تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر السوفييتات ومُظاهرة يونيو (حزيران).. جـ 2

0
328

وفي جلسة المؤتمر التي كانوا يحاكمون فيها البلاشفة بغيابهم، اقترح ممثل المناشفة تحديد يوم الأحد التالي المصادف 18 يونيو (حزيران) للقيام بمظاهرة في بتروغراد، والمدن الكبرى، يشترك فيها العمال والجنود لكي يبرهنوا للخصوم وحدة الديمقراطية وقوتها. وصُدق على الاقتراح. ولكن إقراره وتصديقه أحدث شيئًا من الذهول. وبعد شهر تقريبًا فسَّر ميليوكوف بصورة أريبة تحول التوفيقيين غير المتوقع قائلاً: “لقد أحس الوزراء الاشتراكيون أنهم ساروا بعيدًا جدًا في تقاربهم معنا بعد أن أدلوا بأحاديث الكاديت في مؤتمر السوفييتات، ونجحوا في منع المظاهرة المسلحة التي كان مقررًا خروجها يوم 10 يونيو (حزيران)… وأحس الوزراء الاشتراكيون أيضًا أن الأرض تهتز تحت أقدامهم. فاستداروا فجأة نحو البلاشفة وهم مذعورون”. ولكنهم عندما قرروا القيام بمظاهرة 18 يونيو (حزيران)، كانوا لا يستديرون بالطبع نحو البلاشفة، ولكنهم يحاولون الاستدارة نحو الجماهير، ضد البلاشفة. وأحدثت المواجهة الليلية مع العمال والجنود هزة للزعماء: وهكذا سارعوا إلى إصدار مراسيم باسم الحكومة لإلغاء مجلس الدوما الإمبراطوري واستدعاء المجلس التأسيسي بتاريخ 30 سبتمبر (أيلول)، خلافًا لما كانوا قد خططوا في بدء المؤتمر، وانتقيت شعارات المظاهرة وحُسبت بشكل لا يثير الجماهير ويغضبها: “سلم عام”، “استدعاء المجلس التأسيسي بأسرع ما يمكن”، “جمهورية ديمقراطية”. أما عن الهجوم وعن الائتلاف فلم يكن هناك أية كلمة. وكان لينين يطالب على صفحات البرافدا بما يلي: “ولكن أيها السادة إلى أين ذهبت إذن الثقة المطلقة بالحكومة المؤقتة،؟… فهل انعقد لسانكم؟” وأصابت هذه السخرية هدفها؛ إذ لم يتجرأ التوفيقيون على مطالبة الجماهير بمنح الثقة للحكومة التي هُم جزء منها.

وبعد أن جاب المندوبون السوفييت الأحياء العمالية والثكنات مرة ثانية، قدموا في عشية يوم المظاهرة تقارير مطمئنة إلى اللجنة التنفيذية. وأعادت هذه المعلومات إلى تسيريتلي التوازن والرغبة بالتأنيب والتجريح، فتوجه إلى البلاشفة قائلاً: “سيكون لدينا استعراض صريح وشريف للقوى الثورية… وسنرى كلنا الآن خلف من تسير الأكثرية: وراءكم أم وراءنا”. وقبل البلاشفة التحدي وذلك قبل أن يصاغ هذا التحدي بمثل هذا الطيش. وكتبت البرافدا تقول: “ستذهب إلى مظاهرة 18 بغية النضال من أجل الأهداف التي أردنا أن نقوم بالتظاهرة في سبيلها بتاريخ 10”.

وقد أدَّى الطريق الذي اتبعته المظاهرة في هذه المرة أيضًا إلى ساحة الاستعراضات (ساحة مارس) وإلى ضريح ضحايا فبراير (شباط) كذكرى لجنازات مارس (آذار) الذي تمت فيه، ظاهريًّا على الأقل، أكبر مظاهرة تدل على وحدة الديمقراطية. ولكن، فيما عدا طريق المظاهرة لم يكن هناك شيء يذكر بأيام مارس (آذار) البعيدة. وقد اشترك حوالي 400.000 شخص في الموكب؛ أي أقل بكثير من العدد الذي اشترك في مراسيم تشييع الضحايا: وامتنعت البرجوازية عن الاشتراك في مظاهرة السوفييتات المؤتلفة معها، كما قاطعتها الأنتليجنسيا الراديكالية، التي احتلت مكانًا مرموقًا في الاستعراضات السابقة للديمقراطية. ولم يكن في الموكب سوى عمال المصانع وجنود الثكنات.

