إلى الأبد وفقاً للدستور

0
177

فيكتوريوس بيان شمس

تعدّ المواد الدستورية المتعلّقة بفترة حكم رئيس الجمهورية في الدول العربية، المواد الأكثر عرضة للإنتهاك من قبل معظم الأنظمة الشمولية. تغيير هذه المواد بحسب مقاس الحاكم سهل في ظل سيطرة السلطة التنفيذية المطلقة على كل مؤسسات الدولة، كالبرلمانات والقضاء ووسائل الإعلام وغيرها، وبحماية أجهزة مخابرات التي لا تتوانى عن التدخل في كل شاردة وواردة، وقمع أي احتجاج في حال وقوعه بشكل وحشي. وبغياب أي برامج واضحة للحكم على كل المستويات، سواء الإقتصادية، أو السياسية، أو التعليمية، أو الإجتماعية.. إلخ، باستثناء بند واحد، هو “مكافحة الإرهاب”، وحماية البلاد من أي تدخل خارجي. يتزامن ذلك مع انحدار وتردٍّ حاد للأوضاع المعيشية لشعوب هذه البلدان مترافق مع انعدام لحرية التنظيم والتعبير وفقر غير مسبوق وجهل وتخلّف، بل وانعدام للأمن أيضاً، وانتشار للرشوة والهدر والفساد والمحسوبيات، في بلدان تمتلك ثروات هائلة، سواء كانت نفطاً وثروات باطنية، أو مواقع أثرية، أو طاقات شابة يدفعها البؤس والبطالة واليأس وانعدام الأمان للبحث عن فرص أفضل خارج بلدانها.
بعد ما بات يعرف بـ “ثورات الربيع العربي”، تجرّأت الشعوب على قول “لا” محطمة بذلك جدران الرعب. لكن ضريبة الدم كانت كبيرة جداً، تفوق ما دفعته هذه الشعوب في نضالها على امتداد تاريخها ضد الإحتلالات الخارجية التي مرّت على بلدانها، وهو ما أفرز مصطلح جديد بات يعرف بـ “الإحتلال الداخلي”.
في سوريا، وبعد وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد في حزيران من العام 2000، أوعزت أجهزة المخابرات لمجلس الشعب للإنعقاد وتغيير المادة الدستورية رقم (83) المتعلّقة بعمر رئيس الجمهورية، والتي كانت تحدده قبل التعديل بـ (40) عاماً، ليصبح (34) عاماً، هو عمر بشار الأسد بالضبط آنذاك. هكذا تم توريث رئاسة الجمهورية في سوريا من الأب إلى ابنه. لا يحدد الدستور السوري بتعديلاته الحديثة التي أجراها بشار الأسد في العام 2012 ووالده حافظ الأسد في العام 1973 عدد الفترات الرئاسية، وهو ما سمح للوالد بالحكم حتى وفاته في العام 2000، وسمح لابنه بالإستمرار منذ ذلك التاريخ إلى اليوم. هذين التعديلين، هما الوحيدين في تاريخ سوريا اللذين لم تقرهما جمعية منتخبة، بل تم تكليف لجان مهمتها تعيدل الدستور، ثم يعرض للإستفتاء الشعبي تحت إشراف أجهزة المخابرات، ويقرّ لمباشرة العمل به.
منذ العام 2018، وفي ظاهرة مخالفة للأعراف الدستورية التي تقتضي انتخاب جمعية عامة مهمتها إعادة صياغة الدستور أو كتابته أو إجراء تعديلات جوهرية عليه، بدأت روسيا وتركيا وايران (وهي كلها دول متورّطة في الأزمة السورية) بالتعاون مع الأمم المتحدة ببحث إمكانية تأسيس لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد. وقد كانت روسيا قد قدمت مسودة اقتراح في العام 2017 لتعديل (23) مادّة من دستور 2012، مبقية الفقرة المتعلّقة بمدة ولاية رئيس الجمهورية، وعدد الفترات المسموح له الترشح لها على حالها. فسّر مؤيّدي النظام السوري ذلك، أن بإمكان بشار الأسد البقاء في سدّة السلطة حتى العام 2028 على أقل تقدير. مع أن الأزمة منذ البدء لم تكن حول الدستور الذي لم يحترم أي بند فيه، خاصة ما يتعلّق بحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، بل مع النظام برمّته كنظام أمني مخابراتي قمعي استبدادي.
وفي مثال آخر، فإن الحالة المصرية ليست أفضل، إذ عملت إدارة المخابرات العامة تحت إشراف محمود السيسي نجل الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي على إعداد مسودة دستور ستقدّم إلى البرلمان لإقرارها في شهر آذار الجاري. في المسودة الجديدة، سيتم تغيير المادة (140) والتي تحدد فترة حكم رئيس الجمهورية بأربع سنوات، وبفترتين رئاسيتين فقط. لتصبح بعد التعديل، ست سنوات لكل ولاية، وهو ما يعني أن عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة بعد انقلابه العسكري في العام 2013، وأعيد انتخابه للمرة الثانية في حزيران 2018، سيستمر في منصبه حتى العام 2034. يذكر أن حجم الدين العام المصري ارتفع في عهد السيسي إلى 123,6% حتى العام 2018، بينما كان قبل وصوله مباشرة 100,7%. وقد ارتفعت أعداد الفقراء المصريين بحسب آخر إحصاء لهيئة الأمم المتحدة في العام 2018 إلى (30) مليوناً من أصل 100 مليون هم عدد سكان مصر الإجمالي، بينما هنالك 3,5 مليون عاطل عن العمل، إضافة إلى تضخم وصل إلى 8,3% بحسب البنك المركزي المصري حتى أوائل العام 2019.
