارس (آذار) كاشتراكيين، بَيْد أن هؤلاء الاشتراكيين أحسوا في يونيو (حزيران) بالتعب من الثورة. وكانت بتروغراد تبدو لهم مدينة يسكنها الجن.

وافتتح المؤتمر أعماله بالموافقة على طرد غريم الاشتراكي السويسري المسكين، الذي حاول إنقاذ الثورة الروسية والحزب الاشتراكي – الديموقراطي الألماني عن طريق محادثات تمت في الكواليس مع دبلوماسيي الهوهنزولرن. وتقدم الجناح اليساري في المؤتمر باقتراح طلب فيه إجراء مناقشة فورية للهجوم الذي كانت استعدادات القيام به تتم على قدم وساق فرُفض الاقتراح بأكثرية ساحقة. وكان البلاشفة في المؤتمر يبدون جماعة لا وزن لها. ولكن في ذلك اليوم بالذات، وربما كان في الساعة ذاتها، تبنَّى مؤتمر لجان المعامل والمصانع في بتروغراد بأكثرية ساحقة أيضًا قرارًا يقول بأن سلطة السوفييتات هي السلطة الوحيدة الكفيلة بإنقاذ البلاد.

ولم يكن التوفيقيون، نظرًا لقصر نظرهم، قادرين على منع أنفسهم من رؤية ما يجري حولهم يوميًّا. وأخذ ليبر العدو اللدود للبلاشفة يشهر في جلسة 4 يونيو (حزيران) بمفوضي الحكومة العاجزين، الذين لا يريد المسئولون في المديريات بالتنازل عن سلطاتهم لصالحهم. “وكان عدد كبير من وظائف الأجهزة الحكومية ينتقل بسبب هذه الظروف إلى أيدي السوفييتات، حتى عندما كانت هذه السوفييتات غير راغبة بتلك الوظائف”. وهكذا كان التوفيقيون يشتكون من أنفسهم.

وقد روى أحد المندوبين الفوضويين للمؤتمر أنه لم يطرأ أقل تعديل في مجال التعليم العام خلال أربعة أشهر من الثورة. وما زال كل الأساتذة القدماء، والمفتشون، والمديرون وعملاء الأكاديميات، الذين كان كثيرون منهم أعضاء سابقين في تنظيمات المائة السود، وما زالت كل البرامج المدرسية، والكتب الرجعية وحتى المعاونون القدماء في الوزارة، ما زال كل هؤلاء ثابتون في وظائفهم. وليس هناك إلا صور القيصر التي أودعت في المخازن، ومن الممكن إخراجها في أول فرصة.

ولم يكن المؤتمر ليتجرأ على القيام بأية حركة احتجاجًا على مجلس الدوما الإمبراطوري أو على مجلس الدولة. وكان بوجدانوف الخطيب المنشفي يواري جبنه أمام الرجعية قائلاً: إن الدوما ومجلس الدولة “كانا رغم كل شيء مؤسستين ميتتين، وغير موجودتين”. ورد عليه مارتوف المشهور بحبه للجدل والخطابة وتوجيه الملاحظات اللاذعة، قائلاً: “إن بوجدانوف يقترح اعتبار مجلس الدوما وكأنه غير موجود. ولكنه يدعو في الوقت ذاته إلى عدم التآمر على وجوده”.

وانعقد المؤتمر، برغم الأكثرية الحكومية القوية وسط مناخ يخيم عليه القلق والشك. فقد دبَّ البرود بالروح الوطنية، ولم تعد تعطي سوى شرارات ضعيفة. وكان المرء يرى بوضوح استياء الجماهير، كما كان يرى أن البلاشفة أقوى بكثير في البلاد وفي العاصمة بصورة خاصة مما كانوا عليه في المؤتمر. وتركز الجدل بين البلاشفة والتوفيقيين حول الموضوع الرئيسي للثورة وكان يدور حول المسألة التالية: مع مَن ينبغي أن تسير الديمقراطية، هل تسير مع الإمبرياليين أم مع العمال؟ وكان ظل دول الحلفاء يحوم فوق المؤتمر. وبما أن مسألة الهجوم قد سُوِّيت مسبقًا، فلم يبق إذن أمام الديموقراطيين إلا أن ينحنوا.

وكان تسيريتلي يعظ قائلاً في هذه اللحظة الحرجة: “ينبغي أن لا تستبعد أية قوة اجتماعية من الميزان ما دمنا نستطيع استخدامها في سبيل قضية الشعب”. وبهذا الشكل كان تسيريتلي يعلل التحالف مع البرجوازية. وبما أن البروليتاريا والجيش وطبقة الفلاحين تعارض في كل خطوة خطط الديموقراطيين، فقد كان هؤلاء الديموقراطيون مضطرين للبدء بالاشتباك مع الشعب، تحت ستار الصراع ضد البلاشفة. وهكذا حرم تسيريتلي بحارة كرونشتادت لكيلا يستبعد من ميزانه بيبيليائيف عضو حزب الكاديت. وصدَّق المؤتمر على الائتلاف بأكثرية 543 صوتًا ضد 126 صوتًا وامتناع 52 عضوًا عن التصويت.

