الجدال حول الاتحاد السوفييتي في حياة تروتسكي

0
70

 

 

تروتسكي، كما سبق وأن قلنا، اعتقد أن الاتحاد السوفييتي، رغم سلطته البيروقراطية، كان لا يزال دولة عمال. “دولة عمال متحللة” بالبيروقراطية. وقد شرح أسبابه مئات المرات.

تأميم الأرض، ووسائل الإنتاج الصناعي، والنقل، والصرف، إلى جانب احتكار التجارة الخارجية، تشكل قواعد بنية الاتحاد السوفييتي. عبر هذه العلاقات، التي أسستها الثورة البروليتارية، باتت طبيعة الاتحاد السوفييتي كدولة بروليتارية واضحة المعالم بالنسبة لنا.. ثورة أوكتوبر تعرضت للغدر من قبل الطبقة الحاكمة، ولكن لم يتم الإجهاز عليها بعد. (تروتسكي، 1991، ص 210_211 و213).

استنادا إلى هذا التوصيف، اعتقد تروتسكي بضرورة حماية الاتحاد السوفييتي من أعدائه، ولهذه الحماية وجهان، فمن جهة لا بد من حمايته من البيروقراطية، عدوه الداخلي الرئيسي، ومن جهة أخرى لا بد من حمايته من الإمبريالية العالمية.

من هنا، قال تروتسكي في الاتحاد السوفييتي: “ثورة جديدة باتت ضرورة للفظ البيروقراطية من السلطة، ولكن لن تكون لها ذات السمة الاجتماعية لثورة أوكتوبر 1917. هذه الثورة الجديدة ستكون سياسية، حيث سينبغي عليها الحفاظ على البنية السياسية (تأميم الملكية والتخطيط)”.

إضافة لما سبق، قال إن الإمبريالية تمكنها مهاجمة الاتحاد السوفييتي قبل استرداد العمال للسلطة. في هذه الحالة اقترح الدفاع غير المشروط عن الاتحاد السوفياتي قبل أية هجمة إمبريالية محتملة، سواء أكانت فاشية أو “ديمقراطية”.

أعمال تروتسكي كانت حاسمة لتسليح الطليعة الماركسية التي تحضرت لبناء الأممية الرابعة، ولكنها أحدثت أيضا جدالات هامة حول ذات الأمور. العديد من الثوريين، في محاولة مواجهة الستالينية، اعتقدوا أن تروتسكي لم يصل إلى كافة الاستخلاصات حول مسيرة البيروقراطية في الاتحاد السوفييتي.

فيما يتعلق بالتوصيف كان هناك سؤالان رئيسيان لتروتسكي لدى هذا القطاع. من جهة اعتقدوا أنه كان من الخطأ الاستمرار بوصف الاتحاد السوفييتي بأنه دولة عمال. ومن جهة أخرى اعتقد الأغلب أن تروتسكي أخطأ عندما قال إن البيروقراطية لم تكن طبقة اجتماعية.

راكوفسكي: “الدولة البيروقراطية”

تروتسكي أشار في مناسبات عديدة إلى أن الدول التي تحكمها الستالينية هي دول بيروقراطية[1].

وبوصفه هذا كان يعمد إلى تسليط الضوء على حقيقة أن البيروقراطية وليست الطبقة العاملة هي من تمتلك السلطة السياسية لتلك الدول. ولكن هذا الوصف بدأ يستخدم من قبل ماركسيين ثوريين آخرين لتعريف نظام اجتماعي جديد ليس بالرأسمالي ولا بالعمالي. بالنسبة لهم فإن انتصار الستالينية فتح الباب ليس أمام نمط جديد لدولة العمال، ولكن أمام دولة ذات سمة اجتماعية مختلفة. وكجزء من هذه الصيرورة باتت البيروقراطية طبقة اجتماعية جديدة.

