انتصار الستالينية أنشأ نمطا جديدا لدولة العمال.. جـ (13)

0
211

 

إذا كانت مهمة الدفاع عن الدولة الروسية في السنوات الأولى التي تلت الثورة صعبة، فإن الوضع كان أكثر صعوبة عندما استولت البيروقراطية الاستالينية على سلطة الحزب والدولة.

تروتسكي اتفق مع لينين حول تعريف الدولة السوفياتية، ولكن عندما تبلورت البيروقراطية الاستالينية في مركزها وصل إلى استنتاج يفيد بأن الاتحاد السوفياتي كان نمطا جديدا للدولة، رغم حفاظه على سمتة الطبقية. لم يعد دولة عمال بغالبية من الفلاحين “بتحلل بيروقراطي”. كان “دولة عمال متحللة”.

قد يناقش أحدهم (وربما هذا ما حدث) حول ما إذا كان تعريف تروتسكي، من وجهة نظر اصطلاحية، كان الأنسب، أم أنه لم يقارب بكلماته القليلة تعقيدات الدولة التي تقودها الاستالينية. رغم هذا من الضرورة التنوية بأن الجانب الاصطلاحي يحتل أهمية ثانوية بالنسبة لمحتوى مثل تلك الصياغة، لملاحظة تداعيات العملية، وبعبارة أخرى: التفسخ السياسي.

تساءل تروتسكي: ماذا يعني “تحلل دولة العمال” بالنسبة لبرنامجنا? من السؤال ذاته تمكن ملاحظة كيفية مواجهته للجدال النظري. لقد رفض خوض هذا النقاش من زاوية أكاديمية. كماركسي ثوري، وناشط سياسي، خاض الجدال حول طبيعة الاتحاد السوفياتي من وجهة نظر البرنامج الثوري، ومن هذا المنظور قدم الإجابة على تساؤله.

“برنامجنا يستجيب بدرجة من الواقعية الكافية تماما لحل مسألة الدفاع عن الاتحاد السوفياتي، وهي: 1) تلك السمات التي كانت في العام 1920 “تشوهات بيروقراطية” للنظام السوفياتي باتت الآن نظاما بيروقراطيا قائما بذاته والتهم السوفييتات. 2) دكتاتورية البيروقراطية التي تتضارب مع المهام الداخلية والأممية للاشتراكية، أدت، ولا تزال، إلى تشوهات عميقة في الحياة الاقتصادية للبلاد. 3) ولكن نظام الاقتصاد المخطط على أساس ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، تم الحفاظ عليه، وبقي مكتسبا عظيما للبشرية. هزيمة الاتحاد السوفياتي في حرب مع الإمبريالية سيؤدي ليس إلى تصفية الدكتاتورية البيروقراطية فحسب، بل أيضا دولة الاقتصاد المخطط، وتقطيع أوصال البلاد إلى مناطق نفوذ، وتوطيد جديد للإمبريالية، وإضعاف جديد لبروليتاريا العالم. [16] (ليون تروتسكي “من الخدش إلى خطر الغرغرينا”، دفاعا عن الماركسية، افتتاحية البروبوستا، البرازيل، ص 143_144).

تروتسكي والنظرية الماركسية للدولة

القيادة البلشفية في عهد لينين أخذت بعين الاعتبار ما إذا كانت روسيا ستبقى دولة معزولة، حيث سيكون انتصار الثورة المضادة واستعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي مسألة لا يمكن تجنبها. وقد حدث هذا في هزيمة الثورة الأوروبية، إذ منح انتصار الثورة المضادة أساس الدولة الرأسمالية الجديدة.[1]

ولكن الواقع كان أكثر تعقيدا، فكما كان متوقعا قادت العزلة إلى هزيمة الثورة، غير أن تلك الهزيمة لم تحل عبر استعادة الرأسمالية، بل بانتزاع القوة السياسية من العمال والحزب البلشفي القديم، لذا كان على النظرية الماركسية تجاوز اختبار مواجهة واقع جديد تماما.