وكان مندوبو المؤتمر، المجتمعون في ساحة الاستعراضات (ساحة مارس) يقرءون اللافتات ويعدونها. واستقبلت الشعارات البلشفية الأولى بشيء من السخرية ألَم يطلق تسيريتلي تحديه بالأمس بمنتهى الجرأة؟ ولكن الشعارات ذاتها كانت تتكرر وتتكرر: “فليسقط الوزراء الرأسماليون العشرة!” “فليسقط الهجوم!” “كل السلطة للسوفييتات!”. وجمدت الابتسامات الساخرة على الوجوه، ثم زالت فيما بعد وامحت. ورفرفت الأعلام البلشفية على مدى البصر. وامتنع المندوبون عن القيام بحساباتهم الجاحدة؛ إذ كان انتصار البلاشفة واضحًا بشكل لا جدال فيه. وقد كتب سوخانوف معلقًا على ذلك: “كانت سلسلة أعلام وأرتال البلاشفة تقاطع هنا وهناك بشعارات اشتراكية – ثورية بصورة خاصة، وبالشعارات السوفييتية الرسمية. ولكن هذه الشعارات غرقت وسط الجماهير”. وفي اليوم التالي روت الصحيفة غير الرسمية الناطقة باسم السوفييت، بأي “غضب مزقت اللافتات التي كتب عليها شعارات تأييد الحكومة المؤقتة”. وتتسم هذه الكلمات بالمبالغة؛ إذ لم تحمل اللافتات التي كُتب عليها عبارات تؤيد الحكومة المؤقتة سوى ثلاث جماعات؛ مجموعة بليخانوف، ومفرزة من القوزاق، ومجموعة من المثقفين اليهود المرتبطين بالبوند. وبدا هذا المزيج الثلاثي، الذي يعطي بتأليفه انطباع شذوذ سياسي، كدليل واضح للتأكيد على عجز النظام. واضطر أنصار بليخانوف وجماعة البوند إلى طي لافتاتهم خلال المظاهرة، تحت تأثير أصوات الاحتجاج المعادية التي أطلقتها الجموع الغفيرة. أما القوزاق فقد انتزع المتظاهرون علمهم ومزقوه لأنهم أظهروا عنادًا وإصرارًا.

وإليكم وصف الأزفستيا لهذه المظاهرة: “وتحوَّل السيل الذي كان يتحرك حتى تلك اللحظة إلى نهر واسع من المياه الربيعية، وأخذ يهدد بالطوفان من لحظة إلى أخرى”. كان هذا في حي فيبورغ المغطى كله بالأعلام البلشفية التي كتب عليها: “فليسقط الوزراء الرأسماليون العشرة”. وأخرج أحد المصانع اللافتة التالية: “حق الحياة فوق حق الملكية الخاصة!” ولم يكن أي من الأحزاب قط طرح هذا الشعار.

وكان الريفيون المصدومون يبحثون عن الزعماء بأعينهم. وكان الزعماء يخفضون أنظارهم أو يتسللون بكل بساطة. وقد أثر البلاشفة على الريفيين وأبناء المناطق، الذين أخذوا يتساءلون: هل يشبه البلاشفة عصابة صغيرة من المتآمرين؟ واعترف المندوبون من المشهد الذي رأوه أن البلاشفة لا يشبهون مجموعة من المتآمرين. وأخذوا يعترفون للبلاشفة بنغمة مختلفة كل الاختلاف عن نغمتهم في الجلسة الرسمية. “إنكم تشكلون قوة في بتروغراد. ولكنكم لا تملكون القوة ذاتها في المنطقة وفي الجبهة. ولا تستطيع بتروغراد الزحف ضد كل البلاد”. وكان البلاشفة يردون عليهم: “انتظروا بعض الوقت وسيأتي دوركم. فستنتشر نفس اللافتات عندكم أيضًا”.

وكتب بليخانوف المسن ما يلي: “خلال هذه المظاهرة، كنت في ساحة الاستعراضات (ساحة مارس) إلى جانب تشخيدزه. وقد لاحظت من تعبيرات وجهه أنه لم يكن مخدوعًا أبدًا حول معنى كثرة اللافتات التي تطالب بطرد الوزراء الرأسماليين. وكان هذا المعنى مشارًا إليه عن تصور وتصميم بالأوامر التي كان يوجهها بعض ممثلي اللينيين، كقادة حقيقيين، كانوا يقومون بالاستعراض أمامنا كما لو أن المظاهرة عيدهم الوطني”.

* * *

وكان للبلاشفة على كل حال دوافعهم للإحساس بهذا الشكل. وقد كتبت صحيفة غوركي تقول: “إذا حكمنا من خلال لافتات وشعارات المتظاهرين، وجدنا أن المظاهرة العملية ليوم الأحد قد كشفت الانتصار الكامل للبلشفية في بروليتاريا بتروغراد”. كان حقًا انتصارًا كبيرًا، كسبته البلشفية على الأرض وبالسلاح اللذين اختارهما خصومهما. فقد أخرج مؤتمر السوفييتات، الجماهير إلى الشارع بمبادرته الخاصة، لأنه أيَّد الهجوم، وقَبِل بالائتلاف، وأدان البلاشفة. فردت عليه هذه الجماهير: نحن لا نريد الهجوم، ولا الائتلاف، ونقف إلى جانب البلاشفة. تلك كانت النتيجة السياسية للمظاهرة. فهل من المدهش بعد كل هذا أن تسأل صحيفة المناشفة، في اليوم التالي أولئك الذين ابتدعوا فكرة المظاهرة: مَن الذي اقترح هذه الفكرة التعيسة؟

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر السوفييتات ومُظاهرة يونيو (حزيران).. جـ 1