هذا الموقف بدأ بالانتشار قبل الفراغ من بناء الأممية الرابعة. وعلى ما يبدو فإنه نشأ في رحم المعارضة الروسية اليسارية.

في 1930، خلال الكونغرس السادس عشر للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي، كتب كرستيان راكوفسكي بيانا ووقعه، وإلى جانبه كان هناك توقيع فلاديمير كوسيور، ونيكولاي مرالوف، وفيرونيكا كاسباروفا،[2]جاء فيه: “من دولة بروليتارية بتشوهات بيروقراطية (كما قام لينين بتعريف الشكل السياسي لدولتنا) كنا نمضي باتجاه دولة بيروقراطية بمخلفات بروليتارية شيوعية. لقد أضافت، أمام أعيننا، طبقة حاكمة كبرى بتقسيماتها الداخلية”.

هذه التصريحات كانت وقود اشتعال النقاش في أروقة المعارضة اليسارية، حيث تبادلت الرسائل بين مؤيد ومعارض لهذين التصورين. ولكن ما نعرفه اليوم أن هذا الجدال لم يتجاوز التصريحات. راكوفسكي وأولئك الذين اتفقوا معه، لم يقوموا بتوضيح مغزاهم من التصريح حول بروز الدولة البيروقراطية. بأية قوانين تمارس تلك الدولة وظيفتها؟ وهل كانت الظاهرة مقتصرة على الاتحاد السوفياتي أم أنها انتشرت أممياً؟ وهل كانت تشكيلة عليا أم دونية للرأسمالية؟ وما هو الاستنتاج السياسي الذي ينبغي الخلاص إليه من هذا التوصيف؟.

لا نعلم اليوم كيف تم تناول هذه التساؤلات، وما إذا كان قد تم الاقتراب على الأقل من الاستنتاجات التي يفترض بلوغها من هذا الجدال. ولا نعلم أيضا لماذا لم يشارك تروتسكي، القائد الرئيسي للمعارضة، في هذا الجدال.[3]

على الأغلب أن هذا النقاش انقطع فجأة، وبشكل لا إرادي، إثر الظروف الصعبة لنشاط المعارضة اليسارية.[4]

برونو ريزي: “فرض البيروقراطية على العالم”

في نهاية الثلاثينيات تمت استعادة النقاش حول الدولة البيروقراطية والبيروقراطية كطبقة اجتماعية، حيث جرت معالجتهما بعمق. في 1939_1940 برز نقاش حاد داخل حزب العمال الاشتراكيين الأميركي.[5]وفي صلب هذا النقاش نلمس مسألة السمة الطبقية للدولة السوفياتية. الأقلية، ولا سيما جيمس برنام، والذي كان المنظر الأيديولوجي الأساسي، شكك بمواقف الغالبية في الحزب والأممية الرابعة.[6]

في ذلك الوقت شارك تروتسكي بفاعلية في تلك المناظرات عبر سلسلة من الرسائل التي اقتبس فيها أقوال برونو ريزي بطريقة مثيرة للجدل، حيث لم يكن الأخير من حزب العمال الاشتراكيين، ولا من أية منظمة للأممية الرابعة[7]. لقد مضى في ذلك الاتجاه كونه أدرك أن هنالك موقفين صلبين فيما يتعلق بالنقاش حول السمة الطبقية للاتحاد السوفييتي، موقفه من جهة وموقف ريزي في الجهة المقابلة. وفي هذا السياق وصف بورنام بأنه جزء من أتباع أو أشباه أتباع ريزي.[8]

برونو ريزي (في رسائل تروتسكي أشير إليه ببرونو ر) كان ماركسيا إيطاليا مرتبطا بالأممية الرابعة، وقد نشر كتابا بعنوان فرض البيروقراطية على العالم سنة 1939.