وكانت أعمال المجلس الهائل وغير المتماسك، هذا المجلس الذي كان يسيطر عليه أعضاء الكاديت تتميز بالتصريحات المفخمة والإمساك المحافظ عن التصريح بأية كلمة عن المسائل العملية. ولم يعط هذا الموقف للقرارات صفة العزم والحزم، بل أعطاها صفة التثبيط والدجل. واعترف المؤتمر لكل شعوب روسيا بحق التصرف بنفسها، محتفظًا مع كل هذا بمفتاح هذا الحق المبهم لا للشعوب المضطهدة، بل للمجلس التأسيسي المقبل الذي كان التوفيقيون يأملون بأن يحصلوا على الأكثرية فيه. وكانوا يستعدون للاستسلام أمام الإمبرياليين كما كانوا يفعلون ذلك في الحكومة الآن.

ورفض المؤتمر إصدار مرسوم يحدد يوم العمل بثماني ساعات. وكان تسيريتلي يعزو مراوحة الائتلاف في مكانه إلى صعوبة التوفيق بين مصالح مختلف شرائح الشعب. وكأن تسيريتلي ومجموعته نسوا أنه لم يتحقق أي عمل كبير في التاريخ “بانسجام المصالح”، بل تحقق بانتصار المصالح التقدمية على المصالح الرجعية!

وقبل انتهاء المؤتمر قدم غرومان -أحد الاقتصاديين السوفييت- قرار المؤتمر الحتمي المتعلق بالمأساة الاقتصادية الوشيكة الوقوع، وبضرورة إشراف الدولة على الاقتصاد وتنظيمه. وتبنَّى المؤتمر هذا القرار المرتب، ولكنه تبناه ليبقى كل شيء كما كان في الماضي.

وبتاريخ 7 يونيو (حزيران) كتب تروتسكي ما يلي: “بعد أن طرد غريم انتقل المؤتمر إلى جدول الأعمال. ولكن الأرباح الرأسمالية بقيت بالنسبة لسكوبوليف وزملائه أمورًا لا يجوز مسَّها. وازدادت حدة أزمة التموين من ساعة إلى ساعة. وتلقت الحكومة في المجال الدبلوماسي الضربات أثر الضربات. وفي النهاية كان لا بُدَّ للهجوم الذي أعلن بصورة هيستيرية من أن يسقط فورًا على رأس الشعب بشكل مغامرة وحشية.

“إننا نتذرع بالصبر، ونحن مستعدون لمراقبة النشاط المستنير لوزارة لفوف – تيريشتشنكو – تسيريتلي خلال عدة شهور وبمنتهى الهدوء. وإننا بأمس الحاجة لربح الوقت كيما نعد أنفسنا. ولكن الخُلد يُحفر بسرعة تحت الأرض. ومن الممكن أن تثار مسألة السلطة بين أعضاء هذا المؤتمر، بمعونة الوزراء “الاشتراكيين” بصورة أسرع مما نفترضه جميعًا”.

وورط الزعماء المؤتمر في كل النزاعات اليومية. وهم يحاولون تغطية أنفسهم أمام الجماهير بسلطة أعلى، وأساءوا إلى المؤتمر إساءات بالغة في نظر عمال بتروغراد وجنود حاميتها. وكانت أكثر الحوادث المماثلة التي أحدثت دويًّا هائلاً في الأوساط العمالية حادثة دارة “فيللا” دورنوفو. وكان دورنوفو الذي يملك هذه الدارة أحد الوجهاء السابقين في عهد القيصر. وقد اكتسب شهرة كبيرة كوزير للداخلية عندما سحق ثورة عام 1905. واحتلت التنظيمات العمالية التابعة لدارة فيبورغ هذه الدارة الخالية التي يملكها هذا البيروقراطي المكروه والمتآمر أيضًا. وكان السبب الأساسي لاحتلالها من قبل التنظيمات العمالية وجود حديقة واسعة فيها أصبحت فيما بعد روضة مفضلة للأطفال. وكانت الصحافة البرجوازية تصور الدارة وقد أصبحت مأوًى للصوص والقرصان، وككرونشتادت دائرة فيبورغ. ولم يكلف أي شخص نفسه عناء الذهاب للتحقق من الأمر الواقع. وبذلت الحكومة جهدها بحمية جديدة تمام الجدة لإنقاذ الدارة، مع أنها كانت تتجنب معالجة كل المسائل الكبرى. وطالبت الحكومة اللجنة التنفيذية بإقرار تدابير بطولية تتعلق بالدارة، ولم يرفض اتخاذها تسيريتلي بالطبع. وأمر النائب العام بطرد جماعة الفوضويين، خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة. وتنادى العمال بعد أن علموا بالعمل العسكري الذي كان يُعد لإخلاء الدارة بالقوة. وكان الفوضويون، من جهتهم يهددون بمقاومة إجلائهم بالسلاح. وأعلن 28 مصنعًا الإضراب احتجاجًا على هذا العمل من جانب الحكومة. ونشرت اللجنة التنفيذية بيانًا نددت فيه بعمال دائرة فيبورغ واتهمتهم فيه بأنهم مساعدون للثورة المضادة. ودخل ممثلو العدالة والمليشيا في عرين الأسد بعد كل هذا التحضير والإعداد؛ فوجدوا أن النظام الشامل يسود الدارة، مع أن في الدارة عدة تنظيمات عمالية ثقافية. واضطرت السلطة إلى التراجع، ولكنها تراجعت بخجل. وكان لهذه القصة ذيول.