الماركسية عرفت الدولة على أنها أداة سيطرة طبقة على الطبقات الأخرى، ولكن ما هي الطبيعة الطبقية لدولة لا تمتلك فيها البرجوازية ولا البروليتاريا ولا أية طبقة أخرى الهيمنة السياسية. في الواقع ما واجهته الماركسية يتمثل في فهم هذا النمط الجديد للدولة، والذي لا يقف عند حدبود طبيعته غير المسبوقة. تلك معضلة أخرى، ولكن جزء هام من أعمال ماركس وأنجلز تعرض لمسألة الدولة.[2]

ولكن حدث الشيء ذاته بالنسبة لهذه المعضلة فيما يتعلق بمفهوم الطبقة الاجتماعية. لم يقم ماركس ولا انجلز على الإطلاق بتطوير تحليل منهجي حول هذه المسألة، حتى أنه كان هناك بعض المنظرين الذين كشفوا اختلافات بينهما.[3]

تروتسكي واجه هذه المعضلة المزدوجة (دولة غير مسبوقة، وخواء نظري معين في الماركسية) بقوله:

“الطبيعة الطبقية للدولة تتحدد ليس استنادا إلى أشكالها السياسية فحسب، بل أيضا إلى محتواها الاجتماعي، وهو طبيعة أشكال الملكية وعلاقات الإنتاح التي تحرسها الدولة وتدافع عنها”. (تروتسكي، ليون، ليست دولة عمال ولا برجوازية، تشرين الثاني 25، 1937).

نويل مورينو ترجم هذا بقوله: كانت لدى تروتسكي الفرصة لأن يعدل بصراحة التعريف الذي وضعه هو ولينين بعد انتصار ثورة أوكتوبر 1917 بقليل، ولمواءمة الإجابات النظرية مع الحقائق المعطاة قام بفصلها، مقدما شرحا نسبيا عميقا للفئتين الأساسيتين، واللتين لا يمكن جمعهما بانسجام: البنية السياسية الفوقية، والبنية الاقتصادية، مانحا أهمية حاسمة لتلك الأخيرة. هذه العملية النظرية كانت بمثابة عودة إلى مصادر الفكر والنظرية الماركسية: المادية التاريخية، والتي تعرف البنية السياسية الفوقية جوهريا عبر أخذ البنية الاقتصادية للمجتمع بعين الاعتبار، بعبارة أخرى الأسس الاجتماعية لطبقة الدولة (السياسة اقتصاد مكثف)، ولكن قد تكون لهذه البنية الفوقية علاقة جدلية بالبنية التحتية، وقد يكون لها استقلالية كاملة.

عبر هذه التجربة، هجر تروتسكي تعريف البنية الفوقية البدائي للدولة القائمة على سوفييتات ثورية وديمقراطية، جاعلا من الجانب الاجتماعي، وليس السياسي، الباروميتر الأساسي. (مورينو، نويل، دكتاتورية البروليتاريا الثورية، بوغوتا، كولومبيا).

[1]بهذا الصدد كتب تروتسكي: “الماركسيون لم يعتقدوا أبدا أن دولة عمال معزولة يمكنها البقاء إلى أجل غير مسمى. على العكس، نتوقع أنه عوضا عن التحلل، سيتم تدمير الدولة السوفياتية… (الاتحاد السوفياتي في حرب، دفاعا عن الماركسية، افتتاحية البروبوستا، ساو باولو، ص 27_28).

[2]ماركس عالج مسألة الدولة بعمق في “نقد فلسفة هيغل” (1843)، و”الصراع الطبقي في فرنسا 1848_1850″ (1850)، و”البرومير الثامن عشر للويس نابليون” (1852)، و”الحرب الأهلية في فرنسا” (1871). انجلز فعل ذات الشيء في “مناهضة الدوهيرنغ” (1878)، و”أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” (1884

[3]بعض هذه الاختلافات بين ماركس وانجلز تم تسليط الضوء عليها من قبل الماركسي الفرنسي هنري ليفيبفر في كتابه: “النظرية الماركسية حول الدولة، من هيغل إلى ماو”.

يمكن مراجعة الجزء الثاني عشر من خلال الرابط التالي:

 

تحلل حزب البلاشفة ودولة العمال.. جـ (12)