في ذلك الكتاب جادل ريزي ليون تروتسكي وأتباعه، وبالأخص الفرنسي بيير نافيل، حول طبيعة الاتحاد السوفييتي، البيروقراطية ومهام الثوار. اعتقد ريزي أن الاتحاد السوفييتي تم الاستيلاء عليه كدولة عمال. بالنسبة له كانت هنالك تشكيلة اجتماعية جديدة قد برزت في ذلك البلد، بقيادة طبقة اجتماعية جديدة. قال إن الاتحاد السوفييتي يمثل نمطا اجتماعيا جديدا بقيادة طبقة جديدة. الملكية جمعية وتعود لتلك الطبقة التي نظمت نظام إنتاج جديد. (ريزي، ن/د).

استنادا إلى هذه المفاهيم جادل برونو ريزي تروتسكي. الاتحاد السوفييتي لم يقم بتلبية معايير دولة العمال التي طورناها في برنامجنا. قال تروتسكي: “يبين لنا التاريخ عملية تحلل دولة العمال”، ولكن بعد هذا التحلل، ما الذي تبقى من دولة العمال ودكتاتورية البروليتاريا؟ يجيب تروتسكي: “تأميم الملكية والاقتصاد المخطط”. صحيح تماما، ولكن لأية غاية؟ أهو للمضي نحو الاشتراكية؟ لا، كما هو واضح، حتى تروتسكي ينكر ذلك. ثم ماذا؟ إذا بقي تأميم الملكية والاقتصاد المخطط قائمان فمرد ذلك أنهما مناسبان لنظام يمتلك القوة في يديه. (ريزي، ن/د).

وكجانب من هذا المنطق، اعتقد برونو ريزي أن تلك الظاهرة في الاتحاد السوفييتي، مع تشكيلات أخرى، امتدت على طول الكوكب وعرضه، وكانت جزء من صفقة أميركا الشمالية الجديدة، والفاشية الإيطالية، والنازية الألمانية. وبالنسبة لهذه المسألة قال ريزي أنهما (النظامين الفاشي والنازي)يشهدان عملية بيروقراطية متسارعة، وقد اتخذا سمة معادية للرأسمالية، رغم أنه لم يتم القضاء على رأس المال جذريا فيهما، خلافا للاتحاد السوفييتي. (ريزي، ن/د).

ريزي شرح العملية سوشيولوجيا على النحو التالي: منطقيا، ينبغي أن تنتقل السلطة من البرجوازية إلى البروليتاريا، ولكن هذا الواقع لم يحل. فعليا، انتقلت السلطة إلى قيادة اجتماعية ليست بالبرجوازية ولا البروليتارية. في ظاهرة الإنتاج الضخم، باتت صورة الرأسمالية عديمة القيمة، وتم تجاهلها أوتوماتيكيا. الأعراض السياسية كانت منسجمة أيضا مع عملية فرض البيروقراطية على العالم. الإمبرياليات الفرنسية والإنجليزية والأميركية الشمالية القديمة أدركت عدم فائدة واستحالة الاحتفاظ بسيطرتها في عالم إذا أراد فيه المرء البقاء لا يمكنه أن يبقى امبرياليا، ويتحول بيروقراطيا أمام العين المجردة. وشيئا فشيئا سيجد العمال في فرنسا وإنجلترا وأميركا الشمالية أنهم لم يعودوا مواطنين عاديين، بل “رعايا” لنظام بيروقراطي “سيؤمم” الملكية ويشيع معايير أخرى متعددة للطبيعة “الاشتراكية”. هذا لن يدعى بالتأكيد بالفاشية، أو النازية، أو الستالينية. سيكون له حتما اسم مختلف، رغم أنه سيبقى الشيء ذاته في صميمه: ملكية جمعية في يد الدولة، وبيروقراطية كطبقة مسيطرة، وتنظيم جمعي ومخطط للإنتاج. (ريزي، ن/د).