وبتاريخ 9 يونيو (حزيران) انفجرت القنبلة الآتية في المؤتمر: كانت صحيفة البرافدا الصباحية قد نشرت نداءً تدعو فيه إلى القيام بمظاهرة في اليوم التالي. وصرح تشخيدزه الذي يعرف كيف يخاف، وكان مستعدًا بالتالي لتخويف الآخرين صرح بصوت صاحل (أبح): “إذا لم يتخذ المؤتمر التدابير الكفيلة بمنع المظاهرة، فإن نهار الغد سيكون داميًا”. ورفع المندوبون رءوسهم وقد تولاهم الفزع والرعب.

كان الوضع بمجمله يفرض فكرة اصطدام عمال وجنود بتروغراد بالمؤتمر. وكانت الجماهير تضغط على البلاشفة. وكان الغليان في أقصى درجاته، وبخاصة في الموقع الذي كان يخشى أن تقوم السلطة بتفكيكه وتوزيع عناصره على الجبهات متذرعة بالهجوم. يضاف إلى كل هذا الاستياء الحاد في أوساط العسكريين، وكان إعلان حقوق الجندي بشير إلى تراجع كبير من قبل السلطات بالمقارنة مع “الأمر رقم واحد”، ومع نظام الأمر الواقع استتب في الجيش. وكانت المبادرة بالمظاهرة من صنع التنظيم العسكري للبلاشفة. فقد كان زعماء هذا التنظيم يؤكدون، وكانوا على صواب كما أظهرت الأحداث فيما بعد، أن الحزب لو لم يأخذ على عاتقه القيادة، لخرج الجنود من تلقاء أنفسهم إلى الشوارع. ولم يكن من الممكن تقدير التحول المفاجئ في رأي الجماهير أثناء الطريق، ومن هنا كانت تنجم بعض الترددات لدى البلاشفة أنفسهم. ولم يكن فولودارسكي مقتنعًا بأن العمال سينزلون إلى الشوارع. وكان هناك خوف من الطابع الذي ستتخذه المظاهرة.

وكان ممثلو التنظيم العسكري يؤكدون بأن الجنود لن يخرجوا إلى الشوارع بدون سلاح، خوفًا من مهاجمة السلطات لهم والاقتصاص منهم. وكان تومسكي العاقل يتساءل: “كيف ستتطور هذه المظاهرة؟”، ولهذا كان يطالب بإجراء نقاش جديد حول قيامها. وكان ستالين يقدر بأن “التخمر وسط الجنود قد أصبح أمرًا واقعًا. أما الحالة الفكرية لدى العمال فلا تتسم بمثل هذا التصميم والإصرار”. ولكنه كان يجد أن من الضروري مقاومة الحكومة. أما كالينين، الذي كان ميَّالاً دومًا إلى تجنب القتال بدلاً من قبوله، فقد أعلن رأيه بمعارضة قيام المظاهرة بإصرار، متعللاً بعدم وجود سبب رئيسي يبرر قيام العمال بالمظاهرة، وكان يقول: “ستكون المظاهرة مفتعلة كل الافتعال”. وبتاريخ 8 يونيو (حزيران) ارتفعت 131 يدًا أيدت المظاهرة، بعد مشاورة تمت مع ممثلي النواحي، وبعد عدة عمليات تصويت وآلية، قررت لجنة “منظمة المناطق” الانضمام إلى المظاهرة التي حُدد موعدها في يوم الأحد المصادف 10 يونيو (حزيران).

وتم العمل التحضيري حتى آخر لحظة بصورة سرية كيلا تعطي للاشتراكيين – الثوريين وللمناشفة فرصة إمكانية القيام بتحرك مضاد. وقد فسر هذا التدبير الشرعي فيما بعد الذي أملاه الحذر، كدليل على وجود مؤامرة عسكرية. وانضم مجلس السوفييت المركزي للجان المعامل والمصانع إلى قرار تنظيم المظاهرة. وقد كتب أبوغوف ما يلي: “قررت لجنة “منظمة المناطق” تحت ضغط تروتسكي وضد اعترافات لوناتشارسكي الانضمام إلى المظاهرة”. وتم الإعداد بمنتهى النشاط.

