تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر السوفييتات ومُظاهرة يونيو (حزيران).. جـ 3

0
203

ومن البدهِي أن عمال وجنود العاصمة لم يشتركوا كلهم في المظاهرة. ولم يكن كل المتظاهرين من البلاشفة. ولكن لم يكن أحد منهم يريد الائتلاف. وكان العمال الذين بقوا معادين للبلشفية لا يعرفون بماذا يواجهونا. وقد تحول أعداؤهم فيما بعد إلى حياد متفرج. وسار تحت الشعارات البلشفية عدد لا بأس به من المناشفة والاشتراكيين – الثوريين الذين لم يقطعوا بعد علاقاتهم مع هذين الحزبين، ولكنهم فقدوا الثقة بشعاراتهما.

وأحدثت مظاهرة 18 يونيو (حزيران) انطباعًا هائلاً على المشتركين أنفسهم. ورأت الجماهير أن البلشفية قد أصبحت قوة، وتحوَّل المترددون نحوها. وكشفت المظاهرات التي وقعت في موسكو وكييف وخاركوف وإيكاتيرينوسلاف وعدد من مدن المناطق الأخرى الازدياد الهائل لنفوذ البلاشفة. وفي كل مكان كانت توضع شعارات مماثلة إلى الأمام، وتضرب في قلب نظام فبراير (شباط) ذاته. وكان من الضروري استخلاص استنتاجات من كل هذا. وبدا للجميع أن التوفيقيين لا يملكون مخرجًا آخر. ولكن الهجوم أخرجهم في اللحظة الأخيرة من الحرج الذي وجدوا أنفسهم فيه.

* * *

وبتاريخ 19 يونيو (حزيران) وقعت مظاهرات وطنية تحت قيادة الكاديت تحمل صور كرنسكي. ويقول ميليوكوف: “لم تكن هذه المظاهرات تشبه ما حدث في الشوارع ذاتها بالأمس، وامتزج فيها الإحساس بالنصر مع الإحساس بعدم التصديق” وهذا إحساس شرعي! ولكن التوفيقيين تنفسوا الصعداء من الرضا. وارتفع فكرهم فورًا فوق المظاهرتين اللتين جعل فكرهم منهما تركيبًا ديموقراطيًّا. فما زال أمام هؤلاء الرجال كثير من الأحداث قبل أن يترعوا كأس الأوهام والمهانات حتى النهاية.

فقد التقت في خلال أيام أبريل (نيسان) مظاهرتان إحداهما ثورية والأخرى وطنية وأدَّى الصدام إلى ضحايا. وكانت المظاهرات المعادية في 18 و19 يونيو (حزيران) متتابعة. ولم يقع في هذه المرة صِدام مباشر. ولكن الصدمة غدت أمرًا لا يمكن تجنبه أبدًا. وقد تأجل الصدام لمدة خمسة عشرة يومًا فقط.

واستفاد الفوضويون، الذين لم يعرفوا كيف يبرهنوا على استقلالهم الذاتي من مظاهرة 18 يونيو (حزيران) لمهاجمة سجن فيبورغ. وأطلق سراح الموقوفين الذين كان معظمهم من مجرمي الحق العام دون قتال، لا مِن سجن واحد بل مِن عدة سجون. ومن الطبيعي أن الهجوم لم يكن مفاجأة لإدارة السجون؛ لأنها ذابت تمامًا أمام الفوضويين الحقيقيين أو المدَّعين. ولم يكن لهذه الحادثة الغريبة أية صلة بالمظاهرة، ولكن الصحافة الوطنية جعلتهما واقعة واحدة. فطلب البلاشفة من مؤتمر السوفييتات القيام بتحقيق قاس عن طريقة إطلاق سراح 460 مجرمًا من السجون المختلفة. ومع ذلك لم يكن التوفيقيون ليسمحوا لأنفسهم بمثل هذا البذخ، لأنهم كانوا يخشون أن يكشف التحقيق ممثلي الإدارة العليا أو حلفاءهم في الكتلة. وبالإضافة إلى هذا لم يكن لديهم أية رغبة بإيقاف الافتراءات المجحفة ضد المظاهرة التي نظموها بأنفسهم.

وقرر بيريفيرسيف، الذي أراق ماء وجهه قبل عدة أيام في عملية دارة دورنوفو، الانتقام. فقام بإغارة جديدة على الدارة؛ بحجة البحث عن الموقوفين الفارين. وقاوم الفوضويون الإغارة، وقُتل أحدهم خلال تبادل النيران، ونُهبت الدارة. وقرع عمال دائرة فيبورغ -الذين كانوا يعتبرون الدارة ملكًا لهم- ناقوس الخطر. وتوقفت عدة مصانع عن العمل. ونقلت إشارة الخطر إلى دوائر أخرى وإلى الثكنات.

وانقضت الأيام الأخيرة من يونيو (حزيران) في غليان مستمر. وكان فوج الرشاشات مستعدًا للعمل فورًا ضد الحكومة المؤقتة. وقام عمال المصانع المضربين بجولة في الأفواج، ودعوها إلى النزول إلى الشوارع. وقام فلاحون ملتحون، معظمهم من الشيب يرتدون معاطف الجنود، وشكَّلوا مواكب احتجاج أخذت تطوف الشوارع، وكانوا رجالاً يبلغون من العمر أربعين عامًا يطالبون بتصاريح لأعمال الحقول. وقام البلاشفة بالتحريض ضد أي خروج إلى الشوارع؛ فقد قالت مظاهرة 18 يونيو (حزيران) كل ما يمكن أن يقال. والقيام بمظاهرة أخرى لا يكفي للحصول على تغييرات. ولكن ساعة الانتفاضة لم تدق بعد. وبتاريخ 22 يونيو (حزيران) طبع البلاشفة منشورًا موجهًا إلى الموقع، قالوا فيه: “لا تصدقوا أي نداء يدعو إلى التظاهر يصدر باسم التنظيم العسكري”. ووصل المندوبون من الجبهة، وقدموا الشكاوى بصدد أعمال العنف والعقوبات. وألقت التهديدات المتكررة بحل بعض القطعات الزيت فوق النار. وقال بيان البلاشفة في اللجنة التنفيذية ما يلي: “إن الجنود ينامون في كثير من الأفواج وسلاحهم بأيديهم”.

وأثارت المظاهرات الوطنية، التي كانت مسلحة في الغالب، صِدامات في الشارع. وكانت تشكل شرارات تفريغ صغيرة لكهرباء متراكمة. ولم تكن أية جهة من الجهات تستعد للهجوم بصورة مباشرة؛ فالرجعية ضعيفة جدًا. ولم تكن الثورة واثقة بعد كل الثقة بقواها. ولكن شوارع المدينة بدت مفروشة بالمتفجرات. وكان النزاع في الهواء. وكانت الصحافة البلشفية تفسر وتعدل. ويخون الصحافة الوطنية قلقها فتشن حملة جامحة ضد البلاشفة. وكتب لينين بتاريخ 25 يونيو (حزيران) ما يلي: “إن عويل الغضب والسخط الذي يدوي من كل الأنحاء ضد البلاشفة يعبر عن الأنين المشترك للكاديت والاشتراكيين – الثوريين والمناشفة لضعفهم الخاص. إنهم الأكثرية، وهم في السلطة، ويشكلون معًا كتلة واحدة، ويرون أنه لا شيء يعمل على نجاحهم! فلماذا لا يصبون جام غضبهم على البلاشفة؟”.

الهوامش