ريزي، استنادا إلى التوصيف الذي يعتبر أن البيروقراطية تقود نظاما اجتماعيا جديدا حل مكان الرأسمالية، خلص إلى استنتاج أن استعادتها غير ممكنة. استعادة البرجوازية هي مسخ الشؤم للماركسيين الأرثوذكسيين والعلميين. جميعهم مهووسون بالخوف من رؤية البرجوازية تعود للظهور عبر تحول البيروقراطية. فزاعة أولئك الذين لا يعتزمون الدفاع عن الاتحاد السوفييتي، هي حجة جيدة، ولكن إمكانية تحمل أن التطور الاقتصادي يمكنه تحديد العودة إلى النظام الرأسمالي لا تبدو مناسبة جدا. (ريزي، ن/د).

تروتسكي يرد على برونو ريزي

بتحليل موقف ريزي من الواقع الراهن (الخطط النيوليبرالية لتخفيض حصة الدولة وخصخصة الشركات) يبدو وأن ضربا من ضروب الهلوسة والشك قد يثار حول السبب الذي دفع تروتسكي لأخذه على محمل الجد. ولكن على المرء ملاحظة أن هذا النقاش دار عام 1939، عندما بدأت الحرب العالمية الثانية. عندما كان انتشار الفاشية والنازية يغمر العالم، حيث كانت الطلائع العمالية تتعرض للمجازر، ويتجرد جزء لافت من البرجوازية من أملاكه.[9]وعلامة التساوي التي وضعها ريزي بين البيروقراطية الستالينية والبيروقراطية الفاشية قد تبدو أيضا أمرا سخيفا. من الواضح أن ريزي اتخذ موقفا خاطئا، ولكن من الضرورة وضع ذلك الجدال في الوقت الذي دار به، السنة التي شهدت إبرام ميثاق هتلر-ستالين.

من جهة أخرى توجد بين البيروقراطية الفاشية وتلك الستالينية العديد من العناصر المشتركة. وهذا ما دفع تروتسكي لأن يقول: “البيروقراطية السوفييتية شبيهة بكافة البيروقراطيات الأخرى، وخاصة الفاشية”. (تروتسكي، 1991، ص 211).

مواقف بروني ريزي كانت صلبة لا غبار عليها. لذا أدرك تروتسكي الأمر عندما قال إن هناك بديلين:

“إما أن الدولة الستالينية تشكيلة عابرة، فهي عبارة عن تحلّل لدولة العمال وتحولها إلى دولة رجعية ومعزولة، أو أن “الجماعية البيروقراطية” (برونو ر، بيروقراطية العالم، باريس، 1939) هي تشكيل اجتماعي جديد، حل مكان الرأسمالية على مدى العالم (الستالينية، الفاشية، الصفقات الجديدة.. الخ).” [39] (تروتسكي، ليون، رسائل لجيمس ب. 12 أيلول 1939، نشرت في كتاب دفاعا عن الماركسية).

تروتسكي جادل بضراوة فهم ريزي حول الدولة البيروقراطية، حيث عالج هذه المسألة في إطار علم الاجتماع الماركسي. ويقول في هذا السياق:

“… فقط عبر  المنظور التاريخي الضروري يمكن امتلاك حكم صائب حول مسألة كاستبدال نظام اجتماعي بآخر. هذا البديل التاريخي، في نهاية الأمر، هو كالتالي: إما أن نظام ستالين انتكاس بغيض في عملية تحويل مجتمع برجوازي إلى مجتمع اشتراكي، أو أن نظام ستالين هو المرحلة الأولى لمجتمع استغلال جديد. (تروتسكي، ليون، “الاتحاد السوفييتي في حرب”، دفاعا عن الماركسية، أيلول، 1939).

تروتسكي لم يستبعد فرضية ريزي. على العكس، قال إنه لحدوث هذا لا بد من توفر ظروف معينة، منها “إذا أثبتت بروليتاريا العالم فعليا عدم قدرتها على إنجاز المهمة الملقاة على عاتقها عبر مسار التطور”.