وكان من المفروض أن ترفع المظاهرة علم سلطة السوفييتات. وكان شعار المعركة هو التالي: “فليسقط الوزراء الرأسماليون العشرة!” وكان هذا الشعار أبسط تعبير عن مطلب خرق الائتلاف مع البرجوازية. وكان على المظاهرة أن تتوجه إلى مقر الكاديت؛ حيث ينعقد المؤتمر. وهكذا يشار إلى أن الهدف ليس قلب الحكومة، بل الضغط على الزعماء السوفييت.

وأن الإنصاف يضطرنا إلى القول: إن هناك أصواتًا ارتفعت في المؤتمرات الأولية للبلاشفة. وقد اقترح سميلغا، الذي ما زال عضوًا شابًا في اللجنة المركزية “بعدم التردد في احتلال البريد والبرق، وترسانة الأسلحة إذا تطورت الأحداث إلى الصدام”. وكتب لاتسيس أحد المشتركين الآخرين في المؤتمر، وأحد أعضاء لجنة بتروغراد، في دفتره الصغير، عندما رفض اقتراح سميلغا ما يلي: “إنني لا أستطيع الموافقة على هذا… سأتفق مع الرفيقين سيماشكو وراخيا كيما نكون -عند الضرورة- تحت السلاح، ولكي نستولي على المحطات، وترسانات الأسلحة، والمصارف، والبريد والبرق، بمساعدة فوج الرشاشات”. وكان سيماشكو ضابطًا في فوج الرشاشات، كما كان راخيًا عاملاً، ومن أكثر البلاشفة كفاحًا ونضالاً.

إن وجود مثل هذه الأوضاع الفكرية يفهم وحده دون مساعدة عوامل أخرى. فقد كان مسار الحزب كله موجهًا إلى الاستيلاء على السلطة، ولم يكن الوضع يتطلب سوى تقدير للموقف. وفي بتروغراد وقع تحول طبيعي لصالح البلاشفة. ولكن نفس السياق في المناطق كان يتطور ببطء أكثر. وأخيرًا كانت الجبهة محتاجة إلى درس الهجوم لتتخلص من حذرها تجاه البلاشفة. وكان لينين متمسكًا بنفس موقفه في إبريل (نيسان) حول هذا الموضوع وهو: “التفسير بصبر”.

وقد رسم سوخانوف في مذكراته خطة مظاهرة 10 يونيو (حزيران) كمؤامرة حقيقية دبرها لينين للاستيلاء على السلطة “إذا كانت الظروف ملائمة”. والحقيقة، لم يكن هناك إلا بعض البلاشفة الذين كان لينين يقول عنهم بخبث “بأنهم يتجهون قليلاً جدًا إلى اليسار” أكثر مما ينبغي، كي نحاول طرح السؤال على هذا الشكل. ومن المدهش أن سوخانوف لا يحاول أبدًا مقارنة نظرياته المرتجلة بالخط السياسي للينين الذي عبَّر عنه في عديد من الخطب والمقالات(1).

وقد فرض مكتب اللجنة التنفيذية على البلاشفة فورًا إلغاء المظاهرة. فبأي حق طلب هذا الطلب؟ من الناحية الرسمية لا يمكن منع المظاهرة، على أفضل تقدير، إلا بسلطة الدولة. ولكن الدولة لا تتجرأ حتى على التفكير في منعها، فكيف إذن يمكن للسوفييت “كتنظيم خاص” توجهه كتلة مؤلفة من حزبين سياسيين منع مظاهرة حزب ثالث؟ ورفضت اللجنة المركزية للبلاشفة الطاعة، ولكنها قررت الإشارة بوضوح أكبر إلى الطابع السلمي للمظاهرة. ولُصق إعلان للبلاشفة بتاريخ 9 يونيو (حزيران) في الأحياء العمالية يقول: “نحن مواطنون أحرار ولنا الحق بالاحتجاج، وعلينا أن نستخدم هذا الحق طالما أنه لا يزال لدينا متسع من الوقت. فما زلنا نملك حق القيام بمظاهرة سلمية”.

وأثيرت المسألة من قبل التوفيقيين أمام المؤتمر. وفي هذا الوقت أدلى تشخيدزه بأقواله الرائعة عن مخرج حتمي، وأضاف أن من الواجب استمرار الجلسة طيلة الليل. أما غيغيتشكوري -وهو أحد أعضاء البريزيديوم، وسليل الجيروند- فقد أنهى خطابه بكلمة لاذعة شنيعة وجهها للبلاشفة: “ارفعوا أيديكم القذرة عن القضية الكبرى!” ولم يتح للبلاشفة، برغم إلحاحهم، الوقت الكافي لمناقشة المسألة في حزبهم. واتخذ المؤتمر قرارًا منع كل أعمال التظاهر لمدة ثلاثة أيام. وكانت ضربة القوة هذه إزاء البلاشفة تشكل بالنسبة للحكومة عملاً اغتصابيًّا؛ فالسوفييتات تتابع سرقة السلطة من تحت وسادتهم.

