تاريخ الثورة الروسية: الإستنتاج

0
333

لقد حاولنا في الصفحات الأولى من هذا المُؤَلَّف إبراز كَم كانت أسس ثورة أكتوبر (تشرين الأول) عميقة في العلاقات الاجتماعية الروسية. ويتميز تحليلنا، بأنه لن يُهيأ أبدًا بعد الثورة اعتمادًا على ما وقع من أحداث، بل أنه أُعطي، على العكس، قبل الثورة، وقبل التمهيد لها، هذا التمهيد الذي تم في عام 1905.

وقد حاولنا في الصفحات التي تلت فيما بعد اكتشاف كيفية ظهور القوى الاجتماعية في روسيا خلال أحداث الثورة. وسجلنا نشاط الأحزاب السياسية في علاقتها المتبادلة مع الطبقات. ومن الممكن وضع تعاطف المؤلف ونفوره جانبًا. ويحق لنا أن نعترف بموضوعية العرض التاريخي؛ إذ أعاد الارتباط الداخلي للأحداث على أساس التطور الحقيقي للعلاقات الاجتماعية، عندما يستند إلى وقائع مقررة بصورة صحيحة. وعندما ينكشف مبرر وجود التطور فإن هذا التطور في حد ذاته أفضل تحقق لموضوعية العرض.

وقد أكدت أحداث ثورة فبراير (شباط) التي سردناها للقارئ الداء النظري، هذا الداء الذي كان نصفه حتى الآن على الأقل، هو ما يلي: كانت كل الاحتمالات البديلة الأخرى للتطور السياسي خاضعة لتجربة الحياة، ومرفوضة كحلول غير قابلة للتطبيق قبل أن تصل البروليتاريا إلى السلطة.

لقد أدت حكومة البرجوازية الليبرالية، مع كرنسكي رهينتها الديمقراطية إلى فشل تام. وكانت “أيام أبريل (نيسان)” أول إنذار أعطته ثورة أكتوبر (تشرين الأول) بصورة صريحة إلى ثورة فبراير (شباط). وحل محل الحكومة المؤقتة بعد هذا ائتلاف كان عقمه يظهر في كل يوم من وجوده. ثم كانت مظاهرة يونيو (حزيران)، التي حددتها تاريخها وقيامها اللجنة التنفيذية، بمبادرتها الخاصة، مع أنها لم تحددها -والحق يقال- طوعًا، وحاولت ثورة فبراير (شباط) في هذه المظاهرة قياس قوتها بالمقارنة مع قوات ثورة أكتوبر (تشرين الأول) فتعرضت لهزيمة قاسية. وكانت حتمية الهزيمة أقوى لأن المظاهرة تمت على أرض بتروغراد وأنزلها نفس العمال والجنود الذين حققوا انتفاضة فبراير (شباط) مؤيدة بحماس كل ما تبقى من البلاد. وأبرزت مظاهرة يونيو (حزيران) أن عمال بتروغراد وجنودها يتجهون نحو ثورة ثانية، كتبت أهدافها على أعلامها. وكانت الدلائل التي لا تحتمل النقض تبرهن على أن كل باقي البلاد –رغم أن ذلك تم مع بعض التأخير المحتوم– تقف إلى جانب خط بتروغراد. وهكذا استُنزفت ثورة فبراير (شباط) من الناحية السياسية في حوالي نهاية الشهر الرابع. وخسر التوفيقيون ثقة العمال والجنود. وأصبح النزاع بين الأحزاب المسيطرة على السوفييتات والجماهير السوفييتية أمرًا محتمًا بعد ذلك. وبعد استعراض 18 يونيو (حزيران) الذي كان تحققًا سلميًّا لعلاقات القوى بين الثورتين، اتخذ الصراع طابع عنف معلن لا يقاوم.

وهكذا جاءت “أيام يوليو (تموز)”. وخرج نفس العمال والجنود إلى الشارع بعد خمسة عشر يومًا من المظاهرة المنظمة من القمة، ولكنهم خرجوا في هذه المرة بمبادرتهم الخاصة، وطالبوا اللجنة التنفيذية المركزية باستلام السلطة. ورفض التوفيقيون ذلك صراحة. وأدَّت أيام يوليو (تموز) إلى صدامات في الشوارع، كان ثمنها وقوع بعض الضحايا. وانتهت هذه الأيام بسحق البلاشفة الذين ألقيت على عاتقهم مسئولية عجز نظام فبراير (شباط). وبُدِئ بتنفيذ الاقتراح الذي تقدم به تسيريتلي بتاريخ 17 يونيو (حزيران) والذي طلب فيه اعتبار البلاشفة خارجين على القانون، وطلب بنزع سلاحهم –الاقتراح الذي رفض آنئذٍ-. ومُنعت الصحف البلشفية. وشُتت القوات العسكرية للبلاشفة. وسُحب من العمال سلاحهم. واتهم زعماء الحزب بأنهم مرتزقة يعملون لصالح هيئة الأركان الألمانية. واضطر بعضهم إلى الاختفاء، على حين سُجن البعض الآخر.