بهذا لم يكن تروتسكي قد انتقد ريزي لإثارته فرضية الجماعية البيروقراطية، بل لاعتباره أن هذا النظام “وكأنه كان قد تم تثبيته نهائيا”. (تروتسكي، ليون، “الاتحاد السوفييتي في حرب”، دفاعا عن الماركسية، أيلول 1939).

إصرار برونو على أن “مناهضة الرأسمالية” الفاشية قادرة على الوصول إلى تجريد البرجوازية من أملاكها خاطئ تماما. تدابير “جزئية” لتدخل الدولة والتأميم يختلف في الواقع عن اقتصاد تخططه الدولة تماما كاختلاف الإصلاحات عن الثورة. موسيليني وهتلر فقط “ينسقان” مصالح أصحاب الملكية و”ينظمان” الاقتصاد الرأسمالي، بل وأكثر من ذلك، لأهداف حربية بالدرجة الأولى. مرة أخرى، حكم الأقلية شيء مختلف: لديه فرصة توجيه الاقتصاد كجسم يمتلك فقط حقيقة أن الطبقة العاملة الروسية حققت أعظم انقلاب في علاقات الملكية بالتاريخ. هذا الفرق ينبغي عدم التعامي عنه.

وفيما يتعلق بسمة البيروقراطية، كان موقف تروتسكي واضحا وتم شرحه مرارا،

محاولة تمثيل البيروقراطية السوفياتية كطبقة ل “رأسمالية الدولة” لن تصمد، كما هو واضح، أمام النقد. البيروقراطية ليس لديها أسهم أو سندات. إنها تجيش وتلحق وتجدد وفق أسلوب الإدارة الهرمية، بعيدا عن أية علاقات ملكية خاصة لها. الأفراد البيروقراطيون لا يملكون نقل حقوقهم في استغلال أجهزة الدولة لورثتهم. البيروقراطية تتمتع بامتيازاتها عبر سوء استخدام السلطة. إنها تخفي حقيقة دخلها، وتتظاهر بأنها حتى غير متواجدة كفئة اجتماعية خاصة. استيلاؤها على حصة ضخمة من الدخل القومي يتسم بالتطفل الاجتماعي. (تروتسكي، 1991، ص 212).

ومن جهة أخرى طرح قضية أساسية لأي ماركسي،

“التبرير التاريخي لكل طبقة حاكمة يتألف من التالي: نظام الاستغلال الذي ترأسه رفع وتيرة تطوير قوى الإنتاج إلى مستوى جديد. بعيدا عن ظلال الشك، النظام السوفييتي منح نبضاً أسطوريا للاقتصاد. ولكن مصدر هذا النبض كان تأميم وسائل الإنتاج والبدايات المخططة، وعلى أية حال، حقيقة أن البيروقراطية استولت على الاقتصاد.

تروتسكي وضع السياسة في موقع الريادة

تروتسكي وضع ملاحظات منهجية عندما شارك في النقاشات حول طبيعة الاتحاد السوفييتي، لأولئك الذين اتفقوا معه والذين لم يتفقوا، وما زالت صالحة لليوم.

أعطى الجانب الأكبر من الأهمية للنقاش النظري، ولكنه كان مؤمننا بأن الاستخلاص السياسي هو الحاسم.

استنادا إلى هذا المعيار، قال لأولئك الذين اتفقوا معه على الطبيعة الطبقية للاتحاد السوفييتي: “سيكون بالتالي هراء شنيعا الانشقاق عن الرفاق الذين يمتلكون رأيا مختلفا عنا حول طبيعة الاتحاد السوفييتي، بقدر تضامنهم معنا فيما يتعلق بالمهام السياسية.