وكان ميليوكوف يتحدث، في الساعات نفسها، أمام مؤتمر القوزاق، ويتهم البلاشفة “بأنهم أسوأ أعداء الثورة الروسية”، وأن أفضل صديق لهذه الثورة هو ميليوكوف ذاته الآن، بحكم منطق الأشياء، ميليوكوف الذي كان في أمسية فبراير (شباط) يفضل الهزيمة على يد الألمان بدلاً من ثورة الشعب الروسي. وعندما سأله القوزاق عن السلوك الذي يجب اتخاذه إزاء اللينيين رد ميليوكوف قائلاً: “لقد حان الوقت للتخلص من هؤلاء السادة”. وكان زعيم البرجوازية مستعجلاً جدًا، خاصة وأنه لا يملك الوقت لتبديده.

ومع ذلك، انعقدت الاجتماعات في المصانع والأفواج. وتقرر الخروج إلى الشارع في اليوم التالي مع ترديد الشعار التالي: “كل السلطة للسوفييتات!”. ووسط الصخب الذي أحدثه مؤتمر السوفييتات ومؤتمر القوزاق، مر انتخاب 37 مستشارًا من البلاشفة في مجلس دوما بلدية دائرة فيبورغ، و22 مستشارًا من كتلة الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة، و4 من الكاديت، مرت عملية الانتخاب هذه دون أن يحس بها أحد.

وقرر البلاشفة إعادة النظر في مسألة المظاهرة بعد أن وضعوا من قبل المؤتمر أمام قرار قطعي يتضمن تلميحًا غريبًا لضربة تهدد اليمين. وكانوا يريدون مظاهرة سلمية لا عصيانًا، ولا يستطيعون إيجاد المبررات لتحويل المظاهرة الممنوعة إلى نصف انتفاضة. وكان البريزيديوم قد قرر من جهته اتخاذ التدابير. وجُمعت عدة مئات من المندوبين في مجموعات تضم كل واحدة منها عشرة أشخاص، وبُعثت هذه المجموعات إلى الأحياء العمالية والثكنات للحيلولة دون وقوع المظاهرة، بعد أن اتفق على أن يتقدموا في صباح اليوم التالي إلى قصر توريد كي ينقلوا نتائج اتصالاتهم. وانضمت اللجنة التنفيذية لمندوبي الفلاحين إلى هذه الحملة، وعينت 70 عضوًا من أعضائها للقيام بالعمل ذاته.

ومع أن البلاشفة توصلوا على كل حال إلى أهدافهم بطرق غير متوقعة؛ فإن مندوبي المؤتمر اضطروا إلى التعرف بعمال وجنود العاصمة. ولم يكن قد سمح للجبل بالاقتراب من الأنبياء، ولكن الأنبياء بالمقابل اضطروا إلى زيارة الجبل. وكان اللقاء بناءً إلى أكبر حد ممكن. ورسم أحد المراسلين المناشفة في أزفستيا سوفييت موسكو اللوحة التالية للأحداث: “جابت أكثرية المؤتمر المؤلفة من أكثر من 500 من الأعضاء بجماعات تتألف كل منها من عشرة أعضاء المصانع والمعامل وثكنات بتروغراد خلال الليل بكامله، دون أن تغمض العيون. وكانت تعظ الرجال وتحضهم على الامتناع عن التظاهر. غير أنه ثبت أن أعضاء المؤتمر لم يتمتعوا في عدد من المصانع والمعامل وفي جزء من الموقع أيضًا بأية سلطة… واستقبل هؤلاء الأعضاء في معظم الأحيان بصورة لا تنم عن الود، وتتسم بالعداء أحيانًا، وصُرفوا مرارًا بغضب”. ولم تبالغ الصحيفة الرسمية أبدًا، ولكنها رسمت على العكس لوحة حية للقاء الليلي الذي تم بين عالمين منفصلين.

ولم تترك جماهير بتروغراد على كل حال للمندوبين أية ذرة من الشك حول من يستطيع بعد الآن تقرير مظاهرة من المظاهرات أو صرف النظر عنها. ولم يقبل عمال مصنع بوتيلوف نشر بيان المؤتمر بمنع المظاهرة إلا بعد أن تحققوا وهم يقرءون البرافدا أن هذا البيان لا يخالف قرار البلاشفة. وصمد فوج الرشاشات الأول الذي كان يلعب في صفوف قطعات الموقع دور الربابات الأولى، كالدور الذي يلعبه مصنع بوتيلوف في الأوساط العمالية، وصوت هذا الفوج على القرار التالي بعد أن استمع إلى تقريري تشخيدزه وافكسانتييف، رئيسي اللجنتين التنفيذيتين: “يؤجل الفوج خروجه بالاتفاق مع اللجنة المركزية للبلاشفة وتنظيمها العسكري…”.