وقد ظهر عجز الديمقراطية شاملاً وتامًا في “الانتصار” الذي حققه التوفيقيون على البلاشفة في يوليو (تموز). واضطر الديموقراطيون إلى زج قطعات مضادة للثورة بصورة واضحة ضد العمال والجنود، ولم تكن هذه القطعات معادية للبلاشفة فحسب، بل معادية للسوفيتات أيضًا؛ إذ لم تكن اللجنة التنفيذية تملك قطعات خاصة بها.

واستخلص الليبراليون من هذه الأحداث درسًا صحيحًا صاغه ميليوكوف وحوله إلى الاختيار التالي؛ كورنيلوف أم لينين؟ وكانت الثورة بالفعل لا تترك مكانًا لمملكة الوسط الصحيح. وقالت الثورة المضادة لنفسها: ينبغي أن يتم الاختيار في الوقت الحاضر، فإذا لم يتم في هذا الوقت فلن يتم أبدًا. وقام كورنيلوف القائد العام للقوات المسلحة بعصيان ضد الثورة تحت ستار القيام بحملة ضد البلاشفة. كما تسترت في الوقت ذاته كل أنواع المعارضة الشرعية، قبل الانتفاضة، بستار الوطنية، متعللة بمطالب المعركة ضد الألمان، كذلك كانت كل أنواع الثورة المضادة الشرعية، بعد الانتفاضة، تتعلل بمطالب المعركة لمحاربة البلاشفة. وكان كورنيلوف مدعومًا من قبل الطبقات المالكة وحزبها، وهو حزب الكاديت. وهذا لم يمنع –بل ساعد على العكس– القطعات التي قادها كورنيلوف للزحف على بتروغراد من أن تُهزم دون قتال، وأن تستسلم قبل أي اشتباك، وأن تتبخر كقطرة ماء فوق الحديد الساخن لمدفأة. وهكذا تمت تجربة انتفاضة يمينية أيضًا، وبواسطة شخص كان على رأس قيادة الجيش. وتم التحقق من علاقات القوى بين الطبقات المالكة والشعب بصورة عملية. ولما طرح الاختيار التالي؛ كورنيلوف أم لينين، سقط كورنيلوف كثمرة فاسدة، مع أن لينين كان مضطرًا آنذاك إلى الاختفاء في ملجأ عميق.

فما هو الاحتمال البديل الذي لم يستخدم ولم يجرب، ولم يتم التحقق منه، والذي بقي بعد كل هذا؟ لم يبق سوى احتمال البلشفية. والواقع، أن الجماهير استدارت بصخب وبصورة نهائية إلى البلاشفة بعد محاولة كورنيلوف وهزيمته الشنعاء. واقتربت ثورة أكتوبر (تشرين الأول) حتى أصبحت ضرورة طبيعية. وتمت انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) في العاصمة دون سفك للدماء بصورة فعلية، خلافًا لانتفاضة فبراير (شباط) التي قيل عنها: إنها انتفاضة بيضاء، مع أنها كلفت كثيرًا من الضحايا في بتروغراد. ألا يحق لنا بعد كل هذا أن نتساءل عن الدلائل التي يمكن إعطاؤها أيضًا عن المبرر العميق لوجود ثورة أكتوبر (تشرين الأول)؟ أو ليس من الواضح أن هذه الثورة لا يمكن أن تبدو ثمرة مغامرة أو نتيجة ديماغوجية إلا بالنسبة لمن ضربتهم في أكثر نقاطهم حساسية؛ في جيوبهم؟ إن المعركة الدموية لم تبدأ إلا بعد استيلاء السوفييتات البلشفية على السلطة، عندما بذلت الطبقات المنهارة، بدعم مادي من حكومات دول الحلفاء، جهودًا يائسة لاستعادة ما خسرته. وبدأت عندئذ سنوات الحرب الأهلية. وتشكَّل الجيش الأحمر. ووضعت البلاد الجائعة في ظل نظام شيوعية الحرب، وتحولت إلى معسكر إسبارطي. وشقت ثورة أكتوبر (تشرين الأول) طريقها خطوة أثر خطوة، ودحرت كل أعدائها، واهتمت بحل مشكلاتها الاقتصادية، وضمدت أخطر جراحاتها في الحرب الإمبريالية والحرب الأهلية، وتوصلت إلى أعظم النجاحات في مجال التطور الصناعي. وانبعثت أمامها مع ذلك صعوبات جديدة ناجمة عن انعزالها في محيط مؤلف من دول رأسمالية قوية. لقد جلب الوضع المتخلف للتطور البروليتاريا الروسية إلى السلطة، ثم ما لبث هذا الوضع أن طرح أمامها معضلات خطيرة صعبة لا يمكن حلها حلاً تامًا ضمن إطار دولة منعزلة. وهكذا كان مصير هذه الدول مرتبطًا تمام الارتباط بالسير اللاحق للتاريخ العالمي.

ويظهر هذا الجزء الأول، المكرس لثورة فبراير (شباط) كيف ولماذا كان من الواجب أن تتحول هذه الثورة إلى العدم. وسيكشف الجزء الثاني كيف انتصرت ثورة أكتوبر (تشرين الأول).

لقراءة الجزء السابق يرجى الرجوع للرابط التالي:

 

تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر السوفييتات ومُظاهرة يونيو (حزيران).. جـ 3