الرسالة كانت واضحة وذات أهمية كبرى في وقتها، لأن نقاشا ضاريا حول هذه القضية من شأنه تهديد وحدة حزب العمال الاشتراكيين، وحزب الأميركيين الشماليين، والأممية الرابعة.[10] في هذا الجدال، كغيره، وضع تروتسكي السياسة في موقع القيادة، متحديا بذلك أولئك الذين يمتلكون رأيا مختلفا،

“من يقول أن الاتحاد السوفييتي لم يعد دولة عمال متحلّلة، وإنما تشكيلة اجتماعية جديدة، عليه أن يخبرنا بوضوح ماذا أضاف لاستنتاجاتنا السياسية”. (تروتسكي، ليون، رسالة إلى جيمس ب، كنون، دفاعا عن الماركسية، 12 أيلول 1939).

ولدفع هذه المعايير إلى نهاية ما يترتب عليها قال:

دعونا نعترف للحظة بأن البيروقراطية “طبقة” جديدة وأن النظام الحالي في الاتحاد السوفييتي نظام خاص للاستغلال الطبقي. ما هي الاستنتاجات السياسية الجديدة التي ستهل علينا من هذه التعريفات؟ “الأممية الرابعة” أقرت منذ فترة طويلة بضرورة إسقاط البيروقراطية عبر انتفاضة ثورية للكادحين. لا يوجد غير ذلك ما تم اقتراحه أو ما يمكن أن يقترحه أولئك الذين يعلنون أن البيروقراطية “طبقة” استغلال… طالما أن مسألة إسقاط الأوليغاركية الطفيلية مازالت مرتبطة بالحفاظ على ملكية (الدولة) المؤمّمة، سندعو الثورة المستقبلية بثورة سياسية. بعض منتقدينا (سيليغا، وبرونو، وآخرون) يريدون، ما أمكنهم، تسمية ثورة المستقبل بالاجتماعية. دعونا نسلم بهذا التعريف. ما الذي غيره في الجوهر؟ بالنسبة لمهمات الثورة التي عددناها فإن هذا لا يضيف أي شيء… منتقدونا يرفضون دعوة دولة العمال المتحللة بدولة العمال. يطالبون بتسمية البيروقراطية التوتاليتارية بالطبقة الحاكمة. ويقترحون اعتبار الثورة ضد هذه البيروقراطية اجتماعية وليس سياسية. عبر تقديمنا لهذه التنازلات الإصطلاحية، سنضع منتقدينا في موقف صعب للغاية، طالما أنهم أنفسهم لن يعرفوا ما الذي ينبغي فعله بنصرهم اللفظي البحت.

ما سبق لا يعني أن تروتسكي تجاهل أو قلل من أهمية الاختلافات النظرية.. “سيكون تعاميا من جهتنا أن نتجاهل الاختلافات النظرية المحضة وحتى الإصطلاحية”. ولكن بالنسبة له فإن النقاشات النظرية ليس لها أهداف بذاتها.

واجه الأمر لأنه كان يخشى أنه في حال عدم معالجته، سيقود الوضع إلى خلافات سياسية كبرى، “في سياق التطور القادم قد تنال اللحم والدم وتقود إلى استنتاجات سياسية معاكسة تماما”.

مخاوف تروتسكي تتأكد

فيما يتعلق بسياسة الاتحاد السوفييتي، والتي كانت شغل تروتسكي الشاغل، كان أهم عناصر النقاش هو ما إذا كان النظام الاجتماعي المتواجد في روسيا تقدميا أم لا بالنسبة للرأسمالية. كانت تلك المسألة هي حجر الرحى لأن الإجابة الإيجابية أو السلبية ستحدد سياسة الدفاع أو عدم الدفاع عن الاتحاد السوفييتي في مواجهة الهجمة الإمبريالية والبيروقراطية نفسها.

تروتسكي كان واضحا للغاية بهذا الصدد. النظام الاجتماعي الموجود في روسيا كان، رغم البيروقراطية، متقدما جدا أمام الرأسمالية، لأنه كان قائما على تأميم الملكية والاقتصاد المخطط.