وكانت ألوية المهدئين تصل إلى قصر توريد، بعد ليلة بيضاء، وهي في حالة تفكك معنوي شامل. فقد كانت تعتمد على سلطة لا تنقض للمؤتمر، ولكنها اصطدمت بحاجز من الحذر والعداء “وكان البلاشفة يسيطرون على الجماهير”. “وكانت الجماهير تظهر عداءها للمناشفة والاشتراكيين – الثوريين”. “ولا يؤمن أحد إلا بالبرافدا”. وهنا وهناك كان الناس يرفعون عقيرتهم بالصياح قائلين: “لستم رفاقنا” وكان المندوبون ينقلون، الواحد بعد الآخر، إنهم تعرضوا لهزيمة ساحقة برغم الأمر المعاكس للمعركة.

وقد أطاعت الجماهير قرار البلاشفة. ولكن هذه الوداعة التي أظهرتها الجماهير لم تكن خالية من صرخات الاحتجاج، بل على العكس تمت وسط السخط والتذمر. وصوّت العمال في بعض المؤسسات على قرارات بلوم اللجنة المركزية. وقد وصل الأمر بالساخطين من أعضاء الحزب في الأحياء إلى تمزيق بطاقات عضويتهم. وكان هذا العمل يشكل إنذارًا في منتهى الجدية.

وكان التوفيقيون يتعللون بوجود مؤامرة ملكية تريد استغلال مظاهرة البلاشفة فعمدوا إلى منع المظاهرات لمدة ثلاثة أيام. وكانوا يلمحون إلى تآمر جزء من مؤتمر القوزاق وزحف قطعات مضادة للثورة إلى بتروغراد. وليس من المدهش بعد أن صرف البلاشفة النظر عن المظاهرة أن يُطالب البلاشفة بتفسيرات حول موضوع المؤامرة. وبدلاً من أن يرد زعماء المؤتمر على سؤال البلاشفة ومطالبتهم بالتفسيرات اتهموهم بالتآمر. وبهذا الشكل تخلصوا من الموقف وهم في منتهى السعادة.

وينبغي أن نعترف أن التوفيقيين اكتشفوا في ليلة 9 – 10 يونيو (حزيران) مؤامرة هزَّتهم بالفعل بصورة قوية: إنها مؤامرة الجماهير المتحدة مع البلاشفة ضدهم. ومع كل هذا استعاد التوفيقيون شجاعتهم بعد أن امتثل البلاشفة لقرار السوفييت، فسمح لهم هذا الامتثال بعد الإرجاف في الانفجار بشراسة. وقرر المناشفة والاشتراكيون – الثوريون إظهار قبضتهم الحديدية. وفي 10 يونيو (حزيران) كتبت صحيفة المناشفة ما يلي: “لقد حان الوقت لفضح اللينيين كعصاة وكخونة للثورة”. ورجا رئيس اللجنة التنفيذية في مؤتمر القوزاق، القوزاق لدعم السوفييت ضد البلاشفة. فرد عليه دوتوف رئيس المؤتمر، وزعيم الأورال قائلاً: “لن نصطدم نحن القوزاق بالسوفييتات أبدًا”. وكان الرجعيون مستعدين للزحف مع السوفييت ضد البلاشفة ليتم سحق السوفييت بصورة مؤكدة أكثر فيما بعد.

وبتاريخ 11 يونيو (حزيران) انعقد مجمع تهديدي مؤلف من اللجنة التنفيذية وأعضاء البريزيديوم في المؤتمر، وزعماء الأحزاب، وضم هذا الاجتماع حوالي مائة شخص. وكان النائب العام هو تسيريتلي كما كان دائمًا. فطالب وهو يختنق من الغضب بقمع شديد. وقام بحركة ازدراء أبعدت دان الذي كان مستعدًا دائمًا لمطاردة البلاشفة والذي لم يكن قد قرر ضربهم بعد. ليس ما يفعله البلاشفة في الوقت الحاضر، نشرًا للأفكار ودعوة لها، إن ما يفعلونه مؤامرة… فليعذرنا البلاشفة! إننا سنتوصل إلى طرق كفاح أخرى… ينبغي نزع سلاح البلاشفة. فلا يمكن ترك الوسائل التقنية الكبرى التي كانوا يملكونها حتى الآن بين أيديهم. ولا يمكن ترك أية رشاشات وأسلحة أخرى في حوزتهم. ونحن لن نتسامح أبدًا بِحَبك المؤامرات ضدنا”. كانت هذه الأقوال أنغامًا جديدة. فماذا يعني نزع سلاح البلاشفة؟ وقد كتب سوخانوف معللاً هذا الإجراء بما يلي: “لأن البلاشفة يملكون مستودعات خاصة للسلاح. والواقع، أن كل الأسلحة بين أيدي الجنود والعمال، الذين يتبعون البلاشفة بجموع هائلة. ولا يمكن أن يعني نزع سلاح البلاشفة سوى نزع سلاح البروليتاريا. وفضلاً عن هذا فإن هذا الكلام يعني نزع سلاح القطعات العسكرية”.