في الجزائر، نصّت المادة الدستورية (74) بعد تعديلها في العام 2008 على أن مدة ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات، مع امكانية تجديدها. أي أن بإمكان الرئيس البقاء في السلطة إلى الأبد. وهو ما حدث مع الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة (82 عاماً)، والذي وصل إلى السلطة في العام 1998 بدعم المؤسسة العسكرية، ليحكم أربع فترات متتالية، ويترشّح للفترة الخامسة في انتخابات نيسان 2019. ومع أن ليس هنالك مخالفة دستورية في عملية ترشيحه، خاصة فيما يتعلّق بالمدد والفترات، إلا أن المادة (88) من دستور الجزائر تنص على أنه” إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، وبعد أن يتثبت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع”. ومن المعروف، أن بوتفليقة، ومنذ إصابته بجلطة دماغية في العام 2013 يستخدم كرسياً متحركاً، وتنوب عنه صورته في كل المناسبات واللقاءات والإجتماعات الرسمية التي تستدعي حضور رئيس الجمهورية، أي أن الرجل لم يعد قادراً على ممارسة مهامه، وأنه بموجب المادة (88) يجب أن يُنحّى من منصبه. هذا ما دفع الشعب الجزائري للنزول إلى الشوارع عند إعلان الرئيس بو تفليقة نيّته الترشّح لولاية خامسة.
بحسب “البنك الدولي” يعيش حوالي ربع الشعب الجزائري تحت خط الفقر بدخل يومي لا يتجاوز 1,5 دولار أميركي، بينما تنتج بلادهم قرابة مليوني برميل نفط يومياً، وحوالي أربعة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال.
في العام 2018، ومع اقتراب ولاية الرئيس الحالي للسودان عمر حسن البشير، والذي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري في العام 1989 من الإنتهاء (تنتهي ولايته في العام 2020)، طالب نواب برلمانيون سودانيون بتغيير دستور العام 2005. تنص المادة (57) من الدستور على أن فترة حكم رئيس الجمهورية هي خمس سنوات، يمكن تجديدها مرة واحدة. ليصبح من حق الرئيس الترشّح بشكل دائم. عرفت فترة حكم البشير الكثير من الصراعات، فبالإضافة إلى الحرب الأهلية التي خاضها مع فصائل الجنوب ما بين عامي 1983 و 2005، والتي انتهت بانفصال الجنوب الغني بموارده الطبيعية. خاض حرباً أخرى في العام 2003 ضد قبائل دارفور. اتهمته “محكمة العدل الدولية” على اثرها بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.
في كانون الأول 2018، قام البشير بزيارة للرئيس السوري بشار الأسد في إطار تطبيع العلاقات الرسمية العربية مع النظام السوري، وما ان عاد البشير إلى الخرطوم، حتى انطلقت المظاهرات الشعبية المطالبة بإسقاطه. في 22 شباط 2019، ساد اعتقاد في الشارع السوداني أن البشير سيعلن في خطابه المقرّر عن قرارات جوهرية هامة، لكنه وعلى غرار خطاب بشار الأسد في آذار 2011، قرّر استكمال مواجهة شعبه، فأعلن حالة الطوارئ بالبلاد لمدة عام كامل، وحلّ الحكومة، وأنه سيقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأنه سيستمر في رئاسة السودان مع أنه الطرف الرئيسي في المأزق القائم. إعلان حالة الطوارئ يعني وقف العمل بأحكام القضاء، واللجوء إلى الأحكام العرفية، وهو ما يعني أن السودان دخل نفقاً جديداً، قد ينتهي بكارثة أخرى في ظل ارتفاع مؤشّرات العجز والبطالة والتضخم الذي وصل إلى حدود (68,6%)، ونِسَب الفقر التي وصلت لحدود (28%) بحسب “الجهاز المركزي السوداني للإحصاء”. ينتج السودان حوالي (100,000) برميل نفط يومياً، وما يفوق (75)  طناً من الذهب سنوياً، ويتمتع بثروات زراعية وحيوانية وسياحية هائلة.
يجب الإشارة في هذا المقام، إلى أن الرئيس الموريتاني الحالي الجنرال محمد ولد عبد العزيز، والذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري في العام 2009، أعلن أوائل عام 2019 رفضه مقترحاً من بعض نواب البرلمان الموالين له بتغيير الدستور ليتمكن من الإستمرار في حكم البلاد، وهي سابقة لم تحدث من قبل في العالم العربي.
تعديل الدساتير وتفصيلها على مقاس الحاكم في دول العالم الثالث عامة، والعالم العربي خاصة، المحكومة بأنظمة استبدادية شمولية، تكاد تكون المسألة الوحيدة المعمول بها في ظل حكم قوانين الطوارئ تحت إشراف الجيوش وأجهزة المخابرات. فيما تُنحّى جانباً المبادئ الأساسية المدبجة في مقدمات أغلب الدساتير، والمتعلّقة بحقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير.
إلى أن يتغيّر الحال بأفضل منه، سيبقى شعار الحاكم العربي: أنا أو لاأحد.

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”