برونو ريزي لم يكن يخشى ذلك أيضا. كان قد بدأ جداله مع تروتسكي وبعد فترة قصيرة خلال تأليف كتابه، وصل إلى استنتاج مناقض أكثر من تروتسكي. في إحدى ملاحظاته يقول، بالغا تلك النقطة من فيلمه الذهني، إنه مازال يعتقد أن الاتحاد السوفييتي يمثل ضربا من ضروب النظم الإجتماعية، ليس اشتراكيا بعد، ولكنه تقدمي مقارنة بالرأسمالية. وفي نهايات كتابه فهم أن الاتحاد السوفييتي كان فعليا توليفة تاريخية جديدة للمجتمع، ولكنها توليفة رديئة. (ريزي، ن/د).

الاستنتاج السياسي الذي خلص إليه ريزي من هذا التوصيف لا يمكن أن يكون مختلفا، الدفاع عن الاتحاد السوفييتي يعني الدفاع عن نظام جديد للاستغلال وعن الطبقة المستفيدة منه. (ريزي، ن/ د). كما هو واضح كان ريزي غير مترابط هنا. تروتسكي كان دائما واضح للغاية في قوله إن الدفاع عن الاتحاد السوفييتي لا يعني الدفاع عن البيروقراطية، بل الدفاع عن الإنجازين العظيمين للثورة، التأميم والاقتصاد المخطط. ولكن ريزي كان غير مترابط حتى النهاية. عارض الدفاع عن الاتحاد السوفييتي لأنه كان يعارض الدفاع عن منجَزَي الثورة هذين، واللذين لم يكونا مناسبين بالنسبة له. كان هذا جليا في قوله، بعد بضعة سنوات، إنه لا يستطيع أحد استبعاد احتمال وجود طريقة لإنهاء استغلال الإنسان للإنسان، وكذلك الطبقية والدولة. ولكن على المرء البحث لإيجاد طريق اقتصادي آخر لأنه ثبت فشل التأميم والتخطيط، نتائجهما عكسية ومعاديان للثورة. (ريزي، ن/د).

في الولايات المتحدة، كانت مواقف الأقلية في حزب العمال الاشتراكيين تتبع مسارا مماثلا لأفكار ريزي. بدأوا بالتخلي عن وصف الاتحاد السوفييتي بدولة العمال وآلوا إلى التخلي عن الدفاع غير المشروط عنه في مواجهة الإمبريالية.

في البداية القائد الوحيد للأقلية الرافضة لاعتبار أن الاتحاد السوفييتي دولة عمال كان برنهام، ولكن جميعهم، حتى هو، اتفقوا على “الدفاع غير المشروط” عنه ضد الهجمة الإمبريالية. ولكن لم يمض وقت طويل قبل أن تعبّر الأقلية برمتها عن شعار “غامض، مجرد، وخارج الخريطة” وكانت هذه المعضلة السياسية الجوهرية تحتل مركز الجدال. لذا قاد هذا الجدال الضاري إلى انشقاق حزب العمال الاشتراكيين في أميركا الشمالية حتى باتوا يعرفون بـ “المدافعين” و”مناهضي الدفاع”.

 

 

 

[1]تروتسكي استخدم هذا الوصف في العديد من أعماله. مثلا في كتاب الثورة المغدورة

[2]أولئك الذين وقعوا نص المعارضة هذا كانوا قادة كبار للحزب البلشفي والحكومة السوفياتية. كريستيان راكوفسكي، من مواليد بلغاريا، كان رئيس مجلس مفوضية الشعب الأوكراني منذ 1919 إلى 1923، وعضوا باللجنة المركزية البلشفية منذ 1919 حتى 1925. في 1927 التحق بالمعارضة المشتركة. وفلاديمير كوسيور كان عضوا بلشفيا منذ 1903. وكان زعيم الحرس الأحمر الذي احتل الكريملين في ثورة أوكتوبر 1917. وخلال الحرب الأهلية كان عضوا في قيادة الجيش الأحمر.