وبعبارات أخرى، حانت اللحظة التقليدية للثورة، تلك اللحظة التي أرادت الديمقراطية البرجوازية فيها الانصياع لمطالب الرجعية، ونزع سلاح العمال الذين أمنوا انتصار الانتفاضة.

إن السادة الديموقراطيين، الذين يملك بعضهم ثقافة لا بأس بها، يمنحون ودهم دون شك لأولئك الذين يُنزع السلاح منهم، لا إلى أولئك الذين ينزعون السلاح.. ما دامت القصة تدور حول القصة القديمة. ولكن عندما طُرحت المسألة ذاتها أمامهم بكل حقيقتها، عجزوا عن التعرف عليها بتاتًا. ولم يكن من البساطة تصور هذه المناسبة الوحيدة التي يتكفل فيها واحد من أمثال تسيريتلي بنزع سلاح العمال، مع أنه ثوري قضى سنوات في المنفى، وكان بالأمس زيميرفالديًّا. وقد ذهل كل الأعضاء وأصبحوا وكأن على رءوسهم الطير. وأحس مندوبو المناطق مع كل هذا بالتأكيد من أن هناك خطة لدفعهم إلى الهاوية. وتملكت أحد الضباط أزمة هيستيرية.

وانتصب كامنييف من مكانه، وهو لا يقل شحوبًا عن تسيريتلي وصاح بصوت رزين أحس المستمعون بقوته: “سيدي الوزير، إذا كنت لا تلقى بالكلم على عواهنه، فليس من حقك أن تكتفي بالخطاب. اعتقلني وحاكمني بالتآمر ضد الثورة”. وترك البلاشفة القاعة محتجين، ورفضوا الاشتراك في تدبير انتقامي موجه ضد حزبهم. وأصبح التوتر في القاعة لا يطاق.

وهرع ليبر لنجدة تسريتلي. واستبدل الغضب المحتوى لأحدهما في المنصة بالشراسة الهيستيرية للآخر. وطالب ليبر باتخاذ تدابير لا شفقة فيها ولا رحمة. “إذا كنتم تريدون لأنفسكم تلك الجماهير التي تتجه إلى البلاشفة، أقطعوا صلتكم بالبلشفية”. وكان الأعضاء يستمعون إليه دون تعاطف، وبنوع من العداء أيضًا.

هنا حاول لوناتشارسكي، الذي كان لا يتأثر أبدًا، الدخول في مفاوضات مع الأكثرية: لقد أكَّد له البلاشفة بأنهم لا يستهدفون سوى القيام بمظاهرة سلمية، ولكن تجربته الخاصة أقنعته بأنه “من الخطأ تنظيم المظاهرة”. ومع ذلك فليس من المناسب تأزيم النزاعات. وقد أثار لوناتشارسكي أصدقاءه دون أن يهدئ خصومه.

وقال دان أكثر زعماء المستنقع تجربة، ولكنه أكثرهم عمقًا، قال بصورة ماكرة وخبيثة: “نحن لا نقاتل التيار اليساري، إننا نقاتل الثورة المضادة. وليس من حقك إذا كان وراءكم عملاء طيِّعون لألمانيا”.. وكان هذا التعليل يحل محل التسويغ والتبرير بكل بساطة. ولم يكن بوسع هؤلاء السادة، بالطبع تحديد أي عميل لألمانيا.

وكان تسيريتلي يريد توجيه ضربة كبرى. واقترح دان الاكتفاء برفع القبضة. ووافقت اللجنة التنفيذية العاجزة على اقتراح دان. وكان للقرار المقترح في اليوم التالي صفة قانون استثنائي ضد البلاشفة، ولكن دون استنتاجات عملية مباشرة.

ووزع البلاشفة في المؤتمر بيانًا مكتوبًا يقول: “لم يعد هناك من شك بالنسبة إليكم، بعد أن زار مندوبوكم المصانع والأفواج أن المظاهرة لم تحدث لا لأنكم منعتم خروجها، ولكن لأن حزبنا أمر بصرف النظر عن قيامها… ولم ينشر أحد أعضاء الحكومة المؤقتة وهم وجود مؤامرة عسكرية إلا للقيام بنزع سلاح بروليتاريا بتروغراد وتفتيت الحامية. فلو أن السلطة الحكومية انتقلت بكاملها إلى السوفييت -وهو ما نحاول تحقيقه- وإذا حاول السوفييت اعتراض حركتنا، فإن ذلك لن يضطرنا إلى الخضوع بصورة سلبية، بل يدعونا إلى مواجهة الاعتقال وكل أنواع العقوبات الأخرى باسم أفكار الاشتراكية الأممية التي تفصلنا عنكم”.

واقتربت أكثرية السوفييت من الأقلية في تلك الأيام، ووقفتا وجهًا لوجه، وكأنهما تستعدان لمعركة حاسمة. ولكن الطرفين تراجعا خطوة واحدة، في اللحظة الأخيرة. وامتنع البلاشفة عن التظاهر، كما امتنع التوفيقيون عن نزع سلاح العمال.

وبقي تسيريتلي أقلية وسط رفاقة. ومع ذلك، كان على صواب بطريقته وأسلوبه. فقد وصلت سياسة التحالف مع البرجوازية إلى نقطة أصبح فيها من الضروري إضعاف الجماهير التي لم تكن لترضى بقبول الائتلاف إضعافًا تامًا. وكان دفع سياسة التوفيق والمصالحة إلى النجاح، أي إلى أن يتم توطيد سيطرة برلمانية للبرجوازية أمرًا غير ممكن إلا بنزع سلاح العمال والجنود. ولكن إذا كان تسيريتلي على صواب بطريقته وأسلوبه، فقد كان عاجزًا كل العجز من ناحية أخرى. فلم يكن العمال والجنود مستعدين لتسليم أسلحتهم طواعية. وهكذا كان من الواجب استخدام القوة ضدهم. ولكن القوة لم تعد أبدًا إلى جانب تسيريتلي. فهو لا يستطيع الحصول على القوة، إذا  تمكن من فعل شيء ما على الأقل، إلا من الرجعية التي ستقوم فورًا، لو نجح سحق البلاشفة، بالقضاء على سوفييتات التوفيقيين، هذه الرجعية التي لن تتردد عن تذكير تسيريتلي بأنه ليس إلا سجينًا سابقًا ولا شيء أكثر من ذلك. ومع ذلك، أظهرت سلسلة الوقائع فيما بعد أن مثل هذه القوى لا وجود لها أبدًا بِيد الرجعية.

وكان تسيريتلي، الذي أكَّد ضرورة القضاء على البلاشفة، يعطي كمبرر سياسي لهذه العملية أن البلاشفة يفصلون البروليتاريا عن الطبقة الفلاحية. وقد ردَّ عليه مارتوف قائلاً: “إن تسيريتلي لا يستخلص الأفكار التي توجهه من أعماق الطبقة الفلاحية. فجماعة الجناح اليميني في حزب الكاديت، ومجموعة الرأسماليين، ومجموعة الملاكين النبلاء، ومجموعة الإمبرياليين وبورجوازيو الغرب، هؤلاء هم الذين يطالبون بنزع سلاح العمال والجنود”. وكان مارتوف على حق: فقد وضعت الطبقات المالكة أكثر من مرة في التاريخ ادعاءاتها تحت ستار الفلاحين.

ومنذ نشر “أفكار إبريل” للينين تعلل البعض بخطر انعزال البروليتاريا عن طبقة الفلاحين، وكان هذا الانعزال هو الحجة الرئيسية لكل أولئك الذين كانوا يحاولون إعادة الثورة إلى الوراء. وليس من قبيل الصدف أن لينين قرب تسيريتلي من “البلاشفة القدامى”.

وقد كتب تروتسكي في إحدى دراساته في عام 1917 عن هذا الموضوع ما يلي: “إن انعزال حزبنا بالنسبة للاشتراكيين – الثوريين والمناشفة، وابتعاده عنهم إلى أبعد حد حتى ولو كان ذلك بالسجن الانفرادي، إن هذا الانعزال لا يعني أبدًا انعزال البروليتاريا عن الجماهير المضطهدة في الأرياف وفي المدن. بل على العكس، فإن البروليتاريا الثورية التي تعاكس سياستها بوضوح الإنكار الخبيث لزعماء السوفييتات الحاليين، لا تستطيع إلا أن تؤدي تمييز سياسي ضروري لدى ملايين من المزارعين، وانتزاع فقراء الأرياف من يدي القيادة الخائنة للفلاحين الموسرين الاشتراكيين – الثوريين، وتحويل البروليتاريا الاشتراكية إلى ناقل حقيقي للثورة الشعبية العامية”.

ولكن تبرير تسيريتلي المزيف إلى حد كبير تبدَّى مبررًا قويًّا لا يمكن نقده. وفي عشية انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) انبعث هذا المبرر من جديد بقوة مضاعفة كحجة قوية “للبلاشفة القدامى” ضد الانتفاضة. وبعد بضع سنوات، عندما بدأت الرجعية الأيديولوجية تعمل ضد أكتوبر (تشرين الأول)، أصبحت صيغة تسيريتلي الأداة النظرية الرئيسية لمدرسة ورثة الثورة.

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: تجمعات جديدة للجماهير.. جـ 5