[3]بالنسبة لهذا الموضوع، سجل محررون دفاتر ليون تروتسكي من فرنسا ما يلي: لا بد من تسليط الضوء على عدم رغبة تروتسكي في إثارة هذا النقاش. ليون سيدوف (نجل تروتسكي) كان سعيدا بسرد مواقف راكوفسكي ونقده الذي تضمنه مقال أعده لصحافة المعارضة الأممية.

[4]مصير كتاب إعلان الكونغرس السادس عشر للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي يكشف هذه الظروف القاسية. في 1934 وبعد صراع طويل مع الاستالينية، انتهى أمر راكوفسكي بالاستسلام، الأمر الذي لم يمنع إدانته وسجنه لفترة قصيرة بعد العملية الثالثة في موسكو. فلاديمير كوسيور اختفى في معسكرات الاعتقال خلال فترة التطهير الكبير. نيكولاي مرالوف، والذي تم إبعاده عن الحزب وترحيله عام 1927، حكم عليه بالإعدام ورمي بالرصاص خلال العملية الثانية في موسكو (1937).

[5]في 1939 كان حزب العمال الاشتراكييين الأميركي هو الحزب الرئيسي في الأممية الرابعة حديثة التأسيس.

[6]منذ تأسيس حزب العمال الاشتراكيين عام 1937، تساءل قائدا الحزب، برنام وكارتر، حول توصيف الاتحاد السوفياتي كدولة عمال متحللة. بعد ذلك، خلال 1939_1940، قاد جيمس برنام، إلى جانب ماكس ستشاتشتمان ومارتن ابيرن، توجه الأقلية الذي قاد إلى انقسام الحزب إثر هذا النقاش.

 

[7]النص الرئيسي لتروتسكي (مقالات ورسائل) والذي انخرط عبره في هذا الصراع الجزئي، تم جمعه في إصدارات متعددة تحت عنوان: دفاعا عن الماركسية.

[8]تروتسكي لم يكن مخطئا في مطابقته لمواقف برنام بتلك التي اتخذها بورنو. بعد فترة وجيزة من انقسام حزب العمال الاشتراكيين، نشر برنام كتابا أصبح من أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة: الثورة الإدارية، بكل مواقف برونو ريزي (كان هذا اسمه الحقيقي). وفيما يتصل بهذا الموضوع، قال بيير نافيل: قرأت “الثورة الإدارية”في 1945 ولاحظت مباشرة فكرة ريزي الجوهرية، باستثناء أصالة وعذوبة الفكرة. لذا كتبت سنة 1947: برنام قامة ببساطة بنسخ ريزي.

[9]في 26 أيار عام 1934 قال موسيليني مفاخرا: إن ثلاثة أرباع الاقتصاد الإيطالي، والصناعة والتجارة، بين يدي الدولة. (تروتسكي)

[10]بالنسبة لهذا الموضوع، تروتسكي غير مواقفه. على الأقل حتى العام 1934، اعتبر أن إدراك السمة العمالية للاتحاد السوفياتي كانت شرطا لتشكيل جانب من الرابطة الشيوعية الأممية (السابقة للأممية الرابعة). حول هذا قال في نص السنة ذاتها: علمنا من مصادر مختلفة أن هنالك ميلا لدى أصدقائنا في باريس لإنكار الطبيعة البروليتارية للاتحاد السوفياتي. لدينا قرار رسمي يفيد بوضوح بأن إنكار الهوية البروليتارية للاتحاد السوفياتي يتضارب مع الانتماء للبلاشفة اللينينيين. (تروتسكي، 1934).

يمكن مراجعة الجزء الثالث عشر من خلال الرابط التالي:

انتصار الستالينية أنشأ نمطا جديدا لدولة العمال.. جـ (13)